المقومات الشخصية لمعلم القرآن الكريمالجزء 1 · ص 53 - 60

الصبر على المتعلِّم

الصبر على المتعلِّم

5 - الصبر على المتعلِّم:

إن خلق الصبر من الأخلاق العظيمة التي من تحلّى بها نال العلا، وقد تردد ذكره في القرآن العظيم أكثر من مائة مرة، مما يدل على أهميته، وعظم التذكير به.

وقال عنه ﷺ: "والصبر ضياء" (1)، والضياء هو النور الذي يحصل فيه نوع حرارة وإحراق كضياء الشمس، بخلاف القمر فإنه نور خالص لا حرارة فيه، ولما كان الصبر شاقًا على النفوس، يحتاج إلى مجاهدة النفس وحبسها، وكفها عما تهواه، كان ضياء (2) .

  • (1) رواه مسلم
  • (223) في الصحيح: 1 / 203، وأحمد: 5 / 342، والنسائي
  • (2437) في السنن:
    5 / 5 - 6، وغيرهم.
  • (2) انظر جامع العلوم والحكم: 2 / 24، 25.
53

فمدرس القرآن يحتاج له دائمًا، فهو يصبر على نفسه ويجاهدها، ويصبر على الجلوس الطويل للتعليم والقراءة، ويصبر في شرحه وتوضيحه للمتعلمين، ويصبر على أخلاق الطلاب وما يصدر عنهم - أحيانًا - من نقائص.

قال النووي - رحمه الله -: "وينبغي أن يحنو على الطالب، ويعتني بمصالحه كاعتنائه بمصالح نفسه ومصالح ولده، ويجري المتعلِّم مجرى ولده في الشفقة عليه، والاهتمام بمصالحه، والصبر على جفائه، وسوء أدبه، ويعذره في قلة أدبه في بعض الأحيان؛ فإن الإنسان معرض للنقائص، لا سيما إن كان صغير السن" (1) .

ويعتبر معلم القرآن من الهداة إلى الله الممسِّكين بكتابه، فهو من أئمة الدين الذين يحتاجون للصبر المستمر، واليقين، وهما ركنا الإمامة، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة: 24) .

ومما يؤكد ضرورة الصبر على المتعلمين في الحلقات القرآنية في هذا العصر أكثر من أي وقت مضى، ما أفرزه التقدم المعرفي، والتقني، وانتشار وسائل الاتصال التي جعلت العالم كقرية واحدة، فأدى ذلك إلى اتساع ثقافة التلاميذ، وزيادة حجم التناقض السلوكي عند الجماعات المرجعية للمتعلم، كل هذا أوجد عنده مشكلات وسلوكيات متنوعة غير التي كانت بالأمس. وهذا يتطلب جهدًا من المعلم في الحلقات القرآنية، ويحتاج إلى الحلم، والصبر، والتدرج؛ لينجح في معالجة تلك المشكلات، ويغرس في نفوسهم الأخلاق

  • (1) التبيان: 31.
54

الحسنة، ويحقق أهداف الحلقات التربوية، وبدون هذا الخلق قد يتسرب التلاميذ من الحلقات، فلا يعودون إليها؛ لأن المعلم إذا لم يحلم ويصبر كان ما يفسد أكثر مما يصلح (1) .

  • (1) مهارات التدريس في الحلقات القرآنية: 75 - 76.
55

استخدام الوسائل التوضيحية

6 - استخدام الوسائل التوضيحية:

يعتبر استخدام الأساليب الموضحة والشارحة من أساليب التربية الشيقة والمؤثرة، وهو أسلوب نبوي كريم، استخدمه النبي ﷺ بعدة أشكال، فكان يوضح المعاني التي يريد بيانها بالرسم على الأرض والتراب، أو بالتشبيه وضرب الأمثال، أو بالجمع بين القول والإشارة في التعليم.

فمن ذلك: ما رواه عبد الله بن مسعود قال: كنا جلوسًا عند النبي ﷺ فقرأ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ...﴾ (الأنعام: 153)، فخط خطًا، فقال: "هذا الصراط"، ثم خط حوله خططًا، فقال: "وهذه السبل، فما منها سبيل إلا وعليه شيطان يدعو إليه" (2) .

  • (1) مهارات التدريس في الحلقات القرآنية: 75 - 76.
  • (2) رواه الآجري في الشريعة: 1 / 290 - 291، والحاكم في المستدرك: 2 / 318، وبنحوه الإمام أحمد في المسند: 3 / 397، وابن ماجه في مقدمة السنن: 1 / 6، كلاهما عن جابر.
55

وقد نبه علماء التربية الأوائل على هذا الأسلوب، فقال ابن جماعة: (ويبدأ بتصوير المسائل، ثم يوضحها بالأمثلة) (1)، وهو أسلوب توظيفي؛ لتقرير المعلومة وتأكيدها.

وللوسائل التعليمية فوائد عديدة، فهي تثير تفكير المستمع، وترهف الحواس، وتبعث روح النشاط؛ إذ تكسر الطريقة الرتيبة في الإلقاء، وتربي في المتعلم دقة الملاحظة والتأمل وحصر الانتباه، وتساعد على تثبيت المعلومات، وتعمل على توفير الوقت والجهد على المعلِّم والمتعلِّم (2) .

وترد أهمية الوسائل التوضيحية في تعليم القرآن الكريم وتلاوته، وبخاصة لصغار السن، لما يعتور بعض المباحث من تشعب، أو دقة.

وأرى أن استخدام هذا الأسلوب في التدريس مهم لمدرس التجويد والقراءات - أيضًا –، لأن ربط المسألة المتحدث عنها بالصورة المنظورة أو الخيالية، له دور فعَّال في تقريرها وتثبيتها في عقل المتعلم.

فمثلًا: إذا أراد المعلِّم تقرير أهمية الاعتناء بصفة القراءة الشرعية، وأنها يجب أن تكون وَفق أحكام التجويد التي قررها العلماء، ونقلت إلينا في ثنايا قراءات القرآن المتواترة بهذه الكيفية، وأن التحرر منها - أحيانًا - يخل بالصبغة العملية للتلاوة؛ بحيث تظهر معايب أدائية لدى المتعلم، سببها إخلاله بعدم الالتزام بتلك الأحكام التي ينبغي له اصطحابها في كل مرة يقرأ بها القرآن، فضرب المعلِّم مثلًا لهذه الحالة بمتعلم قيادة السيارة المبتدئ، الذي

  • (1) تذكرة السامع والمتكلم: 52.
  • (2) انظر طرق تدريس التجويد: 52.
56

يكون منشغلًا بكثير من المهارات القيادية عن التركيز المحكم عما أمامه، ومع الزمن وارتياض التدرب على القيادة بمهارة، والتزام قوانين القيادة، تصبح قيادة السيارة له طبيعة متأصلة في تعامله مع هذا المركب الجامد، فيغدو يتعامل مع آليات القيادة بلا تفكير بعدما تطبَّع بها، وصارت عنده أمرًا اعتياديًا.

وهكذا الأمر مع تالي القرآن الكريم بأحكام التجويد، سيرى - بداية - أنه محكوم بقيود أدائية لم يعتد عليها، فإذا مارسها ومرن لسانه عليها، وداوم القراءة بهذه الصفة زمنًا، أصبحت هذه الصفة له سجية وعادة، يأتي بها بلا تكلف، ولا تفكير أو تمعّن.

وقد تفتقت في هذا العصر وسائل تعليمية لم تعرف من قبل، فيمكن للمدرس أن ينتقي منها ما يلائم البيئة التي يدرِّس فيها، وأعمار طلابه، ومستوياتهم، والإمكانات المادية المتاحة في ذلك.

فيمكنه استخدام المقاطع الرسمية الملونة؛ لإظهار مواضع مخارج الحروف، أو استخدام الموضح العلوي (Over Head)؛ لشرح ما يحتاجه من أحكام، أو الاستعانة ببرنامج تعليم التجويد الذي أنتجته شركة (صخر)؛ لما له من مزايا وإمكانات متعددة، وقد استُخدم مؤخرًا في معامل تعليم القرآن الكريم في كلية إعداد المعلمين بالمدينة، وهي تجربة رائدة وناجحة.

ومن المحاولات الناجحة في هذا المضمار ما ظهر مؤخرًا باسم (مصحف التجويد)، الذي استخدمت فيه أحكام التجويد بصورة الألوان؛ لضبط مواضع بعض مسائله الشهيرة، كالمد، والقلقلة، وأحكام النون الساكنة، ونحوها، وظهر بصورة كتابية، وبصورة رسمية صوتية مسجلة.

57

العدل بين الطلاب

7 - العدل بين الطلاب:

لا بد للمعلِّم والمربي أن يأخذ بمبدأ العدل والمساواة بين طلابه، لأنهم أبناؤه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "اتقوا الله واعدلوا في أولادكم " (1)، فالعدل بين الطلاب لازم، كما هو الحال بين أبناء الصلب.

ويحتاج تطبيق مبدأ العدل بين المتعلمين إلى مهارة ودربة، لأنهم قدموا من بيئات مختلفة، وتلقوا تربيات متباينة، فمن ثم مراعاة نفسياتهم ونظراتهم لمعاني التصرفات مهم للغاية، حتى في أيسر الأمور وأسهلها، نحو التحية، والنظرة، والكلمة، والابتسامة، ووضع اليد على الكتف تشجيعًا، ونحوها من الأقوال والأفعال التي تثير حفائظ الشببة المتقاربين، أو تدعو لوهي العلاقات الاجتماعية فيما بينهم؛ لذلك كان النبي ﷺ "يعطي كل جلسائه بنصيبه، لا يحسب جليسه أن أحدًا أكرم عليه منه" (2)، وهو أمر لا يقدر عليه إلا من أخلص النية، وصدق في تعامله مع الناس، وراعى نفسياتهم.

وكما أن ترك العدل بين الطلاب يثير بينهم كمائن النفوس، كذلك قد ينتج عنه الكره والبغض للمعلِّم؛ لذا يتوجب عليه أن يكون حصيفًا في تعامله فلا " يُظهر للطلبة تفضيل بعضهم على بعض في مودة، أو اعتناء مع تساويهم في الصفات، من سن، أو فضيلة، أو تحصيل، أو ديانة؛ فإن ذلك ربما يوحش منه الصدر، وينفر القلب" (3) .

  • (1) رواه مسلم
  • (1623) في صحيحه: 3 / 1243 - 1244، وفي رواية (قاربوا بين أولادكم) .
  • (2) رواه الترمذي في الشمائل: 168 عن علي ﵁، وبنحوه أبو الشيخ الأصبهاني
  • (18) في
    أخلاق النبي ﷺ وآدابه: 22.
  • (3) تذكرة السامع والمتكلم: 59.
58

أما إن كان لبعض الطلاب مزية تقدم في الاجتهاد وطلب العلم، أو حسن الخلق والأدب، فلا حرج على المدرس أن يبرز هذه المزية بتلطف؛ لأنه مما يدعو النظراء إلى الاتصاف بتلك المزية (1) .

ومن صور العدل التي ينبغي لمدرس القرآن مراعاتها، أن يقدم في القراءة الأول فالأول؛ لأنه من جانب راعى العدل بين الطلاب، وفي المقابل شجع المتأخر على البكور، لينال القراءة الأولى.

ومن لطيف ما يذكر في هذه الصورة التعليمية "أن الشاطبي كان يصلي الصبح بغلس (2) بالفاضلية (3)، ثم يجلس للإقراء، فكان الناس يتسابقون السُّرى (4) إليه ليلًا، وكان إذا قعد لا يزيد على قوله: من جاء أولًا فليقرأ، ثم يأخذ على الأسبق فالأسبق، فاتفق في بعض الأيام أن بعض

أصحابه سبق أولًا، فلما استوى الشيخ قاعدًا قال: من جاء ثانيًا فليقرأ، فشرع الثاني في القراءة، وبقي الأول لا يدري حاله؟ وأخذ يتفكر ما وقع منه بعد مفارقة الشيخ من ذنب أوجب حرمان الشيخ له، ففطن أنه أجنب تلك الليلة، ولشدة حرصه على النوبة نسي ذلك لما انتبه، فبادر إلى الشيخ، فاطلع الشيخ على ذلك، فأشار للثاني بالقراءة، ثم إن ذلك الرجل بادر إلى حمام جوار المدرسة فاغتسل به، ثم رجع قبل فراغ الثاني، والشيخ قاعد أعمى على حاله، فلما فرغ الثاني، قال الشيخ: من جاء أولًا فليقرأ، فقرأ" (5) .

  • (1) انظر المصدر السابق: 59.
  • (2) وهو ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح، (المعجم الوسيط (غلس): 658) .
  • (3) وهي مدرسة بناها القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني بدرب الملوخية في القاهرة، وجعل الشاطبي
    شيخها، (غاية النهاية: 2 / 20) .
  • (4) وهو سير عامة الليل، (المعجم الوسيط (سرى): 428) .
  • (5) غاية النهاية: 2 / 21 - 22.
59

قال ابن الجزري - معقبًا -: "وهذا من أحسن ما نعلمه وقع لشيوخ هذه الطائفة (1)، بل لا أعلم مثله وقع في الدنيا" (2)، وهذا إن صح فمن قبيل الكرامة.

  • (1) أي: علماء القراءة.
  • (2) غاية النهاية: 2 / 22.
60