المقومات الشخصية لمعلم القرآن الكريمالجزء 1 · ص 60 - 8

القدرة على إدارة الحلقة القرآنية

القدرة على إدارة الحلقة القرآنية

8 - القدرة على إدارة الحلقة القرآنية:

إن القدرة على إدارة الحلقة تتمثل في شخصية المدرس المتزنة، المتمكنة من توجيه الطلاب، واتخاذ القرارات المناسبة للظروف الطارئة، مع التحلي بمكارم الأخلاق وجميل السجايا.

ولا شك أن تأهل المدرس العلمي الجيد، ومراعاته للصفات الذاتية في شخصيته من الإخلاص والصدق، والتقوى، وحسن الخلق، والشعور بالمسؤولية، وأداء واجبه بأمانة، ثم مراعاته لمواصفات مهنته التربوية من التدرج في التعليم، ومراعاة الفروق الفردية، والرفق، والصبر. كلها عناصر أكيدة لنجاح إدارته للحلقة القرآنية.

أما إذا سلك سبل الطرق العنجهيَّة كضرب الجدار، أو الطاولة، أو رفع الصوت بطريقة مؤذية، ونحوها من الممارسات الخاطئة، فإن هذا المسلك مؤشر على ضعف شخصيته "ومثل هذا المدرس لا يصلح للعمل في مجال التربية والتعليم، فضلًا عن الحلقات القرآنية؛ لأنه يعيق التلاميذ على الاستمرار في تعلم القرآن الكريم، وحفظه، وفهم آدابه، ومعرفة أحكامه، والعمل بها" (3) .

  • (3) مهارات التدريس في الحلقات القرآنية: 109 - 110.
60

ومما يلتحق بقدرة المدرس على إدارة الحلقة ونجاحه فيها، أن يكون ملمًا بأحوال المجتمع الذي يعيش فيه، وبعادات الناس وتقاليدهم، وأن يكون له بصر بمصادر التوجيه والتأثير في الناس.

كما ينبغي له الاطلاع على طرق التدريس، والدراسات التربوية والبحوث النفسية والاجتماعية التي تتحدث عن الطفل، والمراهق والتغيرات النفسية والجسدية التي يمر بها كل منهما؛ لكي يتمكن من إيصال المعلومة بأفضل أسلوب، وأنجح طريقة (1) .

ويحسن به أن يعتني بأسس العلاقات الاجتماعية، ومهارات فن التعامل مع الآخرين، وأن ينقل مفردات هذه المهارات الاجتماعية من معجم التعلم إلى قاموس التربية العملي.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

  • (1) انظر المدارس والكتاتيب القرآنية: 20.
61

مقدمة

المقدمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، ﷺ تسليمًا كثيرًا. أما بعد:

فيعدُّ المدرس هو الأداة الفاعلة والعنصر الرئيس في نطاق التعليم والتربية، ومعرفة الصفات التي ينبغي أن يتحقق بها ويرتقي إليها، تمكننا من الوقوف على الدور الهام والحساس الذي يمكن له أن يصنعه.

ونجد أن من بواكير الاهتمام بمعلم القرآن الكريم بعث عثمان - رضي الله عنه - قراء مع المصاحف التي أرسلها إلى الأمصار، لتكون المصاحف قدوة لأهل تلك الديار، يأتمون بها في قراءتهم وصلواتهم، وليكون القارئ المبعوث معلمًا لعامة أهل كل مصر القراءة وَفق مصحفهم.

وإن جاز أن تؤخذ بعض العلوم بلا معلِّم، فإن هذا الأمر لا يمكن حصوله أبدًا في تعلّم قراءة القرآن الكريم، لأن تعلمه متوقف على العرض والتلقي والمشافهة والإسناد، فلا بدَّ فيه من معلِّم يرجع إليه.

1

(قيل لأبي حنيفة - رحمه الله - في المسجد حلقة ينظرون في الفقه، فقال: ألهم رأس؟ قالوا: لا، قال: لا يفقه هؤلاء أبدًا!) (1)، هذا مع الفقه فكيف مع القرآن؟!

ويتناول هذا البحث قِوامة معلم القرآن الكريم، وصفاته الذاتية، والعلمية، والتربوية، التي تؤهله للمشاركة بمقومات شخصية تميزه في درب خيرية تعلّم القرآن وتعليمه، دون التطرق لأهداف التعليم القرآني، أو طرائقه، أو أخلاق طلاب الحلق (2) القرآنية، وغيرها من الآداب التي ينبغي توافرها في عملية التعليم.

والصفات التي يتحدث عنها البحث، هي بعض من صفات لازمة، ينبغي تحققها في معلم القرآن الكريم، وهي غير مقصورة على المتصدي للتعليم في الحلقات، بل هي متأكدة في حق كل متعاط لهذه العملية الشريفة، بصورة جماعية، أو فردية.

وذلك أن المعلم هو محور التعليم والدرس والتربية، فمهما وضعت من مناهج متقنة، وهيئت من ظروف ملائمة، ووفرت من وسائل معينة، كل ذلك لا يغني عن الأداة الفاعلة في العملية التعليمية، وهو المدرس الكفء في الموقع المناسب، لأن عناصر التعليم قد تكون في غاية المواصفات المتقنة، لكنها تنحدر وتهبط على يد المدرس غير المؤهل، أو توجَّه من قبله توجيهًا نافرًا، أو تهمل ولا يفاد منها.

  • (1) تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم: 46.
  • (2) كانت تسمى إلى وقت قريب بالكتاتيب، ويطلق عليها في معظم البلدان الإفريقية (خلاوي)، وفي بعض بلدان المغرب (حذقات)، وفي موريتانيا (محاظر) .
2

فلا غرو أن تكون دراسات جادة في تأصيل شخصية المعلم، وبيان دوره الفعَّال.

ولقد حرَص الخلفاء وعلية القوم ووعاة الناس - قديمًا - على اختيار المدرس الناجح لأبنائهم، ونجد - اليوم - في عالم الناس من يحرص على التحاق ولده في المدرسة النموذجية، التي فيها نخبة من المدرسين الأكفاء، لأن ثمرة التعليم وجناه مترتبة على تأهل المدرس بالصفات اللائقة، وأخذه بها في مسيرته المباركة.

إن تأهيل المدرس بالمقومات التي تصل به إلى المستوى المناسب من إقامة الدين - وهو أحد حملته ونقلته - فالطلاب عيونهم مفتوحة على هذا الموجه، فيحسِّنون ما حسَّن، ويعيبون ما قبَّح، وقد يتأثر التلميذ - أحيانًا - بمدرِّسه أكثر مما يتأثر بوالده، والطبع - كما يقال - سرَّاق؛ لذلك ربط بعض السلف بين العلم والدين، وكانوا يتعلمون من معلميهم - أيضًا - الدلَّ والسمت والخلق.

ويسهم هذا البحث إسهامًا متواضعًا في بيان بعض الصفات الأساسية لمعلِّم القرآن الكريم، ويشير إلى وسائل مفيدة - أيضًا - لمدرس القراءات القرآنية من باب التتميم والإفادة.

3

تمهيد

1 - فضل تعلم القرآن وتعليمه، وعناية السلف به:

إن الاشتغال بكتاب الله العظيم حفظًا، وفهمًا، وعملًا، وتعليمًا من أفضل القربات وأزكاها عند الله، وقد بُعث النبي ﷺ رسولًا يتلو آيات الله، معلمًا ومزكيًا لنفوس الصحب الكرام، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (الجمعة: 2) .

وحث عليه الصلاة والسلام على الوصاة بكتاب الله (1)، وقال: (خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه) (2) .

قال أبو عبد الرحمن السلمي - راوي الحديث عن عثمان رضي الله عنه: (فذلك الذي أقعدني مقعدي هذا)، فكان يعلِّم من خلافة عثمان إلى إمرة الحجاج (3) .

  • (1) كما في حديث طلحة بن مصرِّف قال: (سألت عبد الله بن أبي أوفى أوصى النبي ﷺ؟ فقال: لا، فقلت: كيف كتب على الناس الوصية، أُمروا بها ولم يوص؟، قال: أوصى بكتاب الله) رواه البخاري
  • (5022) (فتح الباري: 8 / 685) .
  • (2) رواه البخاري
  • (5027) (الفتح: 8 / 692)، وأبو داود
  • (1452) سنن أبي داود: 2 / 147، والترمذي (تحفة الأحوذي: 8 / 222) والنسائي في فضائل القرآن: 87، وغيرهم.
  • (3) أخلاق حملة القرآن للآجري: 19. ويرى ابن كثير أن مدة تعليمه القرآن استمرت سبعين سنة، وذهب ابن الجزري إلى أنها أكثر من أربعين سنة. انظر فضائل القرآن لابن كثير: 64، والنشر في القراءات العشر: 1 / 3. وقال الحافظ ابن حجر: (بين أول خلافة عثمان وآخر ولاية الحجاج اثنتان وسبعون سنة إلا ثلاثة
    أشهر، وبين آخر خلافة عثمان وأول ولاية الحجاج العراق ثمان وثلاثون سنة، ولم أقف على تعيين ابتداء إقراء أبي عبد الرحمن وآخره، فالله أعلم بمقدار ذلك) . فتح الباري: 8 / 695.
4

وعن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال: خرج رسول الله ﷺ ونحن في الصفة، فقال: "أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان (1)، أو إلى العقيق (2)، فيأتي منه بناقتين كوماوين (3)، في غير إثم ولا قطع رحم؟ "، فقلنا: يا رسول الله نحب ذلك، قال: "أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله عز وجل خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل" (4) .

ومما يدل على حرص السلف على تعلم القرآن وعنايتهم به ما ذكره أبو هريرة - رضي الله عنه - لما وكله النبي ﷺ بحفظ زكاة الفطر، وسرقة الشيطان منها ثلاث ليال، من قول الشيطان له: (دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها) يقصد آية الكرسي، قال الراوي:

(وكانوا أحرص شيء على الخير) (5) .

وعن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - قال: (كان رسول الله ﷺ يُشغَل، فإذا قدم رجل مهاجر على رسول الله ﷺ دفعه إلى رجل منا يعلمه القرآن) (6) .

  • (1) من أودية المدينة الرئيسة، يسيل من جنوبها، ويلتقي مع وادي العقيق شمالًا. انظر المعالم الأثيرة في السنة والسيرة: 49 - 50.
  • (2) أشهر أودية المدينة الشريفة، وهو واد مبارك.
  • (3) الناقة الكوماء: مشرفة السنام عاليته، (النهاية لابن الأثير: 4 / 211) .
  • (4) رواه مسلم
  • (803) صحيح مسلم: 1 / 552 - 553.
  • (5) فتح الباري: 4 / 568.
  • (6) رواه أحمد (الفتح الرباني: 18 / 9) .
5

قال أبو الفضل الرازي: (وعلى الحفظ والتحفظ (1) كان الصدر الأول ومن بعدهم، فربما قرأ الأكبر منهم على الأصغر سنًا وسابقة، فلم يكن الفقهاء منهم، ولا المحدِّثون، والوعَّاظ يتخلفون عن حفظ القرآن والاجتهاد على استظهاره، ولا المقرَّبون منهم عن العلم بما لم يسعهم جهله منه) (2) .

2 - نشأة التخصص في الإقراء:

ظهر التخصص في القراءة من عصر النبوة، بقوله صلى الله عيه وسلم: "استقرئوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب" (3)، وقال عن أبي رضي الله عنه: (أقرؤهم أبي بن كعب) (4)، وقال عمر: (أقضانا علي، وأقرؤنا أبي) (5) .

وبعث النبي ﷺ إلى رِعل وذكوان وعصية وبني لحيان سبعين رجلًا من الأنصار، قال أنس - رضي الله عنه - (كنا نسميهم القراء في زمانهم) (6) .

  • (1) وهو بذل الجهد في حفظ القرآن، طائفة بعد طائفة.
  • (2) فضائل القرآن وتلاوته وخصائص تلاته وحملته: 33.
  • (3) رواه البخاري
  • (3758) (الفتح: 7 / 127)، والحاكم في المستدرك: 3 / 225، وصححه ووافقه
    الذهبي، وغيرهما.
  • (4) رواه الترمذي (تحفة الأحوذي: 10 / 294)، وابن ماجه
  • (154) في السنن: 1 / 55.
  • (5) رواه البخاري
  • (4481) (الفتح: 8 / 17)، وأحمد في المسند: 5 / 113.
  • (6) رواه البخاري
  • (4090) (الفتح: 7 / 445) .
6

قال الحافظ ابن حجر: (قد بيَّن قتادة في روايته (أي عن أنس) أنهم كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل، وفي رواية ثابت: ويشترون به الطعام لأهل الصفة، ويتدارسون القرآن بالليل ويتعلمون) (1) .

وكان أخذ الصحابة القرآن الكريم من النبي ﷺ على طبقتين:

أ - طبقة أخذت عنه مباشرة كابن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وأُبيّ، وزيد، وغيرهم من المكثرين.

ب - طبقة أخذت عن الصحابة كابن عباس، وعبد الله بن السائب، وغيرهم من صغار الصحابة رضي الله عن الجميع.

ومضى الأمر في المئة الأولى الهجرية على أن عامة الناس يقرؤون بما في المصاحف الموجهة إليهم، وَفق ما أقرأهم الصحابة والتابعون.

ثم اشتهر بعد ذلك طائفة من القراء تجردوا للقراءة، واعتنوا بضبطها أتم عناية، وداوموا عليها فنسبت لهم، وأضيفت إليهم، قال الداني: (وهذه الإضافة إضافة اختيار ودوام ولزوم، لا إضافة اختراع ورأي واجتهاد) (2) .

ثم كان عمل أبي بكر أحمد بن موسى المعروف بابن مجاهد البغدادي

(ت: 324 هـ)، معلمًا بارزًا في تاريخ الإقراء، إذ انتخب قراءة سبعة من قراء الأمصار - وهي مكة والمدينة، والكوفة والبصرة، والشام - وهي

  • (1) فتح الباري: 7 / 447.
  • (2) مقدمة (جامع البيان في القراءات السبع): 61، ونحوه في النشر لابن الجزري: 1 / 52.
7

الأمصار التي خرج منها علم النبوة من القرآن وتفسيره، والحديث، والفقه كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (1) .

وقد استقلت بعض البلدان بكتب خاصة في علم القراءة، فبعد المائة الخامسة الهجرية، اشتهرت الشاطبية في الشام، واشتهر كتاب (العنوان في القراءات السبع) لأبي طاهر إسماعيل بن خلف الأنصاري (ت: 455 هـ)، بمصر، وانتشر كتاب (الإرشاد) للقلانسي (ت: 521 هـ) في العراق، ونظمه كثير من أهل بغداد وواسط (2) .

ويظهر أن أهل المغرب والأندلس لم يعتنوا إلا بالقراءات السبع تأليفًا، وتعليمًا.

وتنوع مستوى حلقات تعليم القرآن على مر العصور، فمنها ما كان خاصًا بتعليم أولاد الخلفاء والأمراء، والخاصة (3) .

ومنها ما كان خاصًا بتعليم عموم الصبيان (4) .

ومنها حلق جمعت بين أصناف المتعلمين من فقهاء، ومتأدبين من أهل التجارة (5) .

  • (1) انظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: 13 / 390.
  • (2) انظر منجد المقرئين ومرشد الطالبين: 178.
  • (3) ،
  • (3) انظر القراءات القرآنية في بلاد الشام: 18، 23.
  • (4) انظر منجد المقرئين: 62 - 63.
8