صفوة التفاسيرالجزء 2 · ص 304 - 316

21

21

المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى حادثة الإفك، أبتعها بالتحذير من سلوك طريق الشيطان المتربص بالإِنسان الذي يدعو إلى السوء والشر والفساد، ثم ذكر تعالى آداب الاستئذان والزيارة لأن أهل الإِفك إنما وجدوا السبيل إلى بهتانهم ن حيث اتفقت الخلوة فصارت طريقًا للتهمة، فأوجب تعالى ألا يدخل إنسان ببيت غيره إلا بعد الاستئذان والسلام، ثم أبتعها بآيات غضِّ البصر.

اللغَة: ﴿يَأْتَلِ﴾ يحلف والأليَّةُ: اليمين ومنه ﴿يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ﴾ [البقرة: 226] اي يحلفون ﴿المحصنات﴾ العفائف الشريفات الطاهرات جمع محصنة وهي العفيفة ﴿مُبَرَّءُونَ﴾ منزهون والبراءة: النزاهة مما نسب للإِنسان من تهمة ﴿تَسْتَأْنِسُواْ﴾ تستأذنوا وأصله في اللغة: طلبُ الأنس بالشيء قال الشاعر:

عوى الذئب فاستأنستُ للذئب إِذْ ... عوى وصوَّت إِنسانٌ فكدت أطير

﴿يَغُضُّواْ﴾ غضَّ بصره: خفضه ونكَّسه وأصله إطباق الجفن على الجفن قال جرير:

فغُضَّ الطّرف إنك من نمير ... فلا كعبًا بلغت ولا كلابا

﴿بِخُمُرِهِنَّ﴾ جمع خمار وهو ما تغطي به المرأة رأسها، وخمّروا الآنية أي غطوها ﴿جُيُوبِهِنَّ﴾ جمع جيب وهو الصدر ﴿الإربة﴾ الحاجة إلى النساء.

سَبَبُ النّزول: أ - كان أبو بكر الصدّيق ينفق على «مسطح بن أُثاثة» لمسكنته وقرابته، فلما وقع أمر الإِفك وقال فيه مسطحٌ ما قال، حلف أبو بكر ألا ينفق عليه ولا ينفعه بنافعةٍ أبدًا فأنزل الله ﴿وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ والسعة. .﴾ الآية فقال أبو بكر: واللهِ إني لأحبُ أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق التي كان ينفق عليه وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا.

ب - عن علي كرم الله وجهه قال: مرَّ رجل على عهد رسول الله ﷺ َ في طريقٍ من طرقات المدينة، فنظر إلى امرأةٍ ونظرت إليه، فوسوس لهما الشيطان أنه لم نيظر أحدهما إلى الآخر إلا إعجابًا به، فبينما الرجل يمشي إلى جانب حائط ينظر إليها إذ استقبله الحائط «أي صدمه الحائط» فشقَّ أنفه فقال: والله لا أغسل الدم حتى آتي رسول الله صلى الله عليهوسلم فأُعلمه أمري، فأتاه فقصَّ عليه قصته فقال النبي ﷺ َ: هذا عقوبة ذنبك فأنزل الله ﴿قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ. .﴾ الآيات.

التفسِير: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشيطان﴾ أي يا من صدَّقتم بالله ورسوله لا تتبعوا لآثار الشيطان ولا تسلكوا مسالكه بإِشاعة الفاحشة، والإِصغاء إِلى الإِفك والقول به ﴿وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشيطان﴾ أي ومن يتبع سيرة الشيطان وطريقته ﴿فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بالفحشآء والمنكر﴾ أي فإِن الشيطان يضل الإِنسان ويغويه لأنه يأمر بالفحشاء وهي ما أفرط قبحه، والمنكر وهو ما ينكره الشرع وتنفر منه العقول السليمة ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أي لولا فضل الله عليكم أيها المؤمنون بالتوفيق للتوبة الماحية للذنوب، وبشرع الحدود المكفرة للخطايا ﴿مَا زَكَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ أي ما تطهر أحدٌ منكم من الأوزار أبد الدهر ﴿ولكن الله يُزَكِّي مَن يَشَآءُ﴾ أي ولكن الله بفضله ورحمته يطهر من يشاء بتوفيقه للتوبة النصوح وقبولها منه قال القرطبي: والغرض أن تزكيته لكم، وتطهيره وهدايته إنما هي بفضله لا بأعمالكم ﴿والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي سميع لأقوالكم عليم بنياتكم

304

وضمائركم ﴿وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ والسعة﴾ أي لا يحلف أهل الفضل في الدين وأصحاب الغنى واليسار ﴿أَن يؤتوا أُوْلِي القربى والمساكين والمهاجرين فِي سَبِيلِ الله﴾ أي أن لا يؤتوا أقاربهم من الفقراء والمهاجرين ما كا نوا يعطونهم إيَّاه من الإِحسان لذنب فعلوه ﴿وَلْيَعْفُواْ وليصفحوا﴾ أي وليعفوا عمّا كان منهم من جرم، وليصفحوا عما بدر منهم من إساءة، وليعودوا إلى ما كانوا عليه من الإِنعام والإِحسان ﴿أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ﴾ أي ألا تحبون أيها المؤمنون أن يغفر الله لكم على عفوكم وصفحكم وإحسانكم إلى من أساء إليكم؟ روي أن أبا بكر لما سمع الآية قال: بلى أحب أن يغفر الله لي وأعاد النفقة إلى مسطح وكفَّر عن يمينه وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا!! قال المفسرون: والآية دالة على فضل أبي بكر فإن الله تعالى امتدحه بقوله ﴿وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل﴾ وكفى به دليلًا على فضل الصدّيق رضي الله عنه وأرضاه ﴿والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي مبالغ في المغفرة والرحمة مع كمال قدرته على العقاب، ثم توعَّد تعالى الذين يرمون العفائف الطاهرات فقال ﴿إِنَّ الذين يَرْمُونَ المحصنات الغافلات﴾ أي يقذفون بالزنى العفيفات، السليمات الصدور، النقيات القلوب عن كل سوء وفاحشة ﴿المؤمنات﴾ أي المتصفاب بالإيمان مع طهارة القلب ﴿لُعِنُواْ فِي الدنيا والآخرة﴾ أي طردوا وأُبعدوا من رحمة الله في الدنيا والآخرة قال ابن عباس: هذا اللعن فيمن قذف زوجات النبي ﷺ َ إذْ ليس له توبة، ومن قذف مؤمنة جعل الله له توبه وقال أبو حمزة: نزلت في مشركي مكة، كانت المرأة إذا خرجت إلى المدينة مهاجرة قذفوها وقالوا خرجت لتفجر ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أي ولهم مع اللعنة عذاب هائل لا يكاد يوصف بسبب ما ارتكبوا من إثم وجريمة ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي وذلك العذاب الشديد في ذلك اليوم الرهيب - يوم القيامة - حين تشهد على الإِنسان جوارحه فتنطق الألسنة والأيدي والأرجل بما اقترف من سيء الأعمال ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ الله دِينَهُمُ الحق﴾ أي يوم القيامة ينالهم حسابهم وجزاؤهم العادل من أحكم الحاكمين ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الله هُوَ الحق المبين﴾ أي ويعلمون حينئذٍ أن الله هو العادل الذي لا يظلم أحدًا، الظاهر عدله في تشريعه وحكمه.

. ثم ذكر تعالى بالدليل القاطع، والبرهان الساطع براءة عائشة ونزاهتها، فهي زوجة رسول الله الطيب الطاهر وقد جرت سنة الله أن يسوق الجنس إلى جنسه، فلو لم تكن عائشة طيبة لما كانت زوجة لأفضل الخلق ﷺ َ وهذا قال ﴿الخبيثات لِلْخَبِيثِينَ والخبيثون لِلْخَبِيثَاتِ والطيبات لِلطَّيِّبِينَ والطيبون لِلْطَّيِّبَاتِ﴾ أي الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، وكذلك الطيبات من النساء للطيبين من الرجال والطيبون من الرجال للطيبات من النساء، وهذا كالدليل على براءة عائشة لأنها زوجة أشرف رسول وأكرم مخلوق على الله، وما كان الله ليجعلها زوجة لأحبِّ عباده لو لم تكن عفيفة طاهرة شريفة ﴿أولئك مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ أي أولئك الفضلاء منزهون ممَّا تقوَّله أهل الإِفك في حقهم من الكذب

305

والبهتان ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أي لهم على نالهم من الأذى مغفرة لذنوبهم، ورزقٌ كريم في جنات النعيم قال ابن كثير: وفيه وعدٌ بأن تكون زوجة رسول الله ﷺ َ في الجنة ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ لما حذَّر تعالى من قذف المحصنات وشدد العقاب فيه، وكان طريق هذا الاتهام مخالطة الرجال للنساء، ودخولهم عليهم في أوقات الخلوات أرشد تعالى إلى الآداب الشرعية في دخول البيوت فأمر الاستئذان قبل الدخول وبالتسليم بعده ﴿حتى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ على أَهْلِهَا﴾ أي لا تدخلوا بيوت الغير حتى تستأذنوا وتسلموا على أهل المنزل ﴿ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ أي ذلك الاستئذان والتسليم خير لكم من الدخول بغتة ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي لتتعظوا وتعملوا بموجب هذه الآداب الرشيدة قال القرطبي: المعنى إن الاستئذان والتسليم خير لكم من الهجوم بغي إذن ومن الدخول على الناس بغتة أو من تحية الجاهلية فقد كان الرجل منهم إذا دخل بيتًا غير بيته قال: حُيّيتم صباحًا، وحُييتم مساءً ودخل فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحافٍ، وروي أرجلًا قال للنبي ﷺ َ أأستأذن على أمي؟ قال نعم، قال ليس لها خادمٌ غيري، أأستأذن عليه ما كلما دخلتُ؟ قال: أتحب أن تراها عريانه؟ قال لا، قال فاستأذن عليها ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَدًا﴾ أي فإن لم تجدوا في البيوت أحدًا يأذن لكم بالجخول إليها ﴿فَلاَ تَدْخُلُوهَا حتى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ أي فاصبروا ولا تدخوها حتى يسمح لكم بالدخول، لأن للبيوت حرمة ولا يحل جخولها إلا بإذن أصحابها ﴿وَإِن قِيلَ لَكُمْ ارجعوا فارجعوا﴾ أي وإن لم يؤذن لكم وطلب منكم الرجوع فارجعوا ولا تلحًّوا ﴿هُوَ أزكى لَكُمْ﴾ أي الرجوع أطهر وأكرم لنفوسكم وهو خير لكم من اللجاج والانتظار على الأبواب ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ أي هو تعالى عالم بالخفايا والنوايا وبجميع أعمالكم فيجازيكم عليها قال القرطبي: وفيه توعدٌ لأهل التجسس على البيوت، ثم إنه تعالى لما ذكر حكم الدور المسكونة ذكر بعده حكم الدور غير المسكونة فقال ﴿لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ أي ليس عليكم إثمٌ وحرج ﴿أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ أي أن تدخلوا بغير استئذان بيوتًا لا تختص بسكنى أحد كالرباطات والفنادق والخانات قال مجاهد: هي الفنادق التي في طرق السابلة لا يسكنها أحد بل هي موقوفة ليأوي إليها كل ابن سبيل ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ﴾ أي فيها منفعة لكم أو حاجة من الحاجات كالاستظلال من الحر، وإيواء الأمتعة والرحال ﴿والله يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ أي يعلم ما تظهرون وما تُسرون في نفوسكم فيجازيكم عليه قال ابو السعود: وهذا وعيدٌ لمن يدخل مدخلًا لفسادٍ أو اطلاع على عورات، ثم أرشد تعالى إلى الآجاب الرفيعة من غض البصر، وحفظ الفروج فقال ﴿قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ أي قل يا محمد لأتباعك المؤمنين يكفوا أبصارهم عن النظر إلى الأجنبيات من غير المحارم، فإن النظرة تزرع في القلب الشهوة، ورُبَّ شهوة أورثت حزنًا طويلًا

كم نظرةٍ فتكت في قلب صاحبها ... فتك السهام بلا قوس ولا وتر

﴿وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ﴾ أي يصونوا فروجهم عن الزنى عن الإِبداء والكشف ﴿ذلك أزكى لَهُمْ﴾ أي ذلك الغضُّ والحفظ أطهرُ للقلوب، وأتقى للدين، وأحفظ من الوقوع في الفجور ﴿إِنَّ الله﴾

306

﴿خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ أي هو تعالى رقيبٌ عليهم، مطلعٌ على أعمالهم، لا تخفى عليه خافية من أحوالهم، فعليهم أن يتقوا الله في السر والعلن قال الإِمام الفخر: فإن قيل فلم قدم غضَّ الأبصار على حفظ الفروج؟ قلنا: لأن النظر بريد الزنى، ورائد الفجور، والبلوى فيه أشدُّ وأكثر، ولا يكاد يُحترس منه ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ أي وقل أيضًا للمؤمنات يكففن أبصارهم عن النظر إلى ما لا يحل لهن النظر إليه، ويحفظن فروجهن عن الزنى وعن كشف العورات، قال المفسرون: أكد تعالى الأمر للمؤمنات بغض البصر وحفظ الفروج، وزادهن في التكليف على الرجال بالنهي عن إبداء الزينة إلا للمحارم والأقرباء فقال ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أي ولا يكشفن زينتهن للأجانب إلا ما ظهر منها بدون قصدٍ ولا نية سيئة قال ابن كثير: أي لا يظهرن شيئًا من الزينة للأجانب إلا ما لا يمكن إخفاؤه، كما قال ابن مسعود: الزينة زينتان: فزينةٌ لا يراها إلا الزوج: الخاتم والسوار، وزينةٌ يراها الأجانب وهي الظاهر من الثياب، وقيل: المراد به الوجه والكفان فإنهما ليسا بعورة قال البيضاوي: والأظهر أن هذا في الصلاة لا في النظر، فإن كل بدن الحرة عورة لا يحل لغير الزوج والمحرم النظر إلى شيء منها إلا لضرورة كالمعالجة وتحمل الشهادة ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ﴾ أي وليلقين الخمار وهو غطاء الرأس على صدورهم لئلا يبدو شيء من النحر والصدر، وفي لفظ الضر مبالغة في الصيانة والتستر، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يرحم الله النساء المهاجرات الأُول لما أنزل الله ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ﴾ شققن مروطهن فاختمرن بها قال المفسرون: كانت المرأة في الجاهلية - كما هي اليوم في الجاهلية الحديثة - تمر بين الرجال مكشوفة الصدر، بادية النحر، حاسرة الذراعين، وربما أظهرت مفاتن جسمها وذوائب وشعرها لتغري الرجال، وكنَّ يسدلن الخُمُر من ورائهن فتبقى صدورهن مكشوفة عارية، فأمرت المؤمنات بأن يلقينها من قدامهن حتى يغطينها ويدفعن عنهن شر الأشرار ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ أي ولا يظهرن زينتهن الخفية التي حرم الله كشفها إلا لأزواجهن ﴿أَوْ آبَآئِهِنَّ أَوْ آبَآءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ أي أو لآبائهن أن آباء أزواجهن وهو العم أبو الزوج فإنهما من المحارم، فإن الأب يصون عرض ابنته، ووالد الزوج يحفظ على ابنه ما يسوءه، ثم عدد بقية المحارم فقال ﴿أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بني إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ﴾ فذكر تعالى الأبناء، وأبناء الأزواج، والإِخوة من النفرة من مماسة القريبات ونكاحهن ﴿أَوْ نِسَآئِهِنَّ﴾ أي المسلمات وخرج بذلك النساء الكافرات قال مجاهد: المراد نساؤهن المسلمات، ليس المشركات من نسائهن، وليس يحل للمرأة المسلمة أن تنكشف بين يدي مشركة وقال ابن عباس: هن المسلمات ولا تبدي زينتها أمام يهودية أو نصرانية ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ أي من الإِماء المشركات قال ابن جرير: يعني من

307

نساء المشركين فيجوز لها أن تظهر زينتها لها وإن كانت مشركة لأنها أمتها ﴿أَوِ التابعين غَيْرِ أُوْلِي الإربة مِنَ الرجال﴾ أي الخدام غير أولي الميل والشهوة والحاجة إلى النساء كالبُلْهِ والحمقى والمغفلين الذين لا يدركون من أمور الجنس شيئًا قال مجاهد: هو الأبله الذي يريد الطعام ولا يريد النساء ولا يهمه إلا بطنه ﴿أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ على عَوْرَاتِ النسآء﴾ أي الأطفال الصغار الذين لم يبلغوا حدَّ الشهوة، ولا يعرفون أمور الجماع لصغرهم فلا حرج أن تظهر المرأة زينتها أمامهم ﴿وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ أي ولا يضربن بأرجلهن الأرض لئلا يسمع الرجال صوت الخلخال فيطمع الذي في قلبه مرض قال ابن عباس: كانت المرأة تمر بالناس وتضرب برجلها ليسمع صوت خلخالها، فنهى الله تعالى عن ذلك لأنه من عمل الشيطان ﴿وتوبوا إِلَى الله جَمِيعًا أَيُّهَ المؤمنون لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي ارجعوا أيها المؤمنون إلى ربكم بامتثال الطاعات، والكفّ عن الشهوات، لتنالوا رضاه وتفوزوا بسعادة الدارين ﴿وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ﴾ أي زوجوا أيها المؤمنون من لا زوج له من الرجال والنساء من أحرار رجالكم ونسائكم قال الطبري: الأَيامي جمع أَيَّم، يوصف به الذكر والأنثى يقال: رجل أَيَّم وامرأة أَيمِّة إذا لم يكن لها زوج ﴿والصالحين مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ﴾ أي وأنكحوا كذلك أهل التقى والصلاح من عبيدكم وجواريكم قال البيضاوي: وتخصيص الصالحين لأن إحصان دينهم والاهتمام بشأنهم أهمُّ، وفيه إشارة إلى مكانه التقى والصلاح في الإِنسان ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾ أي إن يكن هؤلاء الذين تزوجونهم أهل فاقةٍ وفقر فلا يمنعكم فقرهم من إنكاهم، ففي فضل الله ما يغنيهم ﴿والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أي واسع الفضل، جواد كريم، يعطي الرزق من يشاء وهو عليم بمصالح العباد قال القرطبي: وهذا وعدٌ بالغنى للمتزوجين طلبًا لرضى الله، واعتصامًا من معاصيه وقال ابن مسعود: التمسوا الغنى في النكاح وتلا هذه الآية وفي الحديث

«ثلاثة حقٌّ على الله عونهم: الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء، والغازي في سبيل الله» ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الذين لاَ يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ أي وليجتهد في العفة وقمع الشهوة الذين لا تتيسر لهم سبل الزواج لأسباب مادية ﴿حتى يُغْنِيَهُمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾ أي حتى يوسع الله عليهم ويسهل لهم أمر الزواج، فإن العبد إذا اتقى الله جعل له من أمره فرجًا ومخرجًا ﴿والذين يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي والذين يريدون أن يتحرروا من رقِّ العبودية بمكاتبة أسيادهم من العبيد والأرقاء ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ أي فكاتبوهم على قدر من المال إن عرفتم منهم الأمانة والرشد ليصيروا أحرارًا ﴿وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ الله الذي آتَاكُمْ﴾ أي أعطوهم مما أعطاكم الله من الرزق ليكون لهم عونًا على فكاك أنفسهم ﴿وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البغآء﴾ أي لا تجبروا إماءكم على الزنى ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ أي إن أردن التعفف عن مقارفة الفاحشة، وليس هذا للقيد أو الشرط وإنما هو لبيان فظاعة الأمر وشناعته، فالأصل في المملوكة أن يُحصنها سيدها أمّا أن يأمرها بالزنى وتمتنع وتريد العفة فذلك منتهى الخسة والدناءة منه قال المفسرون: نزلت في «عبد الله بن سلول» المنافق كان له جاريتان إحداهما تسمى «مُسَيْكة» والثانية تسمى «أميمة» فكان

308

يأمرهما بالزنى للكسب ويضربهما على ذكل فشكتا ذلك إلى رسول الله ﷺ َ فنزلت الآية ﴿لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ الحياة الدنيا﴾ أي لأجل أن تنالوا حطام هذه الحياة الزائل، وتحصلوا على المال بطريق الفاحشة والرذيلة ﴿وَمَن يُكْرِههُنَّ فَإِنَّ الله مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي ومن يجبرهن على الزنى فإن الله غفور لهن رحيم بهن لا يؤاخذهن بالزنى لأنهن أُكرهن عليه وسنيتقم ممن أكرههن شر انتقام ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ﴾ أي والله لقد أنزلنا إليكم أيها المؤمنون آيات واضحات وأحكامًا مفصلات ﴿وَمَثَلًا مِّنَ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ﴾ وضربنا لكم الأمثال بمن سبقكم من الأمم لتتعظوا وتعتبروا ﴿وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ أي وعظة وذكرى للمتقين.

البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1 - الاستعارة اللطيفة ﴿لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشيطان﴾ شبَّه سلوك طريق الشيطان والسير في ركابه بمن يتتبع خطوات الآخر خطوة خطوة بطريق الاستعارة.

2 - الإِيجاز بالحذف ﴿أَن يؤتوا﴾ أي أن لا يؤتوا حذفت منه ﴿لا﴾ لدلالة المعنى وهو كثير في اللغة.

3 - صيغة الجمع للتعظيم ﴿أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ﴾ والمراد به أبو بكر الصدّيق.

4 - الجناس الناقص بين ﴿يَعْمَلُونَ﴾ و﴿يَعْلَمُونَ﴾ .

5 - المقابلة اللطيفة بين ﴿الخبيثات لِلْخَبِيثِينَ. . والطيبات لِلطَّيِّبِينَ﴾ .

6 - الطباق بين ﴿تُبْدُونَ. . تَكْتُمُونَ﴾ .

7 - الإِيجاز بالحذف ﴿يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ لأن المراد غض البصر عما حرَّم الله لا عن كل شيء فحذف ذلك اكتفاءً بفهم المخاطبين.

8 - المجاز المرسل ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ المراد مواقع الزينة وهو من باب إطلاق اسم الحال على المحل قال الزمخشري: وذكرُ الزينة دون مواقعها للمبالغة في الأمر بالتستر والتصون.

فَائِدَة: قال بعض المحققين: إن يوسف لما رُمي بالفاحسة برّاه الله على لسان صبي في المهد، وإن مريم لما رُميت بالفاحشة برأها الله على لسان ابنها عيسى عليه السلام، وإن عائشة لما رُميت بالفاحشة برأها الله في كتابه العزيز، فما رضي الله لها ببراءة صبيٍّ ولا نبيّ حتى برّأها الله في القرآن من القذف والبهتان.

تنبيه: السرُّ في تقديم غضّ البصر على حفظ الفروج ﴿يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ﴾ هو أن النظر بريد الزنى ورائد الفجور، وهو مقدمة للوقوع في الخطر كما قال الشاعر:

وكنتَ إذا أَرسلتَ طرفك رائدًا ... لقلبك يومًا أتعبتك المناظر

رأيتَ الذي لا كلَّه أنت قادرٌ ... عليه وعلى بعضه أنت صابر

لطيفَة: ذكر أن قسِّيسًا أراد أن ينال من المسلمين بالطعن في أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها، فقال: إن الناس رموها بالإِفك ولا ندري أهي بريئة أم متهمة؟ فأجابه بضع

309

الحاضرين بقوله: إسمعْ يا هذا، هناك امرأتان اتهمتا بالزنى وقد برأهما القرآن الكريم، إحداهما ليس لها زوج وقد جاءت بولد، والأخرى لها زوج ولم يأتها ولد - يقصد مريم وعائشة - فأيتهما أحرى بالتهمة؟ فخرس القسيس.

310

35

المنَاسَبَة: لما وصف تعالى نفسه بأنه أنزل آياتٍ مبينات، وأقام دلائل واضحات على وحدانيته، واختصاصه بتشريع الأحكام التي بها سعادة المجتمع، عقَّبه بذكر مثلين: أحدهما في بيان أنَّ دلائل والحدانية والإيمان في غاية الظهور والثاني: في بيان أن أديان الفرة في نهاية الظلمة

310

والخفاء، وبالمقارنة بين المثلين يتضح الصبح لذي عينين.

اللغَة: ﴿مِشْكَاةٍ﴾ المشكاة: الكُوَّة في الحائط غير النافذة، وأصلها لاوعاء يجعل فيه الشيء ﴿دُرِّيٌّ﴾ متلألئ وقّد يشبه الدر في صفائه ولمعانه ﴿سَرَابٍ﴾ السرابُ: ما يتراءى للعين وسط النهار عند اشتداد الحر يشبه الماء الجاري وليس بماء، سمي سرابًا لأنه يسرب أي يجري كالماء قال الشاعر:

فلما كففنا الحرب كانت عهودكم ... كلمع سراب بالفلا متألق

﴿قِيعَةٍ﴾ قال الفراء: هو جمع قاع مثل جار وجيرة، والقاعُ المنبسط المستوي من الأرض وقال الزمخشري: القيعةُ بمعنى القاع وليس جمعًا، وهكذا قال أبو عبيدة ﴿لُّجِّيٍّ﴾ اللُّجيُّ: الذي لا يدرك قعره لعمقه، واللُّجةُ معظم الماء، والجمع لُجَج، والتجَّ البحر: تلاطمت أمواجه ﴿يُزْجِي﴾ الإزجاء: سوقُ الشيء برفقٍ وسهولة ﴿رُكَامًا﴾ مجتمعًا يركب بعضه بعضًا ﴿الودق﴾: المطر قال الليث: الودقُ المطر كله شديده وهينه ﴿سَنَا﴾: السنا الضوء واللمعان قال الشماخ:

وما كادت إذا رفعت سناها ... ليبصر ضوءها إلاّ البصير

﴿مُذْعِنِينَ﴾ خاضعين منقادين، أذعن للأمر خضع له ﴿يَحِيفَ﴾ يجور ويظلم.

التفسِير: ﴿الله نُورُ السماوات والأرض﴾ أي الله جلَّ وعلا منور السماوات والأرض، أنار السماواتِ بالكواكب المضيئة، والأرض بالشرائع والأحكام وبعثة الرسل الكرام قال الطبري: أي هادي أهل السماوات والأرض فهم بنوره إلى الحق يهتدون، وبهداه من حيرة الضلالة يعتصمون وقال القرطبي: النور عند العرب: الضوء المدرك بالبصر واستعمل مجازًا في المعاني فيقال كلامٌ له نور قال الشاعر:

نسبٌ كأن عليه من شمس الضحى ... نورًا ومن فلق الصباح عمودا

وقال جرير «وأنتَ لنا نورٌ وغيثٌ وعصمة» والناس يقولون: فلانٌ نور البلد، وشمسُ العصر وقمره، فيجوز أن يقال: الله نور على جهة المدح لأن جميع الأشياء منه ابتداؤها، وعنه صدورها، وبقدرته استقامت أمورها، وقال ابن عطاء الله: «الكون كله ظلمة أناره ظهور الحق فيه، إذ لولا وجود الله ما وجد شيء من العالم» وفي الحديث «اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن» وقال ابن مسعود: «ليس عند ربكم ليلٌ ولا نهار، نور السماوات والأرض نور وجهه» وقال ابن القيم: سمَّى الله سبحانه نفسه نورًا، وجعل كتابه نورًا، ورسوله نورًا، واحتجب عن خلقه بالنور، وقد فسرت الآية بأنه منور السماوات والأرض، وهادي أهل السماوات والأرض، وما قاله ابن مسعود أقرب إلى تفسير الآية من قول من فسرها بأنه هادي أهل السماوات والأرض، وأما من فسرها

311

بأنه منور السماوات والأرض فلا تنافي بينه وبين قول ابن مسعود ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أي مثل نور الله سبحانه في قلب عبده المؤمن ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ أي ككوة في الحائط لا منفذ لها ليكون أجمع للضوء وضع فيها سراج ثاقب ساطع قال في التسهيل: المعنى صفةُ نور الله وضوحه كصفة مشكاةٍ فيها مصباح على أحظم ما يتصوره البشر من الإضاءة والإِنارة، وإنما شبه بالمشكاة - وإن كان نورُ الله أعظم - لن ذلك هو ما يدركه الناس من الأنوار ضرب لهم به المثل ﴿المصباح فِي زُجَاجَةٍ﴾ أي في قنديل من الزجاج الصافي ﴿الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ أي تشبه الكوكب الدري في صفائها وحسنها ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ أي يشعل ذلك المصباح من زيت شجرة مباركة ﴿زَيْتُونَةٍ﴾ أي هي من شجر الزيتون الذي خصه الله بمنافع عديدة ﴿لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾ أي ليست في حهة الشرق ولا في جهة الغرب، وإنما هي في صحراء منكشفة تصيبها الشمس طول انهار لتكون ثمرتها أن ضح، وزيتُها أصفى قال ابن عباس: هي شجرة بالصحراء لا يظلها شجر، ولا جبلٌ، ولا كهف، ولا يواريها شيء وهو أجود لزينها ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يضياء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ مبالغة في وصف صفاء الزيت وحسنه وجودته أي يكاد زيتُ هذه الزيتونة يضيء من صفاته وحسن ضيائه ولو لم تمسَّه نار، فكيف إذا مسته النار؟ ﴿نُّورٌ على نُورٍ﴾ أي نور قوف نور فقد اجتمع نور السراج، وحسن الزجاجة، وصفاء الزيت، فاكتمل النور الممثل به ﴿يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ﴾ أي يوفق الله لاتباع نوره - وهو القرآن - من يشاء من عباده ﴿وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ﴾ أي يبين لهم الأمثال تقريبًا لأفهامهم ليعتبروا ويتعظوا بما فيها من الأسرار والحكم ﴿والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ﴾ أي هو سبحانه واسع العلم لا يخفى عليه شيء من أمر الخلق، وفيه وعدٌ ووعيد قال الطبري: ذلك مثلٌ ضربه الله للقرآن في قلب أهل الإيمان به فقال: مثل نور الله الذي أنار به لعباده سبيل الرشاد مثل كوة في الحائط لا منفذ لها فيها مصباح أي سراج، وجعل السراج مثلًا لما في قلب المؤمن من القرآن والآيات البينات ثم قال ﴿المصباح فِي زُجَاجَةٍ﴾ وذلك مثلٌ للقرآن في قلب المؤمن الذي أنار الله صدره فخلص من الكفر والشك، ثم قال ﴿الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ أي كأن الزجاجة في صفائها وضيائها كوكب يشبه الدر في الصفاء والضياء والحسن ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾ أي تَوَقَّد هذا المصباح من دهن شجرة مباركة هي شجرة الزيتون، ليست شرقية تطلع عليها الشمس بالعشي دون الغداة، ولكن الشمس تشرق عليها وتغرب فيكون زيتها أجود وأصفى وأضوأ ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يضياء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ أي يكاد زيت هذه الزيتونة يضيء م صفائه وحسن ضيائه وعنى بها أن حجج الله على خلقه تكاد من بيانها ووضوحها تضيء لمن فكر فيها ونظر ولو لم يزدها الله بيانًا ووضوحًا بنزول هذا القرآن، فكيف وقد نبههم به وذكرهم بآياته فزادهم به حجة! وذلك بيانٌ من الله ونور على البيان.

ثم لما ذكر تعالى هدايته لمن يشاء من عباده، ذكر مواطن هذه العبادة وهي المساجد أحبُّ البقاع إلى الله فقال ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ﴾ أي أمر تعالى أن تبنى وتشاد على اسمه خاصة، وأن تعظَّم ويرفع شأنها لتكون مناراتٍ للهدى ومراكز للإشعاع الروحي قال ابن عباس: المساجد

312

بيوتُ الله في الأرض، تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه﴾ أي بعبد فيها الله بتوحيده، وذكره، وتلاوة آياته ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال﴾ أي يصلي لله تعالى في هذه المساجد في الصباح والمساء والمؤمنون قال ابن عباس: كلُّ تسبيح في القرآن فهو صلاة ﴿رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله﴾ أي لا تشغلهم الدنيا وزخرفها وزينتها عن ذكر ربهم، ولا يليهيهم البيع والشراء عن طاعة الله قال المفسرون: نزلت هذه الآية في أهل الأسواق من الصحابة رضوان الله عليهم، كانوا إذا سمعوا النداء تركوا كل شغل وبادروا لطاعة الله ﴿وَإِقَامِ الصلاة وَإِيتَآءِ الزكاة﴾ أي ولا تشغلهم الدنيا عن إقامة الصلاة في أوقاتها، ودفع الزكاة للفقراء والمستحقين بحدودها وشروطها ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القلوب والأبصار﴾ أي يخافون يومًا رهيبًا تضطرب من شدة هوله وفزعه قلوب الناء وأبصارهم ﴿لِيَجْزِيَهُمُ الله أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ﴾ أي ليكافئهم على أعمالهم في الدنيا بأحسن الجزاء، ويجزيهم على الإِحسان إحسانًا، وعلى الإِساءة عفوًا وغفرانًا ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ﴾ أي يتفضل عليهم فوق ذلك الجزاء بما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر ﴿والله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي يعطي من شاء من خلقه عطاءً واسعًا بدون حدٍّ ولا عدٍّ يقال فلان ينفق بغير حساب أي يوسع كأنه لا يحسب ما ينفقه قال الإِمام الفخر: نبه به على كمال قدرته، وكمال جوده، وسعة إحسانه، فإنه سبحانه يعطيهم الثواب العظيم على طاعاتهم، ويزيدهم الفضل الذي لا حد له في مقابلة خوفهم، ولما ذكر تعالى حال المؤمن وسعادته، ذكر حال الكافر وخسارته، وضرب لذلك مثلين: الأول لعلمه والثاني لاعتقاده وتخبطه في الظلمات فقال ﴿والذين كفروا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ أي إن أعمال الكفار التي عملوها في الدنيا وظنوها أعمالًا صالحة نافعة لهم في الآخرة كالسراب الذي يرى في القيعان وهو ما يرى في الفَلوات من ضوء الشمس في الهجيرة حتى يظهر كأنه ماء يجري على وجه الأرض ﴿يَحْسَبُهُ الظمآن مَآءً﴾ أي يظنه العطشان من بعيد ماءً جاريًا ﴿حتى إِذَا جَآءَهُ﴾ أي حتى إذا وصل إليه ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ أي لم ير ماءً ولا شرابًا، وإنما رآى سرابًا فعظمت حسرته ﴿وَوَجَدَ الله عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ أي وجدَ الله له بالمرصاد فوفّاه جزاء عمله، فكذلك الكافر يحسب أن عمله ينفعه حتى إذا مات وقدم على ربه لم يجد شيئًا من الأعمال لأنها ذهبت هباءً منثورًا ﴿والله سَرِيعُ الحساب﴾ أي يعجل الحساب لأنه لا يشغله محاسبة واحد عن آخر ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ﴾ هذا المثل الثاني لضلال الكفار والمعنى أو مثلهم كظلماتٍ متكاثفة في بحرٍ عميقٍ لا يدرك قعره ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ أي يغطي ذلك البحر ويعلوه موجٌ متلاطمٌ بعضه فوق بعض ﴿مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ أي من فوق ذلك الموج الثاني سحاب كثيف ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ أي هي ظلمات متكاثفة متراكمة بعضها فوق بعض قال قتادة: الكافر يتقلب في خمسٍ من الظلم: فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخلة ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة إلى النار ﴿إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ هذا من تتمة التمثيل أي إذا أخرج ذلك الإِنسان

313

الواقع في هذه الظلمات يده لم يقارب رؤيتها فإن ظلمة البحر، وظلمة الموج، وظلمة السحاب قد تكاثفت حتى حجبت عنه رؤية أقرب شيء إليه من شدة الظلمة فكذلك شأن الكافر يتخبط في ظلمات الكفر والضلال ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ أي ومن لم يهده الله للإيمان وينور قلبه بنور الإسلام لم يهتد أبد الدهر، ذكر تعالى لعمل الكافر مثالين: الأول لعمله الصالح ومثَّل له بالسراب الخادع، والثاني لاعتقاده السيء ومثَّل له بالظلمات المتراكم بعضُها فوق بعض ثم ختم الآية الكريمة ذلك الختام الرائع ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ مقابل قوله في المؤمن ﴿نُّورٌ على نُورٍ﴾ فكان هذا التمثيل والبيان في غاية الحسن والجمال، فلله ما أروع تعبير القرآن!! ولما وصف سبحانه أنوار قلوب وظلمات قلوب الجاهلين أتبع ذلك بدلائل التوحيد فقال ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السماوات والأرض﴾ أي ألم تعلم يا محمد علمًا يقينًا أنَّ الله العظيم الكبير يسبح له كل من في الكون من ملك، وإنس، وجن، ينزهه ويقدسه ساكنوها؟ ﴿والطير صَآفَّاتٍ﴾ أي والطير باسطاتٍ أجنحتهن حال الطيران تسبح ربها وتعبده كذلك بتسبيح ألهمها وأرشدها إليه تعالى ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ أي كلٌّ من الملائكة والإِنس والجن والطير قد أرشد وهدي إلى طريقته ومسلكه في عبادة الله، وما كلف به من الصلاة والتسبيح ﴿والله عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ أي لا تخفى عليه طاعتهم ولا تسبيحهم ﴿وَللَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ أي هو المالك والمتصرف في الكون، وجميعُ المخلوقات تحت ملكه يتصرف فيهم تصرف القاهر الغالب ﴿وإلى الله المصير﴾ أي وإليه مرجع الخلائق فيجازيهم على أعمالهم وهو تذكير يتضمن الوعيد، ثم أشار تعالى إلى ظاهره كونية تدل على قدرته ووحدانيته فقال ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُزْجِي سَحَابًا﴾ أي يسوق بقدرته السحاب إلى حيث يشاء ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ أي يجمعه بعد تفرقه ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾ أي يجعله كثيفًا متراكماص بعضه فوق بعض ﴿فَتَرَى الودق يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ﴾ أي فترى المطر يخرج من بين السحاب الكثيف ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السمآء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ﴾ أي وينزل من السحاب الذي هو كأمثال الجبال بردًا ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ﴾ أي فيصيب بذلك البرد من شاء من العباد فيضره في زرعه وثمرته وماشيته ﴿وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَآءُ﴾ أي ويدفعه عمن يشاء فلا يضره قال الصاوي: كما ينزل المطر من السماء وهو نفعٌ للعباد كذلك ينزل منها البرد وهو ضرر للعباد، فسبحان من جعل السماء منشأ للخير والشر ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾ أي يقرب ضوء برق السحاب ﴿يَذْهَبُ بالأبصار﴾ أي يخطف أبصار الناظرين من شدة إضاءته وقوة لمعانه ﴿يُقَلِّبُ الله الليل والنهار﴾ أي يتصرف فيهما بالطول والقصر، والظلمة والنور، والحر والبرد ﴿إِنَّ فِي ذلك لَعِبْرَةً﴾ أي إن فيما تقدم ذكره لدلالة واضحة، وعظة بليغة على وجود الصانع المبدع ﴿لأُوْلِي الأبصار﴾ أي لذوي البصائر المستنيرة، وخصهم بالذكر لأنهم المنتفعون حيث يتأملون فيجدون الماء والبرد، والظلمة والنور تخرج من شيء واحد، فسبحان القادر على كل شيء ﴿والله خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ﴾ استدل على وحدانيته بتسبيح أهل السماء والأرض، ثم بتصريف السحاب وإنزال المطر، ثم بأحوال الحيوانات قال ابن كثير: يذكر تعالى قدرته التامة وسلطانه العظيم في خلقه أنواع

314

المخلوقات على اختلاف أشكالها وألوانها وحركاتها وسكناتها من ماء واحد ﴿فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على بَطْنِهِ﴾ أي فمنهم من يزحف على بطنه كالحية والزواحف ﴿وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي على رِجْلَيْنِ﴾ كالإِنسان والطير ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على أَرْبَعٍ﴾ كالأنعام وسائر الدواب قال أبو حيان: قدم ما هو أظهر في القدرة وأعجب وهو الماشي بغير آلة من رجل وقوائم، ثم الماشي على رجلين، ثم الماشي على أربع ﴿يَخْلُقُ الله مَا يَشَآءُ﴾ أي يخلق تعالى بقدرته ما يشاء من المخلوقات ﴿إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أو هو قادر على ما يشاء لا يمنعه مانع، ولا يدفعه دافع قال الفخر: واعلم أنَّ العقول قاصرة عن الإِحاطة بأحوال أصغر الحيوانات على الكمال، والاستدلال بها على الصانع ظاهرٌ، لأنه لو كا الأمر بتركيب الطبائع الأربع لكان في الكل على لاسويّة، فاختصاص كل واحدٍ من هذه الحيوانات بأعضائها وأعمارها ومقادير أبدانها لا بدَّ وأن يكون بتدبير قاهرٍ حكيم، سبحانه وتعالى عما يقول الجاحدون ﴿لَّقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ﴾ أي لقد أنزلنا إليكم أيها الناس آياتٍ واضحاتٍ، دالات على طريق الحق والرشاد ﴿والله يَهْدِي مَن يَشَآءُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي يرشد من يشاء من خلقه إلى الدين الحق وهو الإِسلام، ولما ذكر دلائل التوحيد حذَّر من النفاق والمنافقين فقال ﴿وَيَِقُولُونَ آمَنَّا بالله وبالرسول وَأَطَعْنَا﴾ أي يقول المنافقون صدقنا بالله وبالرسول وأطعنا الله ورسوله ﴿ثُمَّ يتولى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ﴾ أي ثم يعرض جماعة منهم عن قبول حكمه ﴿مِّن بَعْدِ ذلك﴾ أي من بعدما صدر منهم ما صدر من دعوى الإِيمان ﴿وَمَآ أولئك بالمؤمنين﴾ أي وليس أولئك الذين يدعون الإِيمان والطاعة بمؤمنين على الحقيقة قال الحسن: نزلت هذه الآية في المنافقين الذين كانوا يظهرون الإِيمان ويسرون الكفر ﴿وَإِذَا دعوا إِلَى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ أي وإذا دعوا إلى حكم حكم الله أو حكم رسوله ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾ أي استنكفوا وأعرضوا عن الحضور إلى مجلس الرسول ﴿وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ الحق يأتوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ أي وإن كان الحقُّ بجانبهم جاءوا إلأى رسول الله طائعين منقادين لعلمهم أنه عليه السلام يحكم بالحقِّ قال الفخر: نبّه تعالى على أنهم إنما يعرضون متى عرفوا أن الحق لغيرهم؛ أما إذا عرفوه لأنفسهم عدلوا على الإِعراض وأذعنوا ببذل الرضا ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ارتابوا﴾ أي هل في قلوبهم نفاقٌ؟ أم شكوا في نبوته عليه السلام؟ ﴿أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ الله عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ أي أم يخافون أن يظلمهم رسول الله في الحكم، والاستفهام للمبالغة في التوبيخ والذم كقول الشاعر:

ألستَ من القوم الذين تعاهدوا ... على اللؤم والفحشاء في سالف الدهر

﴿بَلْ أولئك هُمُ الظالمون﴾ أي بل هم الكاملون في الظلم والعناد لإِعراضهم عن حكم رسول الله ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المؤمنين إِذَا دعوا إِلَى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أن كان الواجب عليهم عندما يُدعون إلى رسول الله للفصل بينهم وبين خصومهم أن يسرعوا ويقولوا سمعًا وطاعة، فلو كان هؤلاء مؤمنين لفعلوا ذلك قال الطبري: ولم يقصد به الخبر ولكنه تأنيبٌ

315

من الله للمنافقين وتأدب منه لآخرين ﴿وأولئك هُمُ المفلحون﴾ أي وأولئك المسارعون إلى مرضاة الله هم الفائزون بسعادة الدارين ﴿وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ﴾ أي ومن يطع أمر الله وأمر رسوله في كل فعلٍ وعمل ﴿وَيَخْشَ الله وَيَتَّقْهِ﴾ أي ويخاف الله تعالى لما فرط منه الذنوب، ويمتثل أوامره ويجتنب زواجره ﴿فأولئك هُمُ الفآئزون﴾ أي هم السعداء الناجون من عذاب الله الفائزون برضوانه. . ذكر أن بعض بطارقة الروم سمع هذه الآية فأسلم وقال: إنها جمعت كل ما التوراة والإِنجيل.

البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهًا من البلاغة والبديع نوجزها فيما يلي:

1 - إطلاق المصدر على إسم الفاعل للمبالغة ﴿الله نُورُ السماوات﴾ بمعنى منوِّر لكل بحيث كأنه عين نوره قال الشريف الرضي: وفي الآية إستعارة - على تفسير بعض العلماء - والمراد عندهم أنه هادي أهل السماوات والأرض بصوادع برهانه، ونواصع بيانه كما يهتدى بالأنوار الثاقبة والشهب اللامعة.

2 - التشبيه التمثيلي ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ شبَّه نور الله الذي وضعه في قلب عبده المؤمن بالمصباح الوهّاج في كوة داخل زجاجة تشبه الكوكب الدري في الصفاء والحسن الخ سمي تمثيليًا لأن وجه الشبه منتزع من متعدد، وهو من روائع التشبيه.

3 - الإِطناب بذكر الخاص بعد العام تنويهًا بشأنه ﴿عَن ذِكْرِ الله وَإِقَامِ الصلاة﴾ لأن الصلاة من ذكر الله.

4 - جناس الاشتقاق ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ القلوب﴾ .

5 - التشبيه التمثيلي الرائع ﴿والذين كفروا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ﴾ الخ وكذلك في قوله ﴿كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ﴾ وهذا من روائع التشبيه وبدائع التمثيل.

6 - الطباق بين ﴿يُصِيبُ. . وَيَصْرِفُهُ﴾ .

7 - الاستعارة اللطيفة ﴿يُقَلِّبُ الله الليل والنهار﴾ إذ ليس المراد التقليب المادي للأشياء الذاتية وإنما استعير لتعاقب الليل والنهار.

8 - الجناس التام ﴿يَذْهَبُ بالأبصار﴾ ﴿لأُوْلِي الأبصار﴾ المراد بالأولى العيون وبالثانية الألباب.

لطيفَة: سمع بعض علماء الطبيعة من غير المسلمين هذه الآية ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ. .﴾ الآية فسأل هل ركب محمد البحر؟ فقالوا: لا فقال أشهد أنه رسول الله قالوا: وكيف عرفت؟ فقال: إنَّ هذا الوصف للبحر لا يعرفه إلا من عاش عمره في البحار، ورأى الأهوال والأخطار، فلما أخبرت أنه لم يركب البحر عرفت أنه كلام الله تعالى.

316