23
المنَاسَبَة: لما جعل تعالى الإِيمان والعملَ الصالح أساسًا للفوز بالسعادة الأبدية، وبيَّن حال المؤمن الذي أراد بعمله الدار الآخرة، ذكر هنا طائفةً من الأوامر والزواجر التي يقوم عليها بنيان
23
المنَاسَبَة: لما جعل تعالى الإِيمان والعملَ الصالح أساسًا للفوز بالسعادة الأبدية، وبيَّن حال المؤمن الذي أراد بعمله الدار الآخرة، ذكر هنا طائفةً من الأوامر والزواجر التي يقوم عليها بنيان
المجتمع الفاضل، ثم ذكر تعالى موقف المشركين المكذبين من هذا القرآن العظيم.
اللغَة: ﴿أُفٍّ﴾ كلمة تضجُّر وتبرُّم قال ابن الأعرابي الأفُّ: الضجر، وأصلها أنه إذا سقط تراب أو رماد فنفخ الإنسان ليزيله، فالصوت الحاصل هو أُفّ ثم توسعوا في الكلمة حتى أصبحت تقال لكل مكروه ﴿تَنْهَرْهُمَا﴾ النهْرُ: الزجرُ والغِلظة ﴿الأَوَّابِينَ﴾ جمع أوَّاب وهو كثير التوبة والإِنابة من الأَوْب بمعنى الرجوع ﴿مَّحْسُورًا﴾ منقطعًا عن النفقة والتصرف قال الفراء: تقول العرب للبعير هو محسور إذا انقطع سيره، وحَسرَت الدابة إذا انقطعت عن المسير لذهاب قوتها، فشُبّه حال من أنفق كلّ ماله بمن انقطع في سفره بسبب انقطاع مطيته ﴿إِمْلاقٍ﴾ فقر وفاقة، أملق الرجل إذا افتقر ﴿خِطْئًا﴾ قال الأزهري: خطيئ يَخْطَأُ خِطْأً إذا تعمَّد الخطأ، وأخطأ إذا لم يتعمد ﴿القسطاس﴾ الميزان مأخوذ من القِسْط وهو العدل ﴿تَقْفُ﴾ تَتَّبعْ مأخوذ من قفوتُ أثر فلان إذا اتبعت أثَره وأصله البهتُ والقذف بالباطل ﴿مَرَحًا﴾ المَرَح: شدة الفرح والمراد به هنا التكبر والخيلاء ﴿صَرَّفْنَا﴾ بيَّنا ﴿أَكِنَّةً﴾ جمع كِنان وهو الغطاء الذي يستر الشيء ﴿وَقْرًا﴾ صممًا وثقلًا.
التفسِير: ﴿وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ أي حكم تعالى وأمر بأن لا تعبدوا إلهًا غيره وقال مجاهد: ﴿وقضى﴾ يعني وصَّى بعبادته وتوحيده ﴿وبالوالدين إِحْسَانًا﴾ أي وأمر بأن تحسنوا إلى الوالدين إحسانًا قال المفسرون: قرن تعالى بعبادته برَّ الوالدين لبيان حقهما العظيم على الولد لأنهما السبب الظاهر لوجوده وعيشه، ولما كان إحسانهما إلى الولد قد بلغ الغاية العظيمة وجب أن يكون إحسان الولد إليهما كذلك ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكبر أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا﴾ أي قد أوصيناك بهما وبخاصة إذا كبرا أو كبر أحدهما، وإنما خصَّ حالة الكِبَر لأنهما حينئذٍ أحوج إلى البر والقيام بحقوقهما لضعفهما ومعنى ﴿عِندَكَ﴾ أي في كنفك وكفالتك ﴿فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ﴾ أي لا تقل للوالدين أقل كلمة تظهر الضجر ككلمة أفٍّ ولا تسمعهما قولًا سيئًا حتى ولو بكلمة التأفف ﴿وَلاَ تَنْهَرْهُمَا﴾ أي لا تزجرهما بإغلاظٍ فيما لا يعجبك منهما ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ أي قل لهما قولًا حسنًا لينًا طيبًا بأدب ووقار وتعظيم ﴿واخفض لَهُمَا جَنَاحَ الذل مِنَ الرحمة﴾ أي ألنْ جانبك وتواضعْ لهما بتذلّل وخضوع من فرط رحمتك وعطفك عليهما ﴿وَقُل رَّبِّ ارحمهما كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ أي أدع لهما بالرحمة وقل في دعائك يا رب ارحم والديَّ برحمتك الواسعة كما أحسنا إليَّ في تربيتهما حالة الصغر ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ أي ربكم أيها الناس أعلم بما في نفوسكم من إرادة البر أو العقوق ﴿إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ أي إن تكونوا قاصدين للبِرّ والصلاح دون العقوق والفساد فإِنه جلَّ وعلا يتجاوز عن سيئاتكم ويغفر للأوابين وهم الذين كلما أخطأوا عادوا إلى ربهم مستغفرين قال الرازي: والمقصود من هذه الآية أن الأولى لما دلَّت على وجوب تعظيم الوالدين ثم إنَّ الولد قد يظهر منه ما يخلُّ بتعظيمهما فإن كانت تلك الهفوة ليست لأجل العقوق بل ظهرت بمقتضى الجبلَّة البشرية كانت في محل الغفران، وبمناسبة الإِحسان إلى الوالدين يأمر تعالى بالإِحسان إلى الأقارب
والضعفاء والمساكين ﴿وَآتِ ذَا القربى حَقَّهُ﴾ أي أعط كلَّ من له قرابة بك حقَّه من البر والإِحسان ﴿والمسكين وابن السبيل﴾ أي وأعط المسكين المحتاج والغريبَ المنقطع في سفره حقَّه أيضًا ﴿وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ أي لا تنفق مالكَ في غير طاعة الله فتكون مبذّرًا، والتبذير الإِنفاق في غير حق قال مجاهد: لو أنفق إنسان ماله كلَّه في الحق لم يكن مبذّرًا، ولو أنفق مُدًّا في غير حق كان مبذّرًا وقال قتادة: التبذير النفقة في معصية الله تعالى وفي غير الحق والفساد ﴿إِنَّ المبذرين كانوا إِخْوَانَ الشياطين﴾ هذا تعليل للنهي وهو غاية في الذم والتقبيح أي إن المبذرين كانوا أمثال الشياطين وأشباههم في الإِفساد، لأنهم ينفقون في الباطل وينفقون في الشر والمعصية فهم أمثالهم ﴿وَكَانَ الشيطان لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ أي مبالغًا في كفران نعمة الله لا يؤدي حقَّ النعمة كذلك إخوانه المبذرون لا يؤدون حق النعمة، وحقُّها أن ينفقوها في الطاعات والحقوق غير متجاوزين ولا مبذرين ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابتغآء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا﴾ أي إن أعرضتَ عن ذوي القربى والمساكين وابن السبيل إذا لم تجد ما تعطيهم فقل لهم قولًا سهلًا لينًا وعدْهم وعدًا جميلًا ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ تمثيلٌ للبخل اي لا تكنْ بخيلًا منوعًا لا تعطي أحدًا شيئًا كمن حبست يده عن الإِنفاق وشدَّت إلى عنقه ﴿وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط﴾ تمثيل للتبذير أي ولا تتوسع في الإِنفاق توسعًا مفرطًا بحيث لا يبقى في يدك شيء، والغرض من الآية لا تكن بخيلًا ولا مسرفًا ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ أي فتصير مذمومًا من الخَلْق والخالق، منقطعًا من المال كمن انقطع في سفره بانقطاع مطيته ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي يوسّع الرزق على من يشاء ويضيِّق على من يشاء، وهو القابض، الباسط المتصرف في خلقه، بما يشاء حسب الحكمة ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ أي إنه عالم بمصالح العباد، والتفاوتُ في الأرزاق ليس لأجل البخل بل لأجل رعاية المصالح فهو تعالى يعمل من مصالحهم ما يخفى عليهم ﴿وَلاَ تقتلوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ أي لا تُقدموا على قتل أولادكم مخافة الفقر ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم﴾ أي رزقُهم علينا لا عليكم فنحن نرزقهم ونرزقكم فلا تخافوا الفقر بسببهم ﴿إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ أي قتلُهم ذنبٌ عظيم وجرمٌ خطير قال المفسرون: كان أهل الجاهلية يئدون البنات مخافة الفقر أو العار فنهاهم الله عن ذلك وضمن أرزاقهم ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى﴾ أي لا تدنوا من الزنى وهو أبلغ من «لا تزنوا» لأنه يفيد النهي عن مقدمات الزنى كاللَّمس، والقُبلة، والنظرة، والغمز وغير ذلك مما يجرُّ إلى الزنى فالنهي عن القرب أبلغ من النهي عن الفعل ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ أي إن الزنى كان فعلة قبيحة متناهية في القبح ﴿وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ أي ساء طريقًا موصلًا إلى جهنم ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق﴾ أي لا تقتلوا نفسًا حرَّم الله قتلها بغير حقٍ شرعي موجبٍ للقتل كالمرتد، والقاتل عمدًا، والزاني المحصن ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ أي ومن قُتل ظلمًا بغير حقٍ يوجب قتله فقد جعلنا لوارثه سلطةً على القاتل بالقصاص منه، أو أخذ الدية، أو العفو ﴿فَلاَ يُسْرِف فِّي القتل إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ أي فلا يتجاوز الحدَّ المشروع بأن يقتل غير القاتل أو يُمثّل به أو يقتل اثنين بواحد كما كان أهل الجاهلية يفعلون، فحسبُه أن الله قد
نصره على خصمه فليكن عادلًا في قصاصه ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي لا تتصرفوا في مال اليتيم إلا بالطريقة التي هي أحسن وهي حفظه واستثماره ﴿حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ أي حتى يبلغ اليتيم سن الرشد ويحسن التصرف في ماله ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ العهد كَانَ مَسْؤُولًا﴾ أي وفّوا بالعهود سواءً كانت مع الله أو مع الناس لأنكم تُسألون عنها يوم القيامة ﴿وَأَوْفُوا الكيل إِذا كِلْتُمْ﴾ أي أتموا الكيل إذا كلتم لغيركم من غير تطفيفٍ ولا بَخْس ﴿وَزِنُواْ بالقسطاس المستقيم﴾ أي زنوا بالميزان العدل السويّ بلا احتيالٍ ولا خديعة ﴿ذلك خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي وفاء الكيل وإقامة الوزن خيرٌ في الدنيا وأحسن مآلًا في الآخرة ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي لا تتَّبعْ ما لا تعلم ولا يَعْنيك بل تثبَّتْ من كل خبر، قال قتادة: لا تقل رأيتُ ولم تر، وسمعتُ ولم تسمع، وعلمتُ ولم تعلم، فإن الله تعالى سائلك عن ذلك كله ﴿إِنَّ السمع والبصر والفؤاد كُلُّ أولئك كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ أي إن الإنسان يُسأل يوم القيامة عن حواسه: عن سمعه، وبصره، وقلبه وعما اكتسبته جوارحه ﴿وَلاَ تَمْشِ فِي الأرض مَرَحًا﴾ أي لا تمش في الأرض مختالًا مشية المعجب المتكبر ﴿إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأرض وَلَن تَبْلُغَ الجبال طُولًا﴾ هذا تعليل للنهي عن التكبر والمعنى أنك أيها الإِنسان ضئيل هزيل لا يليق بك التكبر؟ كيف تتكبر على الأرض ولن تجعل فيها خرقًا أو شقًا؟ وكيف تتطاول وتتعظَّمْ على الجبال ولن تبلغها طولًا؟ فأنت أحقر وأضعف من كل واحدٍ من الجماديْن فكيف تتكبر وتتعالى وتختال وأنت أضعف من الأرض والجبال؟ وفي هذا تهكم وتقريع للمتكبرين ﴿كُلُّ ذلك كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ أي كل ذلك المذكور الذي نهى الله عنه كان عمله قبيحًا ومحرمًا عند الله تعالى ﴿ذَلِكَ مِمَّآ أوحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحكمة﴾ أي ذلك الذي تقدم من الآداب والقصص والأحكام بعضُ الذي أوحاه إليك ربك يا محمد من المواعظ البليغة، والحِكَم الفريدة ﴿وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ الله إلها آخَرَ فتلقى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا﴾ أي لا تشرك مع الله غيره من وثنٍ أو بشر فتلقى في جهنم ملومًا تلوم نفسك ويلومك اللهُ والخلق مطرودًا مبعدًا من كل خير قال الصاوي: ختم به الأحكام كما ابتدأها إشارةً إلى أن التوحيد مبدأ الأمور ومنتهاها، وهو رأس الأشياء وأساسُها، والأعمالُ بدونه باطلةٌ لا تفيد شيئًا ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بالبنين واتخذ مِنَ الملائكة إِنَاثًا﴾ خطابٌ على وجه التوبيخ للعرب الذين قالوا إن الملائكة بنات الله والمعنى أفخصكم ربكم وأخلصكم بالذكور واختار لنفسه - على زعمكم - البنات؟ كيف يجعل لكم الأعلى من النسل ويختار لنفسه الأدنى! ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ أي إنكم لتقولون قولًا عظيمًا في شناعته وبشاعته حيث تنسبون إليه البنات وتجعلون لله ما تكرهون ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هذا القرآن لِيَذَّكَّرُواْ﴾ أي ولقد بيّنا للناس في هذا القرآن العظيم الأمثال والمواعظ، والوعد والوعيد، ليتذكروا بما فيه من الحجج النيِّرة والبراهين الساطعة، فينزجروا عما هم فيه من الشرك والضلال ﴿وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا﴾ أي وما يزيدهم هذا البيان والتذكير إلا تباعدًا عن الحق، وغفلةً عن النظر والاعتبار ﴿قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إلى ذِي العرش سَبِيلًا﴾ أي لو فرضنا أن مع الله آلهة أخرى كما يزعم هؤلاء المشركون إذًا لطلبوا طريقًا إلى مغالبة ذي العزة
والجلال ليسلبوا ملكه كما يفعل ملوك الدنيا بعضهم ببعض ﴿سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ أي تنزَّه تعالى وتقدَّس عما يقول أولئك الظالمون، وتعالى ربنا عما نسبوه إليه من الزور والبهتان تعاليًا كبيرًا، فإن مثل هذه الفِرية مما يتنزّه عنه مقامه الأسمى قال الشهاب: وذكر العلُوَّ بعد عنوانه ب ﴿ذِي العرش﴾ في أعلى مراتب البلاغة لأنه المناسب للعظمة والجلال ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السماوات السبع والأرض وَمَن فِيهِنَّ﴾ أي تسبح له الكائنات، وتنزهه وتقدسه الأرض والسماوات، ومن فيهن من المخلوقات ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ أي وما من شيء في هذا الوجود إلا ناطق بعظمة الله، شاهد بوحدانيته جلَّ وعلا، السماواتُ تسبّح الله في زرقتها، والحقولُ في خضرتها، والبساتينُ في نضرتها، والأشجار في حفيفها، والمياهُ في خريرها، والطيورُ في تغريدها، والشمسُ في شروقها وغروبها، والسحبُ في إمطارها، والكل شاهد بالوحدانية لله.
وفي كل شيءٍ له آيةٌ ... تدلُّ على أنه واحدُ
﴿ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ أي ولكنْ لا تفهمون تسبيح هذه الأشياء لأنها ليست بلغاتكم ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ أي إنه تعالى حليم بالعباد لا يعاجل من عصاه بالعقوبة، غفورٌ لمن تاب وأناب، ولولا حلم الله وغفرانه لأخذ البشر أخذ عزيز مقتدر ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ القرآن جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾ أي وإذا قرأت يا محمد القرآن على هؤلاء المشركين الذين لا يصدّقون بالآخرة جعلنا بينك وبينهم حجابًا خفيًا يحجب عنهم فهم القرآن وإِدراك أسراره وحِكمه ﴿وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ﴾ أي وجعلنا على قلوب هؤلاء الكفار أغطيةً لئلا يفهموا القرآن ﴿وفي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ أي صممًا يمنعهم من استماعه ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي القرآن وَحْدَهُ وَلَّوْاْ على أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ أي وإذا وحدَّت الله وأنت تتلو القرآن فرَّ المشركون من ذلك هربًا من استماع التوحيد ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ أي نحن أعلم بالغاية التي يستمعون من أجلها للقرآن وهي الاستهزاء والسخرية قال المفسرون: كان المشركون يجلسون عند النبي ﷺ َ مظهرين الاستماع وفي الواقع قاصدين الاستهزاء فنزلت الآية تسلية للرسول ﷺ َ وتهديدًا للمشركين ﴿إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نجوى﴾ أي حين يستمعون إلى قراءتك يا محمد ثم يتناجون ويتحدثون بينهم سرًا ﴿إِذْ يَقُولُ الظالمون إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾ أي حين يقول أولئك الفجرة ما تتبعون إلا رجلًا سُحر فجُنَّ فاختلط كلامه ﴿انظر كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأمثال فَضَلُّواْ﴾ أي انظر يا محمد وتعجَّب كيف يقولون تارة عنك إنك
ساحر، وتارة إنك شاعر، وتارة إنك مجنون ﴿وقد ضلوا بهذا البهتان والزور ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلًا﴾ أي لا يجدون طريقًا إلى الهدى والحق المبين.
البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي:
1 - الاستعارة المكنية ﴿واخفض لَهُمَا جَنَاحَ الذل﴾ شبَّه الذل بطائر له جناح وحذف الطائر ورمز له بشيء من لوازمه وهو الجناح على سبيل الاستعارة المكنية.
2 - الاستعارة التمثيلية ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط﴾ مثَّل للبخيل بالذي حبست يده عن الإِعطاء وشدت إلى عنقه بحيث لا يقدر على مدها، وشبَّه السرف ببسط الكف بحيث لا تحفظ شيئًا.
3 - اللف والنشر المرتب ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ عاد لفظ ﴿مَلُومًا﴾ إلى البخل ولفظ ﴿مَّحْسُورًا﴾ إلى الإِسراف أي يلومك الناس إن بخلت، وتصبح مقطوعًا إن أسرفت.
4 - الطباق بين ﴿يَبْسُطُ ... وَيَقْدِرُ﴾ .
5 - جناس الاشتقاق ﴿قَرَأْتَ القرآن﴾ .
6 - التوبيخ ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بالبنين﴾؟
7 - الفرض والتقدير ﴿لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾ .
لطيفَة: نقف هنا أمام مثلٍ من دقائق التعبير القرآني العجيبة ففي هذه السورة قدَّم تعالى رزق الأبناء على رزق الآباء ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم﴾ وفي سورة الأنعام قدَّم رزق الآباء ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: 151] والسرُّ في ذلك أن قتل الأولاد هنا كان خشية وقوع الفقر بسببهم فقدَّم تعالى رزق الأولاد، وفي الأنعام كان قتلهم بسبب فقر الآباء فعلًا فقدم رزق الآباء، فلله در التنزيل ما أروع أسراره﴾
المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى موقف المشركين من القرآن العظيم، وذكر تعاميهم عن فهم آياته البينات، أردفه بذكر شبهاتهم في إنكار البعث والنشور وكرَّ عليها بالإبطال والتفنيد، ثم ذكر قصة آدم وإبليس للعظة والاعتبار، وأعقبها بذكر نعمه العظيمة على العباد ثم بالوعيد والتهديد إن أصرُّوا على الكفر والجحود.
اللغَة: ﴿رُفَاتًا﴾ الرُّفات: ما تكسِّر وبَلِيَ من كل شيء كالفُتات والحُطام والرُّضاض ﴿يُنْغِضُونَ﴾ قال الفراء: يقال أنغض فلانٌ رأسه إذا حرّكه إلى فوق وأسفل كالمتعجب من الشيء قال الراجز: «أَنْغَض نحوي رأسه وأقنعا» ﴿يَنزَغُ﴾ يفسد ويهيِّج الشر والنزغُ: الإفسادُ والإغراء ﴿لأَحْتَنِكَنَّ﴾ الاحتناك الأخذ بالكليَّةِ والاستئصال يقال: احتنك الجرادُ الزرعَ إذا ذهب به كلَّه ﴿استفزز﴾ اخدعْ واستخفَّ يقال: أفزَّه الخوف واستفزّه إذا أزعجه واستخفَّه ﴿وَأَجْلِبْ﴾ أصل الإِجلاب السوقُ بجلبَةٍ من السائق وهو الصياح، والجَلَب والجَلَبَةُ الأصوات ﴿وَرَجِلِكَ﴾ الرَّجِلُ جمع راجل وهو الذي يمشي على قدميه ﴿يُزْجِي﴾ يسوق ﴿حَاصِبًا﴾ الحاصب والحصباء هي الحَصَى الصغار ﴿قَاصِفًا﴾ القاصف ما يقصف الشيء أي يكسره والريح الشديدة التي تكسر بشدة من قصف الشيء يقصفه أي كسره بشدة، ورعد قاصف شديد الصوت ﴿تَبِيعًا﴾ طالبًا يقال تابع وتبيع وهو النصير والمطالب.
سَبَبُ النّزول: أ - عن ابن عباس «أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ َ أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، وأن يُنحِّيَ عنهم الجبال فيزرعوا فقيل له: أن شئتَ أن تستأني بهم لعلنا نجتبي منهم، وإن شئتَ
نعطيهم الذي سألوا فإن كفروا أُهلكوا، فقال: لا بل أستأني بهم» فنزلت ﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بالآيات إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأولون ...﴾ الآية.
ب - لما ذكر تعالى شجرة الزقوم في القرآن قال أبو جهل: يا معشر قريش إن محمدًا يخوّفكم بشجرة الزقوم، ألستم تعلمون أن النار تُحرق الشجر؟ ومحمد يزعم أن النار تُنْبِت الشجر، فهل تدرون ما الزقوم؟ هو التمر والزُّبد، يا جارية ابغينا تمرًا وزُبدًا، فجاءته به فقال: تزقّموا من هذا الذي يخوّفم به محمد فأنزل الله تعالى ﴿والشجرة الملعونة فِي القرآن وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ .
التفسِير: ﴿وقالوا أَءِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾ استفهام تعجب وإنكار أي قال المشركون المكذبون بالبعث أئذا أصبحنا عظامًا نخرة، وذرات متفتتة كالتراب ﴿أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ أي هل سنُبعث ونُخْلق خلقًا جديدًا بعد أن نبلى ونفنى؟ ﴿قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ أي قل لهم يا محمد لو كنتم حجارةً أو حديدًا لقدر الله على بعثكم وإحيائكم فضلًا عن أن تكونوا عظامًا ورفاتًا فإن الله لا يعجزه شيء، فالحجارة والحديد أبعد عن الحياة وهي أصلب الأشياء ولو كانت أجسامكم منها لأعادها الله فكيف لا يقدر على إعادتكم إذا كنتم عظامًا ورفاتًا؟ ﴿أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ أي أو كونوا خلقًا آخر أوغل في البعد عن الحياة من الحجارة والحديد مما يصعب في نفوسكم تصوُّرُ الحياة فيه فسيبعثكم الله قال مجاهد: المعنى كونوا ما شئتم فستعادون ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا﴾؟ أي من الذي يردنا إلى الحياة بعد فنائنا ﴿قُلِ الذي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي قل لهم يعيدكم القادر العظيم الذي خلقكم وأنشأكم من العدم أول مرة ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ متى هُوَ﴾؟ أي يحركون رءوسهم متعجبين مستهزئين ويقولون استنكارًا واستبعادًا متى يكون البعث والإعادة؟ ﴿قُلْ عسى أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾ أي لعله يكون قريبًا فإن كلَّ ما هو آتٍ قريب ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ أي سيكون بعثكم يوم الحشر الأكبر يوم يدعوكم الرب جل وعلا للاجتماع في المحشر فتجيبون لأمره، وتظنون لهوْل ما ترون أنكم ما أقمتم في الدنيا إلا زمنًا قليلا ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ التي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي قل لعبادي المؤمنين يقولوا في مخاطباتهم ومحاوراتهم الكلمة الطيبة ويختاروا من الكلام ألطفه وأحسنه وينطقوا دائمًا بالحسنى ﴿إِنَّ الشيطان يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ أي إن الشيطان يُفسد ويُهيج بين الناس الشرَّ ويُشعل نار الفتنة بالكلمة الخشنة يُفلت بها اللسان ﴿إِنَّ الشيطان كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ أي ظاهر العداوة للإِنسان من قديم الزمان يتلمس سقَطَات لسانه ليُحدْث العداوة والبغضاء بين المرء وأخيه ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ أي ربكم أيها الناس أعلم بدخائل نفوسكم إن يشأ يرحمكم بالتوفيق للإِيمان، وإن يشأ يعذبكم بالإِماتة على الكفر والعصيان ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ أي وما جعلناك يا محمد حفيظًا على أعمال الكفار كفيلًا عنهم لتقسرهم على الإِيمان إنما أرسلناك نذيرًا فمن أطاعك دخل الجنة، ومن عصاك دخل النار ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السماوات والأرض﴾ إنتقالٌ من الخصوص إلى العموم أي ربك
جلَّ وعلا أعلمُ بعباده بأحوالهم ومقاديرهم فيخص بالنبوة من شاء من خلقه، وهو أعلم بالسعداء والأشقياء، والآية ردٌّ على المشركين حيث استبعدوا النبوة على رسول الله وقالوا: كيف يكون يتيم أبي طالب نبيًا؟ وكيف يكون هؤلاء الفقراء الضعفاء أصحابه دون الأكابر والرؤساء؟ ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النبيين على بَعْضٍ﴾ أي فضلنا بعض الأنبياء على بعض حسب علمنا وحكمتنا وخصصناهم بمزايا فريدة، فاصطفينا إبراهيم بالخُلَّة، وموسى بالتكليم، وسليمان بالمُلْك العظيم، ومحمدًا بالإِسراء والمعراج وجعلناه سيّد الأولين والآخرين، وكلُّ ذلك فعل الحكيم العليم الذي لا يصدر شيءٌ إلا عن حكمته ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ أي وأنزلنا الزبور على داود المشتمل على الحكمةِ وفصلِ الخطاب ﴿قُلِ ادعوا الذين زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين أدعوا الذين زعمتم أنهم آلهة من دونه تعالى قال الحسن: يعني الملائكة وعيسى وعزيرًا فقد كانوا يقولون إنهم يشفعون لنا عند الله ﴿فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضر عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلًا﴾ أي فلا يستطيعون رفع البلاء عنكم ولا تحويله إلى غيركم ﴿أولئك الذين يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوسيلة أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ أي أولئك الآلهة الذين يدعونهم من دون الله هم أنفسهم يبتغون القرب إلى الله، ويتوسلون إليه بالطاعة والعبادة، فكيف تعبدونهم معه؟ ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ أي يرجون بعبادتهم رحمته تعالى ويخافون عقابه ويتسابقون إلى رضاه ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ أي عذابه تعالى شديد ينبغي أن يُحذر منه ويخاف من وقوعه وحصوله ﴿وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ القيامة أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا﴾ أي ما من قريةٍ من القرى الكافرة التي عصتْ أمر الله وكذَّبتْ رسله إلا وسيهلكها الله إما بالاستئصال الكلي أو بالعذاب الشديد لأهلها ﴿كَانَ ذلك فِي الكتاب مَسْطُورًا﴾ أي كان ذلك حكمًا مسطرًا في اللوح المحفوظ لا يتغيَّر ﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بالآيات إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأولون﴾ قال المفسرون: اقترح المشركون على رسول الله ﷺ َ معجزاتٍ عظيمة منها أن يقلب لهم الصفا ذهبًا، وأن يزيح عنهم الجبال فأخبره تعالى أنه إن أجابهم إلى ما طلبوا ثم لم يؤمنوا استحقوا عذاب الاستئصال، وقد اقتضَت حكمته تعالى إمهالهم لأنه علم أنَّ منهم من يؤمن وأن من أولادهم من يؤمن فلهذا السبب ما أجابهم إلى ما طلبوا أو المعنى ما منعنا من إرسال المعجزات والخوارق التي اقترحها قومك إلاّ تكذيبُ مَنْ سبقهم من الأمم حيث اقترحوا ثم كذبوا فأهلكهم الله ودمَّرهم ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ الناقة مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا﴾ أي وأعطينا قوم صالح الناقة آيةً بينة ومعجزةً ساطعة واضحة فكفروا بها وجحدوا بعد أن سألوها فأهلكهم الله ﴿وَمَا نُرْسِلُ بالآيات إِلاَّ تَخْوِيفًا﴾ أي وما نرسل بالآيات الكونية كالزلازل والرعد والخسوف والكسوف إلا تخويفًا للعباد من المعاصي قال قتادة: إن الله تعالى يخوّف الناس بما شاء من الآيات لعلهم يعتبرون ويرجعون ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بالناس﴾ أي واذكر يا محمد حين أخبرناك أن الله أحاط بالناس علمًا في الماضي والحاضر والمستقبل فهو تعالى لا يخفى عليه شيءٌ من أحوالهم وقد علم أنهم لن يؤمنوا ولو جئتهم بما طلبوا من الآيات والمعجزات ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرؤيا التي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾ أي وما جعلنا الرؤية التي أريناكها عيانًا
ليلة المعراج من عجائب الأرض والسماء إلا امتحانًا وابتلاءً لأهل مكة حيث كذبوا وكفروا وارتد بعض الناس لما أخبرهم بها قال البخاري عن ابن عباس: هي رؤيا عينٍ أُريها رسولُ الله ﷺ َ ليلةَ أُسريَ به وليست برؤيا منام ﴿والشجرة الملعونة فِي القرآن﴾ أي وما جعلنا الشجرة الملعونة في القرآن وهي شجرة الزقوم إلا فتنةً أيضًا للناس قال ابن كثير: لما أخبرهم رسول الله ﷺ َ أنه رأى الجنة والنار ورأى شجرة الزقوم كذبوا بذلك حتى قال أبو جهل متهكمًا: هاتوا لنا تمرًا وزُبْدًا وجعل يأكل من هذا بهذا ويقول: تزقّموا فلا نعلم الزقوم غير هذا ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ أي ونخوّف هؤلاء المشركين بأنواع العذاب والآيات الزاجرة فما يزيدهم تخويفنا إلا تماديًا وغيًا واستمرارًا على الكفر والضلال، فماذا تنفع معهم الخوارق؟ ما زادتهم خارقة الإِسراء والمعراج، ولا خارقة التخويف بشجرة الزقوم إلا استهزاءً وإمعانًا في الضلال، ثم أَشار تعالى إلى أن هذا الطغيان سببه إغواء الشيطان ولهذا ذكر قصته عقب ذلك فقال ﴿وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ﴾ أي أذكر يا محمد حين أمرنا الملائكة بالسجود لآدم سجود تحية وتكريم فسجدوا كلهم إلا إبليس استكبر وأبى افتخارًا على آدم واحتقارًا له ﴿قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ استفهامٌ إنكاري أي أأسجد أنا العظيم الكبير لهذا الضعيف الحقير الذي خلقته من الطين؟ كيف يصح للعالي أن يسجد للداني؟ ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هذا الذي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ أي قال إبليس اللعين جراءةً على الربّ وكفرًا به: أتُرى هذا المخلوق الذي فضَّلته عليَّ وجعلتَه أكرَم مني عندك؟ ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إلى يَوْمِ القيامة لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ أي لئن أنظرتني وأبقيتني حيًا إلى يوم القيامة لأستأصلنَّ ذريته بالإِغواء والإضلال قال الطبري: أقسم عدوُّ الله فقال لربه: لئن أخرتَ إهلاكي إلى يوم القيامة لأستأصلنَّهم ولأستميلنَّهم وأضلنَّهم إلا قليلًا منهم ﴿قَالَ اذهب فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُورًا﴾ أي قال الرب جلَّ وعلا: إذهب فقد أنظرتُك وابذل جهدك فيهم فمن أطاعك من ذرية آدم فإن جزاءك وجزاءهم نارُ جهنم جزاء كاملًا وافرًا لا ينقص لكم منه شيء قال القرطبي: والأمر في ﴿اذهب﴾ أمرُ إهانة والمعنى اجهد جهدك فقد أنظرناك ﴿واستفزز مَنِ استطعت مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ أي استخفف واستجهل وحرِّكْ من أردتَ أن تستفزَّه فتخدعه بدعائك إلى الفساد قال ابن عباس: صوتُه كلُّ داعٍ يدعو إلى معصية الله تعالى وقال مجاهد: صوته الغناء والمزامير واللهو ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ أي صِحْ عليهم بأعوانك وجنودك من كل راكبٍ وراجل قال الطبري: المعنى اجمع عليهم من ركبان جندك ومشاتهم من يصيح عليهم بالدعاء إلى طاعتك، والصرفِ عن طاعتي قال ابن عباس: خيلُه ورَجِله كلُّ راكبٍ وماشٍ في معصية الله تعالى وقال الزمخشري: الكلام واردٌ مورد التمثيل، مُثِّلَتْ حالُه في تسلطه على من يُغويه بفارسٍ مغوار أوقع على قومٍ فصوَّت بهم صوتًا يستفزهم عن أماكنهم، ويُقلقهم عن مراكزهم، وأجلبَ عليهم بجنده من خيَّالةٍ ورجَّالة حتى
استأصلهم ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الأموال والأولاد﴾ أي اجعل لنفسك شركة في أموالهم وأولادهم، أما الأموال فبكسبها من الحرام وإنفاقها في المعاصي، وأما الأولاد فبتحسين اختلاط الرجال بالنساء حتى يكثر الفجور ويكثر أولاد الزنى ﴿وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشيطان إِلاَّ غُرُورًا﴾ أي عدْهم بالوعود المغرية الخادعة والأماني الكاذبة، كالوعد بشفاعة الأصنام، والوعد بالغِنى من المال الحرام، والوعد بالعفو والمغفرة وسَعَة رحمة الله، والوعد باللذة والسرور في ارتكاب الموبقات كقول الشاعر:
خذوا بنصيبٍ من سرورٍ ولذةٍ ... فكلٌ وإن طال المدى يتصرَّم
﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ أي إنَّ عبادي المخلصين ليس لك عليهم تسلطٌ بالإِغواء لأنهم في حفظي وأماني ﴿وكفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ أي كفى بالله تعالى عاصمًا وحافظًا لهم من كيدك وشرك، ثم ذكَّر تعالى العباد بإحسانه ونعمه عليهم وبآثار قدرته ووحدانيته فقال ﴿رَّبُّكُمُ الذي يُزْجِي لَكُمُ الفلك فِي البحر لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ أي ربكم أيها الناس هو الذي يُسيّر لكم السفن في البحر لتطلبوا من رزقه في أسفاركم وتجاراتكم ﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ أي هو تعالى رحيم بالعباد ولهذا سهَّل لهم أسباب ذلك ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضر فِي البحر ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ أي وإذا أصابتكم الشدة والكرب في البحر وخشيتم من الغَرَق ذهب عن خاطركم من كنتم تعبدونه من الآلهة ولم تجدوا غير الله مغيثًا يغيثكم، فالإنسان في تلك الحالة لا يتضرع إلى الصنم والوثن، والمَلك والفَلَك وإنما يتضرع إلى الله تعالى ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى البر أَعْرَضْتُمْ﴾ أي فلما نجاكم من الغرق وأخرجكم إلى البَرِّ أعرضتم عن الإِيمان والإِخلاص ﴿وَكَانَ الإنسان كَفُورًا﴾ أي ومن طبيعة الإِنسان جحود نعم الرحمن، ثم خوَّفهم تعالى بقدرته العظيمة فقال ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ البر﴾ أي أفأمنتم أيها الناس حين نجوتم من الغرق في البحر أن يخسف الله بكم الأرض فيخيفكم في باطنها؟ إنكم في قبضة الله في كل لحظة فكيف تأمنون بطش الله وانتقامه بزلزالٍ أو رجفةٍ أو بركان؟ ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ أي يمطركم بحجارة من السماء تقتلكم كما فعل بقوم لوط ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلًا﴾ أي لا تجدوا من يقوم بأموركم ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أخرى﴾ أي يعيدكم في البحر مرةً أخرى ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِّنَ الريح﴾ أي يرسل عليكم وأنتم في البحر ريحًا شديدة مدمِّرة، لا تَمرُّ بشيءٍ إلا كسرته ودمَّرته ﴿فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ﴾ أي يغرقكم بسبب كفركم ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾ أي لا تجدوا من يأخذ لكم بالثأر منا أو يطالبنا بتبعة إغراقكم.
البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي:
1 - الاستفهام الإِنكاري ﴿أَءِذَا كُنَّا عِظَامًا﴾ وتكرير الهمزة في ﴿أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ لتأكيد النكير وكذلك تأكيده بإنَّ واللام للإِشارة إلى قوة الإِنكار.
2 - التعجيز والإِهانة في الأمر ﴿قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ .
3 - الطباق بين ﴿يَرْحَمْكُمْ ... يُعَذِّبْكُمْ﴾ وبين لفظ ﴿البر ... البحر﴾ .
4 - الإيجاز بالحذف ﴿وَلاَ تَحْوِيلًا﴾ أي ولا تحويل الضر عنكم حُذف لدلالة ما سبق.
5 - المقابلة اللطيفة بين الجملتين ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ﴾، ﴿وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ .
6 - الإِسناد المجازي ﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بالآيات﴾ المنع محالٌ في حقه تعالى لأن الله لا يمنعه عن إرادته شيء فالمنع مجاز عن الترك أي ما كان سبب ترك إرسال الآيات إلا تكذيب الأولين.
7 - المجاز العقلي ﴿الناقة مُبْصِرَةً﴾ لما كانت الناقة سببًا في إبصار الحق والهدى نسب إليها الإِبصار ففيه مجاز عقلي علاقته السببية.
8 - الاستعارة التمثيلية ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ مُثِّلَتْ حال الشيطان في تسلطه على من يغويه بالفارس الذي يصيح بجنده للهجوم على الأعداء لاستئصالهم.
9 - التذييل ﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ لأنه كالتعليل لما سبق من تسيير السفن وتسخيرها في البحر.
تنبيه: الغالب في لفظ ﴿الرؤيا﴾ أن تكون منامية وإذا كانت بالعين يقال ﴿رؤية﴾ بالتاء، وقوله تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرؤيا التي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾ جاءت على غير الغالب لأن المراد بها الرؤية البصرية التي رآها رسول الله ﷺ َ في الإِسراء والمعراج وقد تقدم قول ابن عباس: «هي رؤيا عين أُريها رسول الله ﷺ َ ليلة أُسري به» ولو كانت رؤيا منام لما كانت فتنةً للناس ولما ارتد بعضهم عن الإسلام.