التفسير التربويالجزء 1 · ص 1055 - 1064

الآيات 17-22

الآيات 17-22

قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (التوبة: 17-22)

في سبب نزول هذه الآيات، قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «لما أسر العباس يوم بدر، أقبل عليه المسلمون فعيروه بكفره بالله وقطيعة الرحم، وأغلظ له علي. وقال: ألكم محاسن؟ فقال: نعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحاج، ونفك العاني، فأنزل الله تعالى هذه الآيات».

1055

(1) قوله تعالى: (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر، أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون). هذه الآية إنشاء جاء في صيغة الإخبار، ومعناها: ما ينبغي للمشركين أن يعمروا مساجد الله وهم شاهدون على أنفسهم بالكفر. يقول: إن المساجد إنما تعمر لعبادة الله فيها، لا للكفر به، فمن كان بالله كافرا فليس من شأنه أن يعمر مساجد الله، ولا تسمحوا له بذلك أيها المؤمنون، وإذا كان الأمر كذلك، فأولى أن لا يمكنوا من عمارة المسجد الحرام الذي هو أشرف المساجد وأعظمها. واعلم أن عمارة المساجد قسمان: إما بلزومها وكثرة إتيانها، يقال: فلان يعمر مجلس فلان إذا كثر غشيانه إياه، أو بالعمارة المعروفة في البناء. فإن كان المراد هو الثاني، كان المعنى أنه ليس للكافر أن يقدم على بناء المساجد أو ترميمها، وإنما لم يجز له ذلك لأن المسجد موضع العبادة فيجب أن يكون معظما والكافر يهينه ولا يعظمه، وأيضا الكافر نجس في الحكم لقوله تعالى: (إنما المشركون نجس) (التوبة: 28)، وتطهير المساجد واجب لقوله تعالى: (أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود) (البقرة: 125)، ولأن الكافر لا يحترز من النجاسات فدخوله في المسجد تلويث للمسجد، وذلك قد يؤدي إلى فساد عبادة المسلمين، وإقدامه على بناء أو ترميم المسجد يجري مجرى الإنعام على المسلمين، ولا يجوز أن يصير الكافر صاحب المنة على المسلمين. قال الواحدي: «دلت هذه الآية على أن الكفار ممنوعون من عمارة مسجد من مساجد المسلمين، ولو أوصى بها لم تقبل وصيته، ويمنع عن دخول المساجد، وإن دخل بغير إذن مسلم استحق التعزير، وإن دخل بإذن لم يعزر، والأولى تعظيم المساجد ومنعهم منها، وقد أنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد ثقيف في المسجد وهم كفار، وشد ثمامة بن أثال الحنفي في سارية من سواري المسجد الحرام وهو كافر». قال الرازي في تفسير هذه الآية: ((أما قوله تعالى: (شاهدين على أنفسهم بالكفر) فذكروا في تفسير هذه الشهادة وجوها: (الأول) وهو الأصح، أنهم أقروا على أنفسهم بعبادة الأوثان وتكذيب القرآن وإنكار نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، وكل ذلك كفر، فمن يشهد على نفسه بكل هذه الأشياء فقد شهد على نفسه بما هو كفر في نفس الأمر، وليس المراد أنهم شهدوا على أنفسهم بأنهم كافرين. (والثاني) قال السدي: شهادتهم على أنفسهم بالكفر هو أن النصراني إذا قيل له من أنت فيقول: نصراني، واليهودي يقول: يهودي، وعابد الوثن يقول: أنا عابد الوثن، وهذا الوجه إنما يتقرر بما ذكرناه في الوجه الأول. (والثالث) أن الغلاة منهم كانوا يقولون كفرنا بدين محمد وبالقرآن فلعل المراد ذلك. (والرابع) أنهم كانوا يطوفون عراة، يقولون لا نطوف بثياب عصينا الله فيها، وكلما طافوا شوطا سجدوا للأصنام، فهذا هو شهادتهم على أنفسهم بالشرك. (والخامس) أنهم كانوا يقولون لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك. (والسادس) نقل عن ابن عباس: أنه قال : المراد أنهم يشهدون على الرسول بالكفر. ثم قال: (أولئك حبطت أعمالهم) والمراد منه: ما هو الفصل الحق في هذا الكتاب، وهو أنه إن كان قد صدر عنهم عمل من أعمال البر، مثل إكرام الوالدين، وبناء الرباطات، وإطعام الجائع، وإكرام الضيف فكل ذلك باطل، لأن عقاب كفرهم زائد على ثواب هذه الأشياء فلا يبقى لشيء منها أثر في استحقاق الثواب والتعظيم مع الكفر. ثم قال: (وفي النار هم خالدون) وهو إشارة إلى كونهم مخلدين في النار)).

1056

(2) قوله تعالى: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، ولم يخش إلا الله، فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين). فيه تربية على أن من يعمر المساجد يجب أن يتصف بأربع صفات، وفي حال اتصافه بهذه الصفات فإنه يكون من المهتدين لأن عسى عند الله واجبة وليست على بابها من الشك كما هو في اللغة العربية، وفيه تربية بالقدوة كي يتصف المؤمنون بهذه الصفات مع صفة إعمارهم للمساجد بالمعنى المادي البناء والترميم وبالمعنى المعنوي بالتردد عليها للصلاة وأمور الدين وإقامة حلقات العلم فيها. وهذه الصفات الأربعة هي: (الصفة الأولى) قوله تعالى: (من آمن بالله واليوم الآخر)، وقد روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان»، والشهادة بالإيمان لمن يرتاد المساجد صحيحة إذا كانت في ظروفها الصحية لأننا نجد ممن يرتادون المساجد من يرتادها رياء أو لتتبع عورات المسلمين. (والصفة الثانية) قوله تعالى: (وأقام الصلاة)، والسبب فيها أن المقصود الأعظم من بناء المساجد إقامة الصلوات، فالإنسان ما لم يكن مقرا بوجوب الصلوات امتنع أن يقدم على بناء المساجد. (والصفة الثالثة) قوله تعالى: (وآتى الزكاة)، وهذا يدل على أن المراد من عمارة المسجد الحضور فيه، وذلك لأن الإنسان إذا كان مقيما للصلاة فإنه يحضر في المسجد فتحصل عمارة المسجد به، وإذا كان مؤتيا للزكاة فإنه يحضر في المسجد طوائف الفقراء والمساكين لطلب أخذ الزكاة فتحصل عمارة المسجد به. وأما إذا حملنا العمارة على مصالح البناء والترميم فإن إيتاء الزكاة معتبر في هذا الباب، لأن إيتاء الزكاة واجب وبناء المسجد يدخل في مصارف الزكاة، والظاهر أن الإنسان ما لم يكن مؤديا للزكاة لم يشتغل ببناء المساجد. (والصفة الرابعة) قوله تعالى: (ولم يخش إلا الله)، والمراد منه أن يبني المسجد لا لأجل الرياء والسمعة وأن يقال: إن فلانا يبني مسجدا، ولا أن يرتاد المساجد لأجل الرياء والسمعة وأن يقال: إن فلانا ليس خنزير الجمعة، ولكنه يبنيه لمجرد طلب رضوان الله تعالى ولمجرد تقوية دين الله.

1057

(3) قوله تعالى: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله، لا يستوون عند الله، والله لا يهدي القوم الظالمين). في سبب نزول هذه الآية قولان: (الأول) ما رواه الطبري بإسناده إلى السدي أنه قال: «افتخر العباس بن عبد المطلب بالسقاية، وشيبة بن عثمان بالعمارة، وعلي بن أبي طالب بالإسلام والجهاد، فصدق الله عليا وكذبهما، وأخبر أن العمارة لا تكون بالكفر، وإنما تكون بالإيمان والعبادة وأداء الطاعة». (والثاني) ما رواه مسلم في صحيحه عن النعمان بن بشير قال: «كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل: ما أبالي ألا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج. وقال آخر: ما أبالي ألا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام. وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم. فزجرهم عمر بن الخطاب، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يوم الجمعة، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت واستفتيته فيما اختلفتم فيه. فأنزل الله عز وجل هذه الآية». وفي هذه الآية توبيخ من الله تعالى ذكره لقوم افتخروا بالسقاية وسدانة البيت، فأعلمهم جل ثناؤه أن الفخر في الإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيله، لا في الذي افتخروا به من السِّدانة والسقاية. ومعنى قوله تعالى: (والله لا يهدي القوم الظالمين) هو أن الكافرين ظالمون لأنفسهم، فإنهم خلقوا للإيمان وهم رضوا بالكفر، فكانوا ظالمين لأن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، وقد ظلموا المسجد الحرام فإنه تعالى خلقه ليكون موضعاً لعبادته فجعلوه موضعاً لعبادة الأوثان.

1058

(4) قوله تعالى: (الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون. يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم. خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم). قال الإمام الرازي في المدلولات التربوي لهذه الآيات، وهذا النص من النصوص الإبداعية في عالم التربية النفسية والتهذيب الروحي والتربية بالترغيب والثواب: ((اعلم أنه تعالى ذكر ترجيح الإيمان والجهاد على السقاية وعمارة المسجد الحرام على طريق الرمز ثم أتبعه بذكر هذا الترجيح على سبيل التصريح في هذه الآية فقال: إن من كان موصوفا بهذه الصفات الأربعة كان أعظم درجة عند الله ممن اتصف بالسقاية والعمارة. وتلك الصفات الأربعة هي هذه: فأولها الإيمان، وثانيها الهجرة، وثالثها الجهاد في سبيل الله بالمال، ورابعها الجهاد بالنفس. وإنما قلنا: إن الموصوفين بهذه الصفات الأربعة في غاية الجلالة والرفعة لأن الإنسان ليس له إلا مجموع أمور ثلاثة: الروح، والبدن، والمال. أما الروح فلما زال عنه الكفر وحصل فيه الإيمان فقد وصل إلى مراتب السعادات اللائقة بها. وأما البدن والمال فبسبب الهجرة وقعا في النقصان، وبسبب الاشتغال بالجهاد صارا معرضين للهلاك والبطلان، ولا شك أن النفس والمال محبوب الإنسان، والإنسان لا يعرض عن محبوبه إلا للفوز بمحبوب أكمل من الأول، فلولا أن طلب الرضوان أتم عندهم من النفس والمال لما رجحوا جانب الآخرة على جانب النفس والمال، ولما رضوا بإهدار النفس والمال لطلب مرضاة الله تعالى. فثبت أن عند حصول الصفات الأربعة صار الإنسان واصلا إلى آخر درجات البشرية وأول مراتب درجات الملائكة، وأي مناسبة بين هذه الدرجة وبين الإقدام على السقاية والعمارة لمجرد الاقتداء بالآباء والأسلاف ولطلب الرياسة والسمعة؟ واعلم أنه تعالى لم يقل أعظم درجة من المشتغلين بالسقاية والعمارة لأنه لو عين ذكرهم لأوهم أن فضيلتهم إنما حصلت بالنسبة إليهم، ولما ترك ذكر المرجوح دل ذلك على أنهم أفضل من كل من سواهم على الإطلاق، لأنه لا يعقل حصول سعادة وفضيلة للإنسان أعلى وأكمل من هذا الصفات. واعلم أن قوله: (عند الله) يدل على أن المراد من كون العبد عند الله الاستغراق في عبوديته وطاعته، وليس المراد منه العندية بحسب الجهة والمكان، وعند هذا يلوح أن الملائكة كما حصلت لهم منقبة العندية في قوله: (ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته) (الأنبياء: 19) فكذلك الأرواح القدسية البشرية إذا تطهرت عن دنس الأوصاف البدنية والقاذورات الجسدانية أشرقت بأنوار الجلالة وتجلى فيها أضواء عالم الكمال وترقت من العبدية إلى العندية، بل كأنه لا كمال في العبدية إلا مشاهدة حقيقة العندية، ولذلك قال: (سبحان الذي أسرى بعبده) (الإسراء: 1). واعلم أنه تعالى لما بين أن الموصوفين بالإيمان والهجرة أعظم درجة عند الله بين تعالى أنهم هم الفائزون وهذا للحصر، والمعنى أنهم هم الفائزون بالدرجة العالية الشريفة المقدسة التي وقعت الإشارة إليها بقوله تعالى: (عند ربهم) وهي درجة العندية، وذلك لأن من آمن بالله وعرفه فقلّ أن يبقى قلبه ملتفتا إلى الدنيا، ثم عند هذا يحتال إلى إزالة هذه العقدة عن جوهر الروح، وإزالة حب الدنيا لا يتم له إلا بالتفريق بين النفس وبين لذات الدنيا، وهذا التفريق والنقص يحصلان بالهجرة. ثم بعد ذلك لا بد من استحقار الدنيا والوقوف على معايبها وصيرورتها في عين العاقل بحيث يوجب على نفسه تركها ورفضها، وذلك إنما يتم بالجهاد لأنه تعريض النفس والمال للهلاك والبوار، ولولا أنه استحقر الدنيا وإلا لما فعل ذلك، وعند هذا يتم ما قاله بعض المحققين وهو أن العرفان مبتدأ من تفريق ونقص وترك ورفض. ثم عند حصول هذه الحالة يصير القلب مشتغلاً بالنظر إلى صفات الجلال والإكرام، وفي مشاهدتها يحصل بذل النفس والمال، فيصير الإنسان شهيدا مشاهدا لعالم الجلال مكاشفا بنور الجلالة، مشهوداً له بقوله تعالى: (يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم. خالدين فيها أبدا) وعند هذا يحصل الانتهاء إلى حضرة الأحد الصمد، وهو المراد من قوله: (عند ربهم) وهنا يحق الوقوف في الوصول.. ثم قال تعالى: (يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم. خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم). واعلم أن هذه الإشارة اشتملت على أنواع من الدرجات العالية وأنه تعالى ابتدأ فيها بالأشرف فالأشرف، نازلا إلى الأدون فالأدون، ونحن نفسرها تارة على طريق المتكلمين وأخرى على طريقة العارفين.

1059

أما الأول فنقول: فالمرتبة الأولى منها وهي أعلاها وأشرفها كون تلك البشارة حاصلة من ربهم بالرحمة والرضوان، وهذا هو التعظيم والإجلال من قبل الله. وقوله: (وجنات لهم) إشارة إلى حصول المنافع العظيمة، وقوله: (فيها نعيم) إشارة إلى كون المنافع خالصة عن المكدرات لأن النعيم مبالغة في النعمة، ولا معنى للمبالغة في النعمة إلا خلوها عن ممازجة الكدورات، وقوله: (مقيم) عبارة عن كونها دائمة غير منقطعة. ثم إنه تعالى عبر عن دوامها بثلاث عبارات: (أولها) قوله: (مقيم). (وثانيها) قوله: (خالدين فيها). (وثالثها) قوله: (أبدا). فحصل من مجموع ما ذكرنا أنه تعالى يبشر هؤلاء المؤمنين المهاجرين المجاهدين بمنفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم، وذلك هو حد الثواب. وفائدة تخصيص هؤلاء المؤمنين بكون هذا الثواب كامل الدرجة عالي الرتبة بحسب كل واحد من هذه القيود الأربعة. ومن المتكلمين من قال: قوله: (يبشرهم ربهم برحمة منه) المراد منه خيرات الدنيا، وقوله: (ورضوان لهم) المراد منه كونه تعالى راضيا عنهم حال كونهم في الحياة الدنيا، وقوله: (وجنات) المراد منه المنافع، وقوله: (لهم فيها نعيم) المراد منه كون تلك النعم خالصة عن المكدرات لأن النعيم مبالغة في النعمة، وقوله: (مقيم خالدين فيها أبدا) المراد منه الإجلال والتعظيم الذي يجب حصوله في الثواب. وأما تفسير هذه الآية على طريقة العارفين المحبين المشتاقين فنقول: المرتبة الأولى من الأمور المذكورة في هذه الآية قوله: (يبشرهم ربهم). واعلم أن الفرح بالنعمة يقع على قسمين: (أحدهما) أن يفرح بالنعمة لأنها نعمة. (والثاني) أن يفرح بها لا من حيث هي بل من حيث إن المنعم خصه بها وشرفه. وإن عجز ذهنك عن الوصول إلى الفرق بين القسمين فتأمل فيما إذا كان العبد واقفا في حضرة السلطان الأعظم وسائر العبيد كانوا واقفين في خدمته، فإذا رمى ذلك السلطان تفاحة إلى أحد أولئك العبيد عظم فرحه بها، فذلك الفرح العظيم ما حصل بسبب حصول تلك التفاحة، بل بسبب أن ذلك السلطان خصه بذلك الإكرام، فكذلك هنا قوله: (يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان) منهم من كان فرحهم بسبب الفوز بتلك الرحمة، ومنهم من لم يفرح بالفوز بتلك الرحمة، وإنما فرح لأن مولاه خصه بتلك الرحمة وحينئذ يكون فرحه لا بالرحمة بل بمن أعطى الرحمة. ثم إن هذا المقام يحصل فيه أيضا درجات فمنهم من يكون فرحه بالراحم لأنه رحم، ومنهم من يتوغل في الخلوص فينسى الرحمة ولا يكون فرحه إلا بالمولى لأنه هو المقصد، وذلك لأن العبد ما دام مشغولا بالحق من حيث إنه راحم فهو غير مستغرق في الحق، بل تارة مع الحق وتارة مع الخلق، فإذا تم الأمر انقطع عن الخلق وغرق في بحر نور الحق وغفل عن المحبة والمحنة، والنقمة والنعمة، والبلاء والآلاء، والمحققون وقفوا عند قوله: (يبشرهم ربهم) فكان ابتهاجهم بهذا وسرورهم به وتعويلهم عليه ورجوعهم إليه، ومنهم من لم يصل إلى تلك الدرجة العالية فلا تقنع نفسه إلا بمجموع قوله: (يبشرهم ربهم برحمة منه) فلا يعرف أن الاستبشار بسماع قول ربهم، بل إنما يستبشر بمجموع كونه مبشرا بالرحمة، والمرتبة الثانية هي أن يكون استبشاره بالرحمة وهذه المرتبة هي النازلة عند المحققين. واللطيفة الثانية من لطائف هذه الآية هي أنه تعالى قال: (يبشرهم ربهم) وهي مشتملة على أنواع من الرحمة والكرامة، (أولها) أن البشارة لا تكون إلا بالرحمة والإحسان. (والثاني) أن بشارة كل أحد يجب أن تكون لائقة بحاله، فلما كان المبشر هنا هو أكرم الأكرمين، وجب أن تكون البشارة بخيرات تعجز العقول عن وصفها وتتقاصر الأفهام عن نعتها. (والثالث) أنه تعالى سمى نفسه هنا بالرب وهو مشتق من التربية كأنه قال: الذي رباكم في الدنيا بالنعم التي لا حد لها ولا حصر لها يبشركم بخيرات عالية وسعادات كاملة. (والرابع) أنه تعالى قال: (ربهم) فأضاف نفسه إليهم، وما أضافهم إلى نفسه. (والخامس) أنه تعالى قدم ذكرهم على ذكر نفسه فقال: (يبشرهم ربهم). (والسادس) أن البشارة هي الإخبار عن حدوث شيء ما كان معلوم الوقوع، أما لو كان معلوم الوقوع لم يكن بشارة، ألا ترى أن الفقهاء قالوا: لو أن رجلا قال من يبشرني من عبيدي بقدوم ولدي فهو حر، فأول من أخبر بذلك الخبر يعتق، والذين يخبرون بعده لا يعتقون، وإذا كان الأمر كذلك فقوله: (يبشرهم) لا بد أن يكون إخبارا عن حصول مرتبة من مراتب السعادات ما عرفوها قبل ذلك، وجميع لذات الجنة وخيراتها وطيباتها قد عرفوه في الدنيا من القرآن، والإخبار عن حصول بشارة فلا بد وأن تكون هذه البشارة بشارة عن سعادات لا تصل العقول إلى وصفها البتة. رزقنا الله تعالى الوصول إليها بفضله وكرمه. واعلم أنه تعالى لما قال: (يبشرهم ربهم) بين الشيء الذي به يبشرهم وهو أمور (أولها) قوله: (برحمة منه)، (وثانيها) قوله: (ورضوان)، وأنا أظن والعلم عند الله أن المراد بهذين الأمرين ما ذكره في قوله: (ارجعي إلى ربك راضية مرضية) (الفجر: 28)، والرحمة كون العبد راضيا بقضاء الله وذلك لأن من حصلت له هذه الحالة كان نظره على المبلي والمنعم لا على النعمة والبلاء، ومن كان نظره على المبلي والمنعم لم يتغير حاله، لأن المبلي والمنعم منزه عن التغير. فالحاصل أن حاله يجب أن يكون منزها عن التغير، أما من كان طالبا لمحض النفس كان أبدا في التغير من الفرح إلى الحزن، ومن السرور إلى الغم، ومن الصحة إلى الجراحة، ومن اللذة إلى الألم، فثبت أن الرحمة التامة لا تحصل إلا عندما يصير العبد راضيا بقضاء الله، فقوله: (يبشرهم ربهم برحمة منه) هو أنه يزيل عن قلبه الالتفات إلى غير هذه الحالة، ويجعله راضياً بقضائه. ثم إنه تعالى يصير راضيا وهو قوله: (ورضوان)، وعند هذا تصير هاتان الحالتان هما المذكورتان في قوله: (راضية مرضية) وهذه هي الجنة الروحانية النورانية العقلية القدسية الإلهية. ثم إنه تعالى بعد أن ذكر هذه الجنة العالية المقدسة ذكر الجنة الجسمانية وهي قوله: (وجنات لهم فيها نعيم مقيم. خالدين فيها أبدا) وقد سبق شرح هذه المراتب. ولما ذكر هذه الأحوال قال: (إن الله عنده أجر عظيم) والمقصود شرح تعظيم هذه الأحوال. ولنختم هذا الفصل ببيان أن أصحابنا يقولون: إن الخلود يدل على طول المكث، ولا يدل على التأبيد، واحتجوا على قولهم في هذا الباب بهذه الآية، وهي قوله تعالى: (خالدين فيها أبدا) ولو كان الخلود يفيد التأبيد لكان ذكر التأبيد بعد ذكر الخلود تكرارا وأنه لا يجوز)).

1060

الآيات 23-24

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (التوبة: 23-24)

(1) قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون). فيه تربية على الولاء للمؤمنين وترك موالاة الكافرين، وفيها تربية على تفضيل رابطة الإيمان وتقديمها على رابطة النسب في حال تعارضهما، وفيها حض على الهجرة من دار الحرب إلى دار الإيمان باعتبار هذه الهجرة شكل من أشكال الولاء، وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا) خطاب للمؤمنين بالصفة المحببة إلى قلوبهم وهو من قبيل الترغيب فيما بعده من ترك موالاة الكافرين وإن كانوا أقرباء في النسب ومن موالاة المؤمنين بغض النظر عن قرابة النسب، وأما قوله تعالى: (ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون) ففيه ترهيب من موالاة الكافرين باعتبار هذه الموالاة شكلا من أشكال الظلم لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، والمؤمن يحب الإيمان ويكره الكفر والظلم والفسوق والعصيان. وظاهر هذه الآية أنها خطاب لجميع المؤمنين، وهي باقية الحكم إلى يوم القيامة، في قطع الولاية بين المؤمنين والكافرين. وقيل: إنما نزلت هذه الآية في الحض على الهجرة ورفض بلاد الكفرة، فخاطب الله تعالى المؤمنين بأن لا يوالوا الآباء والإخوة فيكونوا لهم تبعا في سكنى بلاد الكفر. والإحسان والهبة مستثناة من الولاية لما رواه البخاري عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: يا رسول الله، إن أمي قدمت علي راغبة وهي مشركة أفأصلها؟ قال: «صلي أمك». وقال ابن عباس في قوله تعالى: (ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون): «هو مشرك مثلهم، لأن من رضي بالشرك فهو مشرك».

(2) قوله تعالى: (قل: إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها، أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله، فتربصوا حتى يأتي الله بأمره، والله لا يهدي القوم الفاسقين). وهذه الآية فيها تكملة للمشوار الذي بدأته الآية السابقة في مسألة الولاء، فهي تضع الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة والأموال والتجارة والمساكن في حال تعارضها مع الإيمان في كفة واحدة، وتضع الإيمان بالله والرسول والجهاد في سبيل الله في الكفة الأخرى، وتخير المؤمن بينهما، فإما أن يختار الدنيا المتعارضة مع الإيمان وإما أن يختار الإيمان، والمؤمن لا يتردد في اختيار الإيمان على أي خيار آخر، فانظر إلى هذه الطريقة الرائعة في التربية القرآنية على مسألة الولاء لله والرسول والمؤمنين. ومن الجهة الأخرى هناك التهديد بعذاب الله تعالى والوصم بالفسق لمن يختار الولاء للكافرين على الولاء لله والرسول والمؤمنين، لأن معنى الفسق هو الخروج عن طاعة الله أو الخروج على طاعة الله تعالى، والله تعالى أمر بالولاء له وللرسول وللمؤمنين كما أمر بقطع الولاء مع الكافرين مهما كانت صفتهم بالنسبة للمؤمن، ومن اختار الولاء للكافرين فقد خرج على وعن طاعة الله تعالى فاستحق الوصف بالفسق الذي هو الكفر في هذا الأمر وهو الظلم في نفس الأمر كما هو واضح وصريح من هذه الآية ومن الآية السابقة.

1061

الآيات 25-27

قوله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة: 25-27)

(1) سبب نزول هذه الآيات هو غزوة حنين، وقد لخص القرطبي في التفسير أحداث هذه الغزوة فقال: ((لما بلغ هوازن فتح مكة جمعهم مالك بن عوف النصري وكانت الرياسة في جميع العسكر إليه، وساق مع الكفار أموالهم ومواشيهم ونساء هم وأولادهم، وزعم أن ذلك يحمي به نفوسهم وتشتد في القتال عند ذلك شوكتهم. وكانوا ثمانية آلاف في قول الحسن ومجاهد. وعلى هوازن مالك بن عوف، وعلى ثقيف كنانة بن عبد، فنزلوا بأوطاس (وادي في ديار هوازن فيه كانت وقعة حنين). وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي عينا، فأتاه وأخبره بما شاهد منهم، فعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قصدهم، واستعار من صفوان بن أمية بن خلف الجمحي دروعا. قيل: مائة درع. وقيل: أربعمائة درع. واستسلف من ربيعة المخزومي ثلاثين ألفا أو أربعين ألفا، فلما قدم قضاه إياها. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في اثني عشر ألفا من المسلمين، منهم عشرة آلاف صحبوه من المدينة وألفان من مسلمة الفتح وهم الطلقاء إلى من انضاف إليه من الأعراب، من سليم وبني كلاب وعبس وذبيان. واستعمل على مكة عتاب بن أسيد. فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى وادي حنين، وهو من أودية تهامة، وكانت هوازن قد كمنت في جنبتي الوادي وذلك في غبش الصبح، فحملت على المسلمين حملة رجل واحد، فانهزم جمهور المسلمين ولم يلو أحد على أحد، وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت معه أبو بكر وعمر، ومن أهل بيته علي والعباس وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وابنه جعفر، وأسامة بن زيد، وأيمن بن عبيد، وربيعة ابن الحارث، والفضل بن عباس، فهؤلاء عشرة رجال. وثبتت أم سليم في جملة من ثبت محتزمة ممسكة بعيرا لأبي طلحة وفي يدها خنجر. ولم ينهزم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من هؤلاء، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته الشهباء واسمها دلدل.

1062

وفي صحيح مسلم عن أنس قال العباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكفها إرادة ألا تسرع وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أي عباس ناد أصحاب السمرة)، فقالوا: يا لبيك يا لبيك. قال: فاقتتلوا والكفار (الحديث) وفيه: قال: ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حصيات فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: (انهزموا ورب محمد). قال: فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى. قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته، فما زلت أرى حدهم كليلا وأمرهم مدبرا. قال أبو عمر: روينا من وجوه عن بعض من أسلم من المشركين ممن شهد حنينا أنه قال: لقينا المسلمين فما لبثنا أن هزمناهم وأتبعناهم حتى انتهينا إلى رجل راكب على بغلة بيضاء، فلما رآنا زجرنا زجرة وانتهرنا، وأخذ بكفه حصى وترابا فرمى به وقال: (شاهت الوجوه) فلم تبق عين إلا دخلها من ذلك، وما ملكنا أنفسنا أن رجعنا على أعقابنا. وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف رأس، وقيل: ستة آلاف، واثنتي عشرة ألف ناقة سوى ما لا يعلم من الغنائم)).

(2) وفي علاقة هذه الآيات بما قبلها قال الرازي في التفسير: «اعلم أنه تعالى ذكر في الآيات المتقدمة أنه يجب الإعراض عن مخالطة الآباء والأبناء والإخوان والعشائر وعن الأموال والتجارات والمساكن، رعاية لمصالح الدين، ولما علم الله تعالى أن هذا يشق جدا على النفوس والقلوب، ذكر ما يدل على أن من ترك الدنيا لأجل الدين فإنه يوصله إلى مطلوبه من الدنيا أيضا، وضرب تعالى لهذا مثلا، وذلك أن عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في واقعة حنين كانوا في غاية الكثرة والقوة، فلما أعجبوا بكثرتهم صاروا منهزمين ، ثم في حال الانهزام لما تضرعوا إلى الله قواهم حتى هزموا عسكر الكفار، وذلك يدل على أن الإنسان متى اعتمد على الدنيا فاته الدين والدنيا، ومتى أطاع الله ورجح الدين على الدنيا آتاه الله الدين والدنيا على أحسن الوجوه، فكان ذكر هذا تسلية لأولئك الذين أمرهم الله بمقاطعة الآباء والأبناء والأموال والمساكن لأجل مصلحة الدين وتصبيرا لهم عليها، ووعدا لهم على سبيل الرمز بأنهم إن فعلوا ذلك فالله تعالى يوصلهم إلى أقاربهم وأموالهم ومساكنهم على أحسن الوجوه، هذا تقرير النظم وهو في غاية الحسن».

1063

(3) قوله تعالى: (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا). فيه تربية على أن النصر من الله وليست بالكثرة وأن الكم لا يغني من النوع، وذلك أن بعض المسلمين قالوا: لن نغلب اليوم من قلة، فوكلهم الله تعالى إلى هذه الكلمة، فكان ما ذكره الله من الهزيمة في بداية المعركة، ثم كان النصر والظفر للمسلمين ببركة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، فبيّن الله عز وجل في هذه الآيات أن الغلبة إنما تكون بنصر الله لا بالكثرة. قال صاحب الظلال في المدلول التربوي لهذه الآيات: «إن معركة حنين التي يذكرها السياق هنا ليعرض نتائج الانشغال عن الله والاعتماد على قوة غير قوته، لتكشف لنا عن حقيقة أخرى ضمنية، حقيقة القوى التي تعتمد عليها كل عقيدة. إن الكثرة العددية ليست بشيء، إنما هي القلة العارفة المتصلة الثابتة المتجردة للعقيدة، وإن الكثرة لتكون أحيانا سببا في الهزيمة، لأن بعض الداخلين فيها، التائهين في غمارها، ممن لم يدركوا حقيقة العقيدة التي ينساقون في تيارها، تتزلزل أقدامهم وترتجف في ساعة الشدة، فيشيعون الاضطراب والهزيمة في الصفوف، فوق ما تخدع الكثرة أصحابها فتجعلهم يتهاونون في توثيق صلتهم بالله، انشغالا بهذه الكثرة الظاهرة عن اليقظة لسر النصر في الحياة. لقد قامت كل عقيدة بالصفوة المختارة، لا بالزبد الذي يذهب جفاء، ولا بالهشيم الذي تذروه الرياح!».

1064