تفسير القرآن الثري الجامعالجزء 10 · ص 153 - 175

سورة غافر (3 من 5)

﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾: السّؤال هل يُضل الله أحدًا؟ الجواب: لا طبعًا، من: شرطية؛ أي: من يختار طريق الضّلال والضّياع والكفر ويصر على ذلك ويمتنع عن التّوبة والإنابة، ويبتعد بعيدًا عن الدّين، يتركه الله يفعل ما يريد، فإذا وصل درجة لا يُرجى معها العودة إلى الهداية عندها يطبع الله على قلبه فلا يدخله إيمان ولا يخرج منه كفر، ولن يجد له من هاد يهديه.

﴿فَمَا﴾: الفاء للتوكيد، ما النّافية.

﴿لَهُ﴾: الجار والمجرور، تقدم للاختصاص: له خاصة.

﴿هَادٍ﴾: يهديه إلى الصّراط المستقيم أو الدّين، ولم يقل: فما له من هادي.

لنقارن هذه الآية (33) من سورة غافر: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾.

مع الآية (186) من سورة الأعراف: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِىَ لَهُ﴾.

في آية غافر قال: فما له من هاد، نفى (بما) (تنفي الحال) وقدّم له: للحصر، من: استغراقية هاد؛ أي: هاد سواء كان رسولًا هاديًا أو عالمًا أو صديقًا هاديًا واحدًا يهديه ولو زمنًا قصيرًا.

في آية الأعراف: فلا هادي له نفى بـ (لا) (تنفي المستقبل وكل الأزمنة) وأخّر (له) أي: له ولغيره هادٍ ولو استغرقت هدايته زمنًا طويلًا.

ولو جمعنا الآيتين نقول: من يضلل الله لا هادي له الآن ولا في المستقبل، ولن يستطيع أحد أن يهديه ولو صرف زمنًا طويلًا أو قصيرًا في هدايته.

153

سورة غافر [40: 34]

﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾:

يتابع الرّجل المؤمن النّصح لقومه ويلجأ إلى الاستعانة بالتّاريخ فيقول:

﴿وَلَقَدْ﴾: الواو استئنافية، لقد: اللام للتوكيد، قد: للتحقيق؛ أي: تحقق وحدث ذلك.

﴿جَاءَكُمْ﴾: أي جاء وكان مجيئه بمشقة وصعوبة وليس بسهولة، والمخاطب هو فرعون وقومه؛ أي: جاء آباءكم وأجدادكم.

﴿يُوسُفُ﴾: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام.

﴿مِنْ قَبْلُ﴾: من قبل موسى عليه السلام الّذي تريدون قتله أو عدم تصديقه. انتبه حين قال: جاءكم يعني جاء آباءكم وأجدادكم؛ لأنّه حين جاء كان الحاكم هو عزيز مصر ولم يكن هناك أيّ فرعون، وتفسير ذلك: أن الهكسوس دخلوا مصر قبل مجيء يوسف وقضوا على حكم الفراعنة وألغوا الفرعونية وجعلوا أنفسهم ملوكًا، فجاء يوسف في زمن حكم هؤلاء، ثم بعد ذلك عادت الفرعونية إلى مصر وراحوا يضطهدون بني إسرائيل؛ لأنّهم كانوا موالين ومن أنصار الملك العزيز.

فهذا الرّجل المؤمن يعلم القصة التّاريخية فجاء بها ليذكّرهم بما حدث لعلّهم يؤمنوا بموسى.

إذن: جاءكم يوسف: يوسف لم يجئ لهم وإنما جاء لآبائهم فنسب ما للآباء

155

للأبناء؛ لاشتراكهم جميعًا في الضّلال والتّكذيب بالرّسل فليس هناك فارق بينهم وبين آبائهم وأجدادهم.

﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بالآيات الدّالة على وحدانية الله والدّالة على صدق نبوته، والبينات: هي تأويل الأحلام، ولنذكر قول يوسف حين دعا صاحبي السّجن فقال: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِى رَبِّى إِنِّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَاءِى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَىْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ يَاصَاحِبَىِ السِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [يوسف: 37 - 40].

﴿فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾: الفاء للتوكيد.

زلتم في شك مما جاءكم به؛ أي: كنتم في شك. الشّك: هو التّردد بين أمرين على حد سواء (أي تساوي طرفي الإثبات والنّفي) طوال زمن يوسف؛ أي: كنتم تشكون في صدق رسالته وعبادة الله وحده؛ أي: كفرتم به.

﴿حَتَّى إِذَا هَلَكَ﴾: حتّى حرف نهاية الغاية، إذا ظرف زماني للماضي وشرطية تفيد حتمية الحدوث.

هلك: أي مات يوسف.

﴿قُلْتُمْ﴾: القائل قد يكون ممن عاصر يوسف أو ممن جاء بعدهم من أسلافهم.

﴿لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾: لن لنفي المستقبل القريب والبعيد (أي موسى وغير موسى) أي: قلتم ذلك وحكمتم بدون علم ولا برهان وفي نيتكم تكذيب أيّ رسول سواء كان يوسف من قبل أو موسى الآن.

156

﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾: كذلك: أي مثل هذا الضّلال يكون حال من يضله الله تعالى؛ لإسرافه في المعاصي.

مسرف: متجاوز الحد في المعاصي والشّرك والكفر.

مرتاب: من الرّيبة وهي: الشّك والتّهمة، وسبقها القول: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾ ولذلك جاء بعدها مسرف مرتاب. ارجع إلى الآية (28) في نفس السورة للمقارنة.

أي: هو مسرف في فعل المعاصي ومرتاب في دينه؛ أي: يشك ويتّهم الآخرين بالباطل؛ لكي يجد لنفسه مبررًا لعدم إيمانه.

سورة غافر [40: 35]

﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِى آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾:

هذا كلام الله سبحانه معترض بين كلام مؤمن آل فرعون وكلام فرعون، هذه الآية تبدو كأنّها تتمة لقوله: (كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب الّذين يجادلون في آيات الله).

﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول تفيد الذّم وتعود على المسرفين المرتابين أو الّذين كفروا ﴿مَا يُجَادِلُ فِى آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: 4].

﴿يُجَادِلُونَ فِى آيَاتِ اللَّهِ﴾: الجدال نوعان: جدال لإظهار الحق وهو جدال غير مكروه، وجدال بالباطل وهو مكروه.

الذين يجادلون في آيات الله؛ أي: يجادلون بالباطل وفي آيات الله الدّالة على صدق نبوة أنبيائه بأن يقولوا: ساحر أو كاهن أو كذاب، أو يجادلون في آيات الأحكام، أو يجادلون في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.

أما الآيات الكونية فلا أحد يستطيع أن يجادل فيها؛ لأنّ مبلغ علمهم قليل لا يُذكر.

157

﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾: السّلطان إما سلطان علم وبرهان وحُجة، أو سلطان قوة وقهر، وهم لا يملكون كلاهما ولذلك هم يجادلون بالباطل.

﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي هذا النّوع من الجدال هو جدال ممقوت؛ لأنّهم يجادلون الحق بالباطل، كبر مقتًا عند الله: أي يبغض الله سبحانه هذا النّوع من الجدال خاصة بغضًا شديدًا ويبغضه الّذين آمنوا الّذين يتبعون الحق وإعلاء كلمة الله وإقامة الدّين.

﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾: أي كما يطبع الله على قلوب هؤلاء المجادلين في آيات الله بغير سلطان أتاهم، يطبع على كلّ قلب متكبر جبار.

والطّبع أشد من الختم، والطّبع على القلب يعني: لا يدخل قلوبهم أيّ إيمان ولا يخرج منها أيّ كفر، والطّبع على قلوبهم هم سببه فهم الّذين اختاروا ذلك واستمروا في الجدال والكفر وابتعدوا كثيرًا عن سبل الهداية فلم يعد هناك أملٌ في توبتهم فطبع الله على قلوبهم.

﴿عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾: الكبر هو إظهار عظم الشّأن ورفع النّفس فوق ما تستحق.

متكبر: عن قبول الإيمان بآيات الله والتّوحيد والجدال في آيات الله، متكبر بدون أن يملك أيّ مؤهلات للكبر.

﴿جَبَّارٍ﴾: صيغة مبالغة وهو القاسي المتكبر، الّذي يُكْرهُ النّاس على فعل ما لا يحبون فعله مستخدمًا وسيلة الظّلم والقوة والقهر، أو يتعاظم بالقهر والقتل، والجبار: أبلغ من المتكبر.

لنقارن هذه الآية وهي قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ ولو قال كذلك يطبع الله على قلب كلّ متكبر جبار؛ أي: بتقديم كلمة (كل) على كلمة (قلب) أو تأخيرها.

158

تقديم كلمة (كل) كقوله: كذلك يطبع الله على كلّ قلب متكبر جبار؛ تعني: كلّ قلوب المتكبرين الجبارين عمومًا تصاب بالطّبع، وتعني الطّبع على القلب طبعًا تامًا كاملًا يشمل كلّ جزء من أجزاء القلب.

أما تأخير كلمة (كل) كقوله: كذلك يطبع الله على قلب كلّ متكبر جبار؛ تعني: كلّ قلوب المتكبرين الجبارين تصاب بالطّبع، وتعني الطّبع على القلب لا يشمل كلّ جزء من أجزاء القلب.

سورة غافر [40: 36]

﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِى صَرْحًا لَّعَلِّى أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾:

عاد فرعون مرة ثانية إلى مقاطعة كلام الّذي آمن راجيًا أن لا يكون نُصحُ الّذي آمن قد أثّر في قلوب المستمعين، فأسرع بسؤال هامان أمام قومه مستخفًا بعقولهم:

﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِى صَرْحًا﴾: هامان: وزيره هامان كان المسؤول على البناء، بناء المشاريع الكبرى، وبناء المشاريع الكبرى يطلق عليها هامان أي اسمه هامان ووظيفته هامان (بناء المشاريع الكبرى) وكان مقربًا إلى فرعون. وذكر هامان في القرآن إعجاز على نبوة رسول الله ﷺ؛ لأنّ أهل الكتاب ينكرون هامان في كلّ قصة موسى؛ أي: لا وجود لهامان مع موسى. ارجع إلى سورة القصص آية (6) لمزيد من البيان.

﴿ابْنِ لِى صَرْحًا﴾: الصّرح هو البناء الشّامخ العالي الظّاهر الّذي لا يخفى على النّاظر من بُعد كالأبراج العالية، صرحًا: من صَرَح الشَيء وصرّحَه؛ أي: بيّن الشّيء وأظهره فلم يعد يخفى.

﴿لَّعَلِّى﴾: للتعليل.

﴿أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾: جمع سبب، والسّبب: هو ما يتوصّل به إلى الشّيء كالحبل أو السُّلم ويطلق على الطّريق.

159

وقيل: أبواب السّموات؛ أي: الطّرق طرق السّموات.

لعلّي أبلغ الطّرق التي توصل من سماء إلى سماء المؤدية إلى الوصول إلى إله موسى، وكما قال تعالى في سورة الكهف الآيتين [84 - 85]: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ سَبَبًا فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ وارجع إلى سورة ص آية (10) لمزيد من البيان.

سورة غافر [40: 37]

﴿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّى لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِى تَبَابٍ﴾:

﴿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾: أبوابها ومنافذها وطرقها. ارجع إلى الآية السابقة (36) من نفس السورة.

﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾: أي انظر إلى إله موسى، ويعني النّظر الموصل إلى الحقيقة والغاية.

﴿وَإِنِّى لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾: أكد فرعون بأنّ موسى كاذبٌ (بإنَّ وبالياء) في (إني) واللام في لأظنه كاذبًا في زعمه أن له إلهًا غيري فوق السّموات؛ أي: لعلي أصعد في الصّرح فأصل إلى أبواب السّموات ومنافذها، وأسير في طرقها من طريق إلى طريق حتّى أصل في النّهاية فأجد إله موسى، يريد بذلك أن يوهم قومه أنّه قادر على ذلك وأنّ ما يزعمه موسى هو شيء باطل، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (38) وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنِّى لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فإذا جمعنا بين الآيتين أي: كاذبًا من الكاذبين؛ كاذبًا: هو الأصل.

وفي قوله: ﴿لَّعَلِّى أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ فيها شيء من التّكرير فمن الممكن القول لعلي أبلغ أسباب السّموات وانتهى.

هذا ليس تكرارًا وإنما يسمى الإيضاح بعد الإبهام؛ للتفخيم، فالوصول إلى أسباب السّموات ليس بالأمر الهين، بل أمر عظيم يزعم فرعون أنّه قادر على فعله؛ ليجعل السّامع يتعجب لقدرة فرعون على فعل ذلك.

160

﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ﴾: وكذلك؛ أي: مثل ذلك التّزيين ظن أنّه سيبلغ السّموات ويطلع إلى إله موسى.

﴿زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ﴾: من الشّرك والتّكذيب، وزيّن مبني للمجهول والمزين هو الشّيطان بوسوسته كما قال الله تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [النّمل: 24].

﴿وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾: أي سبيل الهدى والرّشاد، وسبب ذلك كفره وشركه وظلمه، عن: تفيد المجاوزة والمباعدة، وصد عن السّبيل هو وقومه.

﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِى تَبَابٍ﴾: ما النّافية، كيد فرعون: ارجع إلى الآية (25) من السّورة نفسها.

إلا: أداة حصر.

في: ظرفية.

تباب: في ضياع وخسران وهلاك من: تبّ الشّيء: قطعه.

سورة غافر [40: 38]

﴿وَقَالَ الَّذِى آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾:

يتابع الّذي آمن نصحه إلى قومه ويكرر: يا قوم، وتكرار يا قوم فيها نوع من العطف والحنان مع قومه حتّى يتبعوه.

﴿اتَّبِعُونِ﴾: فيما أدعوكم إليه وأنصحكم على فعله.

ولم يقل اتبعوني، حذف ياء المتكلم؛ أي: اتبعوني ولو شيئًا قليلًا أو حاولوا اتباعي في بعض ما أنصحكم، أمّا اتبعوني تتطلب اتباعًا تامًا في القول والعمل وفيه صبر والتزام.

﴿أَهْدِكُمْ﴾: أدلكم، انتبه إلى قول الّذي آمن: أهدكم، بينما كان قول فرعون في الآية (29): أهديكم، فرعون يؤكد عليهم أن يتبعوه؛ لأنّه يعلم أنّ

161

القوم في شك مما يقوله لهم ويدعوهم إليه، ويزعم باطلًا أن الهداية بيده، بينما الّذي آمن لا يؤكد عليهم؛ لأنه يعلم أنّ الهداية بيد الله فهو الهادي وحده.

﴿سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾: السّبيل هو الطّريق الواسع السّهل السّريع، والصّراط أفضل من السّبيل.

سبيل الرّشاد: شرع الله أو سبيل الصّلاح المؤدّي إلى الغاية؛ أي: النّجاة والسّداد والخير.

سورة غافر [40: 39]

﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِىَ دَارُ الْقَرَارِ﴾:

﴿يَاقَوْمِ﴾: ارجع إلى الآية السّابقة؛ للبيان.

﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد التّوكيد.

﴿هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾: هذه الهاء للتنبيه، ذه اسم إشارة للقرب يشير إلى الحياة الدّنيا.

﴿مَتَاعٌ﴾: المتاع كلّ شيء ينتفع به وزائل متاع قليل، ارجع إلى سورة القصص آية (60) للبيان.

﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ﴾: إن للتوكيد، الآخرة: الدّار الآخرة.

﴿هِىَ﴾: للتوكيد.

﴿دَارُ الْقَرَارِ﴾: دار البقاء والخلود والدّوام؛ أي: الجنة، ومن أسمائها دار السّلام، جنات عدن، جنات الفردوس، جنات النّعيم، دار الخلد.

سورة غافر [40: 40]

﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾:

﴿مَنْ﴾: شرطية.

162

﴿عَمِلَ سَيِّئَةً﴾: ارتكب معصية، والسّيئة قد تكون صغيرة أو كبيرة (سيئة جاءت بصيغة النّكرة؛ لتشمل أيّ سيئة).

﴿فَلَا﴾: الفاء للتوكيد، لا النّافية.

﴿يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾: لأنّ الزّيادة على مقدار جزاء السّيئة ظلم.

كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: 160].

﴿وَمَنْ﴾: شرطية.

﴿عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: من ابتدائية وتشمل المفرد والمثنى والجمع، (هو) للتوكيد؛ أي: قرن الإيمان بالعمل الصّالح.

﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء للتوكيد، أولئك: اسم إشارة للبعد ويفيد المدح ويشير إلى الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات.

﴿يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: بغير حساب تعني كثرة الرزق، والحقيقة هم يرزقون فيها حسب درجات أعمالهم الصالحة كما جاء في سورة النبأ الآية (36) وفي قوله تعالى: ﴿عَطَاءً حِسَابًا﴾. ارجع إلى الآية (212) من سورة البقرة لبيان قوله تعالى: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.

163

سورة غافر [40: 41]

﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِى أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِى إِلَى النَّارِ﴾:

﴿وَيَاقَوْمِ﴾: انتبه في هذا النّداء وهو النّداء الثّالث حيث أضاف الواو فقال: ويا قوم الواو تدل على الاهتمام وزيادة في التّنبيه واليقظة، وبدأ في هذه الآية يصرح بإيمانه بالله وحده بينما في الآيات السّابقة نصح عام.

﴿مَا لِى﴾: ما استفهامية فيها معنى التّعجب وتفيد معنى كيف.

﴿أَدْعُوكُمْ﴾: أصل الدّعاء طلب الفعل، من: دعا يدعو.

﴿إِلَى النَّجَاةِ﴾: من النّار ودخول الجنة (هو دعاهم إلى الجنة في الآية السّابقة) ودخول الجنة؛ يعني: النّجاة من النّار ولا يكون ذلك إلا بالإيمان بالله وحده وتصديق موسى عليه السلام. فهو يؤكد لهم ذلك والسبيل إليها.

﴿وَتَدْعُونَنِى إِلَى النَّارِ﴾: وقد بيّن كيف يدعونه إلى النّار في الآية التّالية.

﴿تَدْعُونَنِى لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ﴾، بعدم اتباع موسى وأكد دعوتهم له بزيادة النّون في: تدعونني، ولم يقل تدعوني.

سورة غافر [40: 42]

﴿تَدْعُونَنِى لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾:

﴿تَدْعُونَنِى﴾: تطلبوا مني، وسواء طلبوا منه حقيقة أم لا، دأبهم على الكفر والشّرك فيه معنى الدّعوة الغير مباشرة.

165

﴿لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾: اللام لام التّعليل والتّوكيد، بالله: الباء للإلصاق والدّوام، وهذه الباء تعني كفر العقيدة؛ أي: الجحود بالله تعالى.

﴿وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ﴾: به: بالله، في عبادته؛ أي: إلوهيته وربوبيته، أي وكيف أشرك به وما ليس لي به علم.

﴿مَا﴾: النّافية.

﴿لَيْسَ﴾: توكيد النّفي.

﴿لِى بِهِ عِلْمٌ﴾: أي الآلهة والأصنام.

وتعني: كيف أشرك بالله هذه الآلهة المزعومة (بما فيها فرعون) بدون علم أنّها آلهة أو بدون برهان أو دليل، أو كيف أشرك به شيئًا أعلم أنّه ليس بآلهة؛ أي: هو نفسه يعلم أنّها ليست إلهًا.

﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ﴾: إلى الإيمان بالعزيز الغفار أو لعبادته وتوحيده.

﴿الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾: عدل عن ذكر الله تعالى إلى ذكر صفتين من صفاته توجبان الإقرار بإلوهيته والعبودية له وهما:

العزيز: القوي الممتنع الّذي يَغلب ولا يُغلب ويَقهر ولا يُقهر، وحذف وأنتم تدعونني إلى ما لا ينفع ولا يضر ولا يسمع ولا يبصر.

الغفار: صيغة مبالغة من: غفر أي كثير المغفرة أو الغفران، يغفر الذنوب مهما كثرت ومهما كبرت، والمغفرة تعني يستر الذّنوب ويمحوها ولا يعاقب عليها ويثيب على العمل الصّالح، يغفر الذّنوب جميعًا ويغفر لكم أيضًا شرككم وذنوبكم إذا تبتم وأنبتم إليه.

166

سورة غافر [40: 43]

﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِى إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِى الدُّنْيَا وَلَا فِى الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾:

﴿لَا جَرَمَ﴾: تعني لابد أو حقًا، أو: لا محالة، وتعني ثبت، ومشتقة من الجرم: جرم اللحم: قطع اللحم، ارجع إلى سورة هود آية (22) لمزيد من البيان. وردت في القرآن في خمس آيات.

﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ [هود: 22]، ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [النّحل: 23]، ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ﴾ [النّحل: 62]، ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [النّحل: 109]، وآية غافر (43).

﴿أَنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد التّوكيد.

﴿تَدْعُونَنِى إِلَيْهِ﴾: أي حقًا ما تدعونني إلى عبادته من دون الله من الأصنام أو الآلهة أو فرعون أو غيره.

﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِى الدُّنْيَا وَلَا فِى الْآخِرَةِ﴾: ليس حرف نفي، له: اللام لام الاختصاص.

دعوة في الدّنيا ولا في الآخرة: أي هو نفسه لا يدعو أحدًا إلى عبادته؛ لأنّه لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم ولا يغني شيئًا، إذن ليس له دعوة توجب عبادته، وإن دعوتموه أنفسكم، لا يسمع دعاءكم حتّى ولو سمع ما استجاب لكم؛ لأنّ الله قادر على منعه.

إذن هو ليس له شفاعة في الدّنيا ولا في الآخرة ليشفع لكم أو ليقرّبكم إلى الله زلفى.

167

في الدّنيا ولا في الآخرة: تكرار (لا) يفيد توكيد النّفي: لا في الدّنيا وحدها ولا في الآخرة ولا في كلاهما.

﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾: وأن: الواو استئنافية، أن مصدرية تفيد التّعليل والتّوكيد.

مردّنا إلى الله: أي مرجعنا إلى الله، فالواجب أن نؤمن به وحده، وقدّم مردّنا بدلًا من القول وإلى الله مردّنا؛ للحصر والتّوكيد: إلى الله وحده. ولم يقل مرجعنا؛ لأنّ مردّنا تعني الرّجوع بدون إرادتنا مكرهين، وأما الرّجوع يكون بإرادتنا وبدون كره.

﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾: وأن للتعليل والتّوكيد.

المسرفين: جمع مسرف متجاوز الحد في الحرمات؛ ويعني الإفراط في الكفر والشّرك. وتعريف المسرف: هو المفرط في فعل أو قول لا خير فيه متجاوز لحدود الله، والمقيم على المعاصي والشّرك وغيرهما. وقد تعني الظّلم وسفك الدّماء. و(المسرفين) جملة اسمية تدل على الثّبوت.

﴿هُمْ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد كأنّهم هم وحدهم أصحاب النّار أو هم أصحاب النّار الحقيقيون.

﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾: ارجع إلى الآية (39) من سورة البقرة للبيان.

سورة غافر [40: 44]

﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِى إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾:

﴿فَسَتَذْكُرُونَ﴾: الفاء للتوكيد، ستذكرون: السّين للاستقبال القريب؛

168

أي: عما قريب إذا حلّ بكم عذاب الله عندها ستذكرون ما قلت لكم، أو يُذكّر بعضكم بعضًا.

﴿مَا﴾: اسم موصول؛ أي: الّذي قلته لكم، أو مصدرية.

﴿أَقُولُ لَكُمْ﴾: أنصحكم، وما أقوله لكم الآن: بالإيمان بالله وحده والكفّ عن الشّرك والمعاصي.

﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِى إِلَى اللَّهِ﴾: التّفويض: يعني الرد الأمر إلى الله تعالى وحده لكي يعصمني منكم من كلّ سوء، ويبدو أنّه قد شعر بأنّهم غير راضين عنه ويرفضون دعوته وربّما توعّدوه بالسّوء.

﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾: إن للتوكيد، بصير: مطّلع على أعمال عباده ونواياهم دائمًا، الباء للإلصاق وتعني: الدّوام والاستمرار؛ أي: مطّلع على أعمالكم، وما تدبّروه أو تمكروه بي وبغيري.

سورة غافر [40: 45]

﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾:

﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ﴾: الفاء للتوكيد، وقاه: حفظه الله وعصمه.

﴿سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾: سيئات: جمع سيئة، والسيئة: كل فعل قبيح؛ أي ما أرادوا به من قتل أو تعذيب أو حبس موسى عليه السلام، ما: اسم موصول بمعنى الّذي، أو مصدرية بمعنى سيئات مكرهم أبشع ما مكروا.

مكروا: المكر هو: التّدبير الخفي بتدبّر وتفكّر؛ لإيقاع الضّرر بالغير بدون علم الغير، ولم يقل كيدهم: الكيد هو التّدبر الخفي لإيقاع الضّرر بالغير قهرًا

169

سواء علم أو لم يعلم. وقيل: إنّه (أي الرّجل المؤمن) نجا مع موسى من الغرق بعد خروجهم من مصر.

﴿وَحَاقَ﴾: نزل، وهناك فرق بين حاق ونزل؛ حاق: لا تأتي إلا في سياق نزول المكروه فقط، والنزول: عام في كل شيء، وحاق بآل فرعون؛ أي: نزل بآل فرعون سوء العذاب، وقيل: أصل حاق: حق، وهناك من قال حاق: نزل ولزم وحق، وهناك من قال: حاق: أحاط.

﴿بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾: آل فرعون: اتباعه وأنصاره؛ سوء العذاب: السوء كلمة عامة تعني: كل ما يسيء إلى النفس؛ سوء العذاب: في الدّنيا، السّوء هو المكروه يسوء النّفس، يعني: الغرق في البحر فلم ينجُ منهم أحد، وسوء العذاب: في الآخرة هو النّار (في البرزخ ويوم القيامة).

سورة غافر [40: 46]

﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾:

﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾: يعني يصلونها أو يُحرقون بها؛ أي: آل فرعون.

﴿غُدُوًّا﴾: الغداة: اسم الوقت ما بين طلوع الفجر وطلوع الشّمس.

﴿وَعَشِيًّا﴾: من الزّوال إلى الغروب.

﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾: صباحًا ومساءً، ولم يقل بالغدوّ والعشيّ: الّتي تدل على الدّوام …

وهذا العرض على النّار يكون في عالم البرزخ؛ لقوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ أي: يوم القيامة ﴿أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾.

170

﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾: أي فإذا قامت السّاعة يقال لخزنة جهنم:

﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾: أي أشدّ أنواع عذاب النار؛ أي: جهنم.

سورة غافر [40: 47]

﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِى النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاؤُا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾:

انتهى الحديث عن آل فرعون، ويبدأ الحديث عن الكفار عامة يوم القيامة، بما فيهم آل فرعون.

﴿وَإِذْ﴾: أي واذكر، أو ظرفية بمعنى حين، واذكر حين، حجاج وتخاصم أهل النّار.

﴿يَتَحَاجُّونَ فِى النَّارِ﴾: من المحاججة: أو الحجاج، الأصل في الحجاج: هو إظهار الحجة كلّ طرف يحاول تقديم حجته للطرف الآخر ويحاول أن يلقي باللائمة على الآخر وتبرئة نفسه ويُحملُ الإثم والذّنب على الآخر.

هذا الحجاج سيكون بعد دخول آل فرعون النّار، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (96) في سورة الشعراء وهي قوله تعالى: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾: نجد أن يختصمون تتلو مرحلة الحجاج؛ أي: الحجاج أولًا ثم الخصام يحدث بعد ذلك؛ فالله سبحانه يريد أن يطلعنا على بعض مشاهد يوم القيامة وما يحدث بين الأتباع والمتبوعين والذين استكبروا والضّعفاء فيقول:

﴿فَيَقُولُ الضُّعَفَاؤُا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾: الضّعفاء التّابعون للذين

171

استكبروا المتبوعين الأقوياء. ارجع إلى سورة إبراهيم آية (21) لمعرفة الفرق بين الضعفاء والضِعفؤا والضَعف والضُعف سورة البقرة آية (282).

﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾: إنّا للتوكيد، كنا في الدّنيا، لكم: اللام لام الاختصاص.

تبعًا: أي نفعل كما تأمروننا ونسير على خطاكم؛ أي في العقيدة والفعل.

﴿فَهَلْ﴾: استفهام للترجّي.

﴿أَنْتُمْ﴾: للتوكيد.

﴿مُّغْنُونَ عَنَّا﴾: حاملون من خطايانا شيئًا، أو مدافعون عنا أو مانعون عنا العذاب.

﴿نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾: قسمًا أو شيئًا قليلًا، أو جزءًا، من: ابتدائية من النّار.

سورة غافر [40: 48]

﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾:

﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾: المتبوعون للتابعين. استكبروا: ارجع إلى سورة البقرة آية (87) للبيان والفرق بين استكبر ومتكبر.

﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾: إنّا كلٌّ: للتوكيد، فيها: في نار جهنم.

أي: نحن وأنتم جميعًا في جهنم، فكيف نغني عنكم نصيبًا من العذاب؛ أي: لو استطعنا لدفعنا عن أنفسنا العذاب.

﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾: إن الله للتوكيد، قد للتحقيق، حكم بين العباد: أدخل أهل الجنة الجنة وأدخل أهل النّار النّار، حكم: قضى ولا رادّ

172

لحكمه ولا مبدّل. ارجع إلى سورة الأنعام آية (62) للبيان والفرق بين الحكم والقضاء.

سورة غافر [40: 49]

﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِى النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾:

﴿وَقَالَ الَّذِينَ﴾: يعذبون في النّار.

﴿لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾: جمع خازن؛ أي: حراس جهنم. ارجع إلى سورة الرعد الآية (18) لبيان معنى جهنم.

﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾: ولم يقولوا ربنا وربكم، فهم لا يزالون على حالهم كما كانوا في الدّنيا من الكبر والغباء.

﴿يُخَفِّفْ عَنَّا﴾: أي ادعوا أو اشفعوا لنا عند ربكم، فهم يشعرون أنّهم ليسوا أهلًا أن يسألوا الله بأنفسهم أو يدعوه بأنفسهم، وقد يكون قد يئسوا من رحمته تعالى بأنه لن يستجيب لهم.

﴿يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾: يسألون حتّى ولو يومًا واحدًا لا غير أو قدر يوم من أو أيّ شيءٍ من العذاب.

173

سورة غافر [40: 50]

﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاؤُا الْكَافِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَالٍ﴾:

هذا ردُّ الملائكة (خزَنَة جهنم) على أهل النّار حين سألوهم أن يسألوا ربّهم أن يخفّف عنهم يومًا من العذاب.

﴿قَالُوا﴾: أي خزَنَة جهنم لأهل النّار.

﴿أَوَلَمْ تَكُ﴾: الهمزة همزة استفهام وتوبيخ وتقريع، تك: ولم يقل تكن أو تكون؛ أي: أولم تأتكم رسلكم ولو لفترة قليلة أو زمن وجيز.

﴿رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بالآيات أو الحجج والبراهين الدّالة على وجوب الإيمان بالله وحده وطاعته وترك الشّرك.

﴿قَالُوا بَلَى﴾: أي قد جاءتنا رسلنا بالبينات، وهذا إقرار على أنفسهم.

﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾: قالت الملائكة (خزَنَة جهنم) مادامت قد جاءتكم رسلكم وكفرتم وكذّبتم بهم، فنحن لن ندعو لكم فكيف ندعو ربنا وهو لم يأذن لنا بالدّعاء والاستغفار لكم؟! فادعوا بأنفسكم.

﴿وَمَا دُعَاؤُا الْكَافِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَالٍ﴾: ما النّافية، دعاء الكافرين إلا: حصرًا، في ضلال: باطل في ضياع ولا يجدي ولا ينفع، وهو خسارة ولا يُقبل أصلًا.

175