صفوة التفاسيرالجزء 2 · ص 281 - 288

23

23

المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى دلائل التوحيد في خلق الإِنسان، والحيوان، والنبات، وفي خلق السماوات والأرض، وعدَّد نعمة عل عباده، ذكر هنا أمثالًا لكفار مكة من المكذبين من الأمم السابقة وما نالهم من العذاب، فابتدأ بقصة نوح، ثم بقصة موسى وفرعون، ثم بقصة عيسى بن مريم، وكلُّها عبر وعظات للمكذبين بالرسل والآيات.

اللغَة: ﴿جِنَّةٌ﴾ بكسر الجيم أي جنون ﴿فَتَرَبَّصُواْ﴾ فانتظروا والتربص: الانتظار ﴿مُبْتَلِينَ﴾ مختبرين ﴿هَيْهَاتَ﴾ اسم فعل ماض بمعنى بَعُد قال الشاعر:

تذكرت أيامًا مضين من الصبا ... وهيهات هيهاتًا إِليك رجوعها

﴿غُثَآءً﴾ الغثاء: العشب إِذا يبس، وغُثاء السيل: ما يحمله من الحشيش والقصب اليابس ونحوه ﴿بُعْدًا﴾ هلاكًا قال الرازي: بعدًا وسُحقًا ودمارًا ونحوها مصادر موضوعة مواضع أفعالها قال سبيويه وهي منصوبة بأفعال لا يستعمل إٍِظهارها ومعنى ﴿بُعْدًا﴾ بعدوا بعدًا أي هلكوا ﴿قُرُونًا﴾ أممًا ﴿تَتْرَا﴾ تتابع يأتي بعضهم إِثر بعض ﴿أَحَادِيثَ﴾ جمع أُحدوثة كأُعجوبة وهي ما يتحدث به عجبًا وتسلية ﴿مَعِينٍ﴾ ماء جار ظاهر للعيون ﴿رَبْوَةٍ﴾ الربوة: المكان المرتفع من الأرض.

التفسِير: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ أي والله لقد أرسلنا رسولنا نوحًا إلى قومه داعيًا لهم إِلى الله قال المفسرون: هذه تعزية لرسول الله ﷺ َ بذكر هذا الرسول، ليتأسى به في صبره، وليعلم أنَّ الرسل قبله قد كُذبوا ﴿فَقَالَ ياقوم اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ﴾ أي اعبدوه وحده فليس لكم ربٌّ سواه ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ زجرٌ ووعيد أي أفلا تخافون عقوبته بعبادتكم غيره؟ ﴿فَقَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ﴾ أي فقال أشراف قومه ورؤساؤهم الممعنون في الكفر والضلال ﴿مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أي ما هذا الذي يريد أن يطلب الرياسة والشرف عليكم بدعواه النبوة لتكونوا له أتباعًا. . واعجبْ بضلال هؤلاء استبعدوا أن تكون النبوة لبشر، وأثبتوا الربوبية لحجر ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً﴾ أي لو أراد ال له أن يبعث رسولًا لبعث ملكًا

281

ولم يكن بشرًا ﴿مَّا سَمِعْنَا بهذا في آبَآئِنَا الأولين﴾ أي ما سمعنا بمثل هذاكللام في الأمم الماضية، والدهور الخالية ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أي ما هو إلا رجلٌ به جنون ﴿فَتَرَبَّصُواْ بِهِ حتى حِينٍ﴾ أي انتظروا واصبروا عليه مدة حتى يموت ﴿قَالَ رَبِّ انصرني بِمَا كَذَّبُونِ﴾ أي قال نوح بعد ما يئس من إِيمانهم: ربِّ انصرني عليهم بإِهلاكهم عامةً بسبب تكذيبهم إِياي ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ اصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا﴾ أي فأوحينا إِليه عند ذلك أن اصنع السفينة بمرأى منا وحفظنا ﴿وَوَحْيِنَا﴾ أي بأمرنا وتعليمنا ﴿فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا﴾ أي فإِذا جاء أمرنا بإِنزال العذاب ﴿وَفَارَ التنور﴾ أي فار الماء في التنور الذي يخبز فيه قال المفسرون: جعل الله ذلك علامة لنوح على هلاك قومه ﴿فاسلك فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين﴾ أي فأدخل في السفينة من كل صنفٍ من الحيوان زوجين «ذكر وأنثى» لئلا ينقطع نسل ذلك الحيوان ﴿وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول مِنْهُمْ﴾ أي واحمل أهلك أيضًا إِلاّ من سبق عليه القول بالهلاك ممن لم يؤمن كزوجته وابنه ﴿وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الذين ظلموا إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾ أي ولا تسألني الشفاعة للظالمين عند مشاهدة هلاكهم فقد قضيت أنهم مغرقون محكوم عليهم بالغرق ﴿فَإِذَا استويت أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الفلك﴾ أي فإِذا علوت أنت ومن معك من المؤمنين على السفينة ﴿فَقُلِ الحمد للَّهِ الذي نَجَّانَا مِنَ القوم الظالمين﴾ أي احمدوا الله على تخليصه إِياكم من الغرق وإِنما قال ﴿فَقُلِ﴾ ولم يقل فقولوا لأن نوحًا كان نبيًا لهم وإِمامًا فخطابه خطابٌ لهم ﴿وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًا مُّبَارَكًا﴾ أي أنزلني إِنزالًا مباركًا يحفظني من كل سوء وشر قال ابن عباس: هذا حين خرج من السفينة ﴿وَأَنتَ خَيْرُ المنزلين﴾ أي أنت يا رب خير المنزلين لأوليائك والحافظين لعبادك ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ﴾ أي إِنَّ فيما جرى على أمة نوح دلائل وعبر يستدل بها أولوا الأبصار ﴿وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أي وإِنَّ الحال والشأن كنا مختبرين للعباد بإِرسال المرسلين ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ أي ثم أوجدنا من بعد قوم نوح قومًا آخرين يخلفونهم وهم قوم عاد ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾ أي أرسلنا إِليهم رسولًا من عشيرتهم هو هود عليه السلام ﴿أَنِ اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ﴾ أي أعبدوه وحده ولا تشركوا به أحدًا لأنه ليس لكم ربٌّ سواه ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ أي أفلا تخافون عذابه وانتقامه إِن كفرتم؟ ﴿وَقَالَ الملأ مِن قَوْمِهِ الذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ الآخرة﴾ أي قال أشراف قومه الكفرة المكذبون بالآخرة وما فيها من الثواب والعقاب ﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الحياة الدنيا﴾ أي وسَّعنا عليهم نعم الدنيا حتى بطروا ونعمناهم في هذه الحياة ﴿مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ أي قالوا لأتباعهم مضلين لهم: ما هذا الذي يزعم أنه رسول إِلا إِنسان مثلكم ﴿يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ أي يأكل مثلكم ويشرب مثلكم فلا فضل له عليكم لأنه محتاج إِلى الطعام والشراب ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ﴾ أي ولئن أطعتموه وصدقتموه فإِنكم لخاسرون حقًا حيق أذللتم أنفسكم باتّباعه قال أبو السعود: انظر كيف جعلوا اتباع الرسول الحق الذي يوصلهم إلى سعادة الدارين خسرانًا دون عبادة الأصنام التي لا خسران وراءها؟ قاتلهم الله أنَّى يؤفكون ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظامًا﴾ استفهام على وجه الاستهزاء والاستبعاد أي أيعدكم بالحياة بعد الموت أن تصبحوا رفاتًا

282

وعظامًا بالية؟ ﴿أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ﴾ أي أنكم ستخرجون أحياء من قبوركم وكرَّر لفظ ﴿أَنَّكُمْ﴾ تأكيدًا لأنه لمّا طال الكلام حسن التكرار ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ أي بعد بعُد هذا الذي توعدونه من الإِخراج من القبور، وغرضهم بهذا الاستبعاد انه لا يكون أبدًا ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا﴾ أي لا حياة إِلا هذه الحياة الدنيا ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ أي يموتُ بعضنا ويُولد بعضنا إِلى انقراض العصر ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ أي لا بعث ولا نشور ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افترى على الله كَذِبًا﴾ أي ما هو إِلا رجل كاذب يكذب على الله فيما جاءكم به من الرسالة، والإِخبار بالمعاد ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي ولسنا له بمصدقين فيما يقوله ﴿قَالَ رَبِّ انصرني بِمَا كَذَّبُونِ﴾ لما يئس نبيُّهم من إِيمانهم ورأى إِصرارهم على الكفر دعا عليهم بالهلاك والمعنى ربّ انصرني عليهم بسبب تكذيبهم إِياي ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ أي قريب من الزمان سيصيرون نادمين على كفرهم ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة بالحق﴾ أي أخذتهم صيحة العذاب المدمر عدلًا من الله لا ظلمًا ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَآءً﴾ أي هلكى كغثاء السيل قال المفسرون: صاح بهم جبريل صيحة رجفت لها الأرض من تحتهم فصاروا لشدتها غثاءً كغثاء السيل وهو الشيء التافه الحقير الذي لا ينتفع منه بشيء ﴿فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظالمين﴾ أي فسحقًا وهلاكًا لهمم وظلمهم، وهي جملة دعائية كأنه قال: بعدًا لهم من رحمة الله وهلاكًا ودمارًا لهم ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ أي أوجدنا من بعد هلاك هؤلاء أممًا وخلائق أخرين كقوم صالح وإِبراهيم وقوم لوط وشعيب قال ابن عباس: هم بنو إِسرائيل، وفي الكلام حذفٌ تقديره: فكذبوا أنبياءهم فأهلكناهم دلَّ عليه قوله ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ أي ما تتقدم أمةٌ من الأمم المهلكة عن الوقت الذي عُيّن لهلاكهم ولا تتأهر عنه ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا﴾ أي بعثنا الرسل متتالين واحدًا بعد واحد قال ابن عباس: يتبع بعضهم بعضًا ﴿كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ تشنيع عليهم بكمال ضلالهم أي أنهم سلكوا في تكذيب أنبيائهم مسلك من سبقهم من الضالين المكذبين ولهذا قال ﴿فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا﴾ أي ألحقنا بعضهم في إِثر بعض بالهلاك والدمار ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ أي أخبارًا تُروى وأحاديث تُذكر، يتحدث الناس بما جرى عليهم تعجبًا وتسلية ﴿فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ أي فهلاكًا ودمارًا لقومٍ لا يصدّقون الله ورسله ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا موسى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا﴾ أي أرسلناهما بآياتنا البينات قال ابن عباس: هي الآيات التسع «العصا، اليد، الجراد» الخ ﴿وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي وحجة واضحة ملزمة للخصم ﴿إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ أي أرسلناهما إلى فرعون الطاغية وأشراف قومه المتكبرين ﴿فاستكبروا﴾ أي عن الإِيمان بالله وعبادته ﴿وَكَانُواْ قَوْمًا عَالِينَ﴾ أي متكبرين متمردين، قاهرين لغيرهم بالظلم ﴿فقالوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ أي أنصدق رجلين مثلنا ونتَّبعهما؟ ﴿وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ أي والحال أن قوم موسى وهارون منقادون لنا كالخدم والعبيد؟ ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ المهلكين﴾ أي فكذبوا رسولينا فكانوا من المغرقين في البحر ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى الكتاب لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي أعطينا موسى التوراة بعد غرق فرعون وملائه ليهتدي بها بنوا إِسرائيل ﴿وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ أي وجعلنا قصة مريم وابنها عيسى معجزةً عظيمة تدل على كمال قدرتنا ﴿وَآوَيْنَاهُمَآ إلى رَبْوَةٍ﴾ أي وجعلنا منزلهما ومأواهما إِلى مكانٍ مرتفع من أرض بيت المقدس قال ابن عباس: الربوة المكان المرتفع من الأرض، وهو أحسن ما يكون فيه النبات ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ أي مستوية يستقر

283

عليها وماءٍ جارٍ ظاهر للعيون قال الرازي: القرار: المستقر كل أرض مستوية مبسوكة، والمعين: الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض، وعن قتادة: ذات ثمارٍ وماء، يعني أنه لأجل الثمار يسقر فيها ساكنوها ﴿ياأيها الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات واعملوا صَالِحًا﴾ أي قلنا يا أيها الرسل كلوا من الحلال وتقربوا إِلى الله بالأعمال الصالحة، والنداء لكل رسولٍ في زمانه وصى به كل رسول إرشادًا لأمته كما تقول تخاطب تاجرًا: يا تجار اتقوا الربا ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وعيدٌ وتحذير أي إِني عالم بما تعملون لا يخفى عليَّ شيء من أمركم، قال القرطبي: شمل الكل في الوعيد وإِذا كان هذا مع الرسل والأنبياء، فما ظنُّ كل الناس بأنفسهم؟ ﴿وَإِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي دينكم يا معشر الأنبياء دين واحد، وملتكم ملة واحدة وهي دين الإِسلام ﴿وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فاتقون﴾ أي وأنا ربكم لا شريك لي فخافوا عذابي وعقابي.

البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1 - الاستعارة البديعة ﴿اصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا﴾ عبَّر عن المبالغة في الحفظ والرعاية بالصنع على الأعين لأن الحافظ للشيء في الأغلب يديم مراعاته بعينه فلذلك جاء بذكر الأعين بدلًا من ذكر الحفظ والحراسة على طريق الاستعارة.

2 - الكناية ﴿وَفَارَ التنور﴾ كناية عن الشدة كقولهم حمي الوطيس، وأطلق بعض العلماء التنور على وجه الأرض مجازًا.

3 - جناس الاشتقاق ﴿أَنزِلْنِي مُنزَلًا﴾ و﴿تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ .

4 - الطباق بين ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ وكذلك بين ﴿تَسْبِقُ. . ويَسْتَأْخِرُونَ﴾ . 5 - الجناس الناقص ﴿أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا﴾ لتغيير بعض الحروف مع الشكل.

6 - التشبيه البليغ ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَآءً﴾ أي كالغثاء في سرعة زواله ومهانة حاله، حذف وجه الشبه وأداة التشبيه فصار بليغًا.

7 - أسلوب الإِطناب ﴿الذين كَفَرُواْ، وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ الآخرة، وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الحياة الدنيا﴾ ذمًا لهم وتسجيلًا عليهم القبائح والشناعات.

8 - السجع اللطيف مثل ﴿تَتَّقُونَ، تَشْرَبُونَ، مُّخْرَجُونَ﴾ ومثل ﴿عَالِينَ، المهلكين، قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ .

فَائِدَة: لفظ البشر يطلق على الواحد والجمع، فمن إِطلاقه على الواحد ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: 17] ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾؟ على إِطلاقه على الجمع ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البشر أَحَدًا﴾ [مريم: 26] ﴿وَمَا هِيَ إِلاَّ ذكرى لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: 31] أفاده صاحب الكشاف.

284

53

المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى قصص الأنبياء والمرسلين، أتبعه بذكر أخبار الكفرة المتمردين من أقوامهم واختلافهم وتفرقهم في الدين حتى أصبحوا فرقًا وأحزابًا، ليجتنب الإِنسان طرق أهل الضلال.

اللغَة: ﴿زُبُرًا﴾ قطعًا جمع زبور وهي القطعة من الفضة أو الحديد ﴿غَمْرَتِهِمْ﴾ الغمرة: الحيرة والضلالة وأصله في اللغة: الماء الذي يغمر القامة ﴿يَجْأَرُونَ﴾ يضجون ويستغيثون وأصل الجؤار رفع الصوت بالتضرع كما يفعل الثور ﴿تَنكِصُونَ﴾ النكوص: الرجوع إلى الوراء ﴿نَاكِبُونَ﴾ نكب عن الطريق نكوبًا إِذا عدل عنه ومال إلى غيره.

التفسِير: ﴿فتقطعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا﴾ أي تفرقت الأمم في أمر دينهم فرقًا عديدة وأديانًا مختلفة هذا مجوسي، وهذا يهودي، وهذا نصراني بعدما أُمروا بالاجتماع ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ أي كل فريق منهم مغتبط بما اتخذه دينًا لنفسه معجب به، يرى أنه المحقٌّ الرابح، وأنَّ غيره المبطل الخاسر ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ الخطاب للرسول ﷺ َ والضمير لكفار مكة أي فاترك يا محمد هؤلاء المشركين في غفلتهم وجهلهم وضلالهم ﴿حتى حِينٍ﴾ أي إِلى حين موتهم، وهذا تسلية لرسول الله ﷺ َ ووعيدٌ للمشركين ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ﴾ أي أيظن هؤلاء الكفار أنَّ الذي نعطيهم في الدنيا من الأموال والأولاد ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخيرات﴾ أي هو تعجيل ومسارعة لهم في الإِحسان؟ كلاَّ ليس الأمر كما يظنون بل هو استدراجٌ لهم، واستجرارٌ إلى زيادة الإِثم ولهذا قال ﴿بَل لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ أي بل هم أشباه البهائم، لا فطنة لهم ولا شعور حتى يتفكروا في الأمر، أهو استدراج أم مسارعة في الخير؟ والآية ردٌّ على المشركين في زعمهم أن أموالهم وأولادهم دليلُ رضي الله عنهم كما حكى الله عنهم ﴿وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلاَدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: 35] وفي

285

الحديث «إِن الله يعطي الدنيا لمن يُحبُّ ولمن لا يحب، ولا يعطي الدين إِلا لمن أحبَّ»، ولمّا ذمَّ المشركين وتوعَّدهم عقَّب ذلك بمدح المؤمنين وذكرهم بأبلغ صفاتهم فقال ﴿إِنَّ الذين هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ﴾ أي هم من جلال الله وعظمته خائفون، ومن خوف عذابه حذرون ﴿والذين هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ أي يصدِّقون بآيات الله القرآنية، وآياته الكونية وهي والبراهين الدالة على وجوده سبحانه

وفي كل شيءٍ له آيةٌ ... تدلُّ على أنه واحد

﴿والذين هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ﴾ أي لا يعبدون معه غيره، بل يوحدونه ويخلصون العمل لوجهه قال الإِمام الفخر: وليس المراد منه الإِيمان بالتوحيد ونفي الشريك لله فإِن ذلك داخل في الآية السابقة، بل المراد منه نفيُ الشرك الخفي وذلك بأن يخلص في العبادة لوجه الله وطلبًا لرضوانه ﴿والذين يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ هذه هي الصفة الرابعة من أوصاف المؤمنين أي يعطون العطاء من زكاةٍ وصدقة، ويتقربون بأنواع القربات من أفعال الخير والبر وهم يخافون أن تقبل منهم أعمالهم قال الحسن: إِن المؤمن جمع إِحسانًا وشفقة، وإِن المنافق جمع إِساءةً وأمنًا ﴿أَنَّهُمْ إلى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ أي لخوفهم أن يكونوا قد قصَّروا في القيام بشروط الطاعات والأعمال الصالحة ولاعتقادهم أنهم سيرجعون إلى ربهم للحساب، روي أن عائشة سألت رسول الله ﷺ َ عن الآية الكريمة فقالت ﴿والذين يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهو الذي يزني، ويسرق، ويشرب الخمر وهو يخاف الله عز وجل؟ فقال لها:

«لا يا بنت الصِّديق! ولكنه الذي يصلي، ويصوم، ويتصدق وهو مع ذلك يخاف الله عز وجل» ﴿أولئك يُسَارِعُونَ فِي الخيرات﴾ أي أولئك المتصفون بتلك الصفات الجليلة هم الذين يسابقون في الطاعات لنيل أعلى الدرجات لا أولئك الكفرة المجرمون ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ أي هم الجديرون بها والسابقون إِليه قال الإِمام الفخر: واعلم أن ترتيب هذه الصفات في نهاية الحسن، فالصفة الأولى دلت على حصول الخوف الشديد، الموجب للاحتراز عما لا ينبغي، والثانية: دلت على التصديق بوحدانية الله، والثالثة: دلت على ترك الرياء في الطاعات، والرابعة: دلت على أن المستجمع لتلك الصفات الثلاثة يأتي بالطاعات مع الوجل والخوف من التقصير، وذلك هو نهاية مقامات الصدّيقين رزقنا الله الوصول إِليها ﴿وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ أي لا نكلّف أحدًا من العباد ما لا يطيق تفضلًا منّا ولطفًا. أتى بهذه الآية عقب أوصاف المؤمنين إِشارةً إِلى أن أولئك المخلصين لم يُكلفوا بما ليس في قدرتهم وأن جميع التكاليف في طاقة الإنسان ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بالحق﴾ أي وعندنا صحائف أعمال العباد التي سطر فيها ما عملوا من خير أو شر نجازيهم في الآخرة عليها ولهذا قال ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ أي لا يظلمون من أعمالهم شيئًا بنقص الثواب أو زيادة العقاب قال القرطبي: والآية تهديد وتأمين من الحيف والظلم ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ﴾

286

﴿فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هذا﴾ أي بل قلوب الكفرة المجرمين في غطاءٍ وغفلةٍ وعماية عن هذا القرآن ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذلك﴾ أي ولهم أعمال سيئة كثيرة غير الكفر والإشراك ﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ أي سيعملونها في المستقبل لتحقَّ عليهم الشقاوة فقد جمعوا بين الكفر وسوء الأعمال فحقت عليهم كلمة العذاب ﴿حتى إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بالعذاب﴾ أي حتى إِذا أخذنا أغنياءهم وكبراءهم المتنعمين في هذه الحياة بالعذاب العاجل كالجوع والقتل والأسر ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ أي إِذا هم يصيحون ويرفعون أصواتهم بالاستغاثة قال ابن عباس: هو الجوع الذي عذبوا به سبع سنين ﴿لاَ تَجْأَرُواْ اليوم﴾ أي لا تستغيثوا اليوم من العذاب ﴿إِنَّكُمْ مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ﴾ أي لا تمنعون من عذابنا فلا ينفعكم صراخ ولا استغاثة ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تتلى عَلَيْكُمْ﴾ أي لقد كنتم تسمعون آيات القرآن تقرأ عليكم ﴿فَكُنتُمْ على أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ﴾ أي كنتم تنفرون عن تلك الآيات كما يذهب الناكص على عقبيه بالرجوع إِلى ورائه، وهذا تمثيلٌ لإِعراضهم عن الحق بالراجع إلى الخلف ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ أي مستكبرين بسبب القرآن عن الإِيمان قال ابن كثير: الضمير للقرآن كانوا يسمرون ويذكرون القرآن بالهُجْر من الكلام يقولون إِنه سحر، شعر، كهانة إِلى غير ذلك من الأقوال الباطلة وقال ابن الجوزي: الضمير عائد إلى البيت الحرام وهي كناية عن غير مذكور لشهرة الأمر والمعنى: إِنكم تستكبرون وتفتخرون بالبيت والحرم لأمنكم فيه مع خوف سائر الناس في مواطنهم، تقولون: نحن أهل الحرم فلا نخاف أحدًا، ونحن أهل بيت الله وولاته، هذا مذهب ابن عباس وغيره ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ أي متحدثين ليلًا تسمرون تقولون في سمركم الهجر وهو القول الفاحش من الطعن في القرآن، وسبّ النبي عليه السلام ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ القول﴾ أي أفلم يتدبروا هذا القرآن العظيم ليعرفوا بما فيه من إِعجاز النظم أنه كلام الله فيصدقوا به؟ ﴿أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ الأولين﴾ أي أم جاءهم من الله بشيء مبتدع لم يأت مثله في آبائهم السابقين؟ قال أبو السعود: يعني أن مجيء الكتب من جهته تعالى إلى الرسل سنة قديمة لا ييكاد يتسنى إنكاره، وأن مجيء القرآن على طريقته فمن أين ينكرونه؟ ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ توبيخ آخر لهم أي أم لم يعرفوا محمدًا ﷺ َ ونسبه وصدقه وأمانته ورابعًا اتهامهم له بالجنون وقد علموا أنه عليه السلام أرجحهم عقلًا وأثقبهم ذهنًا ولهذا قال بعده ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أي أم يقولون إِن محمدًا مجنون، وهذا توبيخ آخر وتعجيبٌ من تفننهم في العناد، وتلونهم في الجحود ﴿بَلْ جَآءَهُمْ بالحق﴾ ﴿بَلْ﴾ للإضراب أي ليس الأمر كما زعموا بل جاءهم محمد بالحقِّ الساطع الذي لا مدخل فيه للباطل بوجه من الوجوه، وبالقرآن المشتمل على التوحيد وشرائع الإِسلام ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ أي ومع وضوح الدعوة فإِنَّ أكثر المشركين يكرهون الحقّ لما في قلوبهم من الزيغ والانحراف ﴿وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَآءَهُمْ﴾ أي لو كان ما كرهوه من الحق - الذي هو التوحيد والعدل -

287

موافقًا لأهوائهم الفاسدة، ومتمشيًا مع رغباتهم الزائغة ﴿لَفَسَدَتِ السماوات والأرض وَمَن فِيهِنَّ﴾ أي لفسد نظام العالم أجمع علويُّه وسفليُّه، وفسد من فيه من المخلوقات لفساد أهوائهم واختلافهم قال ابن كثير: وفي هذا كله تبيين عجز العباد، واختلاف آرائهم وأهوائهم، وأنه تعالى هو الكامل في جميع صفاته وأفعاله وتدبيره لخلقه ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ أي بل أتيناهم بما فيه فخرهم وشرفهم، وهو هذا القرآن العظيم الذي أكرمهم الله تعالى به ﴿فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ﴾ أي فهم معرضون عن هذا القرآن العظيم وكان اللائق بهم الانقياد له وتعظيمه لأنه شرفهم وعزُّهم، وأعاد لفظ «الذكر» تعظيمًا للقرآن ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا﴾ أي أم تسألهم يا محمد أجرًا على تبيلغ الرسالة فلأجل ذلك لا يؤمنون، وفي هذا تشنيعٌ عليهم لعدم الإِيمان فمحمد لا يطلب منهم أجرًا فيلماذا إِذًا يكذبونه ويعادونه؟ ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ أي رزق الله وعطاؤه خيرٌ لك يا محمد ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرازقين﴾ أي هو تعالى أفضلُ من أعطى ورزق لأنه يعطي لا لحاجة، وغيره يعطي لحاجة ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي وإنك يا محمد لتدعوهم إِلى الطريق المستقيم وهو الإِسلام الموصل إلى جنات النعيم ﴿وَإِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة عَنِ الصراط لَنَاكِبُونَ﴾ أي وإِنَّ الذين لا يصدقون بالبعث والثواب والعقاب لعادلون عن الطريق المستقيم منحرفون عنه.

البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهًا من البلاغة والبيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1 - الاستعارة اللطيفة ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ أصل الغمرة الماء الذي يغمر القامة، شبَّه ما هم فيه من الجهالة والضلالة بالماء الذي يغمر الإِنسان من فرقة إلى قدمه على سبيل الاستعارة.

2 - الاستفهام الإِنكاري ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ﴾ .

3 - حذف الرابط في ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخيرات﴾ حذف «به» أي نسارع لهم به في الخيرات، وحسن حذفه لاستطالة الكلام مع أمن اللبس.

4 - الطباق بين ﴿يُؤْمِنُونَ. . يُشْرِكُونَ﴾ .

5 - الاستعارة البديعة ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بالحق﴾ النطق لا يكون إلا ممن يتكلم بلسانه، والكتاب ليس له لسان، فوصف سبحانه الكتاب بالنطق مبالغة وصفه بإِظهار البيان وإِعلان البرهان، وتشبيهًا باللسان الناطق بطريق الاستعارة.

6 - جناس الاشتقاق ﴿يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ﴾ ﴿أَعْمَالٌ. . هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ .

7 - الاستعارة الفائقة ﴿فَكُنتُمْ على أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ﴾ شبّه إِعراضهم عن الحق بالراجع القهقرى إلى الخلف وهو من قبيل الاستعارة التمثيلية.

8 - السجع الرصين ﴿مُّشْفِقُونَ، يُؤْمِنُونَ، يُشْرِكُونَ، سَابِقُونَ﴾ الخ.

288