تفسير ابن باديس في مجالسالجزء 1 · ص 11 - 18

منهاج ابن باديس العلمي وصعاب لقيها

تلكم هي أهم الخطوط البارزة في جهاده، ذكرناها مجملة في هذه العجالة.

منهاج ابن باديس العلمي وصعاب لقيها

خلق المستعمر أوزارًا كثيرة، ولذا كان على ابن باديس أن يبدأ من الصفر:

فجلس للتدريس في قسنطينة متطوعًا ابتغاء وجه الله منذ (1913م- 1940م). وتسامع الناس به، فتقاطروا إليه يتعلمون دينهم ولغتهم، حتى ضاقت بهم قسنطينة، وأقض ذلك مضاجع الاستعمار، وحث على التعليم وإنشاء المدارس وسارعت الأمة إلى تلبية الدعوة، وبنت حوالي 170 مدرسة حرة عربية، كان فيها ما يزيد على خمسين ألف طالب وطالبة، فهو لم يملك ولم ير سلاحا أقوى من تعليم المغلوبين المستضعفين، يقودهم إلى النصر المبين.

وفي سنة 1922م تأكد الشيخ أن الطرقية المنحرفة في الجزائر سبب من أسباب البدع والخرافات، ومساعدة المستعمر، فرأى مناوأتها ومنازلتها وجهًا لوجه، وحمل عليها حملات قاسية، وأنشأ لذلك جريدة (المنتقد) ومن اسمها يظهر غرضها، فكانت نارًا ونورًا، ولكن المستعمر أخرس الجريدة بسرعة، وأصدر الشيخ غيرها.

وفي مقالاته الصحفية ردد كثيرًا أن مقومات الجزائر ثلاثة: الإسلام، والعربية، والأرض الجزائرية بحدودها. ودعا إلى وحدة المغرب العربي الكبير (من طرابلس الغرب حتى المحيط الأطلسي). ودعا إلى القومية العربية، ووحدة الوطن العربي الكبير، وأشاد في كل مناسبة بالعرب والعربية والإسلام والوطنية.

وعاونه المجيدون والنابهون من أصدقائه وأبنائه الطلاب، وانبثوا في أنحاء التراب الوطني، يحملون رسالة العربية والإسلام، فما انقضت مدة حتى كان الفوج الأول من تلاميذه مستكمل الأدوات من فكر صحيحة، وعقول نيرة، ونفوس طامحة، وعزائم صادقة، وألسن صقيلة، وأقلام كاتبة، وكانت تلك الكتائب الأولى من تلامذته هي طلائع العهد الجديد الزاهر.

وإن "لعبد الحميد بن باديس" منة على كل من يحمل بين جنبيه روحا جديدة أو فكرة سديدة من أبناء الجزائر أينما كانوا، لا فرق في ذلك بين طلاب العلم، وبين غيرهم من طلاب الحياة في جميع فروعها.

ورأى ابن باديس أن مصائب الجزائر هي: الاستعمار الضاري، المعتمد على الحديد والنار. والاستعمار الروحي الذي يمثله بعض مشايخ الطرق المضلين أو الجاهلين المتغلغلين في الشعب والممالئين لفرنسا.

فخطب ابن باديس وحاضر، وكتب وناظر وناقش وجادل في الصحافة، والمساجد، والأندية، والمحافل والأسواق .. ونادى بضرورة تعليم الصغار ولو في بيوت آلهم، وطالب برد أوقاف المسلمين التي استولى عليها المستعمر، احترامًا لشرط الواقف، وليكون للمسلمين عزة وكرامة، ولتنفق في سبيل الله الذي أوقفت من أجله، ونادى باستقلال القضاء، وحرية التعليم،

11

وإباحته للجنسين، وعدم التدخل الحكومي في تعيين رجال الدين. ولم يعرض الإسلام كقطعة من التاريخ، للعرض وليست للمس، وإنما عرضه حيا يوائم الحياة القائمة ويواكبها في واقع الأحياء.

ولم يكن طريقه مفروشًا بالورود، وإنما كان محفوفا بالمخاطر والأهوال، ولكنه توكل على الله، واعتمد عليه، وعمل بوصية شيخه أحمد الهندي حينما قال:

«أذكر أنني- ابن باديس- لما زرت المدينة المنورة، واتصلت فيها بشيخي الأستاذ حمدان الونيسي، وشيخي أحمد الهندي، أشار علي الأول بالهجرة إلى المدينة، وقطع كل علاقة لي بالوطن، وأشار علي الثاني وكان عالما حكيما بالعودة إلى الوطن، وخدمة الإسلام والعربية فيه بقدر الجهد. فحقق الله رأي الشيخ الثاني، ورجعنا إلى الوطن بقصد خدمته. فنحن لا نهاجر، نحن حراس الإسلام والعربية والقومية ... في هذا الوطن» ..

وتصدى له الاستعمار، وحماه والده كثيرا وطويلا في أول الأمر، ولكن والي قسنطينة ضغط على والده، ليجبر ولده على السكوت وقبول وظيف كبير ديني، ويترك ما هو فيه ... وهدده والده بالمقاطعة، وقبلها عبد الحميد وفضل المقاطعة على الوظيف والسكوت، وقال لوالده: «لا اتصال لنا بعد اليوم إلاّ ما يوجبه الإسلام». وهكذا عاش مخلصًا في القول والعمل، وجريئًا وحرًا في الرأي، صافي النفس والقلب.

وأصدر "شوطان" وزير داخلية الجزائر قرارًا في مارس سنة 1938م بمنع تعليم العربية في الجزائر، واعتبارها لغة أجنبية، فشرد القراد 9/ 10 من أبناء الشعب، لولا أن استمرت مدارس جمعية العلماء مفتوحة رغم العنت والإرهاق والتضييق، فكانت نافذة للرحمة والعلم ... ويعتبر عبد الحميد بن باديس زيادة الضغط على الجمعية أمارة نجاحه، ونجاح زملائه، إذ يقول: «إنا بالأمس حين لم نلتفت هذه اللفتة إلى ماضينا وقوتنا السماوية ما كنا نرهب أحدا، ولا نستطيع أن نشعر بوجودنا أحدا. أما اليوم فبهذه اللفتة القصيرة إلى تراثنا المجيد استطعنا أن نعلن عن وجودنا، ونخيف بعد أن كنا نخاف». وأبى أن يسلم مدرسة التربية إلى فرنسا إلاّ إذا مات في هذا السبيل.

ويعلن الكردينال "لا فيجري" سنة 1930: «أن عهد الهلال في الجزائر قد غبر، وأن عهد الصليب قد بدأ، وأنه سيستمر إلى الأبد».

فيعلن ابن باديس تأسيس جمعية العلماء المسلمين سنة 1931م، لا على أساس تعصبي ولكن على أساس تعايش سلمي.

ويهدد الوزير الفرنسي، وفد المؤتمر الإسلامي سنة 1936م بأن «لدى فرنسا مدافع طويلة» ويرد عليه ابن باديس بأن لدينا مدافع أطول و«إنها مدافع الله».

وكان يتمنى أن يرى التعليم العالي في الجزائر، ويفتح كلية لذلك، فكان يقول لزملائه: «أنا أستكفيكم في كل أمر يتعلق بالكلية إلاّ الاستعمار فأنا أكفيكموه، فخلوا بيني وبينه».

12

وعندما لاحت نذر الحرب العالمية الثانية، وطلب من جمعيته أن ترسل برقية تأييدا لفرنسا قال ابن باديس: «لن أمضيها ولو قطعوا رأسي» وترفض أغلبية الأعضاء، ثم يعلن ابن باديس: «ولو كان أغلبيتكم تؤيد إرسال البرقية ما كنتم ترونني في مجلسكم هذا بعد اليوم» ثم قال: «تقطع يدي، ولا أوافق المجرم على إجرامه، والظالم على ظلمه».

وهكذا عاش من نفسه الكبيرة في جيش، وإن خيل أنه إنسان.

ويستدعيه حاكم قسنطينة (الفرنسي) والحرب الثانية على الأبواب، ليسأله عن مصيرها ومصير الجزائر معها؟

وفي موقف صلب، وتقريع مؤلم، وتوبيخ بين، يجيبه ابن باديس:

«إن الجزائر ثلاث طبقات: طبقة الأكثرية وقد قتلتم إحساسها بالحياة، فهي لا تفرق بين فرنسا وبين ابن باديس.

وطبقة الأقلية الواعية، وقد ملأتم أفواهها بعظم الوظيف تلوكه بين أشداقها وهي تحسب أنه غذاء.

وطبقة المعزولين (يقصد أعضاء جمعية العلماء المسلمين المضطهدين المطاردين) يعيشون للمستقبل، ولا خطر منهم على دولتكم اليوم» ثم انصرف الشيخ.

وتضيق به الطرقية والاستعمار، فيوعزون إلى مجرم بالترصد للشيخ ابن باديس لقتله ليلا بعد انصرافه من مسجده، ويشهر المجرم السكين على الشيخ ويمسك الشيخ بتلابيب المجرم والسكين في يده، ويتقاطر الناس لنجدته، ثم يعفو الشيخ عن الجاني، لأنه جاهل، ولأنه آلة في يد غيره.

ويسجل هذا الحادث في قصيد طويل شاعر الجزائر الشيخ محمد العيد، فيقول في مطلعه:

حَمَتْكَ يَدُ المَوْلَى وَكُنْتَ بِهَا أَوْلَى ... فَيَا لَكَ مِنْ شَيْخٍ حَمَتْهُ يَدُ الَمْولَى

وتنبأ بإعلان الثورة الكبرى على فرنسا، وعبأ لها الجهود، وأشار إلى جبال (أوراس) الحصينة، وقال لأبنائه وطلابه: «من هنا تبدأ الثورة».

بل وحدثني بعض أصدقائه وطلابه، بأنه بايع بعضهم فردا فردا، استعدادا للتعبئة ولإعلان الجهاد الإسلامي والحرب ضد فرنسا، ولكن المنية عاجلته.

وهكذا ظل ابن باديس طول حياته مجاهدا، فكان الحركة التي لا تهدأ في خدمة الإسلام بالتعليم والتوجيه، ولا نظن عالما من علماء العصر- في وقته- بذل من الفكر والجهد في إعلام كلمة الله، وإنقاذ تراثنا وتوجيه مجتمعنا ما بذل هذا الإمام العظيم.

13

آثار ابن باديس

أثر عنه قوله: «شغلنا تأليف الرجال عن الكتب». ولم يخلف لذلك كتبا كثيرة، ولكن ما خلفه فيه قوة وعظمة، وأصالة وتجديد، وكفاح مجسد لجهاد هذا الإمام في سبيل الله والوطن.

وكان الاستعمار يحرق كل مجلة يعز عليها إبان الثورة، أو كتابات عربية، ومن ثم فقد ضاعت كتابات كثيرة لابن باديس غير أن بعض الغيورين والمحبين دفن بعض هذه المجلات في التراب، وبعد سبع سنوات ونصف كشف عنها، فبقي البعض، وأكلت الأرضة والأتربة والطين البعض الآخر .. غير أن المجلات الباقية وفيها آثاره الباقية، أمكن أن نستخلص منها ما يلي:

1 - تفسير ابن باديس في مجالس التذكير ................................... طبع سنة 1964م

2 - من الهدي النبوي .................................................... طبع سنة 1965م

3 - رجال السلف ونساؤه ............................................... طبع سنة 1965م

4 - عقيدة التوحيد من القرآن والسنة .................................... طبع سنة 1964م

5 - أحسن القصص ...................................................... لم يطبع بعد

6 - رسالة في الأصول .................................................... لم يطبع بعد

7 - مجموعة كبيرة من المقالات السياسية، والاجتماعية، جمعت مع بعض ما سبق، وطبعت في كتاب.

8 - مجموعة خطب ومقالات ابن باديس، طبعت في كتاب سنة 1966م.

وتلاميذ ابن باديس اليوم في الجزائر هم عمد النهضة وعمادها، وهم الذين اصطلوا بنيران الثورة الجزائرية الكبرى، وكثير منهم كان الوقود لها.

وكثير منهم اليوم يفخر بأنه من تلامذة ابن باديس، وتحتفل الجزائر بذكراه في كل عام تخليدا لذكراه.

وعلى الجملة لم تذهب جهود ابن باديس سدى، لأنه لم يكن علما على شخص، وإنما كان علما على ثروة ضخمة من علوم القرآن، وفنون السنة تجمعت، وتمحصت، وعرفت طريقها الحق منذ تطوع من الزيتونة، وتصدر للجهاد، فنهض برسالته حفيا وفيا لا يتبرم بها، لأنها حاجة نفسه، ولا يتخفف منها لأنها رسالة حياته، فخلد في الحياتين:

حياة الناس بالذكر الحسن، وفي الباقية بما قدم من صالح الأعمال.

وفاته

وبعد حياة حافلة بجلائل الأعمال، لقي عبد الحميد بن باديس ربه- راضيا مرضيا- في 8 من ربيع الأول سنة 1359هـ (16 من إبريل سنة 1940م) إثر مرض قصير لم يطل، وحامت الأقاويل حول موته:

14

فقيل: إنه مات مسموما، وقيل بل كان موته طبيعيا.

وهكذا الشأن في موت العظماء. وبكته الجزائر كلها، والمغرب العربي، وخرجت الجزائر تشيعه إلى مثواه الأخير -رغم ظروف الحياة القائمة- في قسنطينة، ودفن بها في احتفال مهيب.

رحمه الله رحمة واسعة، وأمطر عليه شآبيب رحمته ورضوانه، وجزاه عن الإسلام وأهله، وعن عارفي فضله أحسن الجزاء.

الجمعة 9 من ذي الحجة سنة 1390هـ

5 من فبراير سنة 1971م

توفيق محمد شاهين

15

خصائص التفسير الباديسي (*)

الحاجة إلى القرآن

القرآن كتاب الإنسانية العليا، استشرفت إليه قبل أربعة عشر قرنًا حين ضامها أبناؤها فعقلوها، فارتكسوا (1) في الحيوانية السفلى، فأخلدوا إلى الأرض، فأكثروا فيها الفساد، فأنزله الله من السماء ليصلح به الأرض وليدل أهلها المستخلفين عليها من بني آدم، على الطريق الواصلة بالله، ويجدد ما رث (2) من علائقهم به.

وما أشد شبه الإنسانية اليوم بالإنسانية قبل نزول القرآن، في جفاف العواطف، وضراوة الغرائز، وتحكم الأهواء، والتباس السبل، وتحكيم القوة، وتغول الوثنية المادية.

وما أحوج الإنسانية اليوم إلى القرآن، وهي في هذا الظلام الحالك من الضلال، وقد عجز العقل عن هدايتها وحده، كما عجز قديمًا عن هدايتها، لولا تأييد الله له بالأمداد السماوية من الوحي الذي يقوي ضعفه إذا أدركه الوهن، ويصلح خطأه إذا اختل ميزانه.

وكما أتى القرآن لأول نزوله بالعجائب المعجزات في إصلاح البشر فإنه حقيق بأن يأتي بتلك المعجزات في كل زمان، إذا وجد ذلك الطراز العالي من العقول التي تفهمته، وذلك النمط السامي من الهمم التي نشرته وعممته، فإن القرآن لا يأتي بمعجزاته ولا يؤتي آثاره في إصلاح النفوس إلاّ إذا تولته بالفهم عقول كعقول السلف، وتولته بالتطبيق العملي نفوس سامية وهمم بعيدة كنفوسهم وهممهم.

أما انتشاره بين المسلمين بهذه الصورة الجافة من الحفظ المجرد، وبهذا النمط السخيف من الفهم السطحي، وبهذا الأسلوب التقليدي من التفسير اللفظي- فإنه لا يفيدهم شيئًا، ولا يفيد بهم شيئًا، بل يزيدهم بعدا عن هدايته، ويزيد أعداءهم استخفافًا بهم، وإمعانًا في التكالب عليهم، والتحكم في رقابهم وأوطانهم.

  • (*) كلمة كتبها العلامة الشيخ البشير الإبراهيمي قدم بها لآيات من سورة الفرقان، وهي التي جمعها المرحوم السيد "أحمد بوشمال" وطبعها عام 1367هـ.
  • (1) هبطوا.
  • (2) ما بلي.
16

ولو فهمنا القرآن كما فهمه السلف، وعملنا به كما عملوا به، وحكّمناه في نفوسنا كما حكموه، وجعلنا أهواءنا ومشاربنا تابعة له، وموزونة بميزانه، لو فعلنا ذلك لكنّا به أعزة في أنفسنا وأئمة لغيرنا.

معنى التفسير

تفسير القرآن، تفهيم لمعانيه وأحكامه وحكمه وآدابه ومواعظه. والتفهم تابع للفهم؛ فمن حسن فهمه أحسن تفهيمه، ومن لم يحسن فهمه لم يحسن تفهيمه، وإن كتب فيه المجلدات، وأملي فيه ألوف المجالس.

وفهم القرآن يتوقف - بعد القريحة الصافية، والذهن النير- على:

التعمق في أسرار البيان العربي.

والتفقه لروح السنة المحمدية المبينة لمقاصد القرآن، الشارحة لأغراضه بالقول والعمل.

والاطلاع الواسع على مفهوم علماء القرون الثلاثة الفاضلة.

ثم على التأمل في سنن الله في الكائنات.

ودراسة ما تنتجه العلوم الاختبارية من كشف لتلك السنن وعجائبها.

وقد فهمه السلف حق الفهم ففسروه حق التفسير، مستعينين بإرشاده على فقه سنن الأكوان.

ولو لم ينحسر تيار الفهوم الإسلامية للقرآن، بما وقف في سبيله من توزع المذاهب والعصبيات المذهبية، لانتهى بها الأمر إلى كشف أسرار الطبيعة ومكنونات الكون، ولسبق العقل الإسلامي إلى اكتشاف هذه العجائب العلمية التي هي مفاخر هذا العصر.

كان علماء السلف يشرحون الجانب العملي من القرآن على أنه هداية عامة لجميع البشر، يطالب كل مؤمن بفهمها والعمل بها.

وكانوا يتحاشون الجانب الغيبي منه لأنه مما لا يصل إليه عقل المكلف، فلا يطالب بعلمه، ولا يحاسب على التقصير فيه.

وكانوا ينظرون إلى الجانب الكوني منه نظرات مسددة، لو صحبها بحث مسدد ممن أتى بعدهم.

طرائق المفسرين

وللمفسرين من عهد التدوين إلى الآن طرائق في فهم القرآن، وأساليب في كتابة تفسيره.

أما الأساليب فقلما تختلف إلاّ بعض العصور، حين تختلف الأساليب الأدبية فتنحط أو تعلو، فيسري التطور منها إلى الأساليب العلمية.

17

وأما الطرائق فإنها تختلف باختلاف الاختصاص في المفسرين والعلوم التي غلبت عليهم وعرفوا بها.

أ- فالمحدثون، يلتزمون التفسير بالمأثور، فإن اختلفت الرواية فمنهم من يروي المتناقضات ويدعك في حيرة، ومنهم من يدخل نظره وفكره في التعديل والترجيح كما يفعل أبو جعفر الطبري.

ب- ومقلدة المذاهب: يفسرون القرآن بقواعد مذاهبهم، ويحكمونها فيه. فإذا خالف نصه قاعدة من قواعدهم ردوه بالتأويل إليها. وهذا شر ما أصيب به هذا العلم، بل هو نوع من التعطيل، وباب من التحريف والتبديل؛ لأنه في حقيقة أمره وضع لكلام الله في الدرجة الثانية من كلام المخلوق، وفي منزلة الفرع من أصله يرد إليه إذا خالفه، وأعظم بها زلة وإن هذه الزلة هي الغالبة على صنيع المتشبثين بالمذاهب والمتعصبين لها، يتباعدون عن القرآن ما شاء لهم الهوى فإذا تناولوه فبهذه النظرة الخاطئة (1).

ج- والمتكلمون في "معاني القرآن" معظمهم من اللغويين والنحاة، فهم يتكلمون غالبا على الألفاظ المفردة، وأوجه الإعراب. فهم أقرب الكاتبين في الغريب أمثال الأصفهاني، وأبي ذر الهروي.

وإنما أطلقوا على كتبهم هذا الإسم (معاني القرآن) لأن بساطة الأسماء كانت هي الغالبة في زمنهم.

د- والإخباريون مفتونون بالقصص، فلا يقعون إلاّ على الآيات المتعلقة به. ويا ليتهم يحققون الحكمة من القصص، فيجلون العبر منها، ويستخرجون الدقائق من سنن الله في الأمم وجميع الكائنات. ولكنهم يسترسلون مع الرواية، وتستهويهم غرابة الأخبار، فينتهي بهم ذلك إلى الإسرائيليات الخاطئة الكاذبة، وقد أدخلوا بصنيعهم هذا على المسلمين ضررا عظيما، وعلى التاريخ فسادا كبيرا.

هـ- وأصحاب المذاهب العقلية إذا تعاطوا التفسير، لا يتوسعون إلاّ في الاستدلالات العقلية على إثبات الصفات أو نفيها، وعلى الغيبيات والنبوات وما يتعلق بها.

ووالنحاة والباحثون في أسرار التراكيب لا يفيضون إلاّ في توجيه الأعاريب أو نكت البلاغة كما يفعل الزمخشري، وأبو حيان.

هكذا فعل القدماء والمحدثون بالقرآن: حكموا فيه نحلهم ومذاهبهم وصناعاتهم الغالبة عليهم، فأضاعوا هديه وبلاغه، وأبعدوا الأمة عنه؛ وصرفوها عن حكمه وأسراره.

  • (1) لأن الأولى هو العكس فنعرض ما يعن لنا على القرآن ليقول رأيه فيه لا أن نفسره على أن نقول ما يوافق آراءنا وأهواءنا. وطالما نادى ابن باديس والبشير بوجوب نبذ التقليد الأعمى، والتعصب الممقوت.
18