الكهف
1
اللغَة: ﴿بَاخِعٌ﴾ قاتلٌ ومهلكٌ قال الليث: بخع الرجل نفسه إذا قتلها غيظًا وأصلُ البخع
الكهف
اللغَة: ﴿بَاخِعٌ﴾ قاتلٌ ومهلكٌ قال الليث: بخع الرجل نفسه إذا قتلها غيظًا وأصلُ البخع
الجهد كما قال الفراء ﴿جُرُزًا﴾ الجُرُز: الأرض التي لا نبات عليها ﴿الكهف﴾ النقب المتسع في الجبل وإذا لم يكن متسعًا فهو غار ﴿والرقيم﴾ اللوح الذي كتبت فيه أسماء أصحاب الكهف ﴿شَطَطًا﴾ الشطط: الجور والغلو وتعدي الحد قال الفراء: اشتط في الأمر جاوز الحد، وشطَّ المنزل بَعُدَ ﴿تَّزَاوَرُ﴾ تتنحَّى وتميل من الأزورار بمعنى الميل قال عنترة «وازْورَّ من وقع القنا بلبانه» ﴿بالوصيد﴾ الفِناء أي فناء الكهف ﴿فَجْوَةٍ﴾ متَّسع من المكان ﴿بِوَرِقِكُمْ﴾ الوَرِق: اسمٌ للفضة سواءً كانت مضروبةً أم لا ﴿أَعْثَرْنَا﴾ أطلعنا ﴿تُمَارِ﴾ تجادل والمراءُ: المجادلة.
التفسِير: ﴿الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب﴾ أي الثناء الكامل مع التعظيم والإِجلال لله الذي أنزل على رسوله محمد القرآن نعمةً عليه وعلى سائر الخلق ﴿وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا﴾ أي لم يجعل فيه شيئًا من العوج لا في ألفاظه ولا في معانيه، وليس فيه أي عيبٍ أو تناقض ﴿قَيِّمًا﴾ أي مستقيمًا لا اختلاف فيه ولا تناقض قال الطبري: هذا من المُقدَّم والمؤخر أي أنزل الكتاب قيّمًا ولم يجعل له عِوَجًا يعني مستقيمًا لا اختلاف فيه ولا تفاوت، ولا اعوجاج ولا ميل عن الحق، ﴿لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ﴾ أي لينذر بهذا القرآن الكافرين عذابًا شديدًا من عنده تعالى ﴿وَيُبَشِّرَ المؤمنين الذين يَعْمَلُونَ الصالحات﴾ أي ويبشّر المصدقين بالقرآن الذين يعملون الأعمال الصالحة ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ أي أن لهم الجنة وما فيها من النعيم المقيم ﴿مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ أي مقيمين في ذلك النعيم الذي لا انتهاء له ولا انقضاء ﴿وَيُنْذِرَ الذين قَالُواْ اتخذ الله وَلَدًا﴾ أي ويخوّف أولئك الكافرين الذين نسبوا لله الولد عذابه الأليم قال البيضاوي: خصَّهم بالذكر وكَّرر الإِنذار استعظامًا لكفرهم، وإِنما لم يذكر المُنْذَر به استغناءً بتقدم ذكره ﴿مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي ما لهم بذلك الافتراء الشنيع شيءٌ من العلم أصلًا ﴿وَلاَ لآبَائِهِمْ﴾ أي ولا لأسلافهم الذي قلَّدوهم فتاهوا جميعًا في بيداء الجهالة والضلالة ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ أي عظمت تلك المقالة الشنيعة كلمة قبيحة ما أشنعها وأفظعها؟ خرجت من أفواه أولئك المجرمين، وهي في غاية الفساد والبطلان ﴿إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا﴾ أي يقولون إلا كذبًا وسفهًا وزورًا ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ على آثَارِهِمْ﴾ أي فلعلك قاتلٌ نفسك يا محمد ومهلكها غمًّا وحزنًا على فراقهم وتوليهم وإِعراضهم عن الإِيمان ﴿إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفًا﴾ أي إن لم يؤمنوا بهذا القرآن حسرةً وأسفًا عليهم، فما يستحق هؤلاء أن تحزن وتأسف عليهم، والآية تسليةٌ للنبي عليه السلام ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرض زِينَةً لَّهَا﴾ أي جعلنا ما عليها من زخارف ورياش ومتاع وذهب وفضة وغيرها زينة للأرض كما زينا السماء بالكواكب ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ أي لنختبر الخلق أيهم أطوع لله وأحسن عملًا لآخرته ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ أي سنجعل ما عليها من الزينة والنعيم حطامًا وركامًا حتى تصبح كالأرض الجرداء التي لا نبات فيها ولا حياة بعد أن كانت خضراء بهجة قال القرطبي: الآية وردت لتسلية النبي ﷺ َ والمعنى: لا تهتم يا محمد للدنيا وأهلها فإِنا إنما جعلنا ذلك امتحانًا واختبارًا لأهلها، فمنهم من يتدبر ويؤمن ومنهم من يكفر، ثم إن يوم القيامة بين أيديهم، فلا يعظمنَّ عليك كفرُهم فإنا
سنجازيهم ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الكهف والرقيم كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾؟ بدء قصة أصحاب الكهف، والكهفُ الغار المتسع من الجبل، والرقيمُ اللوح الذي كتب فيه أسماء أصحاب الكهف على المشهور والمعنى: لا تظننَّ يا محمد أن قصة أهل الكهف - على غرابتها - هي أعجبُ آيات الله، ففي صفحات هذا الكون من العجائب والغرائب ما يفوق قصة أصحاب الكهف قال مجاهد: أحسبت أنهم كانوا أعجب آياتنا؟ قد كان في آياتنا أعجب منهم ﴿إِذْ أَوَى الفتية إِلَى الكهف﴾ أي اذكر حين التجأ الشبان إلى الغار في الجبل وجعلوه مأواهم ﴿فَقَالُواْ رَبَّنَآ آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً﴾ أي أعطنا من خزائن رحمتك الخاصة مغفرة ورزقًا ﴿وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ أي أصلح لنا أمرنا كلَّه واجعلنا من الراشدين المهتدين ﴿فَضَرَبْنَا على آذَانِهِمْ فِي الكهف سِنِينَ عَدَدًا﴾ أي ألقينا عليهم النوم في الغار سنين عديدة ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أحصى لِمَا لَبِثُواْ أَمَدًا﴾ أي ثم أيقظناهم من بعد نومهم الطويل لنرى أيُّ الفريقين أدقُّ إحصاءً للمدة التي ناموها في الكهف؟ قال في التسهيل: والمراد
بالحزبين: أصحابُ الكهف، والذين بعثهم الله إليهم حتى رأوهم وقال مجاهد: الحزبان من أصحاب الكهف لما استيقظوا اختلفوا في المدة التي لبثوها في الكهف فقال بعضهم: يومًا أو بعض يوم وقال آخرون: ربكم أعلم بما لبثتم، والقول الأول مروي عن ابن عباس ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بالحق﴾ أي نحن نقص عليك يا محمد خبرهم العجيب على وجه الصدق دون زيادةٍ ولا نقصان ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ أي إنهم جماعة من الشبان آمنوا بالله فثبتناهم على الدين وزدناهم يقينًا ﴿وَرَبَطْنَا على قُلُوبِهِمْ﴾ أي قوينا عزمهم وألهمناهم الصبر حتى أصبحت قلوبهم ثابتة راسخة، مطمئنة إلى الحق معتزةً بالإِيمان ﴿إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السماوات والأرض﴾ أي حين قاموا بين يدي الملك الكافر الجبار من غير مبالاة فقالوا ربنا هو خالق السماوات والأرض لا ما تدعونا إليه من عبادة الأوثان والأصنام ﴿لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إلها﴾ أي لن نشرك معه غيره فهو واحد بلا شريك ﴿لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ أي لئن عبدنا غيره نكون قد تجاوزنا الحقَّ، وحُدنا عن الصواب، وأفرطنا في الظلم والضلال ﴿هؤلاء قَوْمُنَا اتخذوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ أي هؤلاء أهل بلدنا عبدوا الأصنام تقليدًا من غير حجة ﴿لَّوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ أي هلاّ يأتون على عبادتهم لها ببرهان ظاهر، والغرض من التحضيض ﴿لَّوْلاَ﴾ التعجيز كأنهم قالوا إنهم لا يستطيعون أن يأتوا بحجة ظاهرة على عبادتهم للأصنام فهم إذًا كذبة على الله ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا﴾ استفهام بمعنى النفي أي لا أحد أظلم ممن كذب على الله بنسبة الشريك إليه تعالى ﴿وَإِذِ اعتزلتموهم وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ الله﴾ أي وإِذْ اعتزلتم أيها الفتية قومكم وما يعبدون من الأوثان غير الله تعالى ﴿فَأْوُوا إِلَى الكهف﴾ أي التجئوا إلى الكهف ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ﴾ أي يبسط ربكم ويوسّعْ عليكم رحمته ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقًا﴾ أي يُسهّل عليكم أسباب الرزق وما ترتفقون به من غداء وعشاء في هذا الغار ﴿وَتَرَى الشمس إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ اليمين﴾ أي ترى أيها المخاطب الشمس إذا طلعت تميل عن كهفهم جهة اليمين ﴿وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشمال﴾ أي وإذا غربت تقطعهم وتُبعد عنهم جهة الشمال والغرض أن الشمس لا تصيبهم عند طلوعها ولا عند غروبها كرامةً لهم من الله لئلا تؤذيهم بحرها ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ﴾ أي في متَّسع من الكهف وفي وسطه بحيث لا تصيبهم الشمس لا في ابتداء النهار، ولا في آخره ﴿ذلك مِنْ آيَاتِ الله﴾ أي ذلك الصنيع من دلائل قدرة الله الباهرة قال ابن
عباس: لو أن الشمس تطلع عليهم لأحرقتهم، ولو أنهم لا يُقلَّبون لأكلتهم الأرض ﴿مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتد﴾ أي من يُوفقه الله للإيمان ويرشده إلى طريق السعادة فهو المهتدي حقًا ﴿وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا﴾ أي ومن يضلله الله بسوء عمله فلن تجد له من يهديه ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ أي لو رأيتهم أيها الناظر لظننتهم أيقاظًا لتفتح عيونهم وتقلبهم والحال أنهم نيام ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ اليمين وَذَاتَ الشمال﴾ أي ونقلبهم من جانب إلى جانب لئلا تأكل الأرض أجسامهم ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بالوصيد﴾ أي وكلبهم الذي تبعهم باسطٌ يديه بفناء الكهف كأنه يحرسهم ﴿لَوِ اطلعت عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ أي لو شاهدتهم وهم على تلك الحالة لفررت منهم هاربًا رعبًا منهم، وذلك لما ألبسهم الله من الهيبة، فرؤيتهم تثير الرعب إذ يراهم الناظر نيامًا كالأيقاظ، يتقلبون ولا يستيقظون ﴿وكذلك بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ أي كما أنمناهم كذلك بعثناهم من لنوم وأيقظناهم بعد تلك الرقدة الطويلة التي تشبه الموت ليسأل بعضهم بعضًا عن مدة مكثهم وإقامتهم في الغار ﴿قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ أي قال أحدهم: كم مكثنا في هذا الكهف؟ فقالوا مكثنا فيه يومًا أو بعض يوم قال المفسرون: إنهم دخلوا في الكهف صباحًا وبعثهم الله في آخر النهار فلما استيقظوا ظنوا أن الشمس قد غربت فقالوا لبثنا يومًا، ثم رأَوها لم تغرب فقالوا أو بعض يوم، وما دروا أنهم ناموا ثلاثمائة وتسع سنين ﴿قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ أي قال بعضهم، الله أعلم بمدة إقامتنا ولا طائل وراء البحث عنها فخذوا بما هو أهم وأنفع لكم فنحن الآن جياع ﴿فابعثوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذه إلى المدينة﴾ أي فأرسلوا واحدًا منكم إلى المدينة بهذه النقود الفضية ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَآ أزكى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ﴾ أي فليختر لنا أحلَّ وأطيب الطعام فليشتر لنا منه ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ أي وليتلطف في دخول المدينة وشراء الطعام حتى لا يشعر بأمرنا أحد ﴿إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ أي إن يظفر يقتلوكم بالحجارة أو يردوكم إلى دينهم الباطل ﴿وَلَن تفلحوا إِذًا أَبَدًا﴾ أي وإن عدتم إلى دينهم ووافقتموهم على كفرهم فلن تفوزوا بخيرٍ أبدًا، وهكذا يتناجى الفتية فيما بينهم خائفين حذرين أن يظهر عليهم الملك الجبار فيقتلهم أو يردهم إلى عبادة الأوثان فيوصون صاحبهم بالتلطف بالدخول والخروج وأخذ الحيطة والحذر ﴿وكذلك أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ليعلموا أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَأَنَّ الساعة لاَ رَيْبَ فِيهَا﴾ أي وكما بعثناهم من نومهم كذلك أطلعنا الناس عليهم ليستدلوا بذلك على صحة البعث ويوقنوا أن القيامة لا شك فيها، فتكون قصة أصحاب الكهف حجة واضحة ودلالة قاطعة على إمكان البعث والنشور فإن القادر على بعث أهل الكهف بعد نومهم ثلاثمائة عام قادر على بعث الخلق بعد مماتهم ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ أي حين تنازع القوم في أمر أهل الكهف بعد أن أطلعهم الله عليهم ثم قبض أرواحهم ﴿فَقَالُواْ ابنوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا﴾ أي قال بعض الناس: ابنوا على باب كهفهم بنيانًا ليكون علَمًا عليهم ﴿رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ أي الله أعلم بحالهم وشأنهم ﴿قَالَ الذين غَلَبُواْ على أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِدًا﴾ أي قال الفريق الآخر وهم الأكثرية الغالبة: لنتخذنَّ على باب الكهف مسجدًا نصلي فيه ونعبد الله فيه ﴿سَيَقُولُونَ﴾
﴿ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ أي سيقول هؤلاء القوم الخائضون في قصتهم في عهد الرسول ﷺ َ من أهل الكتاب هم ثلاثة رجال يتبعهم كلبهم ﴿وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بالغيب﴾ أي ويقول البعض: إنهم خمسةٌ سادسهم الكلب قذفًا بالظنِّ من غير يقين ولا علم كمن يرمي إلى مكان لا يعرفه ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ أي ويقول البعض إنهم سبعةٌ والثامن هو الكلب ﴿قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم﴾ أي الله أعلم بحقيقة عددهم ﴿مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ أي لا يعلم عدتهم إلا قليل من الناس قال ابن عباس: أنا من ذلك القليل، كانوا سبعةً إن الله عدَّهم حتى انتهى إلى السبعة قال المفسرون: إن الله تعالى لما ذكر القول الأول والثاني أردفه بقوله ﴿رَجْمًا بالغيب﴾ ولما ذكر القول الأخير لم يقدح فيه بشيء فكأنه أقر قائله ثم نبَّه رسوله إلى الأفضل والأكمل وهو ردُّ العلم إلى علام ﴿فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِرًا﴾ أي فلا تجادل أهل الكتاب في عدتهم إلا جدال متيقنٍ عالم بحقيقة الخبر ﴿وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَدًا﴾ أي لا تسأل أحدًا عن قصتهم فإنَّ فيما أوحي إليك الكفاية ﴿وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَدًا إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ أي لا تقولنَّ لأمر عزمت عليه إني سأفعله غدًا إلا إذا قرنته بالمشيئة فقلت إن شاء الله قال ابن كثير: سبب نزول الآية أن النبي ﷺ َ لما سئل عن قصة أصحاب الكهف قال: (غدًا أجيبكم) فتأخر الوحي عنه خمسة عشر يومًا ﴿واذكر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ أي أذا نسيت أن تقول إن شاء الله ثم تذكرت فقلها لتبقى نفسك مستشعرةً عظمة الله ﴿وَقُلْ عسى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَدًا﴾ أي لعلَّ الله يوفقني ويرشدني إلى ما هو أصلح من أمر ديني ودنياي ﴿وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِاْئَةٍ سِنِينَ وازدادوا تِسْعًا﴾ أي مكثوا في الكهف نائمين ثلاثمائة وتسع سنين، وهذا بيانٌ لما أُجمل في قوله تعالى ﴿سِنِينَ عَدَدًا﴾ ﴿قُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ﴾ أي الله أعلم بمدة لبثهم في الكهف على وجه اليقين ﴿لَهُ غَيْبُ السماوات والأرض﴾ أي هو تعالى المختص بعلم الغيب وقد أخبرك بالخبر القاطع عن أمرهم الحكيمُ الخبير ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ أي ما أبصره بكل موجود، وما أسمعه لكل مسموع، يدرك الخفيات كما يدرك الجليات ﴿مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ﴾ أي ليس للخلق ناصرٌ ولا معين غيره تعالى ﴿وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ أي ليس له شريك ولا مثيل ولا نظير، ولا يقبل في قضائه وحكمه أحدًا لأنه الغنيّ عما سواه.
البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
1 - الطباق بين ﴿يُبَشِّرَ. . وَيُنْذِرَ﴾ وبين ﴿يَهْدِ. . ويُضْلِلْ﴾ وبين ﴿أَيْقَاظًا. . ورُقُودٌ﴾ وبين ﴿ذَاتَ اليمين. . وَذَاتَ الشمال﴾ .
2 - الطباق المعنوي بين ﴿فَضَرَبْنَا على آذَانِهِمْ. . ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ﴾ لأن معنى الأول أنمناهم والثاني أيقظناهم.
3 - الجناس الناقص بين ﴿قَامُواْ. . وقَالُواْ﴾ .
4 - الإطناب بذكر الخاص بعد العام ﴿لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدا﴾ ﴿وَيُنْذِرَ الذين قَالُواْ اتخذ الله وَلَدًا﴾ لشناعة دعوى الولد لله، وفيه من بديع الحذف وجليل الفصاحة حذف المفعول الأول أي لينذر
الكافرين بأسًا شديدًا، ثم ذكر المفعول الأول وحذف الثاني في قوله ﴿وَيُنْذِرَ الذين قَالُواْ اتخذ الله وَلَدًا﴾ عذابًا شديدًا فحذف العذاب لدلالة الأول عليه وحذف من الأول المنذرين لدلالة الثاني عليه، وهذا من ألطف الفصاحة.
5 - صيغة التعجب ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ .
6 - الاستعارة التمثيلية ﴿بَاخِعٌ نَّفْسَكَ على آثَارِهِمْ﴾ شبَّه حاله عليه السلام مع المشركين بحال من فارقته الأحباب فهمَّ بقتل نفسه أو كاد يهلك نفسه حزنًا ووجدًا عليهم.
7 - الاستعارة التبعية ﴿فَضَرَبْنَا على آذَانِهِمْ﴾ شبّهت الإنامة الثقيلة بضرب الحجاب على الآذان كما تضرب الخيمة على السكان وكذلك يوجد استعارة في ﴿وَرَبَطْنَا على قُلُوبِهِمْ﴾ لأن الربط هو الشد والمراد شددنا على قلوبهم كما نشد الأوعية بالأوكية.
المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى قصة أهل الكهف وهي تُمثل صور التضحية والبطولة في سبيل العقيدة ممثلة في قصة الآخوين من بني إسرائيل: المؤمن املعتز بإيمانه، والكافر وهو صاحب الجنتين، وما فيها من عبر وعظات، وفي ثنايا الآيات جاءت بعض التوجيهات القرآنية الكريمة. اللغَة: ﴿مُلْتَحَدًا﴾ ملجأ وأصله من لحَد إذا مال، ومن لجأتَ إليه فقد ملتَ إليه هكذا قال أهل اللغة ﴿فُرُطًا﴾ مجاوزًا للحد من قولهم فرسٌ فُرُط إذا كان متقدمًا للخيل، قال الليث: الفُرُط الأمر الذي يفرَّط فيه قال الشاعر:
لقد كلفتني شَطًا ... وأمرًا خائبًا فُرُطًا
﴿سُرَادِقُهَا﴾ السُّرادق: السور والحائط ﴿المهل﴾ كل ما أذيب من المعادن قال أبو عبيدة: كل شيءٍ أذبته من ذهب أو نحاسٍ أو فضة فهو المُهل ﴿سُنْدُسٍ﴾ السندس: الرقيق من الحرير ﴿وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ الاستبرق: الغليظ من الحرير وهو الديباج قال الشاعر:
تراهنَّ يلبسن المشاعر مرةً ... واستبرق الديباج طورًا لباسها
﴿الأرآئك﴾ جمع أريكة وهي السرير المزيَّن بالثياب والستور كسرير العروس ﴿حُسْبَانًا﴾ جمع حسبانه وهي الصاعقة ﴿هَشِيمًا﴾ الهشيم: اليابس المتكسر من النبات ﴿نُغَادِرْ﴾ نترك.
سَبَبُ النّزول: روى أن أشراف قريش اجتمعوا عند رسول الله ﷺ َ وقالوا له: إن أردت أن نؤمن بك فاطر هؤلاء الفقراء من عندك يعنون «بلالًا، وخبابًا، وصهيبًا» وغيرهم فإنا نأنف أن نجتمع بهم، وتعيِّن لهم وقتًا يجتمعون فيه عندك فأنزل الله ﴿واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ. .﴾ الآية.
التفسِير: ﴿واتل مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ﴾ أي إقرأ يا محمد ما أوحاه إليك ربك من آيات الذكر الحكيم ﴿لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ أي لا يقدر أحدٌ أن يغيّر أو يبدّل كلام الله ﴿وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ أي لن تجد ملجأ غير الله تعالى أبدًا ﴿واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشي﴾ أي احبس نفسك مع الضعفاء والفقراء من المسلمين الذين يدعون ربهم بالصباح والماء ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ أي يبتغون بدعائهم وجه الله تعالى ﴿وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ أي لا تصرف بصرك إلى غيرهم من ذوي الغنى والشرف قال المفسرون: كان عليه السلام حريصًا على إيمان الرؤساء ليؤمن أبتاعهم ولم يكن مريدًا لزينة الدنيا قط، فأمِر أن يجعل إقباله على فقراء المؤمنين وأن يُعرض عن أولئك العظماء والأشراف من المشركين ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الحياة الدنيا﴾ أي تبتغي بمجالستهم الشرف والفخر قال ابن عباس: لا تجاوزهم إلى غيرهم تطلب بدلهم أصحاب الشرف والثروة ﴿وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا﴾ أي لا تطع كلام الذين سألوك طرد المؤمنين فقلوبهم غافلة عن ذكر الله، وقد شغلوا عن الدين وعبادةِ ربهم بالدنيا قال المفسرون: نزلت في عيُينة بن حصن وأصحابه أتى النبي ﷺ َ: أما يؤذيك ريح هؤلاء؟ ونحن سادةُ مضر وأشرافها إن أسلمنا يسلم الناس، وما يمنعنا من اتباعك إلا هؤلاء فنحِّهمْ عنك حتى نتبعك، أو أجعل لنا مجلسًا ولهم مجلس، فهمَّ رسول الله ﷺ َ أن يجيبهم إلى ما طلبوا فلما نزلت الآية خرج رسول الله ﷺ َ يلتمس هؤلاء الفقراء فلما رآهم جلس معهم وقال
«الحمد لله الذي جعل أُمتي من أمرني ربي أن أصبر نفسي معهم» ﴿واتبع هَوَاهُ﴾ أي سار مع هواه وترك أمر الله ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ أي كان أمره ضياعًا وهلاكًا ودمارًا ﴿وَقُلِ الحق مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ظاهرُه أمرٌ وحقيقته وعيدٌ وإنذار أي قل يا محمد لهؤلاء الغافلين لقد ظهر الحق وبان بتوضيح الرحمن فإن شئتم فآمنوا وإن شئتم فاكفروا كقوله ﴿اعملوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: 40] ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ أي هيأنا للكافرين بالله ورسوله نارًا حاميةً شديدة أحاط بهم سورها كإحاطة السوار بالمعصم ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كالمهل يَشْوِي الوجوه﴾ أي وإن استغاثوا من شدة العطش فطلبوا الماء أُغيثوا بماءٍ شديد الحرارة كالنحاس المذاب أو كعكر الزيت المحمى يشوي وجوههم إذا قَرُب منهم من شدة حره وفي الحديث «ماءٌ كعكر الزيت فإذا قُرب إليه سقطت فروة وجهه فيه» أي سقطت جلدة وجهه فيه أعاذنا الله من جهنم ﴿بِئْسَ الشراب وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ أي بئس ذلك الشراب الذي يُعاثون به وساءت جهنم منزلًا ومقيلًا يرتفق به أهل النار ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ لما ذكر تعالى حال الأشقياء أعقبه بذكر حال السعداء، على طريقة القرآن في الترغيب والترهيب، أي إنا لا نضيع ثواب من أحسن عمله وأخلص فيه بل نزيده وننميه ﴿أولئك لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ أي لهم جنات إقامة ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنهار﴾ أي تجري من تحت غرفهم ومنازلهم أنهار الجنة ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ أي يُحلَّون في الجنة بأساوِر الذهب قال المفسرون: ليس
أحد من أهل الجنة إلا وفي يده ثلاثة أساور: سوارٌ من ذهب، وسوار من فضة، وسوار من لؤلؤ، لأن الله تعالى: قال ﴿وحلوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: 21] وقال ﴿وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر: 33] وفي الحديث «تبلغ حلية المؤمن حيث يبلغ الوضوء» ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ أي وهم رافلون في ألوانٍ من الحرير، برقيق الحرير وهو السندس، وبغليظه وهو الاستبرق قال الطبري: معنى الآية أنهم يلبسون من الحلي أساور من ذهب، ويلبسون من الثياب السندس وهو ما رقَّ من الديباج، والاستبرق وهو ما غلظ فيه وثَخُن ﴿مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأرآئك﴾ أي متكئين في الجنة على السرر الذهبية المزينة والستور قال ابن عباس: الآرائك الأسرة من ذهب وهي مكلَّلة بالدُر والياقوت عليها الحجال، الأريكةُ ما بين صنعاء إلى أيلة، وما بين عدن إلى الجابية ﴿نِعْمَ الثواب وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ أي نعم ذلك جزاء المتقين، وحسنت الجنة منزلًا ومقيلًا لهم ﴿اضرب لهُمْ مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ﴾ أي اضرب لهؤلاء الكفار الذين طلبوا منك أن تطرد الفقراء هذا المثل قال المفسرون: هما أخوان من بني إسرائيل، أحدهما مؤمن، والآخر كافر، ورثا مالًا عن أبيهما فاشترى الكافر بماله حديقتين، وأنفق المؤمن ماله في مرضاة الله حتى نفد ماله فعيَّره الكافر بفقره، فأهلك الله مال الكافر، وضرب هذا مثلًا للمؤمن من الذي يعمل بطاعة الله، والكافر الذي أبطرته النعمة ﴿جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ أي جعلنا لأحدهما - وهو الكافر - بستانينِ من شجر العنب، مثمريْن بأنواع العنب اللذيد ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾ أي أحطناهما بسياجٍ من شجر النخيل ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾ أي جعلنا وسط هذين البستانين زرعًا ويتفجر بينهما نهر، وإنه لمنظرٌ بهيجٌ يصوره القرآن أروع تصوير، منظر الحديقتين المثمرتين بأنواع الكرم، المحفوفتين بأشجار النخيل، تتوسطهما الزروع وتتفجر بينهما الأنهار ﴿كِلْتَا الجنتين آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئًا﴾ أي كلُّ واحدة من الحديقتين أخرجت ثمرها يانعًا في غاية الجودة والطيب ولم تنقص منه شيئًا ﴿وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا﴾ أي جعلنا النهر يسير وسط الحديقتين ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ أي وكان للأخ الكافر من جنتيه أنواع من الفواكه والثمار ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ أي قال صاحب الجنتين لصاحبه المؤمن وهو يجادله ويخاصمه ويفتخرعليه ويتعالى: أنا أغنى منك وأشرف، وأكثر أنصارًا وخدمًا ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ أي أخذ بيد أخيه المؤمن ودخل الحديقة يطوف به فيها ويريه ما فيها من أشجار وثمار وأنهار وهو ظالم لنفسه بالعُجب والكفر ﴿قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذه أَبَدًا﴾ أي ما أعتقد أن تفنى هذه الحديقة أبدًا ﴿وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً﴾ أي وما أعتقد القيامة كائنة وحاصلة، أنكر فناء جنته وأنكر البعث والنشور ﴿وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا﴾ أي ولئن كان هناك بعثٌ - على - سبيل الفرض والتقدير كما تزعمُ - فسوف يعطيني الله خيرًا من هذا وأفضل ﴿مُنْقَلَبًا﴾ أي مرجعًا وعاقبة فكما أعطاني هذا في الدنيا فسيعطيني في الآخرة لكرامتي عليه ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ أي قال ذلك المؤمن الفقير وهو يراجع أخاه ويجادله ﴿أَكَفَرْتَ بالذي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ أي أجحدت الله الذي خلق أصلك من تراب ثم من منيّ ثم سوَّاك إنسانًا سويًا؟ الاستفهام
للتقريع والتوبيخ ﴿لكنا هُوَ الله رَبِّي﴾ أي لكنْ أنا اعترف بوجود الله فهو ربي وخالقي ﴿وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ أي لا أشرك مع الله غيره، فهو المعبودُ وحده لا شريك له ﴿ولولا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ الله﴾ أي فهلاّ حين دخلتَ حديقتك وأُعجبت بما فيها من الأشجار والثمار قلت: هذا من فضل الله، فما شاء الله كان وما لم يشأْ لم يكن ﴿لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بالله﴾ أي لا قدرة لنا على طاعته إلا بتوفيقه ومعونته ﴿إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ أي قال المؤمن للكافر: إن كنت ترى أنني أفقر منك وتعتزعليَّ بكثرة مالك وأولادك ﴿فعسى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ﴾ جواب الشرط أي إني أتوقع من صنع الله تعالى وإحسانه أن يقلب ما بي وما بك من الفقر والغنى فيرزقني جنةً خيرًا من جنتك لإيماني به، ويسلب عنك نعمته لكفرك به ويخرّب بستانك ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السمآء﴾ أي يرسل عليها آفةً تجتاحها أو صواعق من السماء تدمّرها ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ أي تصبح الحديقة أرضًا ملساء لا تثبت عليها قدم، جرداء لا نبات فيها ولا شجر ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ أي يغور ماؤها في الأرض فيتلف كل ما فيها من الزرع والشجر، وحينئذٍ لا تستطيع طلبّه فضلًا عن إعادته وردّه، وينتهي الحوار هنا وتكون المفاجأة المدهشة فيتحقَّق رجاءُ المؤمن بزاول النعيم عن الكافر وفجأة ينقلنا السياق من مشهد البهجة والازدهار إلى مشهد البوار والدمار ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ أي هلكت جنته بالكلية واستولى عليها الخراب والدمار في الزروع والثمار ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا﴾ أي يقلب كفيه ظهرًا لبطن أسفًا وحزنًا على ماله الضائع وجهده الذاهب قال القرطبي: أي يضرب إحدى يديه على الأخرى ندمًا لأن هذا يصدر من النادم ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا﴾ أي مهشمة محطمة قد سقطت السقوف على الجدران فأصبحت خرابًا يبابًا ﴿وَيَقُولُ ياليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ أي وهو نادم على إشراكه بالله يتمنى أن لم يكن قد كفر النعمة، ندم حين لا ينفع الندم قال تعالى ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله﴾ أي لم تكن له جماعة تنصره وتدفع عنه الهلاك ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ أي وما كان بنفسه ممتنعًا عن انتقام الله سبحانه، فلم تنفعه العشيرة والولد حين اعتزّ وافتخر بهم وما استطاع بنفسه أن يدفع عنه العذاب ﴿هُنَالِكَ الولاية لِلَّهِ الحق﴾ أي في ذلك المقام وتلك الحال تكون النصرة لله وحده لا يقدر عليها أحد فهو الوليُّ الحق الذي ينصر أولياءه ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أي الله خير ثوابًا في الدنيا والآخرة لمن آمن به، وهو خيرٌ عاقبةٌ لمن اعتمد عليه ورجاه ﴿واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السماء فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض﴾ هذا مثلٌ آخر للدنيا وبهرجها الخادع يشبه مثل الجنتين في الفناء والزوال والمعنى اضرب يا محمد للناس مثل هذه الحياة في زوالها وفنائها وانقضائها بماءٍ نزل من السماء فخرج به النبات وافيًا غزيرًا وخالط بعضه بعضًا من كثرته وتكاثفه ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرياح﴾ أي صار النبات متكسرًا من اليبس متفتتًا تنسفه الرياح ذات اليمين وذات الشمال ﴿وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا﴾ أي قادرًا على الإِفناء والإِحياء لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ﴿المال والبنون زِينَةُ الحياة الدنيا﴾ أي الأموال والأولاد زينة هذه الحياة الفانية، ذاك مثلها وهذه زينتها والكل إلى فناء وزوال لا يغتر بها إلا الأحمق الجهول ﴿والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ أي أعمال الخير تبقى ثمرتها أبد الآباد فهي خير ما يؤملها الإنسان ويرجوه عند الله قال ابن عباس: الباقيات الصالحات هي
الصلوات الخمس وعنه أيضًا أنها كل عمل صالحٍ من قول أو فعلٍ يبقى للآخرة وفي الحديث
«سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، هنَّ الباقيات الصالحات» ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجبال﴾ لما ذكر القيامة وأهوالها أي واذكر يوم نزيل الجبال من أماكنها ونسيّرها كما نسيّر السحاب فنجعلها هباءً منيثًا ﴿وَتَرَى الأرض بَارِزَةً﴾ أي وترى الأرض ظاهرة للعيان ليس عليها ما يسترها من جبل ولا شجر ولا بنيان، قد قلعت جبالها وهُدم بنيانها فهي بارزة ظاهرة ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ أي جمعنا الأولين والآخرين لموقف الحساب فلم نترك أحدًا منهم ﴿وَعُرِضُواْ على رَبِّكَ صَفًَّا﴾ أي عُرضوا على رب العالمين مصطفّين، لا يحجبُ أحدٌ أحدًا وفي الحديث «يجمع الله الأولين والآخرين في صعيدٍ واحدٍ صفوفًا» قال مقاتل: يُعرضون صفًا بعد صف كالصفوف في الصلاة كل أمةٍ وزمرةٍ صفًا ﴿لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي يقال للكفار على وجه التوبيخ والتقريع: لقد جئتمونا حفاةً عراةً لا شيء معكم من المال والولد كهيئتكم حين خلقناكم أول مرة ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِدًا﴾ أي زعمتم أن لا بعث ولا جزاء، ولا حساب ولا عقاب ﴿وَوُضِعَ الكتاب﴾ أي وضعت صحائف أعمال البشر وعُرضت عليهم ﴿فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾ أي فترى المجرمين خائفين مما فيه من الجرائم والذنوب ﴿وَيَقُولُونَ ياويلتنا﴾ أي يا حسرتنا ويا هلاكنا على ما فرطنا في حياتنا الدنيا ﴿مَالِ هذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ أي ما شأن هذا الكتاب لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا ضبطها وأحاط بها؟ قال تعالى ﴿وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا﴾ أي مكتوبًا مثبتًا في الكتاب ﴿وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ أي لا يعاقب إنسانًا بغير جرم، ولا يُنقص من ثواب المحسن ﴿وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ﴾ أي لا اذكر حين أمرنا الملائكة بالسجود لآدم سجود تحية وتكريم لا سجود عبادة ﴿فسجدوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجن فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ أي سجد جميع الملائكة لكن إبليس الذي هو من الجن خرج عن طاعة ربه، والآية صريحة في أن إبليس من الجن لا من الملائكة ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ أي أفتتخذونه يا بني آدم هو وأولاده الشياطين أولياء من دون الله وهم لكم أعداء ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ أي بئست عبادة الشيطان بدلًا عن عبادة الرحمن ﴿مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض﴾ أي ما أشهدت هؤلاء الشياطين الذين عبدتموهم من دوني خلق السماوات والأرض ﴿وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي ولا أشهدت بعضهم خلق بعض فهم عبيد أمثالكم لا يملكون شيئًا ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُدًا﴾ أي وما كنت متخذ الشياطين أعوانًا في الخلق فكيف تطيعونهم من دوني؟ ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآئِيَ الذين زَعَمْتُمْ﴾ أي ويوم يقول الله للمشركين: أُدعوا شركائي ليمنعوكم من عذابي ويشفعوا لكم كما كنتم تزعمون ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ﴾ أي فاستغاثوا بهم فلم يغيثوهم ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقًا﴾ أي جعلنا بين العابدين والمعبودين مهلكةً لا يجتازها هؤلاء وهي النار ﴿وَرَأَى المجرمون النار فظنوا أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا﴾ أي عاينوها وهي تتغيظ حنقًا عليهم فأيقنوا أنهم داخلوها ﴿وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ أي
لم يجدوا عنها معدلًا وذلك لأنها أحاطت بهم من كل جانب فلم يقدروا على الهرب منها.
البَلاَغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
1 - الطباق ﴿الغداة. . والعشي﴾ وبين ﴿فَلْيُؤْمِن. . فَلْيَكْفُرْ﴾ .
2 - المقابلة البديعة بين الجنة ﴿نِعْمَ الثواب وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ والنار ﴿بِئْسَ الشراب وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ .
3 - التشبيه ﴿بِمَآءٍ كالمهل يَشْوِي الوجوه﴾ ويسمى مرسلًا مفصلًا لذكر الأداة ووجه الشبه.
4 - التشبيه التمثيلي ﴿واضرب لهُمْ مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ﴾ لأن وجه الشبه منتزع من متعدد وكذلك يوجد التشبيه التمثيلي في ﴿واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ﴾ .
5 - المبالغة بإطلاق المصدر على اسم الفاعل ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْرًا﴾ أي غائرًا.
6 - الكناية ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ كناية عن التحسر والندم لأن النادم يضرب بيمينه على شماله.
7 - الإنكار والتعجيب ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ﴾؟ .
تنبيه: الجمهور على أن الباقيات الصالحات هن الكلمات المأثور فضلها «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» وقد ورد بذلك حديث تقدم ذكره وفي الترمذي أن رسول الله ﷺ َ قال: «لقيتُ إبراهيم ليلةً أُسري بي فقال يا محمد: أقرئْ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» رواه الترمذي.