صفوة التفاسيرالجزء 2 · ص 156 - 165

70

70

المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى ما امتنَّ به على الناس من تسيير السفن في البحر، ومن تنجيتهم من الغرق، تمّم ذكر المنَّة بما أنعم به على النوع الإِنساني من تكرمتهم، ورزقهم، وتفضيلهم على سائر المخلوقات، ثم ذكر أحوال الناس ودرجاتهم في الآخرة، ثم حذَّر الرسول ﷺ َ من اتباع أهواء المشركين.

اللغَة: ﴿بِإِمَامِهِمْ﴾ الإِمام في اللغة: كل من يأتم به غيره سواء كان على هدى أو ضلال ويطلق الإِمام على كتاب الأعمال لأن الإِنسان يكون تابعًا لكتاب أعماله يقوده إلى الجنة أو النار ﴿فَتِيلًا﴾ الفتيل: القشرة التي في شق النواة ويضرب مثلًا للشيء الحقير التافه ومثله القطمير والنقير ﴿تَرْكَنُ﴾ تميل ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ الاستفزاز: الإِزعاج بسبب من الأسباب للحمل على الخروج من الوطن وغيره ﴿تَحْوِيلًا﴾ تغييرًا وتبديلًا ﴿لِدُلُوكِ﴾ الدلوك: الغروب يقال دلكت الشمس أي غابت قال أبو عبيد وابن قتيبة: الدلوك الغروب وأنشد لذي الرمة:

مصابيحُ ليستْ باللواتي تقودها ... نجومٌ ولا بالآفلات الدَّوَالكِ

وقال الأزهري: أصل الدلوك الميل يقال: مالت الشمس للزوال، ومالت للغروب ﴿غَسَقِ﴾ غسَقُ الليل: سواده وظلمته يقال: غسق الليل إذا اشتدت ظلمته ﴿فَتَهَجَّدْ﴾ التهجد: صلاة الليل بعد الاستيقاظ من النوم، والهجودُ: النوم، قال الشاعر:

أَلاَ طَرَقَتْنَا والرِّفَاقُ هُجُود ... فباتَتْ بعَلاَّتِ النَّوَال تَجُود

﴿زَهَقَ﴾ زال وبطل ﴿نَأَى﴾ تباعد والنأي: البُعد ﴿ظَهِيرًا﴾ مُعينًا ونَصيرًا.

سَبَبُ النّزول: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قالت قريش لليهود أعطونا شيئًا نسأل عنه هذا الرجل! فقالوا: سلوه عن الروح فأنزل الله ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي ...﴾ الآية.

التفسِير: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيءَادَمَ﴾ أي لقد شرفنا ذرية آدم على جميع المخلوقات بالعقل، والعلم، والنطق، وتسخير جميع ما في الكون لهم ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البر والبحر﴾ أي وحملناهم على

156

ظهور الدواب والسفن ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطيبات﴾ أي من لذيذ المطاعم والمشارب قال مقاتل: السمن والعسل والزبد والتمر والحلوى وجعلنا رزق الحيوان التبن والعظام وغيرها ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ على كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ أي وفضلناهم على جميع من خلقنا من سائر الحيوانات وأصناف المخلوقات من الجن والبهائم والدواب والوحش والطير وغير ذلك ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ أي اذكر يوم الحشر حين ننادي كل إنسان بكتاب عمله ليسلَّم له وينال جزاءه، والإِمام الكتاب الذي سجل فيه عمل الإِنسان ويقوّيه ﴿وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ في إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ [يس: 12] قال ابن عباس: الإِمام ما عُمل وأُملي فكتب عليه، فمن بُعث متقيًا لله جُعل كتابُه بيمينه فقرأه واستبشر ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ أي فمن أُعطي كتاب عمله بيمينه وهم السعداء أولو البصائر والنُّهى المتقون لله ﴿فأولئك يَقْرَؤونَ كِتَابَهُمْ﴾ أي يقرءون حسناتهم بفرح واستبشار لأنهم أخذوا كتبهم بأيمانهم ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أي ولا يُنقصون من أجور أعمالهم شيئًا ولو كان بمقدار الفتيل وهو الخيط الذي في شق النواة ﴿وَمَن كَانَ فِي هذه أعمى﴾ أي ومن كان في هذه الدنيا أعمى القلب، لا يهتدي إلى الحق ولا إلى الخير ﴿فَهُوَ فِي الآخرة أعمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ أي فهو في الآخرة أشدُّ عمىً وأشدُّ ضلالًا عن طريق السعادة والنجاة قال قتادة: من كان في هذه الدنيا أعمى عمًّا عايَنَ من نعم الله وخلقه وعجائبه، فهو فيما يغيب عنه من أمر الآخرة أشد عمى وأضلُّ طريقًا ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ أي وإن كان الحال والشأن أن المشركين قاربوا أن يصرفوك عن الذي أوحيناه إليك يا محمد من بعض الأوامر والنواهي ﴿لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ أي لتأتي بغير ما أوحاه إليك وتخالف تعاليمه ﴿وَإِذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ أي لو فعلت ما أرادوا لاتخذوك صاحبًا وصديقًا قال المفسرون: حاول المشركون محاولات كثيرة ليثنوا رسول الله ﷺ َ عن المضي في دعوته منها: مساومتهم له أن يعبدوا إلهه مقابل أن يترك التنديد بآلهتهم وما كان عليه آباؤهم، ومنها مساومة بعضهم أن يجعل أرضهم حرامًا كالبيت العتيق الذي حرَّمه الله، ومنها طلب بعض الكبراء أن يجعل لهم مجلسًا غير مجلس الفقراء، فعصمه الله من شرّهم وأخبر أنه لا يكله إلى أحد من خلقه بل هو وليه وحافظه وناصره ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ﴾ أي لولا أن ثبتاك على الحق بعصمتنا إياك ﴿لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ أي كدت تميل إليهم وتسايرهم على ما طلبوا ﴿إِذًا لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحياة وَضِعْفَ الممات﴾ أي لو ركَنْتَ إليهم لضاعفنا لك عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، لأن الذنب من العظيم جرمٌ كبير يستحق مضاعفة العذاب، والغرضُ من الآية بيانُ فضل الله على الرسول في تثبيته على الحق، وعصمته من الفتنة، ولو تخلى عن عصمته لمال إليهم بعض الشيء و﴿لَوْلاَ﴾ حرف امتناع لوجود أي امتنع الركون إليهم لعصمته تعالى وتثبيته له، فليس في الآية ما يُنقص من قدر الرسول ﷺ َ وإنما هي بيان لفضل الله العظيم على

157

نبيه الكريم ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ أي لا تجد من ينصرك منا أو يدفع عنك عذابنا ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرض لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا﴾ أي وإن كاد المشركون بمكرهم وإزعاجهم أن يخرجوك يا محمد من أرض مكة ﴿وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ أي لو أخرجوك لم يلبثوا بعد خروجك إلا زمنًا يسيرًا وفق سنة الله التي لا تتبدل مع الذين يخرجون رسلهم من أوطانهم قال قتادة: همَّ أهلُ مكة بإخراج النبي ﷺ َ من مكة ولو فعلوا ذلك ما أمهلوا ولكنَّ الله تعالى منعهم من إخراجه حتى أمره بالخروج ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا﴾ أي هذه عادة الله مع رسله في إهلاك كل أمةٍ أَخرجتْ رسولَها من بين أظهرهم ﴿وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ أي لن تجد لها تبديلًا أو تغييرًا ﴿أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس إلى غَسَقِ اليل﴾ أي حافظ يا محمد على الصلاة في أوقاتها من وقت زوال الشمس عند الظهيرة إلى وقت ظلمة الليل ﴿وَقُرْآنَ الفجر﴾ أي وأقم صلاة الفجر، وإنما عبَّر عنها بقرآن الفجر لأنه تطلب إطالة القراءة فيها ﴿إِنَّ قُرْآنَ الفجر كَانَ مَشْهُودًا﴾ أي تشهده ملائكة الليل والنهار كما في الحديث

«يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار فيجتمعون في صلاة العصر، وصلاة الفجر ... .» الحديث، قال المفسرون: في الآية الكريمة إشارة إلى الصلوات المفروضة، فدلوكُ الشمس زوالُها وهو إشارة إلى الظهر والعصر، وغَسَقُ الليل ظلمتُه وهو إشارة إلى المغرب والعشاء، وقرآن الفجر صلاة الفجر، فالآية رمزٌ إلى الصلوات الخمس ﴿وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ أي وقم من الليل بعد النوم متهجدًا بالقرآن فضيلةً وتطوعًا لك ﴿عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ أي لعلَّ ربك يا محمد يقيمك يوم القيامة مقامًا محمودًا يحمدك فيه الأولون والآخرون وهو مقام «الشفاعة العظمى» قال المفسرون: ﴿عسى﴾ في كلام الله للتحقيق لأنه وعد كريم وهو لا يتخلف ولهذا قال ابن عباس: عسى من الله واجبة أي تفيد القطع ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ أي قل يا رب أدخلني قبري مُدْخل صدق أي إدخالًا حسنًا ﴿وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ أي أخرجني من قبري عند البعث إخراجًا حسنًا هذا قول ابن عباس، وقال الحسن والضحاك: المراد دخوله المدينة المنورة، وخروجه من مكة المكرمة وذلك حين أخرجه المشركون بعد أن تآمروا على قتله صلوات الله وسلامه عليه ﴿واجعل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا﴾ أي اجعل لي من عندك قوةً ومَنَعة تنصرني بها على أعدائك وتُعزُّ بها دينك، وقد استجاب الله دعاءه فنصره على الأعداء، وأعلا دينه على سائر الأديان ﴿وَقُلْ جَآءَ الحق وَزَهَقَ الباطل﴾ أي سطع نور الحق وضياؤه وهو الإسلام، وزهق الباطل وأنصاره وهو الكفر وعبادةُ الأصنام، فلا شرك ولا وثنية بعد إشراق نور الإِيمان ﴿إِنَّ الباطل كَانَ زَهُوقًا﴾ أي إن الباطل لا بقاء له ولا ثبوت لأنه يضمحل ويتلاشى، وإن كانت له صولةٌ وجولة فسرعان ما تزول كشعلة الهشيم ترتفع عاليًا ثم تخبو سريعًا، روي «أن النبي ﷺ َ لما دخل مكة عام الفتح كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا فجعل يطعنها بعودٍ في يده ويقول: ﴿جَآءَ الحق وَزَهَقَ الباطل إِنَّ الباطل كَانَ زَهُوقًا﴾ فما بقي

158

منها صنمٌ إلا خرَّ لوجهه ثم أمر بها فكسرت» ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي وننزّل من آيات القرآن العظيم ما يشفي القلوب من أمراض الجهل والضلال، ويُذهب صدأ النفس من الهوى والدَّنس، والشُّح والحسد، وما هو رحمة للمؤمنين بما فيه من الإِيمان والحكمة والخير المبين ﴿وَلاَ يَزِيدُ الظالمين إَلاَّ خَسَارًا﴾ أي ولا يزيد هذا القرآن الكافرين به عند سماعه إلا هلاكًا ودمارًا لأنهم لا يصدقون به فيزدادون كفرًا وضلالًا ﴿وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ أي وإذا أنعمنا على الإِنسان بأنواع النعم من صحةٍ، وآمنٍ، وغنىً أعرض عن طاعة الله وعبادته، وابتعد عن ربه غرورًا وكِبْرًا ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشر كَانَ يَئُوسًا﴾ أي وإذا أصابته الشدائد والمصائب أصبح يائسًا قانطًا من رحمة الله، والآية تمثيلٌ لطغيان الإنسان فإن أصابته النعم بطر وتكبَّر، وإن أصابته الشدة أيس وقنط كقوله

﴿إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعًا﴾ [المعارج: 19 - 21] ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ على شَاكِلَتِهِ﴾ أي كل واحدٍ يعمل على نهجه وطريقته في الهدى والضلال، فإن كانت نفس الإِنسان مشرقةً صافية صدرت عنه أفعال كريمة فاضلة، وإن كانت نفسه فاجرةً كافرة صدرت عنه أفعال سيئةٌ شرّيرة ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أهدى سَبِيلًا﴾ أي ربكم أعلم بمن اهتدى إلى طريق الصواب وبمن ضلَّ عنه وسيجزي كل عاملٍ بعمله ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ أي يسألك يا محمد الكفار عن الروح ما هي؟ وما حقيقتها؟ فقل لهم إنها من الأسرار الخفية التي لا يعلمها إلا ربُّ البرية ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ العلم إِلاَّ قَلِيلًا﴾ أي وما أوتيتم أيها الناس من العلم إلا شيئًا قليلًا لأن علمكم قليل بالنظر إلى علم الله ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بالذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ أي لو أردنا لمحونا هذا القرآن الذي هو مِنَّةُ الرحمن من صدرك يا محمد فإن ذلك في قدرتنا ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾ أي لا تجد من يتوكل علينا باسترداده، وردّه إليك بعد ذهابه ﴿إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ أي لكنْ رحمةً من ربك تركناه محفوظًا في صدرك وصدر أصحابك ﴿إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ أي فضل الله عليك عظيم حيث أنزل عليك القرآن، وأعطاك المقام المحمود، وجعلك خاتم المرسلين وسيد الأولين والآخرين، والمقصود بالآية الامتنان على الرسول بالقرآن والتحذير له عن التفريط فيه، والخطاب له عليه السلام والمراد أمته ﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ أي لو اتفق واجتمع أرباب الفصاحة والبيان من الإنس والجان وأرادوا أن يأتوا بمثل هذا القرآن لما أطاقوا ذلك ولو تعاونوا وتساعدوا على ذلك جميعًا فإن هذا أمر لا يستطاع وليس بمقدور أحد ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرآن مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي بيَّنا لهم الحجج والبراهين القاطعة، ووضحنا لهم بالحقَّ بالآياتِ والعِبَر، والترغيب والترهيب ﴿فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُورًا﴾ أي ومع البراهين القائمة والحجج الواضحة أبى أكثر الناس إلا جحودًا للحق وتكذيبًا لله ورسوله.

البَلاَغة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي:

1 - الاستعارة ﴿كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ الإِمام الذي يتقدم الناس في الصلاة وقد استعير هنا لكتاب الأعمال لأنه يرافق الإِنسان ويتقدمه يوم القيامة.

159

2 - الاستعارة التمثيلية ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ يضرب مثلًا للقلة أي لا ينقصون من ثواب أجورهما ولا بمقدار الخيط الذي في شق النواة.

3 - الطباق ﴿ضِعْفَ الحياة وَضِعْفَ الممات﴾ .

4 - المجاز المرسل ﴿وَقُرْآنَ الفجر﴾ أطلق الجزء على الكل أي قراءة الفجر والمراد بها الصلاة لأن القراءة جزء منها فالعلاقة الجزئية.

5 - الإِظهار في مقام الإِضمار لمزيد الاهتمام والعناية ﴿إِنَّ قُرْآنَ الفجر كَانَ مَشْهُودًا﴾ بعد قوله ﴿وَقُرْآنَ الفجر﴾ .

6 - التفصيل بعد الإِجمال ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ... وَمَن كَانَ فِي هذه أعمى﴾ بعد ذكر كتاب الأعمال.

7 - المقابلة اللطيفة بين ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ ﴿وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ وبين ﴿جَآءَ الحق﴾ ﴿وَزَهَقَ الباطل﴾ .

8 - إسناد الخير إلى الله والشر لغيره ﴿أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان ... . وَإِذَا مَسَّهُ الشر﴾ لتعليم الأدب مع الله تعالى.

لطيفَة: ذكر أن عالمًا ممن ينكر المجاز والاستعارة في القرآن الكريم جاء إلى شيخٍ فاضل عالم منكرًا عليه دعوى المجاز - وكان ذلك السائل المنكر أعمى - فقال له الشيخ ما تقول في قوله تعالى ﴿وَمَن كَانَ فِي هذه أعمى فَهُوَ فِي الآخرة أعمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ هل المراد بالعمى الحقيقة وهو عمى البصر، أم المراد به المجاز وهو عمى البصيرة؟ فبهت السائل وانقطعت حجته.

160

90

المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى القرآن وما فيه من الدلائل الواضحة والبراهين القاطعة على صدق النبي الأمي، وتحداهم فظهر عجزهم بوضوح إعجازه، ذكر هنا نماذج عن تعنت الكفار وضلالهم باقتراح خوارق مادية غير القرآن العظيم، ثم ذكر قصة موسى وتكذيب فرعون له مع كثرة الخوارق والمعجزات التي ظهرت على يديه تسليةً لرسول الله ﷺ َ عن تكذيب المشركين، ثم ختم السورة الكريمة بدلائل القدرة والوحدانية.

اللغَة: ﴿كِسَفًا﴾ قِطَعًا جمع كِسْفَة كدمنة ودِمَن يقال: كسْفتُ الثوبَ أكسِفُه كِسَفًا إذا قطعته قطعًا قال الفراء: سمعت أعرابيًا يقول للبزَّاز أعطني كِسْفةً يريد قطعة ﴿قَبِيلًا﴾ معاينةً ﴿ترقى﴾ تصعد ﴿خَبَتْ﴾ خبت النار: سكنَ لهبها، وخمدتْ: سكن جمرها، وهَمَدت: طفئت جملة ﴿قَتُورًا﴾ بخيلًا ﴿مَثْبُورًا﴾ الثبور: الهلاك يقال: ثَبَر اللهُ العدوَّ أهلكه ﴿لَفِيفًا﴾ اللفيف: الجمع من القوم من أخلاطٍ شتى قال الجوهري: اللفيف ما اجتمع من الناس من قبائل شتّى يقال: جاء القوم بلَفِّهم ولفيفهم ﴿مُكْثٍ﴾ المُكْث: التطاول في المدة يقال مكَثَ إذا أَطال الإِقامة ﴿تُخَافِتْ﴾ خافت في الكلام أَسَرَّه بحيث لا يكاد يسمع أحد ﴿الأَذْقَانِ﴾ جمع ذّقَن وهو مجتمع اللَّحْيَين قال الشاعر:

فخرّوا لأذقانِ الوجوه تنوشُهم ... سباعٌ من الطير العوادي وتنتف

سَبَبُ النّزول: أ - عن ابن عباس «أن رؤساء قريش اجتمعوا عند الكعبة فقالوا: ابعثوا إلى محمد فكلِّموه وخاصموه حتى تُعذروا فيه، فبعثوا إليه إنَّ أشراف قومك قد اجتمعوا ليكلموك فجاءهم سريعًا - وكان حريصًا على رُشدهم - فقالوا يا محمد: إنّا والله لا نعلم رجلًا من العرب أدخلَ على قومه ما أدخلتَ على قومك، لقد شتمت الآباء، وعبتَ الدين، وسفَّهتَ الأحلام، وفرَّقت الجماعة، فإن كنتَ إنما جئت بهذا لتطلب مالًا جعلنا لك من أموالنا ما تكون به أكثرنا مالًا، وإن كنت إنما تطلب الشَّرَف فينا سوَّدناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رَئِيا - أي تابعًا من الجنّ - بذلنا أموالنا في طلب

161

الطِبِّ حتى نبرئك منه أو نُعذَر فيك، فقال رسول الله ﷺ َ: ما بي ما تقولون، ما جئتكم أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا المُلك عليكم، ولكنَّ الله بعثني إليكم رسولًا فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردّوه عليَّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم، فقالوا يا محمد إن كنت غير قابلٍ منا ما عرضنا فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيقَ بلادًا، ولا أشدَّ عيشًا منا، فسل ربك يُسيّر لنا هذه الجبال، ويجري لنا أنهارًا، ويبعث من مضى من آبائنا حتى نسألهم أحقٌّ ما تقول؟ وسلْه أن يجعل لك جنانًا وكنوزًا وقصورًا من ذهب وفضة تغنيك عنا فأنزل الله ﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعًا ...﴾»

الآية.

التفسِير: ﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعًا﴾ لما تبيّن إعجاز القرآن ولزمتهم الحجة وغلبوا أخذوا يتعلَّلون باقتراح الآيات والخوارق والمعنى قال المشركون لن نصدِّقك يا محمد حتى تشقّق لنا من أرض مكة عينًا غزيرة ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ﴾ أي يكون لك بستانٌ فيه أنواع النخيل والأعناب ﴿فَتُفَجِّرَ الأنهار خِلالَهَا تَفْجِيرًا﴾ أي تجعل الأنهار تتفجّر فيها وتسير وسطها بقوةٍ وغزارة ﴿أَوْ تُسْقِطَ السمآء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ هذا هو الاقتراح الثالث أي تجعل السماء تتساقط علينا قِطَعًا كما كنتَ تخوّفنا وتزعم أن الله سيعذبنا إن لم نؤمن بك قال المفسرون: أشاروا إلى قوله تعالى: ﴿إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرض أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِّنَ السمآء﴾ [سبأ: 9] ﴿أَوْ تَأْتِيَ بالله والملائكة قَبِيلًا﴾ أي تُحضر لنا اللهَ وملائكته مقابلةً وعيانًا فنراهم ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ﴾ أي يكون لك قصرٌ مشيَّد عظيم من ذهبٍ لا من حجر أو طين ﴿أَوْ ترقى فِي السمآء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ﴾ هذا هو الاقتراح السادس والأخير، وكلُّها تدل على سفهٍ وجهلٍ كبير، بسنة الله في خلقه وبحكمته وجلاله أي أو تصعد يا محمد إلى السماء بِسُلَّم ولن نصدّقك لمجرد صعودك حتى تعود ومعك كتاب من الله تعالى منشور أنك عبده ورسولُه نقرؤه بأنفسنا ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَرًا رَّسُولًا﴾ أي قل لهم يا محمد تعجبًا من فرط كفرهم وعنادهم: سبحانَ الله هل أنا إله حتى تطلبوا مني أمثال هذه المقترحات؟ ما أنا إلا رسولٌ من البشر بعثني الله إِليكم فلم هذا الجحود والعناد؟! ﴿وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا إِذْ جَآءَهُمُ الهدى إِلاَّ أَن قالوا أَبَعَثَ الله بَشَرًا رَّسُولًا﴾؟ أي إن السبب الذي منع المشركين من الإِيمان بعد وضوح المعجزات هو استبعاد أن يبعث الله رسولًا إلى الخلق من البشر، فلماذا يكون بشرًا ولا يكون ملكًا؟ وقد ردَّ تعالى عليهم بقوله ﴿قُل لَوْ كَانَ فِي الأرض ملائكة يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾ أي قل لهم يا محمد: لو كان أهل الأرض ملائكة يمشون على أقدامهم كما يمشي الناس ساكنين في الأرض مستقرين فيها ﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السمآء مَلَكًا رَّسُولًا﴾ أي لنزلنا عليهم رسولًا من الملائكة ولكنَّ أهل الأرض بشرٌ

162

فالرسول إليهم بشرٌ من جنسهم، إذْ جرت حكمة الله أن يرسل إلى كل قومٍ رسولًا من جنسهم ليمكنهم الفهم عنه ومخاطبته، وهذا تسفيهٌ وتجهيل لمنطق المشركين ﴿قُلْ كفى بالله شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي كفى اللهُ شاهدًا على صدقي ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ أي هو تعالى العالم بأحوال العباد وسيجازيهم عليها ﴿وَمَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتد﴾ أي من يهده الله إلى الحق فهو السعيد الرشيد ﴿وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ﴾ أي ومن يضلله الله عن الحق بسبب سوء اختياره فلن تجد لهم أنصارًا يعصمونهم من عذاب الله ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ﴾ أي يُسحبون يوم القيامة على وجوههم تجرُّهم الزبانية من أرجلهم إلى جهنم كما يُفعل في الدنيا بمن يبالغ في هوانه وتعذيبه ﴿عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ أي يُحشرون حال كونهم عميًا وبكمًا وصمًا يعني فاقدي الحواس لا يرون ولا ينطقون ولا يسمعون ثم يردُّ الله إليهم أسماعهم وأبصارهم ونطقهم فيرون النار ويسمعون زفيرها وينطقون بما حكى الله عنهم، عن أنس

«قيل يا رسول الله: كيف يُحشر الناسُ على وجوههم؟ قال: الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم» ﴿مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ أي مستقرهم ومقامهم في جهنم كلما سكن لهبها وخمدت نارها زدناهم نارًا ملتهبة ووهجًا وجمرًا ﴿ذَلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا وَقَالُواْ أَءِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ أي ذلك العذاب جزاء كفرهم بآيات الله وتكذيبهم بالبعث والنشور وقولهم أئذا أصبحنا عظامًا نخرة، وذرات متفتتة سنُخلق ونبعث مرة ثانية؟ وقد ردَّ تعالى عليهم بقوله ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض قَادِرٌ على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ أي أولم ير هؤلاء المشركون أن الله العظيم الجليل الذي خلق هذا الكون الهائل بسماواته وأرضه قادرٌ على إعادة جسد الإِنسان بعد فنائه؟ فإن القادر على الإحياء قادر على الإِعادة بطريق الأحرى قال في البحر: نبَّههم تعالى على عظيم قدرته وباهر حكمته بقوله ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ﴾ وهو استفهام إِنكارٍ وتوبيخ على استبعادهم الإِعادة، واحتجاجٌ عليهم بأنهم قد رأوا قدرة الله على خلق هذه الأجرام العظيمة التي بعضُ ما تحويه البشرُ، فكيف يقرون بخلق هذا المخلوق العظيم ثم ينكرون إعادته ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لاَّ رَيْبَ فِيهِ﴾ أي جعل لهؤلاء المشركين موعدًا محدَّدًا لموتهم وبعثهم، لا شك ولا ريب في مجيئه ﴿فأبى الظالمون إِلاَّ كُفُورًا﴾ أي أبى هؤلاء الكافرون الظالمون - مع وضوح الحق وسطوعه - إلا جحودًا وتماديًا في الكفر والضلال ﴿قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المعاندين المكابرين، المقترحين للخوارق والمعجزات: لو كنتم تملكون خزائن رزق الله ونِعَمه التي أفاضها على العباد ﴿إِذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنفاق﴾ أي إذًا لبخلتم به وامتنعتم عن الإِنفاق خوفًا من نفادها ﴿وَكَانَ الإنسان قَتُورًا﴾ أي وكان الإِنسان شحيحًا مبالغًا في البخل قال ابن عباس ﴿قَتُورًا﴾ أي بخيلًا منوعًا وقال الزمخشري: ولقد بلغ هذا الوصف بالشُّحّ الغاية التي لا يبلغها الوهم. ثم ذكر تعالى أن كثرة

163

الخوارق لا تُنشئ الإِيمان في القلوب الجاحدة، وها هو ذا موسى قد أُوتِي تسع آيات بينات ثم كذَّب بها فرعون وملؤه فحلَّ بهم الهلاك جميعًا ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ أي والله لقد أعطينا موسى تسع آياتٍ واضحات الدلالة على نبوته وصحة ما جاء به من عند الله وهي «العصا، واليد، والطوفان، والجراد، والقُمَّل، والضفادع، والدم، وانفلاق البحر، والسنين» خمسٌ منها في سورة الأعراف

﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيَاتٍ مّفَصَّلاَتٍ﴾ [الأعراف: 133] ﴿فَسْئَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَآءَهُمْ﴾ أي فاسألْ يا محمد بني إسرائيل عما جرى بين موسى وفرعون فإنهم يعلمونها مما لديهم في التوراة قال الرازي: وليس المطلوب من سؤال بني إسرائيل أن يستفيد هذا العلم منهم بل المقصود أن يظهر لعامة اليهود وعلمائهم صدق ما ذكره الرسول فيكون هذا السؤال سؤال استشهاد ﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لأَظُنُّكَ ياموسى مَسْحُورًا﴾ أي إني لأظنك يا موسى قد سُحرت فتخبَّط عقلُك ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هؤلاء إِلاَّ رَبُّ السماوات والأرض بَصَآئِرَ﴾ أي قال له موسى توبيخًا وتبكيتًا: لقد تيقَّنت يا فرعون أن هذه الآيات التسع ما أنزلها إلا رب السماوات والأرض شاهدة على صدقي، تبصِّرُ الناس بقدرة الله وعظمته ولكنك مكابرٌ معاند ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يافرعون مَثْبُورًا﴾ أي وإني لأعتقدك يا فرعون هالكًا خاسرًا ﴿فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الأرض﴾ أي أراد فرعون أن يخرج موسى وقومه من أرض مصر ﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا﴾ أي فأغرقنا فرعون وجنده أجمعين في البحر ﴿وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسكنوا الأرض﴾ أي وقلنا لبني إسرائيل من بعد إغراق فرعون وجنده اسكنوا أرض مصر ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخرة جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ أي فإذا جاء يوم القيامة جئنا بكم من قبوركم إلى المحشر مختلطين فيكم المؤمن والكافر، والبرُّ والفاجر، ثم نفصل بينكم ونميّز السعداء من الأشقياء، ثم عاد إلى تعظيم حال القرآن وجلالة قدره فقال ﴿وبالحق أَنْزَلْنَاهُ وبالحق نَزَلَ﴾ أي وأنزلنا هذا القرآن متلبسًا بالحقِّ، لا يعتريه شك أو ريب، فيه الحكم والمواعظ والأمثال التي اشتمل عليها القرآن وهكذا أُنزل من عند الله ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ أي وما أرسلناك يا محمد إلا مبشرًا بالجنة لمن أطاع، ومنذرًا بالنار لمن عصى ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس على مُكْثٍ﴾ أي وقرآنًا نزّلناه مفرقًا منجمًا لتقرأه على الناس على تُؤدةٍ ومهل، ليكون حفظه أسهل، والوقوف على دقائقه أيسر ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ أي نزّلناه شيئًا بعد شيء على حسب الأحوال والمصالح ﴿قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تؤمنوا﴾ خطاب للمشركين الذين اقترحوا المعجزات على وجه التهديد والوعيد أي آمنوا بهذا القرآن أو لا تؤمنوا فإن إيمانكم به لا يزيده كمالًا، وتكذيبكم له لا يورثه نقصًا ﴿إِنَّ الذين أُوتُواْ العلم مِن قَبْلِهِ إِذَا يتلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ أي العلماء الذين قرءوا الكتب السالفة من صالحي أهل الكتاب إذا سمعوا القرآن تأثروا فخرّوا ساجدين للهِ رب العالمين، والجملة تعليل لما تقدم والمعنى: إن لم تؤمنوا به أنتم فقد آمن به من هو خير منكم وأعلم ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ أي يقولون تنزّه الله عن إخلاف وعده إنه كان وعده كائنًا لا محالة ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ أي ويخرُّون لناحية الأذقان ساجدين على وجوههم باكين عند

164

استماع القرآن ويزيدهم تواضعًا لله قال الرازي: والفائدة في هذا التكرير اختلاف الحالين وهو خرورهم للسجود وفي حال كونهم باكين عند استماع القرآن ﴿قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن﴾ أي نادوا ربكم الجليل باسم ﴿الله﴾ أو باسم ﴿الرحمن﴾ ﴿أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأسمآء الحسنى﴾ أي بأي هذين الإسمين ناديتموه فهو حسن لأن أسماءه جميعها حسنى وهذان منها قال المفسرون: سببها أن الكفار سمعوا النبي ﷺ َ يدعو (يا الله، يا رحمن) فقالوا إن كان محمد ليأمرنا بدعاء إله واحدٍ وها هو يدعو إلهين فنزلت الآية مبينة أنهما لمسمَّى واحد ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا﴾ أي لا تجهر يا محمد بقراءتك في الصلاة فيسمعك المشركون فيسبوا القرآن ومن أنزله ولا تُسرَّ بقراءتك بحيث لا تسمع من خلفك ﴿وابتغ بَيْنَ ذلك سَبِيلًا﴾ أي اقصد طريقًا وسطًا بين الجهر والمخافتة قال ابن عباس: كان رسول الله ﷺ َ يرفع صوته بالقراءة فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن ومن أنزله فنزلت ﴿وَقُلِ الحمد لِلَّهِ الذي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ أي الحمد لله الذي تنزَّه عن الولد ﴿وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي الملك﴾ أي ليس له شريك في ألوهيته ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذل﴾ أي ليس بذليل فيحتاج إلى الوليّ والنصير ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ أي عظِّمْ ربك عظمةً تامة بلا ولد ولا شريك، وتنزيهه عن الحاجة إلى الولي والنصير، وهو العلي الكبير.

البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1 - الاستفهام الإِنكاري ﴿أَبَعَثَ الله بَشَرًا رَّسُولًا﴾؟ .

2 - الالتفات من الغيبة إلى التكلم ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة﴾ اهتمامًا بأمر الحشر.

3 - الطباق بين ﴿وَمَن يَهْدِ ... وَمَن يُضْلِلْ﴾ وبين ﴿مُبَشِّرًا ... وَنَذِيرًا﴾ وبين ﴿تَجْهَرْ ... وتُخَافِتْ﴾ .

4 - الجناس الناقص بين ﴿مَسْحُورًا﴾ و﴿مَثْبُورًا﴾ لتغير بعض الحروف.

5 - المقابلة اللطيفة ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يافرعون مَثْبُورًا﴾ مقابل قولة فرعون ﴿إِنِّي لأَظُنُّكَ ياموسى مَسْحُورًا﴾ .

6 - السجع الرصين الذي يزيد في جمال الأسلوب مثل ﴿فَتُفَجِّرَ الأنهار خِلالَهَا تَفْجِيرًا ... مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ ومثل ﴿إِنِّي لأَظُنُّكَ ياموسى مَسْحُورًا ... وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يافرعون مَثْبُورًا﴾ .

165