الآيات 168-171
قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأعراف: 168-171)
(1) قوله تعالى: (وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك). وظاهر ذلك أنه لا أرض مسكونة إلا ومنهم فيها أمة، وهذا هو الغالب من حال اليهود ومعنى قطعناهم، فإنه قلما يوجد بلد إلا وفيه طائفة منهم. والمراد بذلك اليهود في الشتات، حيث ابتلاهم الله بالتشتيت في الأرض على شكل جماعات متفرقة في أماكن متعددة ابتلاء لهم، فالتشتيت هنا نوع من التربية يعاني فيه الناس الغربة في المكان والغربة في الدين، ويظهر من خلاله الصالح من الطالح، ومن ينجح في الابتلاء ومن يرسب فيه، إعدادا لحمل الأمانة وأداء الرسالة.
(2) قوله تعالى: (وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون). أي: عاملناهم معاملة المبتلى المختبر بالحسنات وهي الخصب والعافية، والسيئات وهي الجدب والشدائد، قال أهل المعاني: وكل واحد من الحسنات والسيئات يدعو إلى الطاعة، أما النعم فلأجل الترغيب، وأما النقم فلأجل الترهيب. وقوله: (لعلهم يرجعون) لكي يتوبوا. وهذا نمط ثان من الابتلاء الذي ابتلى الله تعالى به بني إسرائيل، وهو أخذه بالرخاء تارة وبالشدة تارة أخرى، والغاية من ذلك هو التوبة والرجوع إلى الله تعالى، مع العلم أن بعض الناس يستفيدون على الرخاء وبعضهم يستفيدون على الشدة وبعضهم لا يستفيدون لا على الرخاء ولا على الشدة، كما هو حال اليهود الآن في فلسطين المحتلة.
(3) قوله تعالى: (فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا، وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه). قال القرطبي في المدلول التربوي لهذه الآية: ((والمقصود من الآية الذم. (ورثوا الكتاب) قال المفسرون: هم اليهود، ورثوا كتاب الله فقرؤوه وعلموه، وخالفوا حكمه وأتوا محارمه مع دراستهم له. فكان هذا توبيخا لهم وتقريعا. (يأخذون عرض هذا الأدنى) ثم أخبر عنهم أنهم يأخذون ما يعرض لهم من متاع الدنيا لشدة حرصهم ونهمهم. (ويقولون سيغفر لنا) وهم لا يتوبون. ودل على أنهم لا يتوبون قوله: (وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه) والعرض: متاع الدنيا، بفتح الراء. وبإسكانها ما كان من المال سوى الدراهم والدنانير. والإشارة في هذه الآية إلى الرشا والمكاسب الخبيثة. ثم ذمهم باغترارهم في قولهم (سيغفر لنا)، وأنهم بحال إذا أمكنتهم ثانية ارتكبوها (وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه) فقطعوا باغترارهم بالمغفرة وهم مصرون، وإنما يقول سيغفر لنا من أقلع وندم. قلت: وهذا الوصف الذي ذم الله تعالى به هؤلاء موجود فينا. أسند الدارمي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: (سيبلى القرآن في صدور أقوام كما يبلى الثوب فيتهافت، يقرؤونه لا يجدون له شهوة ولا لذة، يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب، أعمالهم طمع لا يخالطه خوف، إن قصروا قالوا سنبلغ، وإن أساؤوا قالوا سيغفر لنا، إنا لا نشرك بالله شيئا)).