جنى الخرفة في إبطال القول بالصرفةالجزء 60 · ص 100 - 107

المطلب الأول: أول من قال بالصَّرْفَةِ من المعتزلة

عن الإسلام". (^1)

قال القرطبي رحمه الله: (ت: 671 هـ)

"قال علماؤنا رحمة الله عليهم أجمعين: فكلُّ مَنْ ارتد عن دين الله، أو أحدث فيه ما لا يرضاه الله، ولم يأذن به الله: فهو من المطرودين عن الحوض، المبعدين عنه، وأشدهم طردًا: مَنْ خالف جماعة المسلمين، وفارق سبيلهم، كالخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلهم مبدِّلون، وكذلك الظلمة المسرفون في الجور، والظلم، وتطميس الحق، وقتل أهله، وإذلالهم، والمعلنون بالكبائر، المستخفون بالمعاصي، وجماعة أهل الزيغ، والأهواء والبدع". (^2)

المطلب الأول: أول من قال بالصَّرْفَةِ من المعتزلة

كان إبراهيم النَّظام الذي هو أحد رؤوس هؤلاء المعتزلة، هو أول من قال بالصَّرْفَةِ منهم وفي ذلك يقول عنه محمد أبو زهرة:

"فهو أول من جاهر به، وأعلنه ودعا إليه، ولاحى عنه، كأنه مسألة من مسائل علم الكلام، ونقول إنه أول من جهر به، ولا نقول إنه أول من فكر فيه، أو أول من ابتدأ القول به، لأن الأفكار لا يعرف ابتداؤها وهي تتكون في خلاياها، بل لا تعرف إلا بعد أن تظهر، ويجاهر بها.

جاهر بها، وكان ذا فصح وبيان وحجة وبرهان، وإن لم يكن مستقيم الفكر، بل إنه يظن الظن فيحسبه يقينًا، ثم يبني عليه ويقايس، ويصحح القياس والتنظير بين الأشياء، بينما الأصل ذاته يحتاج إلى قياس صحيح". (^3).

يقول عنه تلميذهُ الجاحظ: (ت: 255 هـ)

"وَإنما كان عيبُهُ الذي لا يفارقه سوءَ ظنِّهِ وجَودة قياسِهِ عَلَى العارض والخاطر،

كان يظنُّ ثمَّ يقيس عليه وينسى أنَّ بدءَ أمرِه كان ظَنًّا فإذا أتقنَ ذلك وأيقنَ جَزَم عليهِ". (^4)

"ولم يكن رد الجاحظ على شيخه رد المجادل المحاور، ولكنه كان بالعمل، فقد كان أول من كتب في إعجاز القرآن من الناحية البيانية؛ ليكون الرد على الصرفة ببيان الإعجاز الذاتي". (^5)

وليتجلى الأمر بصورة أوضح

فقد "كان النَّظام - ابراهيم بن سيار بن هانئ النظام البصري من الموالي، وإليه تنتسب الفرقة النظامية (^6) -أول من اقترن اسم الصَّرْفَةِ باسمه، واشتهر أنه أول المنادين بها، وقيل له - النَّظام - لأنه كان ينظم الخرز في سوق البصرة، تتلمذ على خاله أبي الهذيل العلاف في الاعتزال، ثم انفرد عنه وكون مذهبًا خاصًا به، مات في ريعان شبابه (سنة 231 للهجرة) عن ست وثلاثين عامًا، وكان أستاذ - الجاحظ - (^7)، ترجم له أبو منصور البغدادي - في كتابه - الفرق بين الفرق - عند ذكره الفرقة النظامية فقال: - (عاشر النَّظام في شبابه قومًا من الثنوية (^8) وقومًا من السمنية (^9) القائلين بتكافؤ الأدلة، وخالط قومًا من ملاحدة الفلاسفة، ثم

  • (^1) -شرح النووي على مسلم: (3/ 136، 137).
    (^2) - التذكرة في أحوال الموتى والدار الآخرة: (ص 352)
    (^3) - يُنظر: أبو زهرة، المعجزة الكبرى للقرآن، ص: 59، الشاملة الحديثة.
    (^4) - الحيوان للجاحظ: (2/ 229 - 230 (.
    (^5) - يُنظر: أبو زهرة، المعجزة الكبرى للقرآن، (ص: 59)، الشاملة الحديثة.
    (^6) -النظامية أصحاب إبراهيم بن سيار بن هانئ النظّام طالع كثيرًا من كتب الفلاسفة وخلط كلامهم بكلام المعتزلة. يُنظر: الملل والنحل-الشهرستاني: (1/ 61).
    (^7) -المعتزلة - زهدي حسن جار الله - منشورات النادي العربي في يافا - 1947 م - ص 120 - 129.
    (^8) -الثنوية: قوم يزعمون أن النور والظلمة أزليان قديمان، يُنظر: الملل والنحل: للشهرستاني: الإمام أبي الفتح بعد الكريم (ت: 584 هـ) ج 1/ ص 80 بهامش الفصل. دار صادر - بيروت.
    (^9) - السمنية: فرقة هندية قالت بقدم العالم وبتناسخ الأرواح -يُنظر: الفرق بين الفرق - للبغدادي الفصل الثاني عشر ص 270.
100

دون مذاهب الثنوية، وبدع الفلاسفة، وشبه الملاحدة في دين الإسلام، وأعجب بقول البراهمة بإبطال النبوات، ولم يجسر على إظهار هذا القول خوفًا من السيف، فأنكر إعجاز القرآن في نظمه، وأنكر ما روي في معجزات نبينا - ﷺ - من انشقاق القمر، وتسبيح الحصى في يده، ونبع الماء من بين أصابعه، ليتوصل بإنكار معجزات نبينا - عليه السلام - الى إنكار نبوته، ثم أنه استثقل أحكام شريعة الإسلام في فروعها، ولم يجسر على إظهار رفعها، فأبطل الطرق الدالة عليها، فأنكر لأجل ذلك حجية الإجماع، وحجية القياس في الفروع الشرعية، وأنكر الحجة من الأخبار التي توجب العلم الضروري ثم إنه ذكر الصحابة بما يقرؤها غدًا في صحيفة مخازيه، وطعن في فتاوى أعلام الصحابة - رضي الله عنهم - ثم قال: - والفضيحة الخامسة عشرة من فضائحه - أي النَّظام -: أن نظم القرآن وحسن تأليف كلماته، ليست بمعجزة للنبي - عليه الصلاة والسلام -، ولا دالة على صدقه في دعواه النبوة، وإنما وجه الدلالة منه على صدقه، ما فيه من الإخبار بالغيوب، فأما نظم القرآن وحسن تأليف آياته، فان العباد قادرون على مثله، وعلى ما هو أحسن منه في النظم والتأليف" (^1).

وقد تبنت الفرقة - النَّظامية - بالإضافة الى ما تقدم من مخالفات لجماعة المسلمين، آراء شاذة في العقائد منها: أن الله لا يقدر أن يفعل بعباده في الدنيا ما لا صلاح فيه، ولا أن يزيد وينقص من عقاب وثواب، والتواتر يحتمل الكذب، وأوجبوا النص على الإمام، وثبوت الإمامة لعلي - رضي الله عنه لكن عمر رضي الله عنه - كتمه … (^2).

وقال الشهرستاني في الملل والنحل: (ت: 548 هـ)

"والنظَّامية: أصحاب ابراهيم بن سيار بن هانئ النظَّام.، وإبراهيم النظَّام قد طالع كثيرًا من كتب الفلاسفة، وخلط كلامهم بكلام المعتزلة، وانفرد عن أصحابه بمسائل منها: قوله في إعجاز القرآن أنه من حيث إخباره عن الأمور الماضية والآتية، ومن جهة صرف الدواعي عن المعارضة، ومنع العرب من الاهتمام به جبرًا وتعجيزًا، حتى لو خلاهم لكانوا قادرين على أن يأتوا بسورة من مثله، بلاغة، وفصاحة، ونظمًا .... " (^3)

ففي رأي - النَّظام - إذن: أن الله قد صرف أوهام العرب عن معارضة القرآن، فانصرفوا عن ذلك، وتعذرت عليهم المعارضة، لا لأن القرآن في حد ذاته خارج عن طوق البشر، أو خارقًا لمقدرتهم، ومألوف عادتهم، فهو في ذلك لا يتفوق على البليغ الفصيح من كلام العرب، ولا تكاد تكون له مزية أو فضل في ذلك، ولو ترك لهم المجال، وأفسح أمامهم الطريق، لأتوا بمثل القرآن فصاحة، وبلاغة، وحسن نظم، وتأليف .... (^4)

نعوذ بالله من الخذلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

المطلب الثاني: القائلون بالصرفة من المعتزلة غير "النظّام "

ليس القول بالصرفة مقصورًا على النظّام كما يظنه البعض بل لقد سلك هذا الطريق أقوام كُثُر سواء من المعتزلة أو من غيرهم كذلك.

وإن كان النظّام أبرز من قال بالصرفة من المعتزلة، فقد تابعه عليه كذلك أقوام وكان من أبرز هؤلاء كل من:

  • (^1) - الفرق بين الفرق: لعبد القاهر بن طاهر البغدادي (ت 429 هـ) ص 128 - 150، تحقيق - لجنة إحياء التراث العربي - بيروت - 1987 م.
    (^2) - مباحث في إعجاز القرآن - د. مصطفى مسلم، الطبعة الثانية - دار المسلم بالرياض - سنة 1996 م، نقلا عن لوامع الأنوار لمحمد بن أحمد السفاريني - ج 1/ ص 78.
    (^3) -الملل والنحل - للشهرستاني: ج 1/ ص 67 بهامش الفصل.
    (^4) - إعجاز القرآن الكريم (مرجع سابق) بقلم: سامي عطا الجيتاوي-عن موقع دنيا الوطن، بتاريخ: 15/ 6/ 2006 م. بتصرف.
101

1 - عيسى بن صبح المكنى بأبي موسى المُزدار (ت: 226 هـ): كان معروفًا بالناسك وقد تلمذ لبشر بن المعتمر وأخذ العلم عنه وتزهد ويسمى راهب المعتزلة. (^1)، وقد تلمذ له أيضًا الجعفران،

والجعفران هما:

أ- جعفر بن حرب الثقفي المعتزلي العابد أبو الفضل: (ت: 234 هـ) من نساك القوم وله تصانيف.

ب- وجعفر بن مبشر الهمداني المعتزلي البغدادي أبو محمد: (ت: 236 هـ) الفقيه البليغ كان مع بدعته يوصف بزهد وتأله وعفة.

وكان الجعفران سيدا معتزلة بغداد في عصرهما، ومضربا المثل في العلم والعمل عندهم.

كما تلمذ له أيضًا أبو زفر وهو من مصنفي المعتزلة، ومحمد بن سويد المعتزلي.

وصحبه (أبو جعفر) محمد بن عبد الله الإسكافي وعيسى بن الهيثم وجعفر بن حرب الأشج. وحكى الكعبي عن الجعفرين أنهما قالا: إن الله تعالى خلق القرآن (^2) في اللوح المحفوظ ولا يجوز أن ينقل إذ يستحيل أن يكون الشيء الواحد في مكانين في حالة واحدة وما نقرؤه فهو حكاية عن المكتوب الأول في اللوح المحفوظ وذلك فعلنا وخلقنا. (^3).

وقد تولى المُزدار رئاسة المعتزلة ببغداد (^4).

وقال في القرآن: إن الناس قادرون على مثل القرآن فصاحة ونظمًا وبلاغة،

وهو الذي بالغ في القول بخلق القرآن وكفر من قال بقدمه. (^5)

وهو الذي نُسِبَ إليه القول بأن: (الناس قادرون على أن يأتوا بمثل هذا القرآن وبما هو أفصح منه). (^6)

2 - عباد بن سليمان الصخري: معتزلي من أهل البصرة من تلامذة هشام بن عمرو القوطي. (^7)

3 - القاضي هشام بن عمرو القوطي: بصري، عدّه القاضي في نهاية الطبقة السادسة من المعتزلة كان يحظى باحترام المأمون. (^8)

4 - أبو إسحاق النصيبي: من الطبقة الحادية عشرة من المعتزلة وكان يشك في النبوات كلّها. (^9)

5 - "الجاحظ" أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب البصري المعتزلي (^10).

ولقد فنَّد (الجاحظُ) دعوى أستاذه (النظّام) في كتابٍ مفقودٍ سماهُ "الاحتجاج لنظم القرآن".

قال في مقدمته:

"فلم أدع فيه مسألةً لرافضي ولا لحديثي، ولا لحشوي ولا لكافر مباد، ولا لمنافق

مقموع، ولا لأصحاب النظّام، ولمن نجم بعد النظّام ممن يزعم أن القرآن حق، وليس تأليفه بحجة، وأنه تنزيل، وليس ببرهان ولا دلالة". (^11)

ورجّح (الرافعي) أن الجاحظ تابع طائفته المعتزلة في القول بالصَّرْفة، وإن

  • (^1) الملل والنحل للشهرستاني: (1/ 68). بتصرف يسير.
    (^2) - وذلك لأن المعتزلة يقولون بخلق القرآن، وأما أهل السنة فيقولون بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق. الباحث.
    (^3) - المرجع السابق: (1/ 69).
    (^4) -طبقات المعتزلة ص 70 الفرق بين الفرق ص 154 د، عمر السلامي؛ الإعجاز الفني في القرآن ص 52 - 65
    (^5) -الملل والنحل للشهرستاني: (1/ 68).
    (^6) - الفرق بين الفرق - ص 154.
    (^7) - ابن النديم؛ الفهرست 269 ــ 280
    (^8) - طبقات المعتزلة 69
    (^9) - أبو حيان التوحيدي الإمتاع والمؤانسة: (1/ 141).
    (^10) - العلامة المتبحر، ذو الفنون، أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب البصري المعتزلي، صاحب التصانيف. أخذ عن النظام. وروى عن: أبي يوسف القاضي، وثمامة بن أشرس. قال ثعلب: ما هو بثقة. قلت: كان ماجنًا قليل الدين، له نوادر مات سنة خمسين ومائتين. وقال الصولي: مات سنة خمس وخمسين ومائتين. . سير أعلام النبلاء: (11/ 527). بتصرف.
    (^11) - نقلًا عن الإعجاز البياني: (ص: 360).
102

كان له رأيٌ في أن القرآن في الدرجة العليا من الفصاحة. يقول عنه: "لم يسلم … من القول بالصَّرْفة، وإن كان قد أخفاها وأومأ إليها من عُرض". واستدل بقوله في كتاب "الحيوان": "ومثل ذلك ما رفع من أوهام العَرب وصرف نفوسهم عن المعارَضَة للقرآن بَعْدَ أنْ تحدَّاهم الرَّسولُ بنظْمه". (^1)

وقال العلامة محمود محمد شاكر:

"إن الجاحظ يقول بالصَّرْفة مثل شيخه (النظّام)، وأنه هو الذي أظهر هذا القول وأشاعه، لكنه أضاف إليها الإعجاز بالنظم. ولما رأى الجاحظ التناقض بين قوليه كاد أن يتراجع". (^2).

وقد نفى أحد الباحثين المعاصرين عن الجاحظ هذا الانتساب لمذهب الصرفة بتفريقه بين مراد الجاحظ ومراد شيخه. (^3)

والحقيقة: لقد وقع الجاحظ في التناقض والاضطراب لقوله بالصرفة - وإن اختلف مفهومه لها عن مفهوم أستاذه النظّام.

قال مصطفى صادق الرافعي: -

" أما الجاحظ فان رأيه في الإعجاز كرأي أهل العربية، وهو أن القرآن في الدرجة العليا من البلاغة التي لم يعهد مثلها، غير أن الرجل كثير الاضطراب، فان هؤلاء المتكلمين كأنما كانوا في منخل، ولذلك لم يسلم هو أيضًا من القول بالصَّرْفة ...... ثم قال (الرافعي) مبررًا قول الجاحظ بالصرفة: وقد يكون استرسل بهذه العبارة لما في نفسه من أمر أستاذه النظّام، وهو شيء ينزل على حكم الملابسة، ويعتري أكثر الناس إلا من تنبه له أو نبه عليه، أو يكون هو ناقلًا ولا يدري … ". (^4)

وما قاله الرافعي عن الجاحظ هو القول العدل فيه الذي يشهد له كلام الجاحظ نفسه.

6 - "الرماني" علي بن عيسى أبو الحسن الرماني المعتزلي. (^5)

والصَّرْفة عنده تشبه الصَّرْفة عند الجاحظ، فهي لا تقدح في بلاغة القرآن وحسن تأليفه، وإن كان الجاحظ فيه ما فيه من التناقض والاضطراب.

وقد ذكر الرماني أن القرآن في أعلى مراتب البيان، ولا يدانيه شيء من كلام فصحاء العرب وبلاغييهم، وصَّرْفة الرماني - كما هو الشأن عند الجاحظ - من فعل الله بالقوم، فهي إذن شيء خارج عن إرادتهم، ووقع عليهم بقدرة الله وتدبيره.

يقول الرماني:

"وأما الصَّرْفة فهي صرف الهمم عن المعارضة، وعلى ذلك كان يعتمد بعض أهل العلم في أن القرآن معجز من جهة صرف الهمم عن المعارضة، وذلك خارج عن العادة، كخروج سائر المعجزات التي دلت على النبوة، وهذا عندنا أحد وجوه الاعجاز .. " (^6)

وقول الرماني لا يحتاج إلى زيادة بيان، إذ إنه يقول بالصَّرْفة ويرى أنها أحد

  • (^1) -إعجاز القرآن للرافعي: (ص: 102)
    (^2) محمود شاكر: مداخل إعجاز القرآن، (ص: 56 - 68)
    (^3) -الإعجاز البلاغي للدكتور. محمد أبو موسى، (ص: 370)، ويُنظر مدونة: نورة الشريف-بتاريخ: 13/ 6/ 2008 م.
    (^4) - إعجاز القرآن - مصطفى صادق الرافعي - طبع المقتطف سنة 1928 م - ص 165.
    (^5) - أبو الحسن الرماني (296 - 384 هـ = 908 - 994 م). … باحث معتزلي مفسر. من كبار النحاة. أصله من سامراء، ومولده ووفاته ببغداد. يُنظر: بغية الوعاة 344 ووفيات الأعيان 1: 331 وسير النبلاء - خ. الطبقة الحادية والعشرون. وتاريخ بغداد 12: 16 ونزهة الألباب 389 ومفتاح السعادة 1: 142 وإنباه الرواة 2: 294.
    (^6) - النكت في إعجاز القرآن - علي بن عيسى الرماني - (ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن) الطبعة الثالثة دار المعارف بمصر - ص 110 تحقيق محمد خلف الله أحمد وزميله.
103

وجوه الإعجاز عند المعتزلة.

7 - القاضي عبد الجبار

القاضي أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار بن أحمد بن الخليل بن عبدالله

الأسد آبادي المعتزلي. (^1)

وبسبب المعتقدات الفاسدة التي يعتقدها النظّام ويتبناها ويقول بها فقد كفره جمع من العلماء هو وفرقته، حتى إن بعض المعتزلة أنفسهم قد كفره كذلك.

موقف القاضي عبد الجبار وقوله في الصَّرْفة

القاضي عبد الجبار: " قد خالف جميع من تقدموه ممن تحدثوا عنها، ولم يرض عن تفسيراتهم، وأعطى القضية بعدًا أعمق، وفهما أنضج فقد أبعد مفهوم الجبرية الذي ساد في حديث - النظّام - والجاحظ- والرماني - عنها، لأنها كانت عندهم جميعا شيئًا خارجًا عن إرادة القوم، مجبورين عليه جبرًا". (^2)

وقدم بين يدي ذلك أدلة منها: -

أولًا: لو كانوا ممنوعين من الإتيان بكلام فصيح، أو قول بليغ، لكان ذلك لا يختص بكلام دون كلام، وأنه لو حصل ذلك في ألسنتهم، لما أمكنهم الكلام المعتاد، ولكن القوم ظلوا يتكلمون ويأتون بالقول الفني الممتاز، ولم ينحدر مستوى بيانهم أو يهبط، ولكنه كان - على علوه - لا يرقى الى مستوى القرآن.

ثانيًا: ولو ثبت هذا المنع لكان في حد ذاته هو المعجز وليس القرآن، فان من سلك هذا المسلك في القرآن، يلزمه أن لا يجعل له مزية ألبتة.

ثالثًا: ولو ثبت هذا المنع بأية صورة من صوره لبطل بعض القرآن، ولما كان صحيحًا قوله تعالى: - (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) (الإسراء: 88)

رابعًا: القول بالصَّرْفة يتعارض مع الآية السابقة، لأنه لا يقال في الجماعة إذا امتنع عليها الشيء: إن بعضها يكون ظهيرًا لبعض، لأن المعاونة والمظاهرة، انما تمكن مع القدرة، ولا تصح مع العجز والمنع) (^3).

وبعد أن قدم - القاضي عبد الجبار- هذه الأدلة التي نقض بها مفهوم من تقدموه عن - الصَّرْفة -، توصل القاضي الى مفهوم جديد للصَّرْفة، وهو في هذه المرة يرتبط بالقوم أنفسه، وليس شيئًا خارجًا عنهم، أو مفروضًا عليهم فرضًا، وهذا المفهوم: هو

إن دواعيهم انصرفت عن المعارضة لعلمهم بأنها غير ممكنة على ما دللنا عليه، ولولا علمهم بذلك لم تكن لتنصرف دواعيهم، لأنا نجعل انصراف دواعيهم تابعًا لمعرفتهم بأنها متعذرة عليهم .. (^4).

فهي صرفة تشبه اليأس الذي يعتري الانسان من أمر ما حاوله عدة مرات، وكان يمنى كل مرة بالإخفاق الذريع، فإذا بعزيمته تتثبط،

  • (^1) - القاضِي عبد الجبار (000 - 415 هـ = 000 - 1025 م).
    عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمذاني الأسد أبادي، أبو الحسين المعتزلي:
    العلامة المتكلم، شيخ المعتزلة، أبو الحسن الهمذاني صاحب التصانيف، من كبار فقهاء الشافعية ولي قضاء القضاة بالري، وتصانيفه كثيرة تخرج به خلق في الرأي الممقوت. مات في ذي القعدة سنة خمس عشرة وأربعمائة من أبناء التسعين.
    سير أعلام النبلاء، الطبقة الثانية والعشرون، القاضي عبد الجبار (17/ 254).
    (^2) التراث النقدي والبلاغي للمعتزلة - د. وليد قصاب - الدوحة - دار الثقافة - ط أولى سنة 1985 م - ص 320.
    (^3) - المغني في أبواب التوحيد والعدل - ج 16 - للقاضي عبد الجبار - تحقيق: أمين الخولي - وزارة الثقافة والإرشاد القومي - بمصر ج 16/ ص 323.
    (^4) -المرجع السابق ج 16/ ص 324.
104

وهمته تنهار، وذلك كان شأن القوم مع القرآن، فلم يكن تركهم للمعارضة لأمر خارجي، وانما لإحساسهم باليأس، وتيقنهم من العجز عن الاتيان بمثل القرآن

يقول القاضي عبد الجبار:

" واعلم أن الخلاف في هذا الباب أنا نقول: إن دواعيهم انصرفت عن المعارضة لعلمهم أنها غير ممكنة، ولولا علمهم بذلك لم تكن لتنصرف دواعيهم، لأنا نجعل انصراف دواعيهم تابعًا لمعرفتهم بأنها متعذرة، وهم يقولون: ان دواعيهم انصرفت مع التأتي، ولأجل انصراف دواعيهم، لم يأتوا بالمعارضة مع كونها ممكنة، فهذا موضع الخلاف .. " (^1).

ثم ينهي - القاضي عبد الجبار - حديثه عن مفهومه للصَّرْفة فيقول: -

" فالصحيح ما قلناه، من أنهم علموا بالعادات تعذر مثله، فصار علمهم صرفًا عن المعارضة .. " (^2).

فالصَّرْفة بهذا المفهوم الجديد عند القاضي عبد الجبار، ليست تلك الصَّرْفة التي عند - النظّام - أو - الجاحظ -، والتي تعني: القهر والجبر، وإنما هي صَّرْفة ذاتية، فهم أدركوا بالفطرة أن أسلوب القرآن في علوه وسموه، وروعة نظمه وبيانه، لا يمكن مجاراته ومعارضته، فانصرفوا ذاتيًا بلا قهر أو جبر من قوة خارجية عن المعارضة، اقتناعًا منهم ويقينًا بالعجز، فالأمر في الحقيقة: انصراف .. وليس صرفة .. (^3).

وبذلك يكون القاضي عبد الجبار أقل القوم وأضعفهم تعسفًا في قضية القول بالصَّرْفة.

المطلب الثالث: القائلون بالصرفة من غير المعتزلة، من الأشاعرة وغيرهم.

أولًا: الأشاعرة

أما الأشاعرة: فَجُلّهم إنّما يقبل بنظرية الصَّرْفة إماّ كوجه ثانوي من أوجه الإعجاز فهو عندهم تابع للوجه الأوّل، والأهمّ وهو إعجاز القرآن بنظمه وذاته، وإمّا يقولون بها من باب المجادلة والمنافحة عن الحق لا غير.

ثانيًا: ما ينسب إلى أبي الحسن الأشعري (ت: 324 هـ)

يقول الشهرستاني: محمد بن عبد الكريم (ت: 548 هـ) أثناء حديثه عن أبي الحسن الأشعري: -

"والقرآن عنده معجز من حيث البلاغة، والنظم، والفصاحة، إذ خير العرب بين السيف وبين المعارضة، فاختاروا أشد القسمين اختيار عجز عن المقابلة، ومن أصحابه من اعتقد أن الإعجاز في القرآن من جهة صرف الدواعي، وهو المنع من المعتاد". (^4)

ثالثًا: ما يُنسب للقاضي عياض بن موسى اليحصبي (ت: 544 هـ)

قال محمد بن أحمد السفاريني: (ت: 1189 هـ): -

"وفي شفاء أبي الفضل القاضي عياض بعض ميل للقول بالصرفة، فإنه قال: وذهب الشيخ أبو الحسن (الأشعري) إلى أنه مما يمكن أن يدخل مثله تحت مقدور البشر، ويقدرهم الله عليه، ولكنه لم يكن هذا، ولا يكون، فمنعهم الله هذا، وعجزهم عنه ". (^5). ولاشك في وضوح قول القاضي عياض

  • (^1) - المرجع السابق نفسه، ونفس الجزء والصفحة.
    (^2) المرجع السابق ج 16/ ص 325.
    (^3) - إعجاز القرآن الكريم (مرجع سابق) بقلم: سامي عطا الجيتاوي-عن موقع دنيا الوطن، بتاريخ: 15/ 6/ 2006 م. بتصرف يسير.
    (^4) - الشهرستاني: الملل والنحل، بهامش الفصل: (: 135 - 136) وجل هذه الأقوال نقلًا من بحث الصَّرْفة للدكتور/ سامي عطا حسن. بتصرف
    (^5) - محمد بن أحمد السفاريني: لوامع الأنوار البهية: (1/ 175).
105

بالصرفة، فالمنع والتعجيز بمعنى أنه سبحانه صرفهم عنه بمنعهم وتعجيزهم عن الإتيان بمثله.

رابعًا: الفخر الرازي (ت: 606 هـ)

أطلق القول بالصَّرْفة في بعض مواضع تفسيره كقوله عند تعرضه لآية التحدي في سورة البقرة: حيث يقول:

الطريق الثاني، أن نقول: " القرآن لا يخلو إما أن يقال: إنه كان بالغًا في الفصاحة إلى حد الإعجاز، أو لم يكن كذلك، فإن كان الأول: ثبت أنه معجز، وإن كان الثاني: كانت المعارضة على هذا التقدير ممكنة، فعدم إتيانهم بالمعارضة، مع كون المعارضة ممكنة، ومع توفر دواعيهم على الإتيان بها، أمر خارق للعادة، فكان ذلك معجزًا، فثبت أن القرآن معجز على جميع الوجوه، وهذا الطريق عندنا أقرب إلى الصواب".

وفي مواضع أخرى قيدها بالسور القصار حيث يقول:

" فإن قيل: قوله (فأتوا بسورة من مثله) يتناول سورة الكوثر، وسورة العصر، وسورة (قل يا أيها الكافرون)، ونحن نعلم بالضرورة أن الإتيان بمثله، أو بما يقرب منه ممكن، فإن قلتم: إن الإتيان بأمثال هذه السور خارج عن مقدور البشر، كان ذلك مكابرة، والإقدام على هذه المكابرات مما يطرق التهمة إلى الدين، قلنا: فلهذا السبب اخترنا الطريق الثاني، وقلنا: إن بلغت هذه السورة في الفصاحة إلى حد الإعجاز، فقد حصل المقصود، وإن لم يكن الأمر كذلك، كان امتناعهم عن المعارضة - مع شدة دواعيهم إلى توهين أمره -معجزًا، فعلى هذين التقديرين يحصل المعجز. (^1)

خامسًا: الحافظ ابن كثير الدمشقي (ت: 774 هـ)

أقرّها على سبيل المجادلة والمنافحة على الحق لا غير حيث يقول:

"وقد قرر بعض المتكلمين الإعجاز بطريق يشمل قول أهل السنة، وقول المعتزلة في الصَّرْفة، فقال: إن كان القرآن معجزًا في نفسه لا يستطيع البشر الإتيان بمثله، ولا في قواهم معارضته، فقد حصل المدعى وهو المطلوب، وإن كان في إمكانهم معارضته بمثله، ولم يفعلوا مع شدة عداوتهم له، كان ذلك دليلًا على أنه من عند الله، لصرفه إياهم عن معارضته مع قدرتهم على ذلك، وهذه الطريقة - وإن لم تكن مرضية لأن القرآن في نفسه معجز لا يستطيع البشر معارضته كما قررنا - إلا أنها تصلح على سبيل التنزل، والمجادلة، والمنافحة عن الحق، وبهذه الطريقة أجاب الرازي في تفسيره عن سؤاله في السور القصار، كالعصر، وإنا أعطيناك الكوثر". (^2)

فابن كثير هنا يقرر أن القرآن معجز بذاته، وفي ذلك رد للصَّرْفة، وهو بذلك يقررها فقط على سبيل التنزل والمجادل عن الحق والمنافحة عنه كما قرر رحمه الله آنفًا، وفي نحو ذلك يقول عند تفسيره لآية التحدي في سورة الإسراء: فـ "لو

  • (^1) - الرازي: مفاتيح الغيب 1\ 116 - 117، ومحسن عبد الحميد: الرازي مفسرًا (ص: 233 - 234).
    (^2) - ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: (1/ 60).
106

اجتمعت الإنس والجن كلهم، واتفقوا على أن يأتوا بمثل ما أنزله على رسوله، لما أطاقوا ذلك ولما استطاعوه، ولو تعاونوا وتساعدوا وتظافروا، فإن هذا أمر لا يستطاع، وكيف يشبه كلام المخلوقين كلام الخالق، الذي لا نظير له ولا مثال له، ولا عديل له؟! ". (^1)

سادسًا: أبو إسحاق الإسفراييني (ت: 418 هـ)

فقد عدّها وجهًا من أوجه الإعجاز حيث قال في شرحه للمواقف:

"وقيل: إعجازه بالصَّرْفة، على معنى أن العرب كانت قادرة على كلام مثل القرآن قبل البعثة، لكن الله صرفهم عن معارضته، واختلف في كيفية الصرف، (فقال الأستاذ) أبو إسحاق منا، (والنظّام) من المعتزلة، (صرفهم الله عنها مع قدرتهم) عليها، وذلك بأن صرف دواعيهم إليها، مع كونهم مجبولين عليها، خصوصًا عند توفر الأسباب الداعية في حقهم، كالتقريع بالعجز، والاستنزال عن الرياسات، والتكليف بالانقياد، فهذا الصرف خارق للعادة، فيكون معجزًا ". (^2)

سابعًا: الراغب الأصبهاني (ت: 425 هـ)

حيث يقول:

"اعلم أن إعجاز القرآن ذكر من وجهين:

أحدهما: إعجاز يتعلق بنفسه.

والثاني: بصرف الناس عن معارضته" ثم يتبع ذلك بقوله: " فلما دعا الله أهل البلاغة والخطابة، الذين يهيمون في كل واد من المعاني - بسلاطة لسانهم - إلى معارضة القرآن، وعجزوا عن الإتيان بمثله، ولم يقصدوا لمعارضته، فلم يخف على ذوي البلاغة أن صارفًا إلهيًّا صرفهم عن ذلك، وأي إعجاز أعظم من أن يكون كافة البلغاء عجزوا في الظاهر عن معارضة مصروفة في الباطن عنها". (^3)

ثامنًا: أبو الحسن الماوردي (ت: 450 هـ) قال في أعلام النبوة

"الوجه العشرون من أوجه إعجازه: الصَّرْفة عن معارضته، واختلف من قال بها: هل صرفوا عن القدرة على معارضته مع دخوله في مقدورهم ..؟ على قولين:

أحدهما: - إنهم صرفوا عن القدرة، ولو قدروا لعارضوا.

والقول الثاني: - إنهم صرفوا عن المعارضة مع دخوله في مقدورهم.

والصرفة إعجاز على القولين معًا .... ".

ثم يقول:

" فإذا ثبت إعجاز القرآن من هذه الوجوه كلها، صح أن يكون كل واحد منها معجزًا، فإذا جمع القرآن سائرها كان إعجازه أقهر، وحجاجه أظهر، وصار كفلق البحر، واحياء الموتى، لأن مدار الحجة في المعجزة إيجاد ما لا يستطيع الخلق مثله" (^4) ومثل ذلك يقوله في تفسيره النكت والعيون:

" فأما إعجاز القرآن الذي عجزت به العرب عن الإتيان بمثله، فقد اختلف العلماء فيه على ثمانية أوجه، إلى أن يقول: والثامن: أن إعجازه هو الصَّرْفة، وهو أن الله تعالى صرف هممهم عن معارضته، مع تحديهم أن يأتوا بسورة من مثله،

  • (^1) - تفسير ابن كثير: (5/ 117).
    (^2) - القاضي عضد الدين الإيجي: شرح المواقف 8\ 646
    (^3) - مقدمة جامع التفاسير: (ص: 104)، السيوطي: معترك الأقران في إعجاز القرآن: (1/ 5 - 6).
    (^4) -الماوردي: أعلام النبوة: (ص: 85 - 86).
107