53
المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى المنافقين وما هم عليه من صفاتٍ قبيحة، أعقبه بذكر ما انطوت عليه نفوسهم من المكر والإِحتيال والحلف الكاذب بأغلظ الأيمان، وختم السورة الكريمة بالتحذير من سلوك طريق المنافقين.
53
المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى المنافقين وما هم عليه من صفاتٍ قبيحة، أعقبه بذكر ما انطوت عليه نفوسهم من المكر والإِحتيال والحلف الكاذب بأغلظ الأيمان، وختم السورة الكريمة بالتحذير من سلوك طريق المنافقين.
اللغَة: ﴿الحلم﴾: الاحتلام في المنام قال في القاموس: الحلم: الرؤيا جمعه أحلام، والحُلم والاحتلام: الجماع في النوم وقال الراغب: هو زمان البلوغ سمي به لكون صاحبه جديرًا بالحلم أي الأناة وضبط النفس ﴿القواعد﴾ جمع قاعد بغير تاء لأنه خاصٌ بالنساء كحائض وطامث وهي المرأة التي قعدت عن الزواج وعن الولد ﴿أَشْتَاتًا﴾ متفرقين جمع شتّ وهو الافتراق، والشتاتُ: الفرقة ﴿يَتَسَلَّلُونَ﴾ التسلل: الخروج خفية يقال: انسلَّ وتسلل إذا خرج مستترًا بطريق الخفية ﴿لِوَاذًا﴾ اللواذ: أن يستتر بشيء مخافة من يراه.
سَبَبُ النّزول: روي أن رسول الله ﷺ َ بعث غلامًا من الأنصار يقال له: مُدْلج إلى عمر بن الخطاب وقت الظهيرة ليدعوه فوجده نائمًا، فدقَّ عليه الغلام الباب ودخل، فاستيقظ عمر وجلس فانكشف منه شيء فقال: وددت أنَّ الله نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا عن الدخول في هذه الساعات إلا بإذن، ثم انطلق إلى رسول الله ﷺ َ فوجد الآية قد أنزلت ﴿ياأيها الذينءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ الذين مَلَكَتْ أيمانكم. .﴾ فخرَّ ساجدًا شكرًا الله تعالى.
التفسِير: ﴿وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمُْ﴾ أي حلف المنافقون بغاية الأيمان المغلَّظة ﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ أي لئن أمرتهم بالخروج إلى الجهاد ليخرجن معك قال مقاتل: لما بيَّن الله إعراض المنافقين وامتناعهم عن قبول حكمه عليه السلام أتوه فقالوا: لو أمرتنا أن نخرج من ديارنا وأموالنا ونسائنا لخرجنا، وإن أمرتنا بالجهاد لجاهدنا فنزلت ﴿قُل لاَّ تُقْسِمُواْ﴾ أي لا تحلفوا فإن أيمانكم كاذبة ﴿طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ﴾ أي طاعتُكم لله ورسوله معروفة فإنها باللسان دون القلب، وبالقول دون العمل ﴿إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي بصير لا يخفى عله شيء من خفاياكم ونواياكم ﴿قُلْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول﴾ أي أطيعوا الله بإخلاص النية وترك النفاق، وأطيعوا الرسول الاستجابة لأمره والتمسّك بهديه ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ أي فإن تتولَّوْا وتعرضوا عن طاعته ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ﴾ أي على الرسولما كلف به من تبليغ الرسالة ﴿وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ﴾ أي وعليكم ما كلفتم به من السمع والطاعة واتباع أمره عليه السلام ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾ أي وإن أطعتم أمره فقد اهتديتم إلى طريق السعادة والفلاح ﴿وَمَا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ المبين﴾ أي ليس عليه إلا التبليغ الواضح للأمة، ولا ضرر عيه إن خالفتم وعصيتم فإنه قد بلَّغ الرسالة وأدى الأمانة ﴿وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ أي وعد الله المؤمنين المخلصين الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض كَمَا استخلف الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي وعدهم بميراث الأرض وأن يجعلهم فيها خلفاء متصرفين فيها تصرف الملوك في ممالكهم، كما استخلف المؤمنين قبلهم فملكهم ديار الكفار قال المفسرون: لما قدم رسول الله ﷺ َ وأصحابه المدينة رمتهم العرب عن قوسٍ واحدة، فكانوا لا يبتون إلا في السلاح، ولا يصبحون إلاّ في لأمتهم - أي سلاحهم - فقالوا أترون أنّا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلاّ الله عز وجل!! فنزلت الآية، وهذا وعدٌ ظهر صدقُه بفتح مشارق الأض ومغاربها
لهذه الأمة وفي الحديث بشارة كذلك فقد قال ﷺ َ:
«إنَّ الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها» ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الذي ارتضى لَهُمْ﴾ أي وليجعلنَّ دينهم - الإِسلام - الذي ارتضاه لهم عزيزًا مكينًا عاليًا على كل الأديان ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ أي وليغيرن حالهم التي كانوا عليها من الخوف والفزع إلى الأمن والاستقرار كقوله ﴿وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: 4] ﴿يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ استئنافٌ بطريق الثناء عليهم كالتعليل للاستخلاف ي الأرض أي يوحدونني ويهلصون لي العبادجة، لا يعبدون إلهًا غيري ﴿وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلك﴾ أي فمن جحد شكر النعم ﴿فأولئك هُمُ الفاسقون﴾ هم الخارجون عن طاعة الله، العاصون أمر الله قال أبو العالية: أي من كفر بهذه النعمة وليس يعني الكفرَ بالله قال الطبري: وهو أشبه بتأويل الآية لأان اللهَ وعد الإِنعام على هذه الأمة بما أخبر في هذه الآية بأنه منعم به عليهم ثم قال ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ أي كفر هذه النعمة ﴿فأولئك هُمُ الفاسقون﴾ ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة﴾ أي أقيموا أيها المؤمنون الصلاة وأُدوا الزكاة على الوجه الأكمل الذي يُرضي الله ﴿وَأَطِيعُواْ الرسول لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي أطيعوا الرسول في سائر ما أمركم به رجاء الرحمة ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأرض﴾ تسليةٌ للنبي ﷺ َ ووعدٌ له بالنُّصرة اي لا تظننَّ يا محمد الكافرين الذين عاندوك وكذبوك معجزين لله في هذه الحياة بل الله قادرٌ عليهم في كل حين وأن ﴿وَمَأْوَاهُمُ النار﴾ أي مرجعهم نار جهنم ﴿وَلَبِئْسَ المصير﴾ أي بئس المرجع والمآل الذي يصيرون إليه ﴿ياأيها الذينءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ الذين مَلَكَتْ أيمانكم﴾ أي يا أيها المؤمنون الذين صدَّقوا الله ورسوله وأيقنوا بشريعة الإِسلام نظامًا وحكمًا ومنهاجًا ليستأذنكم في الدخول عليكم العبيدُ والاِماء الذين تملكونهم ملك اليمين ﴿والذين لَمْ يَبْلُغُواْ الحلم مِنكُمْ﴾ أي والأطفال الذين لم يبلغوا مبلغ الرجال الأحرار ليستأذنوا أيضًا ﴿ثَلاَثَ مَرَّاتٍ﴾ أي في ثلاثة أوقات ﴿مِّن قَبْلِ صلاوة الفجر﴾ أي في الليل وقت نومك وخلودكم إلى الراحة ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثيابكم مِّنَ الظهيرة﴾ أي وقت الظهر حين تخلعون ثيابكم للقيلولة ﴿وَمِن بَعْدِ صلاوة العشآء﴾ أي ووقت إرادتكم النوم واستعدادكم له ﴿ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ﴾ اي هي ثلاثة أوقات يختل فيها تستركم، العوراتُ فيها بادية والتكشف فيها غالب، فعلِّموا عبيدكم وخدمكم وصبيانكم ألاّ يدخلوا عليكم في هذه الأوقات إلا بعد الاستئذان ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ أي ليس عليكم ولا على المماليك والصبيان حرجٌ في الدخول عليكم بغير استئذان بعد هذه الأوقات الثلاثة ﴿طوافون عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ على بَعْضٍ﴾ أي لأنهم خدمكم يطوفون عليكم للخدمة وغير ذلك قال أبو حيان: أي يمضون ويجيئون ويدخلون عليكم في المنازل غدوةً وعشية بغير إذن إلا في تلك الأوقات ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمُ الأيات﴾ أي مثل ذلك التوضيح والبيان يبيّن الله لكم الأحكام الشرعية لتتأدبوا بها ﴿والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي عالمٌ بأمور خلقه، حكيمٌ في تدبيره لهم ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأطفال مِنكُمُ الحلم﴾ أي وإذا بلغ هؤلاء الأطفال الصغار مبلغ الرجال وأصبحوا في سنّ التكليف ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا استأذن الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي فعلموهم الأدب السامي أن يستأذنوا في كل الأوقات
كما يستأذن الرجال البالغون ﴿كذلك يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ اي يفصّل لكم أمور الشريعة والدين ﴿والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي عليم بخلقه حكيم في تشريعه قال البيضاوي: كرره تأكيدًا ومبالغة في الأمر بالاستئذان ﴿والقواعد مِنَ النسآء﴾ أي والنساء العجائز اللواتي قعدن عن التصرف وطلب الزواج لكبر سنهن ﴿اللاتي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ أي لا يطمعن في الزواج ولا يرغبن فيه لانعدام دوافع الشهوة فيهن ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ اي لا حرج ولا إثم عليهنَّ في ان يضعن بعض ثيابهم كالرداء والجلباب، ويظهرن أمام الرجال بملابسهن المعادة التي لا تلفت انتباهًا، ولا تثير شهوة ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ أي غير متظاهرات بالزينةليظر إليهن قال أبو حيان: وحقيقة التبرج إظهار ما يجب إخفاؤُه، وربَّ عجوزٍ شمطاء يبدو منها الحرصُ على أن يظهر بها جمال ﴿وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ﴾ أي وأن يستترن بارتداء الدلباب ولبس الثياب كا تلبسه الشابات من النساء، مبالغةً في التستر والتعفف خيرٌ لهنَّ وأكرم، وأزكى عند الله وأطهر ﴿والله سَمِيعٌ عِلِيمٌ﴾ أي يعلم خفايا النفوس ويجازي كل إنسان بعمله، وفيه وعدٌ وتحذير ﴿لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ﴾ أي ليس على أهل الأعذار «الأعمى، والأعرج، والمريض» حرج ولا إثم في القعود عن الغزو لضعفهم وعجزهم ﴿وَلاَ على أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ﴾ أي وليس عليكم أيها الناس إثم أن تأكلوا من بيوت أزواجكم وعيالكم قال البيضاوي: فيدخل فيها بيوت الأولاد لأن بيت الولد كبيته لقوله عليه السلام: إن أطيبَ ما يأكل المرءُ م كسبه، وإنَّ ولده من كسبه ﴿أَوْ بُيُوتِ آبَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاَتِكُمْ﴾ أي لا حرج في الأكل من بيوت هؤلاء الأقارب قال الرازي: والظاهر أن إباحة الأكل لا تتوقف على الاستئذان لأن العادةأن هؤلاء القوم تطيب أنفسهم بأكل الأقارب ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ﴾ أي البيوت التي توكّلون عليه وتملكون مفاتيحها في غياب أهلها قال عائشة: كان المسلمون يذهبون مع رسول الله في الغزو ويدفعون مفاتحهم إلى ضمنائهم ويقولون: قد أحللنا لكم الأكل منها فكانوا يقولون: إنه لا يجل لنا ان نأكل، إنهم أذنوا لنا عن غير طيب أنفسهم وإنما نحن أمناء فأنزل الله ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ﴾ ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ أي أو بيوت أصدقائكم وأصحابكم قال قتادة: إذا دخلت بيت صديقك فلا بأس أن تأكل بغير إذنه ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ أي ليس عليكم إثم أو حرج أن تأكلوا مجتمعين أو متفرقين قال المفسرون: نزلت ف حيٍ من كنانة كان الرجل منهم لا يأكل وحده، يمكث يومه فإن لم يجد من يؤاكله لم يأكل شيئًا: وربما كان معه الإِبل الحُفَّل فلا يشرب من ألبانها حتى يجد من يشاربه فأخبرهم تعالى بأن الرجل إذا أكل وحده لا حرج عليه ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُواْ على أَنفُسِكُمْ﴾ أي
إذا دخلتم بيوتًا مسكونة فسلموا على من فيها من الناس ﴿تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ الله مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ أي حيُّوهم بتحية الإِسلام «السلام عليكم» وهي التحية المباركة الطيبة التي شرعها الله لعباده المؤمنين قال القرطبي: وصفها بالبركة لأنه فيها الدعاء واستجلاب المودة، ووصفها بالطيب لأن سامعها يستطيبها ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمُ الآيات لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ قال ابن كثير: لما ذكر تعالى في هذه السورة الكريمة من الأحكام المحمة، والشرائع المُبْرمة، نبَّه عباده على أنه يبين لهم الآيات بيانًا شافيًا ليتدبروها ويتعقلوها لعلهم يعقلون ﴿إِنَّمَا المؤمنون الذين آمَنُواْ بالله وَرَسُولِهِ﴾ أي إنما المؤمنون الكاملون في الإِيمان الذي صدقوا الله ورسوله تصديقًا جازمًا لا يخالجه شك ﴿وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ على أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ أي وإذا كانوا مع الرسول في أمرٍ هام فيه مصلحة للمسلمين ﴿لَّمْ يَذْهَبُواْ حتى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ أي لم يتركوا مجلسه حتى يستأذنوه فيأذن لهم قال المفسرون: نزلت هذه الآية في وقت حفر الخندق، فإن بعض المؤمنين كانوا يستأذنون في الانصراف لضرورة، وكان المنافقون يذهبون بغير استئذان فنزلت تمدح المؤمنين الخالصين، وتعُرِّض بذم المنافقين ﴿إِنَّ الذين يَسْتَأْذِنُونَكَ أولئك الذين يُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ﴾ هذا توكيدٌ لما تقدم ذكره تفخيمًا وتعظيمًا لشأن الرسول ﷺ َ أي إن الذين يستأذنونك يا محمد أولئك هم المؤمنون حقًا قال البيضاوي: أعاده مؤكدًا على أسلوب أبلغ فإِن جعل المستأ ذنين هم المؤمنين عكس الأسلوب الأول وفيه تأكيد للأول بذكر لفظ الله ورسوله فيكون مصداقًا ودليلًا على صحة الإِيمان ﴿فَإِذَا استأذنوك لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ أي فإِذا استأذنك هؤلاء المؤمنون لبعض شئونهم ومهامهم ﴿فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ أي فاسمح لمن أحببت بالانصراف إِن كان فيه حكمه ومصلحة ﴿واستغفر لَهُمُ الله﴾ أي وادع الله له بالعفو والمغفرة فإِن الاستئذان ولو لعذرٍ قصورٌ لأنه تقديم لأمر الدنيا على أمر الدين ﴿إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي عظيم العفو واسع الرحمة ﴿لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرسول بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ أي لا تنادوا الرسول باسمه كما ينادي بعضكم بعضًا باسمه بل قولوا: يا نبيَّ الله ويا رسول الله تفخيمًا لمقامه وتعظيمًا لشأنه قال أبو حيان: لمّا كان التداعي بالأسماء على عادة البداوة أُمروا بتوقير رسول الله ﷺ َ ودعائه بأحسن ما يدعى به نحو يا رسول الله، يا نبيَّ الله، ألا ترى إِلى بعض جفاةِ من أسلم كان يقول يا محمد فنهوا عن ذلك قال قتادة: أمرهم تعالى أن يفخموه ويشرّفوه ﴿قَدْ يَعْلَمُ الله الذين يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا﴾ أي قد علم الله الذين ينسلُّون قليلًا ويخرجون من الجماعة في خفية يستتر بعضهم ببعض قال الطبري: واللواذ هو أن يلوذ القوم بعضُهم ببعض، يستتر هذا بهذا وهذا بهذا ﴿فَلْيَحْذَرِ الذين يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي فليخف الذين يخالفون أمر الرسول ويتركون سبيه ومنهجه وسنته ﴿أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي تنزل بهم محنة عظيمة في الدنيا أو ينالهم عذاب شديد في الآخرة ﴿ألا إِنَّ للَّهِ مَا فِي﴾
﴿السماوات والأرض﴾ أي له جل وعلا ما في الكون ملكًا وخلقًا وعبيدًا ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾ أي قد علم ما نفوسكم من الإِيمان أو النفاق، والإخلاص أو الرياء ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ﴾ أي ويوم القيامة يرجعون إِليه فيخبرهم بما فعلوا في الدينا من صغيرٍ وكبير، وجليل وحقير ويجازي كلا بعمله ﴿والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمُ﴾ أي لا يخفى عليه خافية لأن الكل خلقه وملكه.
البَلاَغَة: تضمنت الآيات وجوهًا من البلاغة والبيان نوجزها فيما يلي:
1 - الاستعارة اللطيفة ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ شبَّه الأيمان التي يحلف بها المنافقون بالغين فيها أقصى المراتب في الشدة والتوكيد بمن يجهد نفسه في أمر شاقّ لا يستطيعه ويبذل أقصى وسعه وطاقته بطريق الاستعارة.
2 - المشاكلة ﴿عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ﴾ أي عليه أمرُ التبليغ وعليكم وزر التكذيب.
3 - الطباق بين الخوف والأمن ﴿مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ وكذلك بين الجميع والأشتات ﴿جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ لأن المعنى مجتمعين ومتفرقين.
4 - الإِطناب بتكرير لفظ الحرج لترسيخ الحكم في الأذهان ﴿لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ﴾ .
5 - صيغة المبالغة ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ .
فَائِدَة: قال بعض السلف: من أمَّر السُنَّة على نفسه قولًا وفعلًا نطق بالحكمة، ومن أمَّر والهوى على نفسه قولًا وفعلًا نطق بالبدعة لقوله تعالى ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾ .
لطيفَة: قيل لبعضهم: من أحبُّ إليك أخوك أم صديق؟ فقال: لا أحب أخي إذا لم يكن صديقي. وقال ابن عباس: «الصديق أوكد من القريب ألا ترى استغاثة الجهنمييَّن حين قالوا ﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: 100 - 101] ولم يستغيثوا بالآباء والأمهات» .
تنبيه: كان بعض العرب يرى أحدهم أن عارًا وخزيًا عليه أن يأكل وحده ويبقى جائعاص حتى يجد من يؤاكله ويشاربه واشتهر هذا عن حاتم فكان يقول:
إذا ما صنعتِ الزاد فالتمسي له ... أكيلًا فإني لست أكله وحدي
وهذا من مآثر العرب ومفاخرهِم، فقد اشتهروا بالجود والكرم، وقرى الضيف.
اللغَة: ﴿تَبَارَكَ﴾ من البركة وهي كثرة الخير وزيادته ويأتي بمعنى التمجيد والتعظيم قال الشاعر:
تباركت لا معطٍ لشيء منعته ... وليس لما أعطيت يا رب مانع
﴿نَذِيرًا﴾ النذير: المحذِّر من الهلاك ﴿نُشُورًا﴾ النشور: الإِحياء بعد الموت ﴿مُّقَرَّنِينَ﴾ مربوطين بالسلاسل قال عمرو بن كلثوم:
فآبوا بالنهاب وبالسبايا ... وأُبنا بالملوك مقرَّنينا
التفسِير: ﴿تَبَارَكَ الذي نَزَّلَ الفرقان على عَبْدِهِ﴾ أي تمجَّد وتعظَّم وتكاثر خير الله الذي نزَّل القرآن العظيم الفارق بين الحق والباطل على عبده محمد ﷺ َ ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ أي ليكون محمد نبيًا للخلق أجمعين مخوفًا لهم من عذاب الله ﴿الذي لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ أي هو تعالى المالك لجميع ما في السماوات والأرض خلقًا وملكًا وعبيدًا ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ أي وليس له ولدٌ كما زعم اليهود والنصارى ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ﴾ أي وليس معه إِله كما قال عبدة الأوثان ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ أي أوجد كل شيء بقدرته مع الإِتقان والإِحكام قال في التسهيل: الخلق عبارة عن الإِيجاد بعد العدم، والتقدير عبارةٌ عن اتقان الصنعة وتخصيص كل مخلوق بمقداره وصنعته، وزمانه ومكانه، ومصلحته وأجله وغير ذلك وقال الرازي: وصف سبحانه ذاته بأربع أنواع من صفات الكبرياء: الأول: أنه المالك للسماوات والأرض وهذا كالتنبيه على وجوده والثاني: أنه هو المعبود أبدًا والثالث: أنه المنفرد بالألوهية والرابع: أنه الخالق لجميع الأشياء مع الحكمة والتدبير ﴿واتخذوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ أي عبد المشركون غير الله من الأوثان والأصنام ﴿لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ أي لا يقدرون على خلق شيء أصلًا بل هم مصنوعون بالنحت والتصوير فكيف يكونون آلهة مع الله؟ ﴿وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا﴾ أي لا يستطيعون دفع ضرٍ عنهم ولا جلب نفع لهم ﴿وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُورًا﴾ أي لا تملك أن تُميت أحدًا، ولا أن تُحيي أحدا ً ولا أن تبعث أحدًا من الأموات قال الزمخشري: المعنى أنهم آثروا على عبادة الله عبادة آلهة لا يقدرون على شيء، وإِذا عجزوا عن دفع الضرر وجلب النفع الذي يقدر عليه العباد كانوا عن الموت والحياة والنشور الذي لايقدر عليها إِلا الله أعجز ﴿وَقَالَ الذين كفروا إِنْ هذا إِلاَّ إِفْكٌ افتراه﴾ أي وقال كفار قريش ما هذا القرآن إِلا كذب اختلقه محمد من تلقاء نفسه ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ أي وساعده على الاختلاق قومٌ من أهل الكتاب ﴿فَقَدْ جَآءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ أي جاءوا بالظلم والبهتان حيث جعلوا العربي يتلقَّنُ من العجمي كلامًا عربيًا أعجز بفصاحته جميع فصحاء العرب فكان كلامهم فيه محض الكذب والزور ﴿وقالوا أَسَاطِيرُ الأولين اكتتبها﴾ أي وقالوا في حق القرآن أيضًا إِنه خرافات الأمم السابقين أمر أن تكتب له ﴿فَهِيَ تملى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أي فهي تُلقى وتُقرأ عليه ليحفظها صباحًا ومساءً قال ابن عباس: والقائل هو «النضر بن الحارث» وأتباعه والإِفكُ أسوأ الكذب ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الذي يَعْلَمُ السر فِي السماوات والأرض﴾ هذا ردٌّ عليهم في تلك المزاعم أي قل لهم يا محمد أنزله الله العليم القدير الذي لا يخفى عليه شيء في السماوات والأرض ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ أي إِنه تعالى لم يعجّل لكم العقوبة بل أُمهلكم رحمة بكم لأنه واسع المغفرة رحيم
بالعباد ﴿وَقَالُواْ مَالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِي فِي الأسواق﴾ أي وقال المشركون ما لهذا الذي يزعم الرسالة يأكل الطعام كما نأكل، ويمشي في الأسواق لطلب المعاش كما نمشي؟ إِنه ليس بمَلَك ولا مَلِك، لأن الملائكة لا تأكل، والملوك لا تتبذّل في الأسواق، وفي قولهم ﴿مَالِ هذا الرسول﴾ مع إِنكارهم لرسالته تهكم واستهزاء ﴿لولا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرا﴾ أي هلاّ بعث الله معه ملكًا ليكون له شاهدًا على صدق ما يدعيه ﴿﴿أَوْ يلقى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ أي يأتيه كنزٌ من السماء فيستعين به ويستغني عن طلب المعاش ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ أي يكون له بستان يأكل من ثماره ﴿وَقَالَ الظالمون إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾ أي وقال الكافرون ما تتبعون أيها المؤمنون إِلا إِنسانًا سحر فغلب على عقله فهو يزعم أنه رسول الله ﴿انظر كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأمثال فَضَلُّواْ﴾ أي انظر كيف قالوا في حقك يا محمد تلك الأقاويل العجيبة، الجارية لغرابتها مجرى الأمثال﴾ وكيف اخترعوا تلك الصفات والأحوال الشاذة فضلُّوا بذلك عن الهدى! ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ أي فلا يجدون طريقًا إلى الحق بعد أن ضلوا عنه بتكذيبك وإِنكار رسالتك، ذكروا له عليه الصلاة والسلام ُ خمس صفات وزعما أنه اتُخلُّ بلارسالة زعمًا منهم أنَّ فضيلة الرسول على غيره تكون بأمورٍ جسمانية وهي غاية الجهالة والسفاهة فردَّ الله عليهم بأمرين: الأول: تعجيب الرسول ﷺ َ من تناقضهم فتارة يقولون عنه شاعر، وتارة ساحر، وأُخرى يقولون إِنه مجنون حتى أصبحت تلك الأقوال الغريبة الشاذة، والأمور العجيبة جارية مجرى الأمثال والثاني: أن الله تعالى لو أراد لأعطى نبيَّه خيرًا مما اقترحوا وأفضل مما يتصورون وهو المراد بقوله ﴿تَبَارَكَ الذي إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذلك﴾ أي تمدَّد وتعظّم الله الكبير الجليل الذي لو أراد لجعل لك خيرًا منذلك الذي ذكروه من نعيم الدنيا ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ أي لو شاء لأعطاك بساتين وحدائق تسير فيها الأنهار لا جنةً واحدة كما قالوا ﴿وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا﴾ أي ويجعل لك مع الحدائق القصور الرفيعة المشيدة كما هو حال الملوك قال الضحاك: لما عيَّر المشركون رسول الله ﷺ َ بافاقةحزن عليه السلام فنزل جبريل معزيًا له فبينما النبي وجبريل يتحدثان إذ فُتح باب من السماء فقال جبريل: أبشرْ يا محمد هذا رضوان خازن الجنة قد أتاك بالرضى من ربك فسلَّم عليه وقال: ربك يخيّرك بين أن تكون نبيًا ملكًا، وبين أن تكون نبيًا عبدًا - ومعه سفط من نور يتلألأ - ثم قال: هذه مفاتيح خزائن الأرض فنظر رسول الله ﷺ َ «بل نبيًا عبدًا» فكان عليه اسلام بعد ذلك لا يأكل متكأ حتى فارق الدنيا ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بالساعة﴾ أي بل كذبوا بالقيامة ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بالساعة سَعِيرًا﴾ أي وهيأنا لمن كذَّب بالآخرة نارًا شديدة الاستعار قال الطبري: المعنى ماكذب هؤلاء المشركون بالله وأنكروا ما جئتهم به من الحق من أجل أنك تأكل الطعام وتمشي في الأسواق ولكنْ من أجل أنهم لا يوقنون بالمعاد تكذيبًا منهم بالقيامة وأعددنا لمن كذَّب بالبعث نارًا تُسعَّر عليهم وتتَّقد ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ أي إِذا رأت جهنم هؤلاء المشركين من مسافة بعيدة وهي خمسمائة عام ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ أي سمعوا صوت لهيبها وغليانها كالغضبان إِذا غلا صدره
من الغيظ وسمعوا لها صوتًا كصوت الحمار وهو الزفير قال ابن عباس: إن الرجل ليجرُّ إلى النار فتشهق إِليه النار شهوق البغلة إلى الشعير، وتزفر رفرةً لا يبقى أحدٌ إِلاّ خاف، وتقييد الرؤية بالبعد ﴿مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ فيه مزيد تهويل لأمرها ﴿وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا﴾ أي وإِذا أُلقوا في جهنم في مكان ضيّق قال ابن عباس: تضيق عليهم ضيق الزُّج في الرُّمح - الزُّج: الحديدة التي في أسفل الرمح - ﴿مُّقَرَّنِينَ﴾ أي مصفَّدين قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم بالسلاسل ﴿دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ أي دعوا في ذلك المكان على أنفسهم بالويل والهلاك يقولون: يا هلاكنا، نادوه نداء المتمني للهلاك ليسلموا مما هو أشدُّ منه كما قيل: أشدُّ من الموت ما يتمنى معه الموت ﴿لاَّ تَدْعُواْ اليوم ثُبُورًا وَاحِدًا وادعوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ أي يقال لهم: لا تدعوا اليوم بالهلاك على أنفسكم مرةً واحدة بل ادعوا مراتٍ ومراتٍ، فإِن ما أنتم فيه من العذاب الشديد يستوجب تكرير الدعاء في كل حين وآن، وفيه إِقناطٌ لهم من استجابة الدعاء وتخفيف العذاب ﴿قُلْ أذلك خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الخلد التي وُعِدَ المتقون﴾؟ أي قل لهم يا محمد على سبيل التقريع والتهكم أذلك السعير خيرٌ أم جنة الخلود التي وعدها المتقون؟ قال ابن كثير: يقول الله تعالى يا محمد: هذا الذي وصفناه لك من حال الأشقياء الذين تتلقاهم جهنم بوجهٍ عبوسٍ وتغيظٍ وزفير، ويلقون في أماكنها الضيقة مقرّنين لا يستيعون حراكًا ولا فكاكًا مما هم فيه، أهذا هيرٌ أم جنة الخلد؟ وهل يجوز أن يقول العاقل: السُكر أحلى أم الصبر؟ قلنا: هذايحسن في معرض التقريع كما إِذا أعطى السيد عبده مالًا فتمرَّد وأبى واستكبر فيضربه ضربًا وجيعًا ويقول على سبيل لاتوبيخ: أهذا أطيب أم ذاك؟ ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءً وَمَصِيرًا﴾ أي كانت لهم ثوابًا ومرجعًا ﴿لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ﴾ أي لهم في الجنة ما يشاءون من النعيم ﴿خَالِدِينَ﴾ أي ماكثين فيها أبدًا سرمدًا بلا زوال ولا انقضاء ﴿كَانَ على رَبِّكَ وَعْدًا مَّسْئُولًا﴾ أي كان ذلك الجزاء وعدًا على ذي الجلال حقيقًا بأن يُسأل ويُطلب لكونه مما يتنافس فيه المتنافسون، وهو وعدٌ واجب ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ أي واذكر ذلك اليوم الرهيب - يوم القيامة - حين يجمع الله الكفار والأصنام وكل من عُبد من دون الله كالملائكة والمسيخ قال مجاهد: هو عيسى وعزير والملائكة ﴿فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ﴾ أي فيقول تعالى للمعبودين تقريعًا لعبدتهم: أأنتم دعوتم هؤلاء إلى عبادتكم؟ ﴿أَمْ هُمْ ضَلُّوا السبيل﴾ أي أم هم ضلوا الطريق فعبدوكم من تلقاء أنفسهم؟ ﴿قَالُواْ سُبْحَانَكَ﴾ أي قال المعبودون تعجبًا مما قيل لهم: تنزَّهت يا الله عن الأنداد ﴿مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾ أي ما يحقُّ لنا ولا لأحدٍ من الخلق أن يعبد غيرك، ولا أن يشرك معك سواك ﴿ولكن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَآءَهُمْ حتى نَسُواْ الذكر﴾ أي ولكن أكثرت عليهم وعلى آبائهم النعمة - وكان يجب عليهم شكرها والإِيمان بما جاءت به الرسل - فكان ذلك سببًا للإِعراض عن ذكرك وشكرك ﴿وَكَانُواْ قَوْمًا بُورًا﴾ أي وكانوا قومًا هالكين، قال تعالى توبيخًا للكفرة ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾ أي فقد كذبكم هؤلاء المعبودون في قولكم إِنهم آلهة ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلاَ نَصْرًا﴾ أي فما تستطيعون أيها الكفار دفعًا
للعذاب عنكم ولا نصرًا لأنفسكم من هذا البلاء ﴿وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ أي ومن يشرك منكم بالله فيظلم نفسه نذقه عذابًا شديدًا في الآخرة ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المرسلين إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام وَيَمْشُونَ فِي الأسواق﴾ أي وما أرسلنا قبلك يا محمد أحدًا من الرسل إِلا وهم يأكلون ويشربون ويتجولون في الأسواق للتكسب والتجارة، فتلك هي سنة المرسلينمن قبلك فلم ينكرون ذلك عليك؟ وهو جواب عن قولهم ﴿مَالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام﴾؟ ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ أي جعلنا بعض الناس بلاءً لبعض ومحنة، ابتلى الله الغنيَّ بالفقير، والشريف بالوضيع، والصحيح بالمريض ليختبر صبركم وإِيمانكم أت شكرون أم تكفرون؟ قال الحسن: يقول الأعمى لو شاء الله لجعلني بصيرًا مثل فلان، ويقول الفقير لو شاء الله لجعلني غنيًا مثل فلان، ويقول السقيم: لو شاء الله لجعلني صحيحًا مثل فلان ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرا﴾ أي عالمًا بمن يصبر أو يجزع، وبمن يشكر أو يكفر.
البَلاَغَة: تضمنت الآيات وجوهًا من البلاغة والبديع نوجزها فيما يلي:
1 - الإِضافة للتشريف ﴿على عَبْدِهِ﴾ ولم يذكره باسمه تشريفًا له وتكريمًا.
2 - الاكتفاء بأحد الوصفين ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ أي ليكون بشيرًا ونذيرًا واكتفى بالإِنذار لمناسبته للكفار.
3 - الجناس الناقص ﴿يَخْلُقُونَ. . ويُخْلَقُونَ﴾ سمي ناقصًا لتغايره في الشكل.
4 - الطباق بين ﴿ضَرًّا. . ونَفْعًا﴾ وبين ﴿مَوْتًا. . وحَيَاةً﴾ .
5 - الاستفها للتهكم والتحقير ﴿مَالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام﴾؟
6 - الاستعارة التمثيلية ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ شبَّه صوت غليانها بصوت المغتاظ وزفيره وهو صوت يسمع من جوفه وهو تمثيل وصف النار بالاهتياج والاضطرام على عدة المغيظ والغضبان.
7 - جناس الاشتقاق ﴿أَرْسَلْنَا. . المرسلين﴾ .
8 - الجناس غير التام ﴿تَصْبِرُونَ. . بَصِيرًا﴾ لتقديم بعض الحروف وتأخير البعض.
لطيفَة: نبّه تعالى بقوله ﴿الذي إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذلك﴾ على أنه تعالى يعطي العباد على حسب المصالح، فيفتح على واحد أبواب المعارف والعلوم ويسد عليه أبواب الدنيا، ويفتح آخر أبواب الرزق ويحرمه لذة الفهم والعلم، ولا اعتراض عليه لأنه فعال لما يريده.