جنى الخرفة في إبطال القول بالصرفةالجزء 60 · ص 92 - 99

المطلب الثاني: مفهوم الصَّرْفة في الاصطلاح

الحَرّ فِي الْحَالَتَيْنِ؛ قَالَ ابْنُ كُناسةَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لانْصراف الْبَرْدِ وَإِقْبَالِ الْحَرِّ، وَقَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: صَوَابُهُ أَنْ يُقَالَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لانْصراف الحرِّ وَإِقْبَالِ الْبَرْدِ. والصَّرْفةُ: خرَزةٌ من الخرَز التي تُذْكر فِي الأُخَذِ (^1)، قَالَ ابْنُ سِيدَهْ (^2): يُسْتَعْطَفُ بِهَا الرِّجَالُ يُصْرَفون بِهَا عَنْ مَذاهِبهم وَوُجُوهِهِمْ.

والخلاصة مما جاء أنفًا من معاني يعود إلى معنى التبدل والتحول وانتقال شيء إلى شيء، أو من حال إلى حال. (^3).

المطلب الثاني: مفهوم الصَّرْفة في الاصطلاح

وبعد بيان مفهوم الصرفة في اللغة وبيان مدلولاتها، فمن المناسب كذلك بيان معناها في الاصطلاح ليكتمل معناها ويتضح فحواها ومبناها.

والصَّرْفة في الاصطلاح تعني: -

1 - أن الله صرف همم العرب عن معارضة القرآن، وسلب عقولهم عنها، وكانت في مقدورهم، لكن عاقهم عنها أمر خارجي، فصار معجزة كسائر المعجزات، ولو لم يصرفهم عن ذلك لجاءوا بمثله.) (^4)

2 - وقيل تعني: صرف الهمم عن المعارضة (^5).

3 - وقيل تعني: صرف اللهِ هممَ العرب عن معارضة القرآن (^6).

وهي كلها بمعنى واحد ألا وهو أن الصَّرْفة تعني:

أن معارضة العرب للقرآن كانت ممكنة وهي بمقدورهم، غير إن الله تعالى صرف همم عنها بقدرته.

ولا شك أن القول بالصَّرْفة كلام فاسد وباطل كما أسلفنا، ويلزم منه أن القرآن الكريم ليس بمعجز في حد ذاته، وسيأتي معنا بيان ذلك في محل بحثه بشيء من زيادة التفصيل والإيضاح والبيان.

المبحث الثاني: بيان المعنى العام المقصود بالصَّرْفة - إجمالًا وتفصيلًا

وفيه مطلبان:

المطلب الأول: بيان معاني الصَّرْفة إجمالًا

والصَّرْفة لها عند أصحابها معنيان:

المعنى الأول: أنَّ الله صرف العرب عن معارضة القرآن مع قدرتِهم عليها فكانَ هذا الصرفُ خارِقًا للعادة.

المعنى الثاني: أن الله سلبهم العلوم التي يحتاجُ إليها في المعارضة ليجيئوا بمثل القرآن". (^7)

وفي نحو ذلك يقول ابن سنان الخفاجي الشيعي: (ت: 466 هـ)

" إذا عدنا إلى التحقيق وجدنا إعجاز القرآن: صرف العرب عن معارضته، بأن

سلبوا العلوم التي بها كانوا يتمكنون من المعارضة، وقت مرامهم ذلك". (^8)

وبشيء من الإيضاح والبيان نبين المقصود بالصَّرْفة والتي تدور مادتها حول

  • (^1) - ابن منظور، لسان العرب، (ج 9، ص 189).
    (^2) - ابن سيده، المخصص، (ج 1، ص 375).
    (^3) - يُنظر: الصرفة ونشأتها بين مؤيد ومعارض لمحمد فقهاء، بحث عن موقع الألوكة: (ص: 10).
    (^4) البرهان في علوم القرآن - لبدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي (ت: 794) تحقيق: محمد أبو الفضل ابراهيم - الطبعة الأولى - دار إحياء الكتب العربية، مصر 51376 - 1957 م، ج 2/ ص 93 …، ويُنظر: الاتقان في علوم القرآن - لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت 911 للهجرة) تحقيق: محمد أبو الفضل ابراهيم - دار التراث بالقاهرة، الطبعة الثالثة، 1405 هـ-1985 م .... ج 2/ ص 118.
    (^5) - الرماني، علي بن عيسى، النكت في إعجاز القرآن، ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، تحقيق: محمد خلف الله ود. محمد زغلول سلام، دار المعارف، ط 4، القاهرة (ص 110).
    (^6) - الخطابي، حمد بن محمد أبو سليمان، بيان إعجاز القرآن، ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، تحقيق: محمد خلف الله ود. محمد زغلول سلام، دار المعارف، ط 4، القاهرة (ص 23).
    (^7) - مباحث في علوم القرآن: مناع القطان (ت: 1420 هـ)، " ص: 261)، الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع الطبعة: الطبعة الثالثة 1421 هـ- 2000 م عدد الأجزاء: 1.
    (^8) - سر الفصاحة: (ص: 100).
92

إثبات التحدي بالقرآن بالحيلولة بينه وبين العرب في أن يأتوا بمثله.

وفي بيان معنى هذا الوجه من بالصَّرْفة يقول الرّماني:

"أمّا الصَّرْفة فهي صرف الهمم عن المعارضة، وعلى ذلك كان يعتمد بعض أَهل العلم في أنّ القرآن معجز من جهة صرف الهمم عن المعارضة، وذلك خارج عن العادة، كخروج سائر المعجزات الّتي دلّت على النبوة، وهذا عندنا أحد وجوه الإعجاز الّتي يظهر منها للعقول … ". (^1)

المطلب الثاني: مقاصد للقائلين بالصَّرْفة تفصيلًا

وقد اختلف القائلون بالصَّرْفة في بيان حقيقة ما يقصدونه بها، فقالوا: إن الله سبحانه لأجل اثبات التحدي، حال بين فصحاء العرب وبلغائهم، وبين الإتيان بمثل القرآن بأحد الأمور الثلاثة التالية:

المقصد الأول: صرف دواعيهم وهممهم عن القيام بالمعارضة، فكلما هموا بها وجدوا في أنفسهم صارفًا ودافعًا يصرفهم عن منازلته في حلبة المعارضة، ولم يكن ذلك لعدم قدرتهم عن الانصداع لهذا الأمر، بل إن المقتضى فيهم كان تامًا، غير أن الدواعي والهمم صارت مصروفة عن الالتفات لهذا الأمر، بصرف الله قلوبهم عنه، ولولا ذلك لأتوا بمثله.

المقصد الثاني: إن الله سبحانه سلبهم العلوم التي كانت العرب مالكة لها ومتجهزة بها، وكانت كافية للإتيان بما يشاكل القرآن، ولولا هذا السلب لأتوا بمثله ..

وممن تبنى هذا القول الشريف المرتضى الشيعي الرافضي (ت: 463 هـ)

وهو المتهم بوضع كتاب (نهج البلاغة) المنسوب لأمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه، حيث يقول:

" اللهَ تعالى سلبهُمُ العلومَ التي يُحتاجُ إليها في مُعارضَةِ القرآنِ والإتيانِ بمثلِهِ". (^2)

وقد تابع الشريف المرتضي على هذا القول ابنُ سنان الخفاجي: (ت: 466 هـ)

وقد مر معنا آنفًا قوله في الصَّرْفة.

المقصد الثالث: إنهم كانوا قادرين على المعارضة، ومجهزين بالعلوم اللازمة لها، ولكن الله منعهم بالإلجاء على جهة القسر من المعارضة، مع كونهم قادرين، فتقهقروا في حلبة المعارضة، لغلبة القوة الإلهية على قواهم. (^3)

وسنبين أن الصَّرْفة بكل صورها غير مقبولة، لأنها تسلب الاعجاز الذاتي للقرآن، وأنها وِهمُ ذهب إليه خيال القائلين بها دون سند أو دليل.

وفي نحو ما سبق يجمل القرطبي القول فيقول رحمه الله:

" إن بعض أصحاب الصَّرْفة زعموا أن العرب صرفوا عن القدرة على القرآن ولو تعرضوا له لعجزوا عنه،

  • (^1) النكت في إعجاز القرآن ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن: (ص: 110).
    (^2) -المعجزة الكبرى القرآن: ص 79.
    (^3) - الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز - ليحيى بن حمزة الحسيني اليمني الطالبي الملقب بالمؤيد باللَّه (المتوفى: 745 هـ) - طبع في مصر في ثلاثة أجزاء، طبعة المتقطف عام 1333 للهجرة. ج 3/ ص 291. ويُنظر: إعجاز القرآن - للأستاذ علي العماري - سلسلة الثقافة الإسلامية - عدد 44، حزيران 1963 م، القاهرة. وانظر البيان في إعجاز القرآن - للدكتور صلاح عبد الفتاح الخالدي - دار عمار - عمان - ص 82 - 83.
93

وأن البعض الآخر زعموا أن العرب صرفوا عن التعرض للقرآن مع كونه في مقدورهم، ولو تعرضوا له لجاز أن يقدروا عليه، بمعنى أنهم لم يأتوا بمثله سابقًا، غير أنه لا يخرج عن حدود قدرتهم لولا أنه حيل بينهم وبين ممارسة ذلك الاقتدار". (^1)

الفصل الثاني القول بالصَّرْفة (عرض- ومناقشة- وتفنيد)

وفيه ثلاثة مباحث

المبحث الأول: مصدر القول بالصَّرْفة

وفيه ثلاثة مطالب:

المطلب الأول: المصدر الأول لفكرة القول بالصَّرْفة

لقد أجمعت الأمة سلفًا وخلفًا على أن القرآن معجز بذاته، وأن إعجازه بذاته لا بسبب خارج عنه، وقد بذلوا مهجهم في بيان أوجه إعجازه.

ومن ذهب إلى القول بالصَّرْفة أراد بذلك أن " إعجاز القرآن أمرًا خارجًا عنه ".

ويعزى القول بالصَّرْفة عند الباحثين الى أنه من التيارات التي وفدت علينا من الخارج … وأن بعض فلاسفة المسلمين، وقفوا على أقوال البراهمة في كتابهم - الفيدا - (^2)، (^3) وهو يشتمل على مجموعة من الأشعار والآداب ليس في كلام الناس ما يماثلها - في زعمهم -، ويقول جمهور علمائهم: - إن البشر يعجزون عن أن يأتوا بمثله …، لأن - براهما- (^4) صرفهم عن أن يأتوا بمثلها ........

وقد لاقى هذا الرأي انتقاضًا من أحد الباحثين. محتجًا بأن البراهمة لم يقولوا مثل أشعار الفيدا احترامًا لها، وليس بمقتضى التكوين، ثم إن كلام البراهمة في الفيدا كان محل سخرية العقل الإسلامي، فلا مستنصر لهذا الرأي. (^5)

وكل هذا لا ينكر وجود التأثر، فالتأثر برأي لا يوجب نقله كاملًا، كما أن السخرية بالبراهما قد تؤدي إلى تنزيل الصرف على القرآن، وإن كان من وجه مختلف لأنه الكتاب المعجز حقًا. (^6)

وفي نحو ذلك يقول أبو الريحان البيروني (ت: 430 هـ) في كتابه - ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة - ما نصه:

" إن خاصتهم يقولون إن في مقدورهم أن يأتوا بأمثالها، ولكنهم ممنوعون عن ذلك احترامًا لها، ولم يبين - البيروني وجه المنع، أهو منع تكليفي يسبقه الإيمان بهذه الكتب، وتكون دلائل وجوب الإيمان من نواح أخرى ..؟ أم هو منع تكويني .. بمعنى: أن -براهما- صرفهم بمقتضى التكوين عن أن يأتوا بمثلها …؟ وهذا الأخير هو الظاهر، لأنه هو الذي يتفق مع قول جمهور علمائهم، وما اشتهروا به من أن القول بالصرفة نبع في واديهم …

المطلب الثاني: وفود القول بالصَّرْفة، ومصدر تلقيها والترويج لها

ولقد وفدت إلينا هذه الفكرة عندما ترجمت الفلسفة الهندية في عهد - أبي جعفر المنصور (وهو الخليقة الثاني من خلفاء بني العباس ت: 156 هـ)، فتلقف الذين يحبون

  • (^1) - الجامع لأحكام القرآن: (1/ 76).
    (^2) -المعجزة الكبرى القرآن لمحمد أبو زهرة ص 76.
    (^3) - والفيدا: كتاب يشمل أربعة كتب مقدسة للهندوس، وقد كتب باللغة السنسكريتية - يُنظر كتاب: مشكلة الألوهية د. محمد غلاب - ص 97. ويُنظر: موسوعة المورد: للبعلبكي - ج 10/ ص 82.
    (^4) - براهما: من آلهة الهندوس، وهو عندهم مرادف للمطلق الأعلى أو (الأتمان) - يُنظر: المرجع السابق ص 98
    (^5) - يُنظر: الإعجاز البياني: د. محمد أبو موسى ص 358. ط 2. مكتبة وهبة: 1418 هـ.
    (^6) - عن مدونة: نورة الشريف: بتاريخ: 13/ 6/ 2008 م.
94

كل وافد من الأفكار، ويركنون إلى الاستغراب في أقوالهم، هذه الفكرة الغريبة الوافدة، واعتنقوا هذا القول وطبقوه على القرآن، وإن كان لا ينطبق، فقال قائلهم: إن العرب اذ عجزوا عن أن يأتوا بمثل القرآن، ما كان عجزهم لأمر ذاتي من ألفاظه، ومعانيه، ونسجه ونظمه، بل كان لأن الله تعالى صرفهم عن أن يأتوا بمثله … " (^1)

فلا غرابة في انتقال قول - البراهمة - في كتابهم المقدس - الفيدا - إلى بعض المسلمين، عن طريق الذين يتلقفون كل وافد من الأفكار، وهي ليست أول وآخر فكرة انتقلت من الفكر البراهمي إلينا، يعرف ذلك كل من وقف على حقيقة ذلك الفكر.

إن رواج فكرة - الصَّرْفة - يؤدي الى أن القرآن الكريم ليس في درجة من الفصاحة والبلاغة تمنع محاكاته، وتعجز القدر البشرية عن أن تأتي بمثله، فالإعجاز القرآني عند القائلين - بالصَّرْفة - ليس من صفات القرآن الذاتية، وبالتالي ما دامت بلاغة القرآن لا تزيد على بلاغة سائر الناس، فمؤدى كلامهم: أن يكون القرآن من جنس

كلام البشر (^2)

وحول كيفية انتقال القول بالصرفة إلى رحاب المسلمين يوضح ويجلي ذلك

الرافعي حيث يقول رحمه الله: (^3)

"لما نجَمَت آراء المعتزلة بعد أن أقبل جماعة من شياطينها على دراسة كتب الفلسفة مما وقع إليهم عن اليونان وغيرهم نبغت لهم شؤون أخرى من الكلام، فمزجوا بين تلك الفلسفة على كونها نظرًا صرفًا، وبين الدين على كونه يقينًا محضًا … فذهب شيطانُ المتكلمين أبو إسحاق إبراهيم النَّظام (^4) إلى أن الإعجاز كان بالصَّرْفة، وهي أن الله صرف العرب عن معارضة القرآن مع قدرتهم عليها فكان هذا الصرف خارقًا للمادة (^5).

وقد تكلم عدد من الباحثين حول قضية نشأة القول بالصرفة وذكروا أقوالًا مفادها أنه

لا علاقة بالبراهمة بهذا القول، ولا يوجد أحد من القدامى أشار أو نبه على ذلك الأمر.

ومما ذكر في ذلك قول أحد الباحثين:

" .... ويبدو الرأي الثاني - أي أن هذا القول من بيئة العرب قولًا خالصًا لا من غيرهم - في نظري هو الأقرب للصواب، نظرًا لعدم ورود أي إشارة من العلماء القدامى الذين تحدّثوا عن هذه القضية تشير لا من قريب ولا من بعيد إلى كون الفكرة مستقاة من البراهمة أو من غيرهم ". (^6).

المطلب الثالث: أقوال العلماء في إثبات تلقي النَّظام لفكرة القول بالصرفة

ويبدوا أن أصحاب هذا الرأي لم يقفوا على ما ذكره بعض المتقدمين، ونسوق بعض أقوالهم ليتبين ويتضح بالبرهان الساطع منشأ القول بالصَّرْفة ومصدر تلقيه الأول كان من البراهمة، وأن أصحاب هذا الرأي قد أصابوا الحق فيه ومن هذه الأقوال

  • (^1) يُنظر: المعجزة الكبرى - القرآن: لمحمد أبي زهرة - ص 69 - 71، طبع دار الفكر العربي بالقاهرة - (د- ت).
    (^2) - إعجاز القرآن الكريم بقلم: سامي عطا الجيتاوي-عن موقع دنيا الوطن، بتاريخ: 15/ 6/ 2006 م. بتصرف.
    (^3) - مصطفى صادق الرافعي (1298 - 1356 هـ = 1881 - 1937 م)، مصطفى صادق بن عبد الرزاق بن سعيد بن أحمد بن عبد القادر الرافعى:
    عالم بالأدب، شاعر، من كبار الكتاب. أصله من طرابلس الشام، ومولده في بهتيم (بمنزل والد أمه) ووفاته في طنطا (بمصر) أصيب بصمم فكان يكتب له ما يراد مخاطبته به. شعره نقي الديباجة، على جفاف في أكثره. ونثره من الطراز الأول. له عدد من الدواوين الشعرية والأدبية، وغيرها من المصنفات.
    يُنظر: المنتخب من أدب العرب 1: 55 ومحمود بسيوني، في مجلة الرابطة العربية 18 ربيع الأول 1357 والمقتطف 73: 352 وتراجم علماء طرابلس 211 في آخر ترجمة عمه عبد الحميد بن سعيد الرافعي ومعجم المطبوعات 926 والفهرس الخاص - خ وتعليقات عبيد.
    مع تصرف واختصار يسير من الباحث.
    (^4) - إبراهيم بن سيّار بن هانئ البصري أبو إسحاق النظّام، من أئمة المعتزلة، ذكروا أن له كتبًا كثيرة في الفلسفة والاعتزال، وقال عنه الجاحظ: في كل ألف سنة رجل لا نظير له فإن كان ذلك صحيحًا فأبي إسحاق من أولئك. (ت: 231 هـ). الأعلام: (1/ 43)، فوات الوفيات: (1/ 23).، وقيل: (ت: 224 هـ).
    (^5) - الرافعي، مصطفى صادق بن عبد الرزاق، إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الثامنة - 1425 هـ - 2005 م، (ص 101).
    (^6) - التركي، إبراهيم بن منصور، القول بالصرفة في إعجاز القرآن الكريم، بحث منشور على الشبكة بصيغة: بي دي إف، (ص: 7).
95

1 - قول أبي منصور البغدادي التميمي (ت: 1037 هـ) حيث يقول رحمه الله عن النَّظام: "وأعجب - أي النَّظام - بقول البراهمة بإبطال النبوات ولم يجسر على إظهار هذا القول خوفًا من السيف فأنكر إعجاز القران في نظمه وأنكر ما روى في معجزات نبينا ﷺ". (^1).

2 - قول أبي المظفر الإسفراييني (^2) حيث يقول رحمه الله عن النَّظام:

"كَانَ يصحب ملحدة الفلاسفة (^3) وقال عنه أيضًا: وَمن فضائحه - النَّظام - قَوْله فِي الْقُرْآن أَنه لَا معْجزَة فِي نظمه وَكَانَ يُنكر سَائِر المعجزات مثل انشقاق الْقَمَر وَأَنْ كَانَ قد نطق بِهِ الْقُرْآن (^4) فِي قَوْله ﴿اقْتَرَبت السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر﴾ (القمر: 1) وَكَذَلِكَ كَانَ يُنكر تَسْبِيح الْحَصَى فِي يَده ونبوع المَاء من بَين أَصَابِعه وَكَانَ فِي الْبَاطِن يمِيل إِلَى مَذْهَب البراهمة الَّذين يُنكرُونَ جَمِيع الْأَنْبِيَاء فَتكلم بِهَذَيْنِ المذهبين اللَّذين يبطل أَحدهمَا حدث الْعَالم وَالْآخر يبطل ثُبُوت النُّبُوَّة وَكَانَ لَا يقدر على إِظْهَار مَا كَانَ يضمره من الْإِلْحَاد (^5).

3 - قول عضد الدين الإيجي (^6) حيث يقول رحمه الله عن النَّظام:

" … النَّظام وهو من شياطين القدرية طالع كتب الفلاسفة وخلط كلامهم بكلام المعتزلة (^7) وتابع عنه وعن أتباعه بتأثرهم في الفلاسفة وأنه مال في بعض المسائل إلى قول الطبيعيين، إلى أن قال: وقالوا نظم القرآن ليس بمعجز إنما المعجز إخباره بالغيب من الأمور السالفة والآتية، وصرف الله العرب عن الاهتمام بمعارضته حتى لو خلاهم لأمكنهم الإتيان بمثله بل بأفصح منه (^8).

"وبعد هذه النقول يتبين لنا أصل موضوع الصَّرْفة، ومن ثم يتبين لنا كذلك أول من قال بها ممن ينتسب للمسلمين وروجها، فمصدرها البراهمة وأخذها النَّظام، والقدماء نسبوها له بشكل مستفيض، وعلى زعم أن النَّظام لم يقل بهذا لم يرد ولو نص واحد ينسب للنَّظام لا له ولا لتلامذته ولا لمخالفيه يقول بعكس ما نسب إليه من القول بالصَّرْفة، فلو وجد لسطر كما سطرت أقواله الأخرى، وكما ينقل عن الكثير من الأئمة أقوالهم، ولو كانت متعددة حتى ولو في المسألة الواحدة، فهناك الكثير من أراء ومسائل لعلماء نقلت إلينا آرائهم في المسألة الواحدة ربما أكثر من خمسة أراء، فإذا لم يوجد يبقى الرأي المنسوب إليه منصوب على قدميه، حتى يأتينا ما يخالفه أو يناقضه، أو ما يرده، وإلى ذلك الوقت سيبقى ما نسب إليه منسوب". (^9)

المبحث الثاني: أبرز أقوال القائلين بالصرفة من المعتزلة وغيرهم

وفيه خمسة مطالب:

وبين يدي هذا المبحث الهام جدير بنا أن نعرف بالمعتزلة ومنهجهم في

  • (^1) - البغدادي، عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي أبو منصور، الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية، دار الآفاق الجديدة - بيروت الطبعة الثانية، 1977،
    (^2) - شَاهْفُوْرُ أَبُو المُظَفَّرِ طَاهِرُ بنُ مُحَمَّدٍ الإِسْفَرَايِيْنِيُّ، العَلاَّمَةُ، المُفْتِي، أَبُو المُظَفَّرِ طَاهِرُ بنُ مُحَمَّدٍ الإِسفرَايينِيّ، ثُمَّ الطُّوْسِيُّ، الشَّافِعِيُّ، صَاحِبُ (التَّفْسِيْر الكَبِيْر).
    كَانَ أَحَدُ الأَعْلَامِ. حَدَّثَ عَنِ: ابْنِ مَحمِش، وَأَصْحَاب الأَصَمّ. رَوَى عَنْهُ: زَاهِرٌ الشَّحَّامِيّ، وَغَيْرهُ.
    صَاهر الأُسْتَاذ أَبَا مَنْصُوْرٍ البَغْدَادِيّ. تُوُفِّيَ: بطُوسَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَسَبْعِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة. سير أعلام النبلاء (18/ 401).
    (^3) - الإسفراييني، طاهر بن محمد أبو المظفر، ت 471 هـ، التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين، المحقق: كمال يوسف الحوت، عالم الكتب - لبنان، الطبعة: الأولى، 1403 هـ - 1983 م، (ص 71).
    (^4) - عبارة "نطق بِهِ الْقُرْآن" وما في نحوها لا تليق بالقرآن أبدًا، لأن الذي ينطق ويتكلم هو المخلوق، والقرآن الذي هو كلام الله "منزل غير محلوق". الباحث.
    (^5) - التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين، ص 74
    (^6) عَضُد الدين الإِيجي: (..... 765 هـ- ..... -1355 م)
    عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار، أبو الفضل، عَضُد الدين الإيجي: عالم بالأصول والمعاني والعربية. من أهل إيج (بفارس) ولي القضاء، وأنجب تلاميذ عظامًا. وجرت له محنة مع صاحب كرمان، فحبسه بالقلعة، فمات مسجونًا.
    يُنظر: بغية الوعاة 296، ومفتاح السعادة 1: 169، والدرر الكامنة 2: 322 وطبقات السبكي 6:، والكتب خانة 4: 145 ثم 7: 160، ومعجم المطبوعات 1331
    (^7) - الإيجي، عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد، المواقف، دار الجيل - بيروت، الطبعة الأولى، 1997، تحقيق: د. عبد الرحمن عميرة، (ج 3، ص 661).
    (^8) - السابق، ص 663
    (^9) - يُنظر: الصرفة ونشأتها بين مؤيد ومعارض لمحمد فقهاء، بحث عن موقع الألوكة: (ص: 20).
96

تمهيد تعريف بالمعتزلة

خطوات مختصرة جدًا على النحو التالي:

أولًا: التعريف بالمعتزلة

المعتزلة فرقة إسلامية نشأت في أواخر العصر الأموي وازدهرت في العصر العباسي، وقد اعتمدت على العقل المجرد في فهم العقيدة الإسلامية لتأثرها ببعض الفلسفات المستوردة مما أدى إلى انحرافها عن عقيدة أهل السنة والجماعة. وقد أطلق عليها أسماء مختلفة منها: المعتزلة والقدرية والعدلية وأهل العدل والتوحيد والمقتصدة والوعيدية. (^1)

ثانيًا: منهجها

"وهي فرقة عقلانية كلامية فلسفية، تتكون من طوائف من أهل الكلام، الذين خلطوا بين الشرعيات والفلسفة والعقليات في كثير من مسائل العقيدة، وقد خرجت المعتزلة

عن السنة والجماعة في مصادر التلقي ومناهج الاستدلال ومنهج تقرير العقيدة وفي أصول الاعتقاد". (^2)

ثالثًا: نشأتها

الواقع أن نشأة الاعتزال كانت ثمرة تطور تاريخي لمبادئ فكرية وعقدية وليدة النظر العقلي المجرد في النصوص الدينية، وقد نتج ذلك عن التأثر بالفلسفة اليونانية والهندية والعقائد اليهودية والنصرانية؛ فقبل بروز المعتزلة كفرقة فكرية على يد واصل بن عطاء كان هناك جدل ديني فكري بدأ بمقولات جدلية كانت هي الأسس الأولى للفكر المعتزلي، على أن هناك رواية ترجع الفكر المعتزلي في نفي الصفات إلى أصول يهودية فلسفية؛ فالجعد بن درهم أخذ فكره عن أبان بن سمعان، وأخذها أبان عن طالوت وأخذها طالوت عن خاله لبيد بن الأعصم اليهودي (^3). وقيل أيضًا: إن مناقشات الجهم بن صفوان مع فرقة السمنية (^4) قد أدت إلى تشكيكه في دينه، وابتداعه لنفي الصفات، كما أن فكر يوحنا الدمشقي وأقواله تُعدُّ موردًا من موارد الفكر الاعتزالي؛ إذ إنه كان يقول بالأصلح، ونفي الصفات (^5) الأزلية وحرية الإرادة الإنسانية (^6).

رابعًا: بروزها

وقد برزت المعتزلة بعد ذلك كفرقة فكرية على يد واصل بن عطاء الذي كان تلميذًا للحسن البصري، وذلك عندما دخل رجل على الحسن البصري فقال: يا إمام الدين، لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفِّرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة، وهم وعيدية الخوارج، وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان، بل العمل على مذهبهم ليس ركنًا من الإيمان، ولا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الأمة، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقادًا؟ فتفكر الحسن في ذلك وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء (^7): أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقًا ولا كافر مطلقًا، بل هو في

  • (^1) - الموسوعة الميسرة فى الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، المؤلف: د. مانع بن حماد الجهني (ت: 1423 هـ)،، الناشر: دار الندوة للنشر; عدد المجلدات: 2. (ص: 69).، المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية: (ص: 73).
    (^2) - ناصر العقل: الجهمية والمعتزلة ص 127.
    (^3) - شيخ الإسلام ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (5/ 20)
    (^4) -السمنية: بعض فلاسفة الهند، وهم الذين يجحدون من العلوم ما سوى الحسيات. يُنظر: شيخ الإسلام ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (5/ 22).
    (^5) نقل شيخ الإسلام ابن تيمية عن ابن عبد البر قوله: "أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يَحُدُّون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبِّه وهم -عند من أقر بها- نافون للمعبود، والحق فيها ما قال القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وهم أئمة الجماعة. يُنظر: شيخ الإسلام ابن تيمية، مجموع الفتاوى (3/ 264. (
    (^6) - يُنظر: الندوة العالمية للشباب الإسلامي: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة: (ص: 64) وما بعدها.
    (^7) - واصل بن عطاء الغزَّال، البصري المتكلم، كبير المعتزلة، ولد سنة (80 هـ) ومات سنة (131 هـ)، كان تلميذًا للحسن البصري فحصل خلاف بينه وبين شيخه الحسن البصري، فطرده من مجلسه.
97

منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر. ثم قام واعتزل إلى أسطوانة من أسطوانات المسجد، يقرر ما أجاب على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل عنا واصل؛ فسمي هو وأصحابه معتزلة (^1). ولأجل هذا سمَّاهم المسلمون معتزلة لاعتزالهم قول الأمة بأسرها (^2).

وكان علماء التابعين في ذلك العصر مع أكثر الأمة يقولون: إن صاحب الكبيرة من أمة الإسلام مؤمن؛ لما فيه من معرفته بالرسل والكتب المنزلة من الله تعالى، ولمعرفته بأن ما جاء من عند الله حق، ولكنه فاسق بكبيرته، وفسقه لا ينفي عنه اسم الإيمان والإسلام، وعلى هذا القول مضى سلف الأمة من الصحابة وأعلام التابعين. (^3)

خامسًا: انتشارها

ولقد "انتشرت حركة الاعتزال في أنحاء الممالك الإسلامية واستقطبت شخصيات بارزة، أمثال: واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، وأبي الهذيل العلاف، وإبراهيم النَّظام وغيرهم، وقد كان لهذه الشخصيات تأثير بعيد المدى في مختلف ميادين الحياة العقلية، فنظرية المعرفة عندهم كانت تستند على العقل، كونهم أطلقوا العنان للعقل في البحث في جميع المسائل من غير أن يحده أي حد، وجعلوا له الحق في أن يبحث في السماء، وفي الأرض، وفي ذات الله تعالى، وفي الإنسان، وفيما دق وجل. " (^4)

سادسًا: انقسامها

لقد انقسمت المعتزلة إلى فرق شتى، تسمى كل منها باسم زعيمها، ومن أبرز تلك الفرق:

أ- الواصلية: (أصحاب واصل بن عطاء المخزومي- مولاهم-) (ت: 131 هـ)

ب- النَّظامية: (أصحاب إبراهيم بن سيار النَّظام). (ت: 185 هـ)

ج- الجاحظية: (أصحاب الجاحظ) أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب بن فزارة الليثي الكناني البصري (ت: 255 هـ)

سابعًا: أصوله مذهبها

ورغم عن هذا الانقسام، إلا أن ثمة أصول خمسة ظلت تجمع فرق المعتزلة ألا وهي: التوحيد، العدل، الوعد، الوعيد، المنزلة بين المنزلتين، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وفي نحو ذلك يقول الخياط أحد كبرائهم في كتابه "الانتصار":

" ليس يستحق أحد منهم اسم الاعتزال حتى يجمع القول بالأصول الخمسة: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا كملت في الإنسان هذه الخصال الخمس، فهو معتزلي". (^5)

ثامنًا: أبرز أسباب توسع أفكارها عن الأصول الخمسة

إن المعتزلة كغيرها من الفرق بدأت بأفكار ومعتقدات مختصرة ومحدودة ومحصورة في أصولهم الخمسة التي

  • (^1) - الشهرستاني: الملل والنحل 1/ 61، 62.
    (^2) -البغدادي: الفرق بين الفرق: (ص 105).
    (^3) -المرجع السابق نفسه: (ص 108).
    (^4) - ضحى الإسلام - أحمد أمين: (3/ 86). بتصرف.
    والكاتب "أحمد أمين" -هذا- أحد رؤوس العصرانيين " العقلانيين " في عصرنا، ممن عظموا العقل حتى ردوا به أحاديث المعصوم ﷺ، وانتصروا للمعتزلة ضد أهل السنة - وطالع ما يقول عنه ولده جلال في مذكراته: (ص 303 - 304) يتبين لك أمر الرجل.
    (^5) - الانتصار: (ص: 126).
98

ذكرها الحياط آنفًا. ولكن تعمقهم وتوسعهم في بحثها والتنقيب عن شرح معانيها، فتفرع عن بحثهم وتنقيبهم هذا مسائل فرعية عدة منبثقة عن تلك الأصول الخمسة وعن غيرها أيضًا، وكان ذلك لأسباب عدة لعل من أبرزها.

أ- أنهم يتقيدوا بنصوص وحيي التنزيل "الكتاب والسنة"، واعتمدوا على العقل وبالغوا في ذلك حتى قدموه على النقل، مما كان له أعظم وأبلغ الأثر في وقوع الخلاف والاحتدام فيما بينهم البعض.

ب- أنهم انفتحوا على مطالعة ومدارسة كتب الفلسفة اليونانية، فقد استمدوا أفكارها منها ومزجوها وخلطوها بالعقيدة الإسلام الصحيحة المنبثقة من الوحي المنزل، فتشعبت بهم الأهواء بسبب سوء المصدر الفلسفي اليوناني وعدم لزومهم وتقيدهم بنصوص الكتاب والسنة، فنتج عن ذلك اختلاف في الآراء، وزاد بينهم الجدل العقيم، واشتد بينهم الحوار والتنازع والانقسام إلى فرق شتى أوصلها بعضهم إلى نيف وعشرين فرقة، وأصبح لكل فرقة منها رؤساؤها وآراؤها وأفكارها الخاصة بها.

وهذا أمر لا غرابة فيه، فالسنة تجمع والبدعة تفرق، فأهل الحق سُمُوا بـ "أهل السنة والجماعة" بسبب لزومهم السنة واجتماعهم عليها، وأهل الباطل سُمُوا بـ " أهل البدعة والاختلاف" بسبب تفرقهم وتنازعهم.

نسأل الله تعالى الثبات على الإسلام والسنة والجماعة حتى نلقاه سبحانه، وحتى نرد حوض المعصوم ﷺ ونشرب منه شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبدًا يوم يقول لأهل البدع سحقًا سحقًا، فقد ثبت في الصحيحين من حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ الساعدي رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا، لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، فَأَقُولُ: إِنَّهُمْ مِنِّي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا، سُحْقًا، لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي". (^1).

يقول الإمام الشاطبي رحمه الله: (ت: 790 هـ)

"ولقوله: (قد بدلوا بعدك)، ولو كان الكفر: لقال: " قد كفروا بعدك"

، وأقرب ما يحمل عليه: تبديل السنة، وهو واقع على أهل البدع

ومن قال: إنه النفاق: فذلك غير خارج عن مقصودنا؛ لأن أهل النفاق إنما أخذوا الشريعة تقيةً، لا تعبدًا، فوضعوها غير مواضعها، وهو عين الابتداع

ويجري هذا المجرى كل من اتخذ السنَّة والعمل بها حيلةً وذريعةً إلى نيل حطام الدنيا، لا على التعبد بها لله تعالى؛ لأنه تبديل لها، وإخراج لها عن وضعها الشرعي". (^2)

قال النووي رحمه الله معلقًا على الحديث: (ت: 676 هـ)

"هذا مما اختلف العلماء في المراد به على أقوال: ..... والثالث: أن المراد به أصحاب المعاصي والكبائر الذين ماتوا على التوحيد، وأصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم

  • (^1) - رواه البخاري: (6212)، ومسلم: (2290).
    (^2) - الاعتصام: (1/ 96).
99