تفسير ابن باديس في مجالسالجزء 1 · ص 19 - 29

خصائص التفسير الباديسي

ولو ذهبنا مذهب التحديد في معاني الألفاظ الاصطلاحية لوجدنا المفسر من هؤلاء قليلا.

ز- أما المفسرون الذين يصدق عليهم هذا الوصف: فهم الذين يشرحون بحق فقه القرآن، ويستثيرون أسراره وحكمه، معتمدين على القرآن نفسه، وعلى السنة، وعلى البيان العربي، كما أشرنا إلى ذلك قبلًا.

ومن هؤلاء من اقتصر على الأحكام فقط كابن العربي، والجصاص، وعبد المنعم بن الفرس، وهؤلاء الثلاثة هم الذين انتهت إلينا كتبهم.

ومنهم من عمم، ولكن توسعه ظاهر في الأحكام، وأحكام العبادات والمعاملات، كالقرطبي، وابن عطية، وأضرابهما.

وكان جمود، وكان ركود، وضرب التقليد بجرانه (1)، فقضى على ذكاء الأذكياء وفهم الفهماء، إلى أن أذن الله للعقل الإسلامي أن ينفلت من عقال التقليد، ويستقل في الفهم، وللنهضة العلمية الإسلامية أن يتبلج فجرها، ويعم نورها.

فكانت إرهاصات (2) التجديد لهذا العلم ظاهرة في ثلاثة من أذكى علمائنا وأوسعهم اطلاعا:

الشوكاني (3)، والألوسي، وصديق حسن خان. مع تفاوت بينهم في قوة النزعة الاستقلالية، وفي القدرة على التخلص من الصبغة المذهبية التقليدية.

ثم كانت المعجزة بعد ذلك الإرهاص بظهور إمام المفسرين بلا منازع "محمد عبده" أبلغ من تكلم في التفسير، بيانا لهديه، وفهما لأسراره، وتوفيقا بين آيات الله في القرآن، وبين آياته في الأكوان، فبوجود هذا الإمام وجد علم التفسير وتم، ولم ينقصه إلاّ أنه لم يكتبه بقلمه كما بينه بلسانه، ولو فعل لأبقى للمسلمين تفسيرا لا للقرآن بل لمعجزات القرآن.

ولكنه مات دون ذلك.

فخلفه ترجمان أفكاره ومستودع أسراره "محمد رشيد رضا" فكتب في التفسير ما كتب، ودون آراء الإمام فيه، وشرع للعلماء منهاجه، ومات قبل أن يتمه.

فانتهت إمامة التفسير بعده في العالم الإسلامي كله، إلى أخينا وصديقنا، ومنشئ النهضة الإسلامية العلمية بالجزائر، بل بالشمال الإفريقي "عبد الحميد بن باديس".

خصائص التفسير الباديسي

كان للأخ الصديق "عبد الحميد بن باديس" رحمه الله ذوقا خاص في فهم القرآن كأنه حاسة

  • (1) أي ثبت واستقر.
  • (2) الإرهاصات، علامات تسبق الأمر العظيم.
  • (3) محمد الشوكاني (1757 - 1834) من جلة علمائنا له مؤلفات كثيرة.
19

زائدة خص بها. يرفده- بعد الذكاء المشرق، والقريحة الوقادة، والبصيرة النافذة- بيان ناصع، واطلاع واسع، وذرع فسيح في العلوم النفسية والكونية، وباع مديد في علم الاجتماع، ورأي سديد في عوارضه وأمراضه.

يمد ذلك كله شجاعة في الرأي، وشجاعة في القول، لم يرزقهما إلاّ الأفذاذ المعدودون في البشر.

وله في القرآن رأي بنى عليه كل أعماله في العلم، والإصلاح، والتربية والتعليم: وهو أنه لا فلاح للمسلمين إلاّ بالرجوع إلى هدايته والاستقامة على طريقته، وهو رأي الهداة المصلحين من قبله.

وكان يرى- حين تصدى لتفسير القرآن- أن تدوين التفسير بالكتابة مشغلة عن العمل المقدم؛ لذلك آثر البدء بتفسيره درسا تسمعه الجماهير فتتعجل من الاهتداء به ما يتعجله المريض المنهك من الدواء، وما يتعجله المسافر العجلان من الزاد.

وكان رحمه الله - يستطيع أن يجمع بين الحسنيين، لولا أنه كان مشغولا مع ذلك بتعليم جيل، وتربية أمة، ومكافحة أمية، ومعالجة أمراض اجتماعية، ومصارعة استعمار يؤيدها.

فاقتصر على تفسير القرآن درسا ينهل منه الصادي، ويتزود منه الرائح والغادي، وعكف عليه إلى أن ختمه في خمس وعشرين سنة. ولم يختم التفسير درسا ودراية بهذا الوطن غيره، منذ ختمه "أبو عبد الله الشريف التلمساني" في المائة الثامنة.

كان ذلك الأخ الصديق رحمه الله يعلل النفس باتساع الوقت وانفساح الأجل حتى يكتب تفسيرا على طريقته في الدرس. وكان كلما جرتنا شجون الحديث إلى التفسير، يتمنى أن نتعاون على كتابة التفسير، ويغريني بأن الكتابة علي أسهل منها عليه.

ولا أنسى مجلسا كنا فيه على ربوة من جبل تلمسان في زيارة من زياراته لي، وكنا في حالة حزن لموت الشيخ "رشيد رضا" قبل أسبوع من ذلك اليوم، فذكرنا تفسير المنار، وأسفنا لانقطاعه بموت صاحبه فقلت له: «ليس لإكماله إلاّ أنت». فقال لي: «ليس لإكماله إلاّ أنت». فقلت له: «حتى يكون لي علم رشيد، وسعة رشيد، ومكتبة رشيد، ومكاتب القاهرة المفتوحة في وجه رشيد». فقال لي واثقا مؤكدا: «إننا لو تعاونا وتفرغنا للعمل لأخرجنا للأمة تفسيرا يغطي على التفاسير من غير احتياج إلى ما ذكرت».

ولما احتفلت الأمة الجزائرية ذلك الاحتفال الحافل بختمه لتفسير القرآن عام 1357هـ، وكتبت بقلمي تفسير المعوذتين مقتبسا من درس الختم، وأخرجته في ذلك الأسلوب الذي قرأه الناس في مجلة الشهاب أعجب به أيما إعجاب؛ وتجدد أمله في أن نتعاون على كتابة تفسير كامل، ولكن العوارض باعدت بين الأمل والعمل سنتين.

ثم جاء الموت فباعد بيني وبينه.

20

ثم ألحت الحوادث والأعمال بعده، فلم تبق للقلم فرصة للتحرير ولا للسان مجال في التفسير ... وإنا لله.

لم يكتب الأخ الصديق أماليه في التفسير، ولم يكتب تلامذته الكثيرون شيئًا منها. وضاع على الأمة كنز علم لا يقوّم بمال، ولا يعوض بحال. ومات فمات علم التفسير وماتت طريقة "ابن باديس" في التفسير.

ولكن الله تعالى أبى إلاّ أن يذيع فضله وعلمه. فألهمه كتابة مجالس معدودة من تلك الدروس، وكان ينثرها فواتح لأعداد مجلة "الشهاب" ويسميها "مجالس التذكير"، وهي نموذج صادق من فهمه للقرآن وتفسيره له، كما أنها نموذج من أسلوبه الكتابي.

هذه المجالس العامرة هي التي تصدّى الأخ الوفي السيد "أحمد بو شمال"، عضد الإمام المفسر وصفيه، وكاتبه والمؤتمن على أسراره- لتجريدها من مجلة الشهاب ونشرها كتابًا مستقلًا؛ قيامًا بحق الوفاء للإمام الفقيد، وإحياء لذكراه أخرج أشرف أثر من آثاره، يستروح القراء منه نفحات منعشة من روح ذلك الرجل العظيم؛ ويقرءونه فلا يزيدهم عرفانًا بقدره، فحسبهم ما بنى وشاد، وعلم وأفاد، وما ربى للأمة من رجال كالجبال، وما بث فيها من فضائل وآداب، وما أبقى لها من تراث علمي خالد؛ لا يرثه الأخ عن الأخ، ولا الولد عن الوالد.

وشكرًا للأخ الوفي "أحمد بو شمال" (1) على هذا العمل الذي هو عنوان الوفاء 1367هـ-1948م.

محمد البشير الإبراهيمي

  • (1) نشر السيد أحمد بو شمال من هذه المجالس القيمة آيات مختارة من سورة الفرقان فقط، لأسباب خارجة عن الإرادة وقتها.
    وقد وفقنا الله تعالى لجمع المجالس القرآنية التي افتتح بها ابن باديس مجلة الشهاب كلها؛ بعد تعب ومشقة، يراها القارئ الكريم بين يديه كاملة.
21

حقيقة التذكير والحاجة إليه

في هذا الفصل:

1 - التذكير.

2 - حاجة الخلق إليه.

3 - من يذكر؟

4 - تذكير النبي.

5 - ما كان يذكر به النبي.

6 - من كان يذكرهم النبي.

7 - أفضل الأذكار.

8 - أحوال العبد مع نفسه ومع ربه.

9 - الصحابة يستفتون النبي.

10 - القرآن أفضل الأذكار.

11 - الذكر قلبي ولساني وعملي.

12 - مقدار التلاوة.

13 - أحوال حملة القرآن.

14 - فضل التلاوة.

15 - تحذير: من زعم ... الخ.

16 - وجوه مخالفة هذا الزعم.

17 - لوازم فاسدة لهذا الزعم.

18 - حظ التجربة العملية من تلاوة القرآن.

19 - خطبة افتتاح موسم التفسير، وبيان المراجع التي يعتمد عليها المفسر.

23

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

التذكير

حقيقية التذكير أن تقول لغيرك قولًا يذكر به ما كان به جاهلًا، أو عنه ناسيًا، أو غافلًا. وقد يقوم الفعل والسمت والهدي مقام القول، فيسمى تذكيرًا مجازًا وتوسعًا.

ويجمع للثلاثة قولك: عباد الله الصالحون يذكرون الخلق بالخالق، بأقوالهم وأعمالهم وسمتهم.

حاجة الخلق إليه

وحاجة العباد إلى هذا التذكير أعظم ما يحتاجون إليه وأشرف وألزم. فإن سعادتهم الحقيقية في هذه الحياة بإنارة عقولهم، وزكاة نفوسهم واستقامة سلوكهم.

وفي الحياة الأخرى بنعيم الجنان، وحلول الرضوان- إنما هي بإيمانهم بربهم، وشكرهم له.

وإن دلائل وجوده ووحدانيته وقيوميته، وآثار فضله وإحسانه ورحمته- ماثلة في الكون بادية للعيان، داعية إلى الشكر، هادية إلى الإيمان. لكن العقول كثيرًا ما تكون مغلولة بقيود أهوائها، محجوبة بحجب غفلتها؟ فتعمى عن تلك الدلائل والآثار، فتكفر كفر جحود وعناد، أو كفر عصيان وطغيان؛ ويكون تورطها في كبائر الذنوب وصغائرها على مقدار تلك الحجب وتلك القيود. وليس- لغير من عصم الله- انفكاك أو خروج منها كلها.

فهم إذن بأشد الحاجة إلى تذكيرهم بتلك الدلائل وتلك الآثار ليحصلوا أسباب سعادتهم بالإيمان والشكر.

القائمون بالتذكير

قد علم الله حاجة عباده إلى التذكير، فاصطفى منهم رجالًا أنعم عليهم بكمال الفطرة، ووقاية العصمة، وأرسلهم لتذكير العباد: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 165]، ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ، ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الشعراء: 208، 209].

25

فالأنبياء والمرسلون عليهم الصلاة والسلام- أولو هذا المقام الجليل: مقام التذكير، ثم من بعدهم ورثتهم من العلماء العاملين.

تذكير النبي

قد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم - على سنة إخوانه من الأنبياء والمرسلين- عليهم الصلاة والسلام- في القيام بتذكير العباد، ممتثلا أمر ربه تعالى بقوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 21، 22]. إذ السيطرة لا تكون على القلوب؛ والإيمان -وهو من أعمال القلب- لا يكون بالإكراه، وإنما بذكر الحجج والأدلة، وكذلك سنة المرسلين في الدعوة إلى الله، كما قصها علينا القرآن الكريم في كثير من السور والآيات.

ما كان يذكر به النبي

كان صلى الله عليه وآله وسلم - يذكرهم بقوله وعمله وهديه وسمته، ذلك كله منه على وفق هداية القرآن وحكمه. وقد قالت عائشة الصديقة رضوان الله عليها، لما سئلت عن خلقه قالت: «كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ».

فكان تذكيره كله بآيات القرآن: يتلوها، ويبينها بالبيان القولي والبيان العملي، ممتثلًا في ذلك كله أمر ربه تعالى بقوله: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: 45].

فالقرآن وبيانه القولي والعملي من سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ بهما يكون تذكير العباد، ودعوتهم لله رب العالمين.

ومن حاد في التذكير عنهما ضل وأضل، وكأن ما يضر أكثر مما ينفع إن كان هناك من نفع.

من كان يذكرهم النبي؟

كان صلى الله عليه وآله وسلم - لا يفتأ مذكرًا للمؤمنين والكافرين والله يهدي من يشاء ويوفق من يريد. وقد أمر بالتذكير مطلقًا في قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾.

وكانت سيرته العملية في التذكير هي العمل بهذا الإطلاق، فما كان يخص قومًا دون قوم في الدعوة والتذكير، فكانت هاته السنة العملية، دليلًا على أن ما جاء على صورة التقييد في بعض الآيات ليس المراد منه التقييد، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: 9].

فالشرط الصوري هو للاستبعاد، أي استبعاد نفع الذكرى فيهم. ولا يزال من أساليب العربية في لسان التخاطب الدارج بيننا قول الناس لبعضهم: «كلمه في كذا إذا نفع فيه الكلام» استبعادًا لنفعه فيه.

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾. فليس ذكر المفعول للتقييد، وإنما هو للتنبيه على أنه هو الذي ينتفع بالتذكير، نظير قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾.

26

مشروعية التذكير

ولحاجة العباد للتذكير ومنزلته من الدين شرعه الله للمسلمين شرعًا مؤقتا في خطب الجمع والأعياد، وشرعًا مرسلًا موكولًا للمذكرين على ما يرونه من نشاط الناس وحاجتهم.

وكما كان يتخول النبي صلى الله عليه وآله وسلم - الناس بالموعظة، وطلبه طلبًا عامًا من جميع المؤمنين في قوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ في صفة المؤمنين العاملين.

وسيكون هذا الباب من "المجلة" (1) مجالًا لفنون من التذكير جعلنا الله والمؤمنين من أهل الذكرى، ونفعنا بها دنيا وآخرة.

  • (1) أي مجلة "الشهاب" التي نشر فيها هذا البحث.
27

أفضل الأذكار

تمهيد

(أ) حالة يعالج فيها شؤون الحياة من أمر نفسه وأهله، وما إلى رعايته من مصالحه، أو مصالح غيره، فيمارس فيها الأسباب، ويباشر فيها ما تقتضيه بشريته.

وهو في هذه الحالة متعبد مأجور ما جرى فيها على حدود الله، وقصد بها امتثال شرعه.

(ب) وحالة ينفرد فيها لربه ويخلص قلبه من هم ذلك كله، ويتوجه بكليته إلى خالقه: بالفكر والاعتبار ودوام المراقبة والإقبال.

وهذه الحالة الثانية هي أشرف وأفضل حالتيه، وهي أساس الاستقامة في الحالة الأولى وأصل الكمال فيها.

كانت هاتان الحالتان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم - كما كانتا لغيره. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي فَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً»، إشارة إلى الحالة الأولى: التي يكون فيها قائما بمصالح الأمة، وناهضًا بأعباء الرسالة، ومباشرة الشؤون العامة والخاصة، ورآها دون الحالة الثانية: التي يكون [فيها].متفرغ القلب للرب.

وما كان ذلك الغين إلاّ الاشتغال بأمور الخلق في الحالة الأولى التي يحجب [فيها].عن كمال مشاهدة الحق التي في الحالة الثانية، فاستغفر الله تعالى منه.

وما كان استغفاره عليه الصلاة والسلام - إلاّ لاشتغاله بكامل عن أكمل، وتوجهه للقيام بأمر عظيم عن مقام أعظم.

وقد تفطن الصحابة رضوان الله عليهم لهاتين الحالتين، وسألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنهما، وأفتاهم فيهما: فجاء في الصحيح أن حنظلة الأسيدي- وكان من كتّاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال:

«لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم، يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم عَافَسْنَا (1) الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ (2)، فَنَسِينَا كَثِيرًا.

  • (1) عافسنا: قال الهرويّ وغيره: معناه حاولنا ذلك ومارسناه واشتغلنا به؛ أي عالجنا معايشنا وحظوظنا.
  • (2) الضيعات: جمع ضيعة، وهي معايش الرجل من مال أو حرفة أو صناعة.
28

قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا.

فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم، قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ، فَنَسِينَا كَثِيرًا.

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي فِي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلاَئِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ!! وَلِكْنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً، سَاعَةً وَسَاعَةً، سَاعَةً وَسَاعَةً (1)».

فقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «سَاعَةً وَسَاعَةً» بيان للحالتين وتقرير لها. وقوله: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ» إلى آخره، بيان لفضلاهما.

هذه الحالة الفضلى الذكر الذي يحصلها العبد على أكمل وجه هو أفضل الأذكار.

وستعرف مما سيأتي بعد أنه هو القرآن، وقد قسمنا ما سنقوله إلى قسمين: علمي وعملي، وختمنا بفصل في التحذير.

  • (1) أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب التوبة، حديث 12) وفي آخر الحديث بعد قوله: «ساعة وساعة ...» زيادة لفظ: «ثلاث مرات». وأخرجه أيضًا الترمذي في جامعه (كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، باب 59، حديث 2514).
29