التفسير التربويالجزء 1 · ص 949 - 957

الآية 199

الآية 199

قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف: 199)

(1) قال الرازي في المدلولات التربوية لهذه الآية: ((اعلم أنه تعالى لما بيّن في الآية الأولى أن الله هو الذي يتولاه، وأن الأصنام وعابديها لا يقدرون على الإيذاء والإضرار، بيّن في هذه الآية ما هو المنهج القويم والصراط المستقيم في معاملة الناس فقال: (خذ العفو وأمر بالعرف). قال أهل اللغة: العفو الفضل وما أتي من غير كلفة. إذا عرفت هذا نقول: الحقوق التي تستوفى من الناس وتؤخذ منهم، إما أن يجوز إدخال المساهلة والمسامحة فيها، وإما أن لا يجوز. أما القسم الأول: فهو المراد بقوله: (خذ العفو) ويدخل فيه ترك التشدد في كل ما يتعلق بالحقوق المالية، ويدخل فيه أيضاً التخلق مع الناس بالخلق الطيب، وترك الغلظة والفظاظة، كما قال تعالى: (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) (آل عمران: 159)، ومن هذا الباب أن يدعو الخلق إلى الدين الحق بالرفق واللطف كما قال تعالى: (وجادلهم بالتي هي أحسن) (النحل: 125). وأما القسم الثاني: وهو الذي لا يجوز دخول المساهلة والمسامحة فيه، فالحكم فيه أن يأمر بالمعروف، والعرف، والعارفة، والمعروف هو كل أمر عرف أنه لا بد من الإتيان به، وأن وجوده خير من عدمه، وذلك لأن في هذا القسم لو اقتصر على الأخذ بالعفو ولم يأمر بالعرف ولم يكشف عن حقيقة الحال لكان ذلك سعيا في تغيير الدين وإبطال الحق وأنه لا يجوز. ثم إنه إذا أمر بالعرف ورغب فيه ونهى عن المنكر ونفر عنه فربما أقدم بعض الجاهلين على السفاهة والإيذاء فلهذا السبب قال تعالى في آخر الآية: (وأعرض عن الجاهلين). وقال في آية أخرى: (وإذا مروا باللغو مروا كراما) (الفرقان: 72). وقال: (والذين هم عن اللغو معرضون) (المؤمنون: 3). وإذا أحاط عقلك بهذا التقسيم، علمت أن هذه الآية مشتملة على مكارم الأخلاق فيما يتعلق بمعاملة الإنسان مع الغير. قال عكرمة: لما نزلت هذه الآية قال عليه الصلاة والسلام: (يا جبريل ما هذا؟) قال: (يا محمد إن ربك يقول: هو أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك)، قال أهل العلم: تفسير جبريل مطابق للفظ الآية، لأنك لو وصلت من قطعك فقد عفوت عنه، وإذا آتيت من حرمك فقد آتيت بالمعروف، وإذا عفوت عمن ظلمك فقد أعرضت عن الجاهلين. وقال جعفر الصادق: وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية)).

949

(2) وقال القرطبي في المدلولات التربوية لهذه الآية: ((هذه الآية من ثلاث كلمات، تضمنت قواعد الشريعة في المأمورات والمنهيات. فقوله: (خذ العفو) دخل فيه صلة القاطعين، والعفو عن المذنبين، والرفق بالمؤمنين، وغير ذلك من أخلاق المطيعين. ودخل في قوله: (وأمر بالعرف) صلة الأرحام، وتقوى الله في الحلال والحرام، وغض الأبصار، والاستعداد لدار القرار. وفي قوله: (وأعرض عن الجاهلين) الحض على التعلق بالعلم، والإعراض عن أهل الظلم، والتنزه عن منازعة السفهاء، ومساواة الجهلة الأغبياء، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة والأفعال الرشيدة. قلت: هذه الخصال تحتاج إلى بسط، وقد جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم لجابر بن سليم. قال جابر بن سليم: ركبت قعودي ثم أتيت إلى مكة فطلبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنخت قعودي بباب المسجد، فدلوني على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو جالس عليه برد من صوف فيه طرائق حمر، فقلت: السلام عليك يا رسول الله. فقال: وعليك السلام. فقلت: إنا معشر أهل البادية، قوم فينا الجفاء، فعلمني كلمات ينفعني الله بها. قال: ادن، ثلاثا، فدنوت، فقال: أعد علي، فأعدت عليه. فقال: (اتق الله، ولا تحقرن من المعروف شيئا، وأن تلقى أخاك بوجه منبسط، وأن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، وإن امرؤ سبك بما لا يعلم منك فلا تسبه بما تعلم فيه فإن الله جاعل لك أجرا وعليه وزرا ولا تسبنّ شيئا مما خولك الله تعالى). قال جابر بن سليم: فوالذي نفسي بيده، ما سببت بعده شاة ولا بعيرا. (أخرجه أبو بكر البزار في مسنده بمعناه). وروى أبو سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنكم لا تسعون الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق). وروى البخاري من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير في قوله: (خذ العفو وأمر بالعرف) قال: ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس. وروى سفيان بن عيينة عن الشعبي أنه قال: إن جبريل نزل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (ما هذا يا جبريل؟) فقال: (لا أدري حتى أسأل ربي)، فذهب فمكث ساعة ثم رجع، فقال: (إن الله تعالى يأمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك). وقال جعفر الصادق: أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق في هذه الآية، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية. وقال صلى الله عليه وسلم: (بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). وقال سهل بن عبد الله: كلم الله موسى بطور سيناء. قيل له: بأي شيء أوصاك؟ قال: (بتسعة أشياء: الخشية في السر والعلانية، وكلمة الحق في الرضا والغضب، والقصد في الفقر والغني، وأمرني أن أصل من قطعني، وأعطي من حرمني، وأعفو عمن ظلمني، وأن يكون نطقي ذكرا، وصمتي فكرا، ونظري عبرة). قلت: وقد روي عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أمرني ربي بتسع: الإخلاص في السر والعلانية والعدل في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر، وأن أعفو عمن ظلمني، وأصل من قطعني، وأعطي من حرمني، وأن يكون نطقي ذكرا، وصمتي فكرا، ونظري عبرة). قوله تعالى: (وأمر بالعرف) أي بالمعروف. والعرف والمعروف والعارفة: كل خصلة

950

حسنة ترتضيها العقول، وتطمئن إليها النفوس. قال الشاعر: من يفعل الخير لا يعدم جوازيه * لا يذهب العرف بين الله والناس. قوله تعالى: (وأعرض عن الجاهلين) أي إذا أقمت عليهم الحجة وأمرتهم بالمعروف فجهلوا عليك فأعرض عنهم، صيانة له عليهم ورفعا لقدره عن مجاوبتهم. وهذا وإن كان خطابا لنبيه عليه الصلاة والسلام فهو تأديب لجميع خلقه. وقال مجاهد وقتادة: هذه الآية محكمة. وهو الصحيح لما رواه البخاري عن عبد الله بن عباس قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس بن حصن، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته، كهولا كانوا أو شبانا. فقال عيينة لابن أخيه: يا بن أخي، هل لك وجه عند هذا الأمير، فتستأذن لي عليه. قال سأستأذن لك عليه، فاستأذن لعيينة. فلما دخل قال: يا بن الخطاب، والله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل! قال: فغضب عمر حتى هم بأن يقع به. فقال الحر، يا أمير المؤمنين، إن الله قال لنبيه عليه الصلاة والسلام: (خذ العفو، وأمر بالعرف، وأعرض عن الجاهلين) وإن هذا من الجاهلين. فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافا عند كتاب الله عز وجل.

قلت: فاستعمال عمر رضي الله عنه لهذه الآية واستدلال الحر بها يدل على أنها محكمة. وقال عصام بن المصطلق: دخلت المدينة فرأيت الحسن بن علي رضي الله عنهما، فأعجبني سمته وحسن روائه، فأثار مني الحسد ما كان يجنه صدري لأبيه من البغض، فقلت: أنت ابن أبي طالب! قال نعم. فبالغت في شتمه وشتم أبيه، فنظر إلي نظرة عاطف رؤوف، ثم قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) فقرأ إلى قوله: (فإذا هم مبصرون)، ثم قال لي: خفض عليك، استغفر الله لي ولك إنك لو استعنتنا أعناك، ولو استرفدتنا أرفدناك، ولو استرشدتنا أرشدناك. فتوسم في الندم على ما فرط مني فقال: (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين)، أمن أهل الشام أنت؟ قلت نعم. قال: حياك الله وبيّاك، وعافاك، وآداك، انبسط إلينا في حوائجك وما يعرض لك، تجدنا عند أفضل ظنك، إن شاء الله. قال عصام: فضاقت علي الأرض بما رحبت، ووددت أنها ساخت بي، ثم تسللت منه لواذا، وما على وجه الأرض أحب إلي منه ومن أبيه)).

951

(3) وقال صاحب الظلال في المدلولات التربوية لهذه الآية: ((خذ العفو) أي الميسر الممكن من أخلاق الناس في المعاشرة والصحبة، ولا تطلب إليهم الكمال، ولا تكلفهم الشاق من الأخلاق، واعف عن أخطائهم وضعفهم ونقصهم. كل أولئك في المعاملات الشخصية لا في العقيدة الدينية ولا في الواجبات الشرعية، فليس في عقيدة الإسلام ولا شريعة الله يكون التغاضي والتسامح، ولكن في الأخذ والعطاء والصحبة والجوار، وبذلك تمضي الحياة سهلة لينة، فالإغضاء عن الضعف البشري، والعطف عليه، والسماحة معه، واجب الكبار الأقوياء تجاه الصغار الضعفاء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم راع وهاد ومعلم ومرب، فهو أولى الناس بالسماحة واليسر والإغضاء، وكذلك كان صلى الله عليه وسلم، لم يغضب لنفسه قط، فإذا كان في دين الله لم يقم لغضبه شيء! وكل أصحاب الدعوة مأمورون بما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالتعامل مع النفوس البشرية لهدايتها يقتضي سعة صدر، وسماحة طبع، ويسرا وتيسيرا في غير تهاون ولا تفريط في دين الله. (وأمر بالعرف) وهو الخير المعروف الواضح الذي لا يحتاج إلى مناقشة وجدال، والذي تلتقي عليه الفطر السليمة والنفوس المستقيمة، والنفس حين تعتاد هذا المعروف يسلس قيادها بعد ذلك، وتتطوع لألوان من الخير دون تكليف، وما يصد النفس عن الخير شيء مثلما يصدها التعقيد والمشقة والشد في أول معرفتها بالتكاليف! ورياضة النفوس تقتضي أخذها في أول الطريق بالميسور المعروف من هذه التكاليف حتى يسلس قيادتها وتعتاد هي بذاتها النهوض بما فوق ذلك في يسر وطواعية ولين. (وأعرض عن الجاهلين) من الجهالة ضد الرشد، والجهالة ضد العلم، وهما قريب من قريب، والإعراض يكون بالترك والإهمال، والتهوين من شأن ما يجهلون به من التصرفات والأقوال، والمرور بها مر الكرام، وعدم الدخول معهم في جدال لا ينتهي إلى شيء إلا الشد والجذب، وإضاعة الوقت والجهد، وقد ينتهي السكوت عنهم والإعراض عن جهالتهم إلى تذليل نفوسهم وترويضها، بدلا من الفحش في الرد واللجاج في العناد، فإن لم يؤد إلى هذه النتيجة فيهم، فإنه يعزلهم عن الآخرين الذين في قلوبهم خير، إذ يرون صاحب الدعوة محتملا معرضا عن اللغو، ويرون هؤلاء الجاهلين يحمقون ويجهلون فيسقطون من عيونهم ويُعزلون! وما أجدر صاحب الدعوة أن يتبع هذا التوجيه الرباني العليم بدخائل النفوس!)).

952

الآية 200

قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأعراف: 200)

(1) في التفريق بين الآية السابقة والآية الحالية نقول: إن الشياطين نوعان، شياطين الإنس وينفع معها التعامل على أساس من الآية السابقة بأخذ العفو والأمر بالعرف والإعراض عن الجاهلين، وأما شياطين الجن فلا ينفع معها غير الاستعاذة بالله منها كما في هذه الآية. قال ابن كثير في التفسير: ((الكلام على تفسير الاستعاذة: قال الله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ * وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم) (الأعراف: 199، 200)، وقال تعالى: (ادفع بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ * وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ) (المؤمنون: 96 -98)، وقال تعالى: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم) (فصلت: 34 -36). فهذه ثلاث آيات ليس لهن رابعة في معناها، وهو أن الله يأمر بمصانعة العدو الإنسي والإحسان إليه، ليرده عنه طبعُهُ الطَّيب الأصل إلى الموادة والمصافاة، ويأمر بالاستعاذة به من العدو الشيطاني لا محالة، إذ لا يقبل مصانعة ولا إحسانا ولا يبتغي غير هلاك ابن آدم، لشدة العداوة بينه وبين أبيه آدم من قبل، كما قال تعالى: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِير) (فاطر: 6)).

953

(2) وفي هذه الآية تربية وتعليم للمؤمنين في كيفية التعامل مع وساوس الشيطان، فإذا تعرض لشيء من الوساوس والخواطر الشيطانية يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم مستحضرا في نفسه معنى الاستعاذة بالله. ومعنى (ينزغنك): يصيبنك ويعرض لك عند الغضب وسوسة بما لا يحل. (فاستعذ بالله) أي اطلب النجاة من ذلك بالله. فأمر تعالى أن يدفع الوسوسة بالالتجاء إليه والاستعاذة به. ولله المثل الأعلى، فلا يستعاذ من الكلاب إلا برب الكلاب. وقد ذكر عن بعض السلف أنه قال لتلميذه: ما تصنع بالشيطان إذا سول لك الخطايا؟ قال: أجاهده. قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده. قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده. قال: هذا يطول، أرأيت لو مررت بغنم فنبحك كلبها ومنعك من العبور ما تصنع؟ قال: أكابده وأرده جهدي. قال: هذا يطول عليك، ولكن استغث بصاحب الغنم يكفه عنك. قلت: ونظير هذه الآية ما في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يأتي الشيطان أحدكم فيقول له: من خلق كذا وكذا؟ حتى يقول له: من خلق ربك فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته». وفي مسند الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يجدون من الوسوسة، وقالوا: يا رسول الله، إنا لنجد شيئا لو أن أحدنا خر من السماء كان أحب إليه من أن يتكلم به، فقال النبي صلى الله عليه وسلك: «ذاك محض الإيمان». وصريح الإيمان هنا هو مدافعة الوسوسة بالاستعاذة بالله تعالى من الشيطان الرجيم وليس الوسوسة نفسها. فسمى الوسوسة إيمانا لما كان دفعها والإعراض عنها والرد لها وعدم قبولها والجزع منها صادرا عن الإيمان. وقد أمر الله بالاستعاذة لكون الوساوس من آثار الشيطان، كما أمر بالانتهاء عن الركون إليها والالتفات نحوها. فمن كان صحيح الإيمان واستعمل ما أمره به ربه ونبيه نفعه وانتفع به. وأما من خالجته الشبهة وغلب عليه الحس ولم يقدر على الانفكاك عنها فلا بد من مشافهته بالدليل العقلي، كما قال صلى الله عليه وسلم للذي خالطته شبهة الإبل الجرب حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى» وقال أعرابي: فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء فإذا دخل فيها البعير الأجرب أجربها؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «فمن أعدى الأول» (البخاري ومسلم) فاستأصل الشبهة من أصلها.

954

(3) هذا الخطاب وإن خص الله تبارك وتعالى به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فإن فيه تأديب وتربية وتعليم لجميع المكلفين، لأن الاستعاذة بالله لطف مانع من تأثير وساوس الشيطان. والاستعاذة بالله في هذه الحالة بأن يتذكر المرء عظيم نعم الله عليه وشديد عقابه فيدعوه كل واحد من هذين الأمرين إلى الإعراض عن مقتضى الطبع والإقبال على أمر الشرع. وقوله تعالى: (إنه سميع عليم) يدل على أن الاستعاذة باللسان لا تفيد إلا إذا حضر في القلبَ العلمُ بمعنى الاستعاذة، فكأنه تعالى يقول: اذكر لفظ الاستعاذة بلسانك فإني سميع، واستحضر معاني الاستعاذة بقلبك وعقلك فإني عليم بما في قلبك وعقلك، وفي الحقيقة فإن القول اللساني بدون المعارف القلبية لا فائدة له ولا أثر.

955

الآيات 201-203

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآَيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: 201-203)

(1) قوله تعالى: (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون). المعنى: إن الذين اتقوا المعاصي إذا لحقهم شيء تفكروا في قدرة الله عز وجل وفي إنعامه عليهم فتركوا المعصية. وقد بيّن الله تعالى في الآية السابقة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد ينزغه الشيطان وبين أن علاج هذه الحالة الاستعاذة بالله، ثم بيّن في هذه الآية أن حال المتقين يزيد على حال الرسول في هذا الباب، لأن الرسول لا يحصل له من الشيطان إلا النزغ الذي هو كالابتداء في الوسوسة، وجوّز في المتقين ما يزيد عليه وهو أن يمسهم طائف من الشيطان، وهذا المس يكون أبلغ من النزغ. قال الرازي في المدلول التربوي لهذه الآية: ((اعلم أن الغضب إنما يهيج بالإنسان إذا استقبح من المغضوب عليه عملا من الأعمال، ثم اعتقد في نفسه كونه قادرا، واعتقد في المغضوب عليه كونه عاجزا عن الدفع، فعند حصول هذه الاعتقادات الثلاثة إذا كان واقعا في ظلمات عالم الأجسام اغترّ بظواهر الأمور. فأما إذا انكشف له نور من عالم الغيب زالت هذه الاعتقادات الثلاثة من جهات كثيرة. أما الاعتقاد الأول: وهو استقباح ذلك الفعل من المغضوب عليه، فإذا انكشف له أنه إنما أقدم على ذلك العمل لأنه تعالى خلق فيه داعية جازمة راسخة، ومتى خلق الله فيه تلك الداعية امتنع منه أن لا يقدم على ذلك العمل، فإذا تجلى هذا المعنى زال الغضب، وأيضا فقد يخطر ببال الإنسان أن الله تعالى علم منه هذه الحالة، ومتى كان كذلك فلا سبيل له إلى تركها، فعند ذلك يفر غضبه، وإليه الإشارة بالقول المأثور: (من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب). وأما الاعتقاد الثاني والثالث: وهو اعتقاده في نفسه كونه قادرا، وكون المغضوب عليه عاجزا، فهذان الاعتقادان أيضا فاسدان من وجوه: (أحدها) أنه يعتقد أنه كم أساء في العمل، والله كان قادرا عليه، وهو كان أسيرا في قبضة قدرة الله تعالى، ثم إنه تجاوز عنه. (وثانيها) أن المغضوب عليه كما أنه عاجز في يد الغضبان، فكذلك الغضبان عاجز بالنسبة إلى قدرة الله. (وثالثها) أن يتذكر الغضبان ما أمره الله به من ترك إمضاء الغضب والرجوع إلى ترك الإيذاء والإيحاش. (ورابعها) أن يتذكر أنه إذا أمضى الغضب وانتقم كان شريكا للسباع المؤذية والحياة القاتلة، وإن ترك الانتقام واختار العفو كان شريكا لأكابر الأنبياء والأولياء. (وخامسها) أن يتذكر أنه ربما انقلب ذلك الضعيف قويا قادراً عليه، فحينئذ ينتقم منه على أسوأ الوجوه، أما إذا عفا كان ذلك إحساناً منه إليه. وبالجملة فالمراد من قوله تعالى: (إذا مسهم طائف من الشيطان) ما ذكرناه من الاعتقادات الثلاثة، والمراد من قوله: (تذكروا) ما ذكرناه من الوجوه التي تفيد ضعف تلك الاعتقادات، وقوله تعالى: (فإذا هم مبصرون) معناه أنه إذا حضرت هذه التذكرات في عقولهم ففي الحال يزول مس طائف الشيطان، ويحصل الاستبصار والانكشاف والتجلي ويحصل الخلاص من وسوسة الشيطان)).

956

(2) قوله تعالى: (وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يُقصرون). المعنى وإخوان الشياطين وهم الفجار من ضلال الإنس تمدهم الشياطين في الغي. فدلت هذه الآية على الترابط في العلاقة بين شياطين الإنس (وهم الكافرون من الإنس) وبين شياطين الجن (وهم الكافرين من الجن)، وذلك أن شياطين الجن يحرضون شياطين الإنس على المعاصي والوساوس الشيطانية، وهذا كقوله تعالى: (ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا) (مريم: 83)، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: «يا أبا ذر تعوذ بالله من شياطين الإنس والجن» فقلت: أو للإنس شياطين؟ قال: «نعم» (أحمد).

(3) قوله تعالى: (وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها، قل إنما اتبع ما يوحى إلي من ربي، هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون). قال الرازي في المدلول التربوي لهذه الآية: ((اعلم أنه تعالى لما بيّن في الآية الأولى أن شياطين الجن والإنس لا يقصرون في الإغواء والإضلال، بيّن في هذه الآية نوعا من أنواع الإغواء والإضلال وهو أنهم كانوا يطلبون آيات معينة ومعجزات مخصوصة على سبيل التعنت كقوله: (وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لك حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعا) (الإسراء: 90)، ثم أعاد: أنه عليه الصلاة والسلام ما كان يأتيهم، فعند ذلك قالوا: (لولا اجتبيتها) قال الفراء: تقول العرب اجتبيت الكلام واختلقته وارتجلته إذا افتعلته من قبل نفسك، والمعنى: لولا تقولتها وافتعلتها وجئت بها من عند نفسك أو هلا اقترحتها على إلهك ومعبودك إن كنت صادقا في أن الله يقبل دعاءك ويجيب التماسك، وعند هذا أمر رسوله أن يذكر الجواب الشافي وهو قوله: (قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يوحى إِلَىَّ مِن رَّبِّى) ومعناه: ليس لي أن أقترح على ربي في أمر من الأمور، وإنما أنتظر الوحي فكل شيء أكرمني به قلته، وإلا فالواجب السكوت وترك الاقتراح. ثم بين أن عدم الإتيان بتلك المعجزات التي اقترحوها لا يقدح في الغرض لأن ظهور القرآن على وفق دعواه معجزة بالغة باهرة، فإذا ظهرت هذه المعجزة الواحدة كانت كافية في تصحيح النبوة، فكان طلب الزيادة من باب التعنت، فذكر في وصف القرآن ألفاظا ثلاثة: (أولها) قوله: (هذا بصائر من ربكم) أصل البصيرة الإبصار، ولما كان القرآن سببا لبصائر العقول في دلائل التوحيد والنبوة والمعاد أطلق عليه لفظ البصيرة، تسمية للسبب باسم المسبب. (وثانيها) قوله: (وهدى) والفرق بين هذه المرتبة وما قبلها أن الناس في معارف التوحيد والنبوة والمعاد قسمان: أحدهما: الذين بلغوا في هذه المعارف إلى حيث صاروا كالمشاهدين لها وهم أصحاب عين اليقين. والثاني: الذين ما بلغوا إلى ذلك الحد إلا أنهم وصلوا إلى درجات المستدلين: وهم أصحاب علم اليقين، فالقرآن في حق الأولين وهم السابقون بصائر، وفي حق القسم الثاني وهم المقتصدون هدى. (وثالثها) قوله: (ورحمة) في حق عامة المؤمنين رحمة. ولما كانت الفرق الثلاث من المؤمنين لا جرم قال: (لقوم يؤمنون)).

957