صفوة التفاسيرالجزء 2 · ص 289 - 303

75

75

المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى إِعراض المشركين عن دعوة الإِيمان، ذكر هنا سبب الإِعراض وهو العناد والطغيان، ثم أردفه بإِقامة الأدلة على التوحيد، ثم ذكر أحوال الآخرة وانقسام الناس إِلى سعداء

289

وأشقياء، وختم السورة ببيان الحكمة من حشر الناس إِلى دار الجزاء وأنه لولا لاقيمة لما تميز المطيع من العاصي ولا البرُّ من الفاجر.

اللغَة: ﴿مُبْلِسُونَ﴾ يائسون متحيرون، والإِبلاس: اليأس من كل خير ﴿يُجْيِرُ﴾ يمنع ويحمي من استغاث به يقال: أجرت فلانًا على فلان إِذا أغثته ومنعته منه ﴿هَمَزَاتِ﴾ جمع همزة وهي الدفع والتحريك الشديد وهو كالهز والأزّ، وهمزات الشيطان: كيده بالوسوسة ﴿بَرْزَخٌ﴾ حاجز ومانع قال الجوهري: البرزخ: الحاجز بين الشيئين ﴿كَالِحُونَ﴾ الكلوح: أن تتقلَّص الشفتان وتتباعد الأسنان، وذلك نهاية القبح لوجه الإِنسان.

سَبَبُ النّزول: عن ابن عباس قال: نزلت في قصة «ثمامة بن أُثال» لما أسرته السرية وأسلم وخلى رسول الله ﷺ َ سبيله، حال بين مكة وبين الميرة وقال: والله لا يأتيكم من اليمامة حبَّة حنطة حتى يأذن رسول الله ﷺ َ، وأخذ اللهُ قريشًا بالقحط والجوع حتى أكلوا الميتة والكلاب والعلهز قيل وما العلهز؟ قال كانوا يأخذون الصوف والوبر فيبلونه بالدم ثم يشوونه ويأكلونه فقال أبو سفيان: أنشدك الله والرَّحم، أليس تزعم أنَّ الله بعثك رحمة للعالمين؟ قال: بلى، قال فوالله ما أراك إِلا قتلت الآباء بالسيف، وقتلت الأبناء بالجوع فنزل قوله تعالى ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّواْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ الآيات.

التفسِير: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ﴾ أي لو رحمنا هؤلاء المشركين الذين كذبوك وعاندوك ورفعنا عنهم ما أصابهم من قحطٍ وجدب وكشفنا عنهم البلاء ﴿لَّلَجُّواْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي لاستمروا وتمادوا في ضلالتهم وتجاوزهم الحدَّ يتردَّدون ويتخبطون حيارى ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بالعذاب﴾ أي ابتليناهم بالمصائب والشدائد، وبالقحط والجوع ﴿فَمَا استكانوا لِرَبِّهِمْ﴾ أي ما خضعوا لله ولا تواضعوا لجلاله ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ أي وما دعوا ربهم لكشف البلاء بل استمروا على العتوّ والاستكبار، والغرضُ أنه لم يحصل منهم تواضع ورجوع إِلى الله في الماضي، ولا التجاءٌ إِلى الله في المستقبل لشدة جبروتهم وطغيانهم ﴿حتى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ أي حتى إ ِذا جاءتهم أهوال الآخرة وأتاهم من عذاب الله ما لم يكونوا يحتسبون ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ أي إِذا هم آيسون من كل خير قال أبو السعود: المراد بالعذاب عذاب الآخرة كما ينبئ عنه التهويل والوصف بالشدة والمعنى أنا محناهم بكل محنة من القتل، والأسر، والجوع وغير ذلك فما رؤي منهم لين ولا توجهٌ إِلى الإِسلام إلى أن يروا عذاب الآخرة فحينئذٍ يبلسون وتخضع رقابهم ثم ذكَّرهم تعالى ينعمة ودلائل وحدانيته فقال ﴿وَهُوَ الذي أَنْشَأَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة﴾ أي خلق لكم هذه الحواس لتسمعوا وتبصروا وتفقهوا، وفيه توبيخٌ للمشركين حيث لم يصرفوا النعم في مصارفها، لأن السمع خلق ليسمع به ما يرشده، والبصر ليشاهد به الآيات على كمال أوصاف الله، والعقل ليتأمل به في مصنوعات الله وباهر قدرته فمن لم يصرف تلك النعم في مصارفها فهو بمنزلة عادمها كما قال تعالى

﴿فَمَآ أغنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: 26] وخصَّ هذه

290

الثلاثة بالذكر لعظم المنافع التي فيها ﴿قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ أي قليلًا تشكرون ربكم، و﴿مَّا﴾ لتأكيد القلة أي ما أقل شكركم لله على كثرة إِفضاله وإِنعامه عليكم؟ ﴿وَهُوَ الذي ذَرَأَكُمْ فِي الأرض﴾ أي خلقكم وبثكم في الأرض بطريق التناسل ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي وإِليه وحده تجمعون للجزاء والحساب ﴿وَهُوَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي يُحيي الِّمم ويميت الخلائق والأمم ﴿وَلَهُ اختلاف الليل والنهار﴾ أي إِن اختلاف الليل والنهار بالزيادة والنقصان بفعله سبحانه وحده ليقيم الدلي على وجوده وقدرته ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ أي أفليس لكم عقول تدركون بها دلائل قدرته، وآثار قهره، فتعلمون أن من قدر على ذلك ابتداءً، قادرٌ على إِعادة الخلق بعد الفناء؟ ﴿بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ الأولون﴾ ﴿بَلْ﴾ للإضراب أي ليس لهم عقل ولا نظر في هذه الآيات والعبر، بل قال هؤلاء المشركون - من كفار مكة - مثل ما قال الأمم المتقدمون ﴿قالوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾؟ أي إئذا بلينا وصرنا ذراتٍ ناعمة، وعظامًا نخرة أئنا لمخلوقون ثانية؟ هذا لا يتصور ولا يكون أبدًا ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا هذا مِن قَبْلُ﴾ أي لقد وعدنا بهذا نحن ومن سبقنا فلم نر له حقيقة ﴿إِنْ هاذآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ أي ما هذا إِلا أكاذيب وأباطيل المتقدمين ولما أنكروا البعث والنشور أمر تعالى رسوله أن يفحمهم بالحجة الدامغة التي تقصم ظهر الباطل فقال ﴿قُل لِّمَنِ الأرض وَمَن فِيهَآ﴾؟ أي قل يا محمد جوابًا لهم عما قالوه: لمن الأرض ومن فيها من المخلوقات؟ ومن مالكها والمتصرف فيها بالإِيجاد والإِفناء؟ ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي إِن كان عندكم علمٌ فأخبروني بذلك، وفيه استهانةٌ بهم وتقريرٌ لجهلهم قال القرطبي: يخبر تعالى في الآية بربوبيته ووحدانيته، وملكه الذي لا يزول، وقدرته التي لا تحول، ودلت هذه الآيات - وما بعدها - على جواز جدال الكفار وإِقامة الحجة عليهم، ونبَّهت على أنَّ من ابتدأ بالخلق والإِيجاد، والإِبداع، هو المستحقُّ للألوهية والعبادة ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ أي فسيقولون الله خالقها وموجدها ولا بدَّ لهم من الاعتراف بذلك ﴿قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾؟ أي أفلا تعتبرون فتعلمون أن من ابتدأ ذلك قادر على إِعادته؟ ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السماوات السبع وَرَبُّ العرش العظيم﴾؟ أي من هو خالق السماوات الطباق بما فيها الشموس، والكواكب والأقمار، ومن هو خالق العرش الكبير الذي تحمله الملائكة الأطهار؟ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ أي سيقولون: اللهُ خالقه وهو لله ﴿قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ أي أفلا تخافون من عذابه فتوحّدونه وتتركون عبادة غيره من الأوثان والأصنام ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الملكُوت من صفات المبالغة أي من بيده الملك الواسع التام؟ ومن بيده خزائن كل شيء؟ ومن هو المتصرف في هذه الأكوان بالخلق والإِيجاد والتدبير؟ ﴿وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ أي يحمي من استجار به والتجأ إِليه، ولا يغيث أحدٌ منه أحدًا ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي إِن كنتم تعلمون فأخبروني عن ذلك ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ أي سيقولون: الملك كله والتدبيرُ لله جلَّ وعلا ﴿قُلْ فأنى تُسْحَرُونَ﴾ أي قل لهم: فكيف تُخدعون وتُصرفون عن طاعته وتوحيده مع اعترافكم وعلمكم بأنه وحده المتصرف المالك؟ قال أبو حيان: والسحر هنا مستعار وهو

291

تشبيه لما يقع منهم من التخليط، ووضع الأفعال والأقوال غير مواضعها بما يقع للمسحور من التخبط والتخليط رتَّب هذه التوبيخات الثلاثة بالتدريج فقال أولًا ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾؟ ثم قال ثانيًا ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾؟ وذلك أبلغ لأن فيه زيادة تخويف، ثم قال ثالثًا ﴿فأنى تُسْحَرُونَ﴾ وفيه من التوبيخ ما ليس في غيره ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بالحق﴾ أي بل جئناهم بالقول الصدق في أمر التوحيد والبعث والجزاء ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أي كاذبون فيما ينسبون لله من الشركاء والأولاد.

لمَّا بالغ في الحِجاج عليه بالآيات السابقة أعقبها بهذه الآية كالوعيد والتهديد، ثم بيَّن بطلان الشريك والولد بالبرهان القاطع فقال ﴿مَا اتخذ الله مِن وَلَدٍ﴾ أي ما اتخذ الله ولدًا مطلقًا لا من الملائكة ولا من البشر ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ أي وليس معه من يشاركه في الألوهية والربوبية ﴿إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ﴾ أي لو كان معه إِله - كما زعم عبدة الأوثان - لانفرد كل إِلهٍ بخلقه الذي خلق واستبدَّ به، وتميَّز ملك كلِّ واحد عن ملك الآخر ﴿وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ﴾ أي ولغلب بعضهم على بعض كحال ملوك الدنيا قال ابن كثير: المعنى لو قدر تعدُّد الآلهة لانفرد كلٌ بما خلق، ثم لكان كلٌ منهم يطلب قهر الآخر وخلافه فيعلو بعضهم على بعض وما كان ينتظم الوجود، والمشاهد أن الوجود منتظمٌ متَّسقٌ غاية الكمال فدل على تنزه الله عن الولد والشريك ولهذا قال ﴿سُبْحَانَ الله عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي تنزّه الله وتقدَّس عما يصفه به الظالمون ﴿عَالِمِ الغيب والشهادة﴾ أي هو تعالى العالم بما غاب عن الأنظار، وبما تدركه الأبصار، لا تخفى عليه خافية من شؤون الخلق ﴿فتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي تقدَّس وتنزَّه عن الشريك والولد ﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾ أي قل يا ربِّ إِن كان ولا بدَّ من أن تُريَني ما تعدهم من العذاب في الدنيا ﴿رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِي فِي القوم الظالمين﴾ هذا جواب الشرط ﴿إِمَّا﴾ وكرَّر قوله ﴿رَّبِّ﴾ مبالغةً في الدعاء والتضرع أي ربّ فلا تجعلني في جملة الظالمين فأهلك بهلاكهم قال أبو حيان: ومعلوم أنه عليه السلام معصومٌ مما يكون سببًا لجعله مع الظالمين ولكنه أُمر أن يدعو بذلك إِظهارًا للعبودية وتواضعًا لله ﴿وَإِنَّا على أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾ أي ونحن قادرون على أن نريك العذاب الذي وعدناهم به ولكن نؤخره لحكمة ﴿ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ السيئة﴾ أي ادفع إِساءتهم بالصفح عنهم وتجمَّل بمكارم الأخلاق قال ابن كثير: أرشده إلأى الترياق النافع في مخالطة الناس وهو الإِحسان إلى من يسيء إِليه ليستجلب خاطره، فتعود عدواته صداقةً، وبغضه محبة ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ أي نحن أعلم بحالهم وبما يكون منهم من التكذيب والاستهزاء وسنجازيهم عليه ﴿وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشياطين﴾ أي أعتصم بك من نزغات الشياطين ووساوسهم المغرية على الباطل والمعاصي ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾ أي وأعتصم وأحتمي بك يا رب من أن يصيبوني بسوء أو يكونوا معي في أموري، كرَّر ذلك للمبالغة والاعتناء بشأن الاستعاذة ﴿حتى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الموت﴾ عاد الكلام عن المشركين أي حتى إِذا حضر الموتُ أحدهم وعاين أهواله وشدائده ﴿قَالَ رَبِّ ارجعون﴾ أي قال تحسرًا على ما فرط منه: ربِّ ردَّني إلى الدنيا، وصيغة

292

الجمع للتعظيم ﴿لعلي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ أي لكي أعمل صالحًا فيما ضيَّعت من عمري ﴿كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا﴾ ﴿كَلاَّ﴾ كلمةُ ردع وزجر أي لا رجوع إِلى الدنيافليرتدع عن ذلك فإِن طلبه للرعة كلام لا فائدة فيه ولا جدوى منه وهو ذاهبٌ أدراج الرياح ﴿وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أي وأمامهم حاجزٌ يمنعهم عن الرجوع إِلى الدنيا - هو عالم البرزخ - الذي يحول بينهم وبين الرجعة يلبثون فيه إِلى يوم القيامة قال مجاهد: البرزخُ: الحاجز ما بين الدنيا والآخرة ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور﴾ أي فإِذا نفخ في الصور النفخة الثانية وهي نفخة البعث والنشور ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ أي فلا قرابة ولا نسب ينفعهم يوم القيامة لزوال التراحم والتعاطف من شدة الهول والدهشة بحيث يفر المرء من أخيه وأُمه وأبيه وصاحبته وبنيه ﴿وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ أي لا يسأل بعضهم بعضًا عن شأنه لاشتغال كل واحد بنفسه، ولا تنافي بينها وبين قوله

﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ [الطور: 25] لأن يوم القيامة طويل وفيه مواقف ومواطن، ففي بعضها يتكلمون وفي بعضها لا ينطقون ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ أي فمن رجحت حسناته على سيئاته ولو بواحدة ﴿فأولئك هُمُ المفلحون﴾ أي فهم السعداء الذين فازوا فنجوا من النار وأُدخلوا الجنة ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ أي زادت سيئاته على حسناته ﴿فأولئك الذين خسروا أَنفُسَهُمْ﴾ أي فهم الأشقياء الذين خسروا سعادتهم الأبدية بتضييع أنفسهم وتدنيسها بالكفر والمعاصي ﴿فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ أي هم مقيمون في جهنم لا يخرجون منها أبدًا ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النار﴾ أي تحرقها بشدة حرِّها، وتخصيص الوجوه بالذكر لأنها أشرف الأعضاء ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ أي وهم في جهنم عابسون مشوَّهو المنظر قال ابن مسعود: قد بدتْ أسنانهم وتقلَّصت شفاههم كالرأس المُشيَّط بالنار، وفي الحديث «تشويه النارُ فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سُرَّته» ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تتلى عَلَيْكُمْ﴾ أي يقال لهم تعنيفًا وتوبيخًا: ألم تكن آيات القرآن الساطع تقرأ عليكم في الدنيا؟ ﴿فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ أي فكنتم لا تصدّقون بها مع وضوحها ﴿قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ أي غلبت علينا شقاوتنا ﴿وَكُنَّا قَوْمًا ضَآلِّينَ﴾ أي وكنَّا ضالين عن الهدى بسبب ابتاعنا للملذّات والأهواء ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ أي أخرجنا من النار وردُنَّا إلى الدنيا ﴿فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ أي فإِن رجعنا إلى الكفر والمعاصي بعد ذلك نكون قد تجاوزنا الحدَّ في الظلم العدوان.

أقروا أولًا بالإِجرام ثم تدرجوا من الإِقرار إلى الرغبة والتضرع فجاء الجواب بالتيئيس والزجر ﴿قَالَ اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ أي ذلوا في النار وانزجروا كما تُزجر الكلاب ولا تكلموني في رفع العذاب قال في التسهيل: اخسئوا: كلمة تستعمل في زجر الكلاب ففيها إِهانةٌ وإِبعاد ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فاغفر لَنَا وارحمنا وَأَنتَ خَيْرُ الراحمين﴾ قال مجاهد: هم بلال، وخباب، وصهيب وغيرهم من ضعفاء المسلمين كان أبو جهل وأصحابه يهزءون بهم ﴿فاتخذتموهم سِخْرِيًّا﴾ أي فسخرتم منهم واستهزأتم بهم ﴿حتى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ أي حتى نسيتم بتشاغلكم بهم واستهزائكم عليهم عن طاعتي وعبادتي ﴿وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ﴾

293

﴿تَضْحَكُونَ﴾ أي وكنتم تتضحكون عليهم في الدنيا ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ اليوم بِمَا صبروا﴾ أي جزيتهم بسبب صبرهم على أذاكم أحسن الجزاء ﴿أَنَّهُمْ هُمُ الفآئزون﴾ أي أنهم هم الفائزون بالنعيم المقيم ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرض عَدَدَ سِنِينَ﴾ أي قال تعالى للكفار على سبيل التبكيت والتوبيخ: كم مكثتم في الدنيا وعمَّرتم فيها من السنين؟ ﴿قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ أي مكثنا يومًا أو أقل من يوم ﴿فَسْئَلِ العآدين﴾ أي الحاسبين المتمكنين من العدِّ قال ابن عباس: أنساهم ما كانوا فيه من العذاب المدة التي لبثوها ﴿قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ أي ما أقمتم حقًا في الدنيا إِلا قليلًا قال الرازي: كأنه قيل لهم: صدقتم ما لبثتم فيها إِلا قليلًا فقد انقضت ومضت، والغرضُ تعريفهم قلة أيام الدنيا في مقابلة أيام الآخرة ﴿لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي لو كان لكم علمٌ وفهم لعرفتم حقارة الدنيا ومتاعها الزائل ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ أي أظننتم - أيها الناس - أنما خلقناكم باطلًا وهملًا بلا ثواب ولا عقاب كما خلقت البهائم ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ﴾ أي وأنه لا رجوع لكم إِلينا للجزاء؟ لا ليس الأمر كما تظنون وإِنما خلقناكم للتكليف والعبادة ثم الرجوع إِلى دار الجزاء ﴿فَتَعَالَى الله﴾ أي فتنزَّه وتقدَّس الله الكبير الجليل ﴿الملك الحق﴾ أي صاحب السلطان، المتصرف في ملكه بالإِيجاد والإِعدام، والإِحياء والإِفناء، تنزَّه عن العبث والنقائض وعن أن يخلق شيئًا سفهًا لأنه حكيم ﴿لاَ إله إِلاَّ هُوَ﴾ أي لا ربَّ سواه ولا خالق غيره ﴿رَبُّ العرش الكريم﴾ أي خالق العرش العظيم وصفه بالكريم لأن الرحمة والخير والبركة تنزل منه، ولنسبته إلى أكرم الأكرمين ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ الله إِلَهَا آخَرَ﴾ أي ومن يجعل لله شريكًا ويعبد معه سواه ﴿لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ أي لا حجة له به ولا دليل ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ أي جزاؤه وعقابه عند الله ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكافرون﴾ أي لا يفوز ولا ينجح من جحد وكذب بالله ورسله، افتتح السورة بقوله ﴿قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون﴾ وختمها بقوله ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكافرون﴾ ليظهر التفاوت بين الفريقين فشتان ما بين البدء والختام.

﴿وَقُل رَّبِّ اغفر وارحم وَأنتَ خَيْرُ الراحمين﴾ أمر رسوله بالاستغفار والاسترحام تعليمًا للأمة طريق الثناء والدعاء، اللهم اغفر لنا وارحمنا برحمتك التي وسعت كل شيء، يا أرحم الراحمين، اللهم آمين.

البّلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1 - الامتنان ﴿وَهُوَ الذي أَنْشَأَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة﴾ .

2 - التفنن ﴿السمع والأبصار﴾ أفرد السمع وجمع الأبصار تفننًا.

3 - التنكير للتقليل ﴿قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ و﴿مَّا﴾ تأكيد للقلة المستفادة من التنكير والمعنى شكرًا قليلًا وهو كناية عن عدم الشكر.

4 - الاستفهام الذي غرضه الإِنكار والتوبيخ ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾؟ ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾؟ ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾؟

5 - الطباق بين ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ .

6 -

294

حذف جواب الشرط ثقةً بدلالة اللفظ عليه ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي إِن كنتم تعلمون ذلك فأخبروني عنه.

7 - طباق السلب ﴿وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ﴾ .

8 - تأكيد الكلام بذكر حرف الجر الزائد ﴿مَا اتخذ الله مِن وَلَدٍ﴾ أي ما اتخذ ولدًا وكذلك ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ ذكر ﴿مِنْ﴾ في الجملتين تأكيدًا تثبيتًا للنفي.

9 - الطباق في ﴿عَالِمِ الغيب والشهادة﴾ .

10 - التأكيد بإِنَّ واللام ﴿وَإِنَّا على أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾ لإِنكار المخاطبين لذلك.

11 - الطباق المعنوي ﴿ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ السيئة﴾ لأنه المعنى ادفع بالحسنة السيئة فهو طباق بالمعنى لا بالفظ.

12 - واو الجمع للتعظيم ﴿رَبِّ ارجعون﴾ ولم يقل ارجعني تعظيمًا لله جل وعلا.

13 - المجاز المرسل ﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا﴾ أطلق الكلمة على الجملة وهو من إِطلاق الجزء وإرادة الكل.

14 - المقابلة اللطيفة بين ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ وبين ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ. .﴾ الآيتان.

15 - القصر ﴿أَنَّهُمْ هُمُ الفآئزون﴾ .

16 - جناس الاشتقاق ﴿وَأنتَ خَيْرُ الراحمين﴾ .

17 - السجع الموزون الخالي من التكلف وهو كثير مشهور.

295

النور

1

اللغَة: ﴿سُورَةٌ﴾ السورة في اللغة: المنزلة السامية والمكانة الرفيعة قال النابغة:

ألم تَرَ أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب

وسميت المجموعة من الآيات لها بدءٌ ونهاية سورة لشرفها وارتفاعها كما يسمى السور للمرتفع من الجدار ﴿الزاني﴾ الزنى: الوطء المحرم ويسمى الفاحشة لتناهي قبحه وهو مقصور وقد يمد على لغة أهل نجد فيقال الزناء قال الفرزدق:

أبا طاهر من يزن يعرف زناؤه ... ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكرًا

﴿رَأْفَةٌ﴾ شفقة وعطف مأخوذ من رؤف إذا رق ورحم ﴿المحصنات﴾ العفيفات وأصل الإِحصان المنع سميت العفيفة محصنة لأنها منعت نفسها عن القبيح، ومنه الحصن لأنه يمنع من الأعداء ﴿يَدْرَؤُاْ﴾ يدفع والدرء: الدفع ﴿تَشِيعَ﴾ شاع الأمر شيوعًا إذا فشا وظهر وانتشر ﴿عُصْبَةٌ﴾

297

العصبة: الجماعة الذين يتعصب بعضهم لبعض.

سَبَبُ النّزول: أ - روي أن امرأةً تُدعى «ام مهزول» كانت من البغايا فكانت تُسافح الرجل وتشرط أن تنفق عليه، فأراد رجل من المسلمين أن يتزوجها فذكر ذلك لرسول الله ﷺ َ فأنزل الله ﴿الزانية لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ الآية.

ب - عن ابن عباس أن «هلال بن أُمية» قذف امرأته عند النبي ﷺ َ ب «شريك بن سحماء» فقال النبي ﷺ َ: «البيتةُ أو حدٌّ في ظهرك» فقال يا رسول الله: إذا رأى أحدنا مع امرأته رجلًا ينطلق يلتمس البينة؟ والذي بعثك بالحق إني لصادقٌ، ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد فنزلت ﴿والذين يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ. .﴾ الآية.

التفسِير: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا﴾ أي هذه سورة عظيمة الشأن من جوامع سور القرآن أوحينا بها إليك يا محمد ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ أي أوجبنا ما فيها من الأحكام إيجابًا قطعيًا ﴿وَأَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ أي أنزلنا فيها آياتٍ تشريعية، واضحات الدلالة على أحكامها، لتكون لكم - أيها المؤمنون - قبسًا ونبراسًا، وتكريرُ لفظ الإِنزال كمال العناية بشأنها فكأنه يقول: ما أنزلتها عليكم لمجرد التلاوة وإنما أنزلتها للعمل والتطبيق ﴿لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي لكي تعتبروا وتتعظوا بهذه الأحكام وتعملوا بموجبها، ثم شرع تعالى بذكر الأحكام وبدأ بحد الزنى فقال ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ أي فيما شرعت لكم وفرضت عليكم أن تجلدوا كل واحدٍ من الزانيين - غير المحصنين - مائة ضربة بالسوط عقوبة لهما على هذه الجريمة الشنيعة ﴿وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله﴾ أي لا تأخذكم بهما رقة ورحمة في حكم الله تعالى فتحففوا الضرب أو تنقصوا العدد بل أوجعوهما ضربًا قال مجاهد: لا تعطلوا حدود الله ولا تتركوا إقامتها شفقة ورحمة ﴿إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر﴾ هذا من باب الإِلهاب والتهييج أي إن كنتم مؤمنين حقًا تصدقون بالله وباليوم الآخر، فلا تعطلوا الحدود ولا تأخذكم شفقة بالزناة، فإن جريمة الزنى أكبر من أن تستدر العطف أو تدفع إلى الرحمة ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ المؤمنين﴾ أي وليحضر عقوبة الزانيين جماعةٌ من المؤمنين، ليكون أبلغ في زجرهما، وأنجع في ردعهما، فإنَّ الفضيحة قد تنكل أكثر مما ينكل التعذيب ﴿الزاني لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ أي الزاني لا يليق به أن يتزوج العفيفة الشريفة، إنما ينكح مثله أو أخسَّ منه كالبغيّ الفاجر، أو المشركة الوثنية ﴿والزانية لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ أي والزانية لا يليق أن يتزوج بها المؤمن العفيف، إنما يتزوجها من هو مثلها أو أخسَّ منها، كالزاني الخبيث أو المشرك الكافر، فإن النفوس الطاهرة تأبى الزواج بالفواجر الفاسقات، قال الإِمام الفخر: «من أحسن ما قيل في تفسير هذه الآية: أنَّ الفاسقَ الخبيث - الذي من شأنه الزنى والفِسق - لا يرغب في نكاحها الصوالح من النساء، وإنما يرغب في فاسقةٍ خبيثةٍ مثله أو في مشركة، والفاسقة الخبيثة لا يرغب في نكاحها الصلحاء من الرجال وينفرون عنها، وإنما يرغب فيها من هو من جنسها

298

من الفسقة والمشركين، وهذا على الأعم الأغلب كما يقال: لايفعل الخير إلا الرجل التقي، وقد يفعل بعض الخير من ليس بتقيٍّ فكذا هنا» ﴿وَحُرِّمَ ذلك عَلَى المؤمنين﴾ أي وحرم الزنى على المؤمنين لشناعته وقبحه، أو حرم نكاح الزواني على المؤمنين لما فيه من الأضرار الجسيمة.

. ثم شرع تعالى في بيان حد القذف فقال ﴿والذين يَرْمُونَ المحصنات﴾ أي يقذفون بالزنى العفيفات الشريفات ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾ أي ثم لم يأتوا على دعواهم بأربعة شهود عدول يشهدون عليهم بما نسبوا إليهم من الفاحشة ﴿فاجلدوهم ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ أي اضربوا كل واحدٍ من الرامين ثمانين ضربةً بالسوط ونحوه، لأنهم كذبة يتهمون البريئات، ويخوضون في أعراض الناس ﴿وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ أي وزيدوا لهم في العقوبة بإهدار كرامتهم الإِنسانية فلا تقبلوا شهادة أي واحدٍ منهم ما دام مصرًا على كذبه وبهتانه ﴿وأولئك هُمُ الفاسقون﴾ أي هم الخارجون عن طاعة الله عز وجل لإِتيانهم بالذنب الكبير، والجرم الشنيع قال ابن كثير: أوجب تعالى على القاذف إذا لم يُقم البينة على صحة ما قال ثلاثة أحكام: أحدها أن يجلد ثمانين جلدة الثاني: أن ترد شهادته أبدًا الثالث: أن يكون فاسقًا ليس بعدل لا عند الله ولا عند الناس ﴿إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك﴾ أي إلا الذين تابوا وأنابوا وندموا على ما فعلوا من بعد ما اقترفوا ذلك الذنب العظيم ﴿وَأَصْلَحُواْ﴾ أي أصلحوا أعمالهم فلم يعودوا إلى قذف المحصنات قال ابن عباس: أي أظهروا التوبة ﴿فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي فاعفوا عنهم واصفحوا وردُّوا إليهم اعتبارهم بقبول شهادتهم، فإن الله غفور رحيم يقبل توبة عبده إذا تاب وأناب وأصلح سيرته وحاله.

. ثم ذكر تعالى حكم من قذف زوجته وهو المعروف باللعان فقال ﴿والذين يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ أي يقذفون زوجاتهم بالزنى ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ﴾ أي وليس لهم شهود يشهدون بما رموهنَّ به من الزنى سوى شهادة أنفسهم ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بالله﴾ أي فشهادة أحدهم التي تزيل عنه حدَّ القذف أربع شهادات بالله تقوم مقام الشهداء الأربعة ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصادقين﴾ أي إنه صادقٌ فيما رمى به زوجته من الزنى ﴿والخامسة أَنَّ لَعْنَةَ الله عَلَيْهِ﴾ أي وعليه أيضًا أن يحلف في المرة الخامسة بأن لعنة الله عليه ﴿إِن كَانَ مِنَ الكاذبين﴾ أي إن كان كاذبًا في قذفه لها بالزنى ﴿وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا العذاب﴾ أي ويدفع عن الزوجة المقذوفة حدَّ الزنى الذي ثبت بشهادة الزوج ﴿أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بالله إِنَّهُ لَمِنَ الكاذبين﴾ أي أن تحلف أربع مرات إنه لمن الكاذبين فيما رماها به من الزنى ﴿والخامسة أَنَّ غَضَبَ الله عَلَيْهَآ إِن كَانَ مِنَ الصادقين﴾ أي وتحلف في المرة الخامسة بأنَّ غضب الله وسخطه عليها إن كان زوجها صادقًا في اتهامه لها بالزنى ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أي ولولا فضل الله عليكم ورحمته بكم بالستر في ذلك، وجوابُ ﴿وَلَوْلاَ﴾ محذوف لتهويل الأمر تقديره: لهلكتم أو لفضحكم أو عاجلكم بالعقوبة، ورب مسكوتٍ عنه أبلغ من المنطوق ﴿وَأَنَّ الله تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ أي وأنه تعالى مبالغ في قبول التوبة، حكيم في ما شرع من الأحكام ومن جملتها حكم اللعان قال أبو السعود: وجواب لولا محذوف

299

لتهويله كأنه قيل: ولولا تفضله تعالى عليكم ورحمته بكم لكان ما كان ممّا لا يحيط به نطاق البيان ومن جملته أنه تعالى لو لم يشرع لهم ذلك لوجب على الزوج حدُّ القذف مع أن الظاهر صدقه لاشتراكه في الفضيحة، ولو جعل ضهاداته موجبةً لحد الزنى عليها لفات النظر لها، ولو جعل شهادتها موجبة لحد القذف عليه لفات النظر له، فسبحانه ما أعظم شأنه، وأوسع رحمته، وأدقَّ حكمته. . ثم بيَّن تعالى «قصة الإِفك» التي اتهمت فيها العفيفة البريئة الطاهرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بالكذب والبهتان فقال ﴿إِنَّ الذين جَآءُوا بالإفك﴾ أي جاءوا بأسوء الكذب وأشنع صور البهتان وهو قذف عائشة بالفاحشة قال الإِمام الفخر: الإِفك أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء، وقد أجمع المسلمون على أن المراد ما أُفك به على عائشة وهي زوجة الرسول المعصوم ﴿عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ﴾ أي جماعة منكم أيها المؤمنون وعلى رأسهم «ابن سلول» رأس النفاق ﴿لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُمْ﴾ أي لا تظنوا هذا القذف والاتهام شرًا لكم يا آل أبي بكر ﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ لما فيه من الشرف العظيم بنزول الوحي ببراءة أم المؤمنين، وهذا غاية الشرف والفضل قال المفسرون: والخير في ذلك من خمسة أوجه: تبرئة أم المؤمنين، وكرامة الله لها بإنزال الوحي في شأنها، والأجر الجزيل لها في الفِرية عليها، وموعظة المؤمنين، والانتقام من المفترين ﴿لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ مَّا اكتسب مِنَ الإثم﴾ أي لك فردٍ من العُصبة الكاذبة جزاء ما اجترح من الذنب على قدر خوضه فيه ﴿والذي تولى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ أي والذي تولى معظمه وأشاع هذا البهتان وهو «ابن سلول» رأس النفاق ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أي له في الآخرة عذاب شديد في نار جهنم ﴿لولا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ أي هلاَّ حين سمعتم يا معشر المؤمنين هذا الافتراء وقذف الصديقة عائشة ﴿ظَنَّ المؤمنون والمؤمنات بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ أي هلاّ طنوا الخير ولم يسرعوا إلى التهمة فيمن عرفوا فيها النزاهة والطهارة؟ فإن مقتضى الإِيمان ألاّ يصدق مؤمنٌ على أخيه قوله عائب ولا طاعن قال ابن كثير: هذا تأديبٌ من الله تعالى للمؤمنين في قصة عائشة حين أفاض بعضهم في ذلك الكلام السُّوء، وهلا قاسوا ذلك الكلام على أنفسهم فإن كان لا يليق بهم فأمُ المؤمنين أولى بالبراءة منه بطريق الأولى والأحرى، وري أن امرأة «أبي أيوب» قالت له: أما تسمع ما يقول الناسُ في عائشة! قال: نعم وذلك الكذب، أكنت فاعلةً ذكل يا أم أيوب؟ قالت: لا والله قال فعائشة والله خير منك، ﴿وَقَالُواْ هاذآ إِفْكٌ مُّبِينٌ﴾ أي قالوا في ذلك الحين هذا كذبٌ ظاهر مبين ﴿لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾ أي هلاّ جاء أولئك المفترون بأربعة شهود يشهدون على ما قالوا ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ﴾ أي فإن عجزوا ولم يأتوا على دعواهم بالشهود ﴿فأولئك عِندَ الله هُمُ الكاذبون﴾ أي فأولئك هم المفسدون الكاذبون في حكم الله وشرعه، وفيه توبيخُ وتعنيف للذين سمعوا الإِفك ولم ينكروه أول وهلة ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدنيا والآخرة﴾ أي لولا فضله تعالى عليكم - أيها الخائضون في شأن عائشة - ورحمته بكم في الدنيا والآخرة حيث أمهلكم ولم يعاجلكم بالعقوبة ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ﴾ أي لأصابكم

300

ونالكم بسبب ما خضتم فيه من حديث الإِفك ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أي عذاب شديد هائل يُستحقر دونه الجلد والتعنيف قال القرطبي: هذا عتابٌ من الله بليغُ لمن خاضوا في الإِفك، ولكنه برحمته ستر عليكم في الدنيا، ويرحم في الآخرة من أتاه تائبًا ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ أي وذلك حين تتلقونه ويأخذه بعضكم من بعض بالسؤال عنه قال مجاهد: أي يرويه بعضُكم عن بعض، يقول هذا سمعته من فلان، وقال فلانٌ كذا ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي تقولون ما ليس له حقيقة في الواقع، وإنما هو محض كذبٍ وبهتان ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾ أي وتظنونه ذنبًا صغيرًا لا يلحقكم فيه إثم ﴿وَهُوَ عِندَ الله عَظِيمٌ﴾ أي والحال أنه عند الله من أعظم الموبقات والجرائم لأنه وقوع في أعراض المسلمين قال في التسهيل: عابتهم تعالى على ثلاثة أشياء: الأول: تلقيه بالألسنة اي السؤال عنه والثاني: التكلم به والثالث: استصغاره حيث حسبوه هينًا وهو عند الله عظيم، وفائدة قوله بألسنتكم وبأفواهكم الإِشارة إلى أنَّ ذلك الحديث كان باللسان دون القلب لأنهم لم يعلموا حقيقته بقلوبهم ﴿ولولا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بهذا﴾ عتابٌ لجميع المؤمنين أي كان ينبغي عليكم أن تنكروه أول ما سماعكم له وتقولوا لا ينبغي لنا أن نتفوه بهذا الكلام ولا نذكره لأحد ﴿سُبْحَانَكَ هذا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ أي سبحان الله أن يقال هذا الكلام على زوجة رسول الله الطاهرة البريئة فإن هذا الافتراء كذبٌ واضح، عظيم الرم قال الزمخشري: هو بمعنى العجب من عظيم الأمر والاستبعاد له، والأصل في ذلك أن يُسبَّح الله عند رؤية العجائب ﴿يَعِظُكُمُ الله أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ أي يذكركم الله ويعظكم بالمواعظ الشافية لكي لا تعودوا إلى مثل هذا العمل أبدًا ﴿إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ أي إن كنتم حقًا مؤمنين فإن الإيمان وازع عن مثل البهتان، وفيه حثٌ لهم على الاتعاظ وتهييج ﴿وَيُبَيِّنُ الله لَكُمُ الآيات﴾ أي ويوضح لكم الآيات الدالة على الشرائع ومحاسن الآداب، لتتعظوا وتتأدبوا بها ﴿والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي عالم بما يصلح العباد، حكيم في تدبيره وتشريعه ﴿إِنَّ الذين يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفاحشة﴾ أي يريدون أن ينتشر الفعل القبيح المفرط في القبح كإشاعة الرذيلة والزنى وغير ذلك من المنكرات ﴿فِي الذين آمَنُواْ﴾ أي في المؤمنين الأطهار ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدنيا والآخرة﴾ أي لهم عذاب موجع مؤلم في الدنيا فإقامة الحدِّ، وفي الآخرة بعذاب جهنم قال الحسن: عنى بهذا الوعيد واللعن المنافقين فإ نهم أحبوا وقصدوا إذاية الرسول ﷺ َ وذلك كفرٌ وملعون صاحبه ﴿والله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ أي هو تعالى عالمٌ بالخفايا والنوايا وأنتم لا تعلمون ذلك قال الإِمام الفخر: وهذه الجملة فيها حسنُ الموقع بهذا الموضع، لأنه محبة القلب كامنةٌ ونحن لا نعلمها إلاّ بالأمارات أما الله سبحانه فهو لا يخفى عليه شيء، فصار هذا الذكر نهايةً في الزجر لأن من أحبَّ إشاعة الفاحشة وإن بالغَ في إخفاء تلك المحبة فهو يعلم أن الله تعالى يعلم ذلك منه ويعلم قدر الجزاء عليه ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ الله رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ جواب ﴿لَوْلاَ﴾ محذوف لتهويل الأمر أي لولا فضله تعالى على عباده ورحمته بهم لأهلكهم وعذَّبهم، وكان

301

ما كان مما لا يكاد يتصوره الإِنسان لأنه فوق الوصف والبيان.

البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1 - التنكير للتفخيم ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا﴾ أي هذه سورة عظيمة الشأن، جليلة القدر أنزلها الله.

2 - الإِطناب بتكرير لفظ ﴿أَنزَلْنَا﴾ في قوله ﴿وَأَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ لإِبراز كمال العناية بشأنها، وهو من باب ذكر الخاص بعد العام للعناية والاهتمام.

3 - الاستعارة ﴿يَرْمُونَ المحصنات﴾ أصل الرمي القذفُ بالحجارة أو بشيء صلب ثم استعير للقذف باللسان لأنه يشبه الأذى الحسّي ففيه استعارة لطيفة.

4 - التهييج والإِلهاب ﴿إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ﴾ كقولهم إن كنت رجلًا فاقدم.

5 - صيغة المبالغة ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ و﴿تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ فإن «فعول، وفعّال، وفعيل» من سيغ المبالغة وكلها تفيد بلوغ النهاية في هذه الصفات.

6 - الطباق بين ﴿الصادقين﴾ و﴿الكاذبين﴾ .

7 - حذف جواب ﴿لَوْلاَ﴾ للتهويل في ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ وذلك حتى يذهب الوهم في تقديره كل مذهب فيكون أبلغ في البيان وأبعد في التهويل والزجر.

8 - الطباق ﴿لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ وكذلك ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ الله عَظِيمٌ﴾ فقد طابق بين الشر والخير، وبين الهيّن والعظيم.

9 - الالتفات من الخطاب إلى الغيبة ﴿لولا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المؤمنون﴾ والأصل أن يقال ظننتم وإنما عدل عنه مبالغة في التوبيخ وإشعارًا بأن الإيمان يقتضي ظنَّ الخير بالمؤمنين.

10 - التحضيض ﴿لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾ أي هلاَّ جاءوا وغرضُه التوبيخ واللوم.

11 - التعجب ﴿سُبْحَانَكَ هذا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ ففيه تعجب ممن يقول ذلك والأصل في ذكر هذه الكلمة ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أن يُسبح الله تعالى عند رؤية العجيب من صنائعه، تنزيهًا له من أن يخرج مثله عن قدرته ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه.

فَائِدَة: لماذا بدأ الله في الزنى بالمرأة، وفي السرقة بالرجل؟ والجواب أن الزنى من المرأة أقبح، وجرمه أشنع فبدأ بها، وأما لاسرقة فالرجل عليها أجرأ وهو عليها أقدر ولذلك بدأ به ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا﴾ .

تنبيه: في التعبير بالإِحصان ﴿والذين يَرْمُونَ المحصنات﴾ إشارة دقيقة إلى أنَّ قذف العفيف من الرجال أو النساء موجب لحدِّ القذف، وأما إذا كان الشخص معروفًا بفجوره أو اشتهر بالاستهتار والمجون فلا حدَّ على قاذفه، لأنه لا كرامة للفاسق الماجن. فتدبر السر الدقيق.

لطيفَة: لماذا عدل عن قوله ﴿تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ إلى قوله ﴿تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ كه م تلرجكو نمتسب تلنزبو؟ والجواب أن الله عز وجل أراد الستر على العباد بتشريع اللعان بين الزوجين، فلو لم يكن اللعان مشروعًا لوجب على الزوج حدُّ القذف مع أن الظاهر صدقه، ولو اكتفى بلعانه لوجب على الزوجة حدُّ الزنى، فكان من الحكمة وحسن النظر لهما جميعاص أن شرع هذا الحكم، ودرأ عنهما

302

العذاب بتلك الشهادات، فسبحانه ما أوسع رحمته، وأجل حكمته!! .

303