التفسير التربويالجزء 1 · ص 1101 - 1110

الآيات 67-70

الآيات 67-70

قوله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (التوبة: 67-70)

(1) قوله تعالى: (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض، يأمرون بالمنكر، وينهون عن المعروف، ويقبضون أيديهم، نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون). قوله تعالى: (بعضهم من بعض) معناه هم كالشيء الواحد في الخروج عن الدين. وقيل: متشابهون في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف. (ويقبضون أيديهم) في ترك الجهاد، وفيما يجب عليهم من حق. والنسيان: هنا الترك، أي تركوا ما أمرهم الله به فتركهم في الشك. وقيل: إنهم تركوا أمره حتى صار كالمنسي فصيرهم بمنزلة المنسي من ثوابه. والفسق: الخروج عن الطاعة والدين. قال الرازي في تفسير هذه الآية: ((اعلم أن هذا شرح نوع آخر من أنواع فضائحهم وقبائحهم، والمقصود بيان أن إناثهم كذكورهم في تلك الأعمال المنكرة والأفعال الخبيثة، فقال: (بعضهم من بعض) أي في صفة النفاق، كما يقول الإنسان: أنت مني وأنا منك، أي أمرنا واحد لا مباينة فيه. ولما ذكر هذا الكلام ذكر تفصيله فقال: (يأمرون بالمنكر) ولفظ المنكر يدخل فيه كل قبيح إلا أن الأعظم هنا تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم. (وينهون عن المعروف) ولفظ المعروف يدخل فيه كل حسن إلا أن الأعظم هنا الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم. (ويقبضون أيديهم) قيل: من كل خير، وقيل: عن كل خير واجب من زكاة وصدقة وإنفاق في سبيل الله، وهذا أقرب لأنه تعالى لا يذمهم إلا بترك الواجب ويدخل فيه ترك الإنفاق في الجهاد، ونبه بذلك على تخلفهم عن الجهاد، والأصل في هذا أن المعطي يمد يده ويبسطها بالعطاء، فقيل لمن منع وبخل قد قبض يده. ثم قال: (نسوا الله فنسيهم) واعلم أن هذا الكلام لا يمكن إجراؤه على ظاهره لأنا لو حملناه على النسيان على الحقيقة لما استحقوا عليه ذما، لأن النسيان ليس في وسع البشر، وأيضا فهو في حق الله تعالى محال، فلا بد من التأويل، وهو من وجهين: (الأول) معناه أنهم تركوا أمره حتى صار بمنزلة المنسي فجازاهم بأن صيرهم بمنزلة المنسي من ثوابه ورحمته. (والثاني) النسيان ضد الذكر، فلما تركوا ذكر الله بالعبادة والثناء على الله ترك الله ذكرهم بالرحمة والإحسان، وإنما حسن جعل النسيان كناية عن ترك الذكر لأن من نسي شيئا لم يذكره، فجعل اسم الملزوم كناية عن اللازم. ثم قال: (إن المنافقين هم الفاسقون) أي هم الكاملون في الفسق، والله أعلم)).

1101

(2) قوله تعالى: (وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم). فيه تربية للمنافقين بالعقوبة الأخروية حيث لا عقوبة دنيوية على النفاق، وأما العقوبة الأخروية فهي الخلود في النار، وفي سورة النساء توعد الله المنافقين بالدرك الأسفل من النار، لأن النفاق أخطر من الكفر، كما توعدهم هنا بالطرد من رحمته تعالى، وبالعذاب الدائم المقيم يوم القيامة. ولأن النفاق فيه خبث وخداع حيث يظهر المرء عكس ما يبطن فيخدع المؤمنين ويلبس على الناس دينهم وإيمانهم فإن التعامل معهم يوم القيامة يكون بمزيد من الشدة ومزيد من العقوبة. ومع ذلك فالباب مفتوح للتوبة ولا تكلف التوبة المنافق شيئا لأنها علاقة بينه وبين الله، فالظاهر هو الإيمان والباطن هو الكفر والفسوق والعصيان.

(3) قوله تعالى: (كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا، فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم، وخضتم كالذي خاضوا، أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون). وفي هذه الآية تربية بضرب المثل والنظر في أحوال الأمم السابقة الذين كفروا بالله وكذبوا الرسل وتسابقوا في الدنيا ومتعتها، فكان مآلهم في الدنيا البوار والهلاك وفي الآخرة الخسارة والنار خالدين فيها وبئس المقام الذي اختاروه لأنفسهم. وقد ورد في الأحاديث النبوية التحذير لهذه الأمة من سلوك الأمم السابقة وبالتالي التحذير مما آلت إليه في الدنيا والآخرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟!» (البخاري ومسلم)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع، فقيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟ فقال: ومن الناس إلا أولئك؟!» (البخاري وأحمد). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لتنقضن عرى الإسلام عروةً عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضا الحكم، وآخرهن الصلاة» (الإبانة الكبرى لابن بطة العكبري ومعرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني). وهذه الأحاديث الثلاثة جاءت في صيغة الخبر والمراد منها النهي، فهي إنشاء جاء في صيغة الإخبار.

1102

(4) قوله تعالى: (ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات، أتتهم رسلهم بالبينات، فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون). قوله: (ألم يأتهم نبأ) استفهام والمراد منه التقرير والتحذير، وهو أسلوب تربوي قرآني في كيفية التعاطي مع العقل البشري وإثارته وحضه على التفكير والتنبه. وفي هذه الآية بيان للآية السابقة وتحذير لأمة محمد صلى الله عليه وسلم من سلوك الأمم السابقة. قال الرازي في تفسير هذه الآية: ((اعلم أنه تعالى لما شبه المنافقين بالكفار المتقدمين في الرغبة في الدنيا وفي تكذيب الأنبياء والمبالغة في إيذائهم، بين أن أولئك الكفار المتقدمين منهم، فذكر هؤلاء الطوائف الستة، (فأولهم) قوم نوح، والله أهلكهم بالإغراق. (وثانيهم) عاد، والله تعالى أهلكهم بإرسال الريح العقيم عليهم. (وثالثهم) ثمود، والله أهلكهم بإرسال الصيحة والصاعقة. (ورابعهم) قوم إبراهيم، أهلكهم الله بسبب سلب النعمة عنهم، وبما روي في الأخبار أنه تعالى سلط البعوضة على دماغ نمروذ. (وخامسهم) قوم شعيب وهم أصحاب مدين، ويقال : إنهم من ولد مدين بن إبراهيم، والله تعالى أهلكهم بعذاب يوم الظلة. (وسادسهم) المؤتفكات قوم لوط، أهلكهم الله بأن جعل عالي أرضهم سافلها، وأمطر عليهم الحجارة، وقال الواحدي: (المؤتفكات) جمع مؤتفكة، ومعنى الائتفاك في اللغة الانقلاب، وتلك القرى ائتفكت بأهلها، أي انقلبت فصار أعلاها أسفلها، وعلى هذا التفسير فالمؤتفكات صفة القرى، وقيل: ائتفاكهن انقلاب أحوالهن من الخير إلى الشر. واعلم أنه تعالى قال في الآية الأولى: (ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم) وذكر هؤلاء الطوائف الستة، وإنما قال ذلك لأنه أتاهم نبأ هؤلاء، تارة بأن سمعوا هذه الأخبار من الخلق، وتارة لأجل أن بلاد هذه الطوائف وهي بلاد الشام قريبة من بلاد العرب، وقد بقيت آثارهم مشاهدة. وقوله: (ألم يأتهم) وإن كان في صفة الاستفهام إلا أن المراد هو التقرير، أي أتاهم نبأ هؤلاء الأقوام. ثم قال: (أتتهم رسلهم) وهو راجع إلى كل هؤلاء الطوائف. ثم قال: (بالبينات) أي بالمعجزات، ولا بدَّ من إضمار في الكلام والتقدير: فكذبوا فعجّل الله هلاكهم. ثم قال: (فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) والمعنى: أن العذاب الذي أوصله الله إليهم ما كان ظلما من الله لأنهم استحقوه بسبب أفعالهم القبيحة ومبالغتهم في تكذيب أنبيائهم، بل كانوا ظلموا أنفسهم)).

1103

الآيات 71-72

قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: 71-72)

(1) قوله تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويطيعون الله ورسوله، أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم). لما ذكر الله تعالى في الآية السابقة صفات المنافقين وحذر من فعلها ذكر في هذه الآية صفات المؤمنين وحض على الاتصاف بها، وهذه عادة القرآن في بيان الخير بعد بيان الشر ليضع الناس أما حرية الاختيار. وصفات المؤمنين المذكورة في هذه الآية: (أولها) قوله: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض)، فذكر المنافقين لفظ (من) وذكر في المؤمنين لفظ (أولياء) ليدل على التبعية التقليد في النفاق وليدل على الاجتهاد والاستقلال في الإيمان، فنفاق الأتباع وكفرهم حصل بسبب التقليد لأولئك الأكابر وبسبب مقتضى الهوى والطبيعة والعادة، أما الموافقة الحاصلة بين المؤمنين فإنما حصلت لا بسبب الميل والعادة بل بسبب المشاركة في الاستدلال والتوفيق والهداية. ولفظ (أولياء) فيه دلالة على المحبة والاتحاد والإخاء، بينما لفظ (من) لبيان الجنس ليس فيه هذه الدلالة. (وثانيها) قوله: (يأمرون بالمعروف)، والمعروف هو ما ألفته الطباع السليمة والنفوس المستقيمة وهو الطاعة، وإذا أطلق فالمراد به الإيمان بالله تعالى وهو رأس كل معروف. (وثالثها) قوله: (وينهون عن المنكر)، والمنكر هو ما أنكرته الطباع السليمة والأذواق المستقيمة وهو المعصية، وإذا أطلق فالمراد به الشرك والكفر لأنهما رأس كل معصية. (ورابعها) قوله تعالى: (ويقيمون الصلاة)، وهي رأس الطاعات البدنية، وأول ما يحاسب عليه المؤمن يوم القيامة، فإن صلحت صلح سائر عمله وإن فسدت فسد سائر عمله. (وخامسها) قوله: (ويؤتون الزكاة)، وهي رأس الطاعات المالية، والتضحية بالمال من أهم علامات الإيمان. (وسادسها) قوله: (ويطيعون الله ورسوله)، وخاصة في أمر الجهاد والقتال الذي هو موضوع هذه السورة. ثم إنه تعالى رغب الخلق على الاتصاف بهذه الصفات فوعدهم برحمته إذا اتصفوا بها فقال: (أولئك سيرحمهم الله)، ثم ختم الآية بقوله: (إن الله عزيز حكيم) وذلك يوجب المبالغة في الترغيب والترهيب، لأن العزيز هو من لا يُمنع من مراده في عباده من رحمة أو عقوبة، والحكيم هو المدبر أمر عباده على ما يقتضيه العدل والصواب.

1104

(2) قوله تعالى: (وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، ومساكن طيبة في جنات عدن، ورضوان من الله أكبر، ذلك هو الفوز العظيم). قال الرازي في الدلالات التربوي الترغيبية لهذه الآية: ((اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعد في الآية الأولى على سبيل الإجمال ذكره في هذه الآية على سبيل التفصيل، وذلك لأنه تعالى وعد بالرحمة، ثم بين في هذه الآية أن تلك الرحمة هي هذه الأشياء. (فأولها) قوله : (جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها) والأقرب أن يقال إنه تعالى أراد بها البساتين التي يتناولها المناظر لأنه تعالى قال بعده: (ومساكن طيبة في جنات عدن) والمعطوف يجب أن يكون مغايرا للمعطوف عليه، فتكون مساكنهم في جنات عدن ومناظرهم الجنات التي هي البساتين. (وثانيها) قوله: (ومساكن طيبة في جنات عدن) قد كثر كلام أصحاب الآثار في صفة جنات عدن. قال الحسن: سألت عمران بن الحصين وأبا هريرة عن قوله: (ومساكن طيبة) فقالا: على الخبير سقطت، سألنا الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال صلى الله عليه وسلم: (هو قصر في الجنة من اللؤلؤ، فيه سبعون دارا من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتا من زمردة خضراء، في كل بيت سبعون سريرا، على كل سرير سبعون فراشا، على كل فراش زوجة من الحور العين، في كل بيت سبعون مائدة، على كل مائدة سبعون لونا من الطعام، وفي كل بيت سبعون وصيفة، يعطى المؤمن من القوة في غداة واحدة ما يأتي على ذلك أجمع). وعن ابن عباس أنها دار الله التي لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قلت يا رسول الله حدثني عن الجنة ما بناؤها فقال: (لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وملاطها المسك والإذفر، وترابها الزعفران، وحصاؤها الدر والياقوت، فيها النعيم بلا بؤس، والخلود بلا موت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه). وأقول حاصل الكلام إن في جنات عدن قولان: أحدهما: أنه اسم علم لموضع معين في الجنة، وهذه الأخبار والآثار التي نقلناها تقوي هذا القول. والثاني: أنه صفة للجنة، قال الأزهري: العدن مأخوذ من قولك عدن فلان بالمكان إذا أقام به. (والنوع الثالث) من المواعيد التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية قوله: (ورضوان من الله أكبر) والمعنى أن رضوان الله أكبر من كل ما سلف ذكره. واعلم أن هذا هو البرهان القاطع على أن السعادات الروحانية أشرف وأعلى من السعادات الجسمانية. واعلم أن المذهب الصحيح الحق وجوب الإقرار بهما معا كما جمع الله بينهما في هذه الآية)).

1105

الآيات 73-74

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (التوبة: 73-74)

(1) قوله تعالى: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير). فيه تربية للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته من بعده على التفريق في المعاملة والجهاد بين الكفار والمنافقين، فالكفار المحاربون يجاهدون بالسيف والسنان، والمنافقون يجاهدون بالقلم واللسان، مع الشدة والقسوة مع المنافقين لأنهم فئة متميعة بين الإيمان والكفر، والتميع بحاجة إلى الشدة في المعاملة. وفي غير هذا النص فرق الله تعالى بين الكافر المحارب والكافر المسالم، فالكافر المحارب يُجاهد بالسيف والسنان، والكافر المسالم يمكن التعايش السلمي معه في ضوء القاعدة التي أرساها الأئمة الراشدون وهي: لهم ما لنا وعليهم ما علينا، مع بقاء الجهاد بالقلم والبيان والدعوة قائما مع هذه الفئة المسالمة. وفي هذه النص تربية بالعقوبة الأخروية للفريقين إن لم يتوبوا إلى الله، وهذه العقوبة هي المآل إلى النار وبئس المآل. قال القرطبي في تفسير هذه الآية: ((قوله تعالى: (يا أيها النبي جاهد الكفار) الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وتدخل فيه أمته من بعده. قيل: المراد جاهد بالمؤمنين الكفار. وقال ابن عباس: أمر بالجهاد مع الكفار بالسيف، ومع المنافقين باللسان وشدة الزجر والتغليظ. وروي عن ابن مسعود أنه قال: جاهد المنافقين بيدك، فإن لم تستطع فبلسانك، فإن لم تستطع فاكفهر في وجوههم. وقال الحسن وقتادة: جاهد المنافقين بإقامة الحدود عليهم وباللسان وكانوا أكثر من يصيب الحدود. ابن العربي: أما إقامة الحجة باللسان فكانت دائمة، وأما بالحدود لأن أكثر إصابة الحدود كانت عندهم فدعوى لا برهان عليها وليس العاصي بمنافق إنما المنافق بما يكون في قلبه من النفاق كامنا لا بما تتلبس به الجوارح ظاهرا، وأخبار المحدودين يشهد سياقها أنهم لم يكونوا منافقين. وقوله تعالى: (واغلظ عليهم) الغلظ: نقيض الرأفة، وهي شدة القلب على إحلال الأمر بصاحبه. وليس ذلك في اللسان، ومنه قوله تعالى: (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) (آل عمران: 159)).

1106

(2) قوله تعالى: (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولى ولا نصير). وهذه الآية بعد السابقة فيها تربية على كيفية التعامل مع المنافقين وهو الجهاد باللسان والحجة والنقاش تحت سقف القوانين الإسلامية، فمن ثبت عليه خرق القانون بالاعتراف أو شهادة الشهود تمت معاقبته، ومن لم يثبت عليه يتم توجيهه تربويا بالتحذير من العقوبة في الآخرة، والعقوبة في الدنيا وهي هنا نوع من القضاء والقدر وليس حدا أو تعزيرا. وهذه الآية توضح بعض مقالات المنافقين في الطعن في الإسلام أو النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهي عامة قد يتكرر موضوعها في أي مكان أو أي زمان. وفي أسباب نولها أقوال: (القول الأول) قال مجاهد: نزلت في الجُلاس بن سويد بن الصامت، ووديعة بن ثابت، وقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: والله لئن كان محمد صادقا على إخواننا الذين هم ساداتنا وخيارنا لنحن شر من الحمير. فقال له عامر بن قيس: أجل! والله إن محمدا لصادق مصدق، وإنك لشر من حمار. وأخبر عامر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم. وجاء الجُلاس فحلف بالله عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم إن عامرا لكاذب. وحلف عامر لقد قال، وقال: اللهم أنزل على نبيك الصادق شيئا، فنزلت. فهمّ الجُلاس بقتله لئلا يخبر بخبره، ففيه نزل: (وهموا بما لم ينالوا). (والقول الثاني) قال قتادة: إنها نزلت في عبد الله بن أبي، رأى رجلا من غفار يتقاتل مع رجل من جهينة، وكانت جهينة حلفاء الأنصار، فعلا الغفاري الجهني، فقال ابن أبي: يا بني الأوس والخزرج، انصروا أخاكم! فوالله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: (سمن كلبك يأكلك)، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فجاءه عبد الله بن أبي فحلف أنه لم يقله.

1107

الآيات 75-78

قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (التوبة: 75-78)

(1) ظاهر هذه الآيات أنها تعرض علينا نموذجا من نماذج المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أن بعض المنافقين عاهد الله في أنه لو آتاه مالا لصرف بعضه إلى مصارف الخيرات وكان إذ ذاك فقيرا، ثم إنه تعالى آتاه المال، وعند ذلك لم يف بعهده مع الله تعالى، بل دفعه امتلاك المال إلى البخل والتولي والإعراض، فعاقبه الله تعالى بأن ختم على قلبه من المنافقين إلى يوم القيامة. وهذه الآيات تصور حالة عامة، وترسم نموذجا مكررا للنفوس البشرية التي لم تستيقن بالإيمان، ولم تبلغ درجة التمكين فيه. وقد ذكر المفسرون أن هذه الآيات نزلت في ثعلبة بن حاطب أو حاطب بن أبي بلتعة، ومن مراجعة هذه الروايات تبين لي أنها ضعيفة أو ضعيفة جدا أو موضوعة، هذا من جهة السند وأما من جهة المتن فإن ثعلبة بن حاطب وكذلك حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنهما كانا ممن شهد بدر، ونحن نعلم أن كل من شهد بدر شهدت له الأمة بالإيمان، وأنه صلى الله عليه وسلم قال عن حاطب بن أبي بلتعة وعن أهل بدر عامة: «إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (البخاري ومسلم).

(2) قوله تعالى: (فأعقبهم نفاقا في قلوبهم). يجب التفريق بين النفاق في القلب والنفاق في الأعمال، فإن النفاق في القلب هو من الكفر كما هو ظاهر هذه الآيات وغيرها، وأما النفاق في الأعمال فهو معصية، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» (أخرجه البخاري).

1108

(3) قال الرازي في التفسير: ((ظاهر هذه الآيات يدل على أن نقض العهد وخلف الوعد يورث النفاق، فيجب على المسلم أن يبالغ في الاحتراز عنه فإذا عاهد الله في أمر فليجتهد في الوفاء به، ومذهب الحسن البصري رحمه الله أنه يوجب النفاق لا محالة، وتمسك فيه بهذه الآية وبقوله عليه الصلاة والسلام: (ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صلى وصام وزعم أنه مؤمن: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان) (البخاري). وعن النبي عليه الصلاة والسلام : (تقبلوا لي ستا أتقبل لكم الجنة: إذا حدثتم فلا تكذبوا، وإذا وعدتم فلا تخلفوا، وإذا ائتمنتم فلا تخونوا، وكفوا أبصاركم وأيديكم وفروجكم، أبصاركم عن الخيانة، وأيديكم عن السرقة، وفروجكم عن الزنا) (أحمد والحاكم). قال عطاء بن أبي رباح: حدثني جابر بن عبد الله أنه صلى الله عليه وسلم إنما ذكر قوله ثلاث من كن فيه فهو منافق في المنافقين خاصة الذين حدثوا النبي صلى الله عليه وسلم فكذبوه وائتمنهم على سره فخانوه ووعدوا أن يخرجوا معه فأخلفوه، ونقل أن عمرو بن عبيد فسر الحديث فقال: إذا حدث عن الله كذب عليه وعلى دينه ورسوله، وإذا وعد أخلف كما ذكره فيمن عاهد الله، وإذا ائتمن على دين الله خان في السر فكان قلبه على خلاف لسانه. ونقل أن واصل بن عطاء قال: أتى الحسن رجل فقال له: إن أولاد يعقوب حدثوه في قولهم أكله الذئب وكذبوه، ووعدوه في قولهم: (وإنا له لحافظون) فأخلفوه، وائتمنهم أبوهم على يوسف فخانوه، فهل نحكم بكونهم منافقين؟ فتوقف الحسن رحمه الله)).

(4) قوله تعالى: (ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم، وأن الله علام الغيوب). فيه تربية بأسلوب الاستفهام المراد منه التوبيخ والتقريع لأولئك الذين يفرقون في علم الله تعالى ما بين السر والعلن، فيظنون أنه تعالى يعلم حديثهم مع غيرهم ولا يعلم حديثهم مع أنفسهم. والسر ما ينطوي عليه الصدر، والنجوى هي حديث المخافتة بين اثنين أو أكثر، وهو مأخوذ من النجوة وهي الكلام الخفي، كأن المتناجيين منعا إدخال غيرهما معهما وتباعدا من غيرهما. ومعنى الآية: ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم؟! فكيف يتجرؤون على النفاق الذي الأصل فيه الاستسرار والتناجي فيما بينهم مع علمهم بأنه تعالى يعلم ذلك من حالهم كما يعلم الظاهر، وأنه يعاقب عليه كما يعاقب على الظاهر؟ ثم قال: (وأن الله علام الغيوب) والعلام مبالغة في العالم، والغيب ما كان غائبا عن الخلق. والمراد أنه تعالى عالم بجميع الأشياء وجميع المعلومات وبما في الضمائر والسرائر، فكيف يمكن الإخفاء منه؟ وهذا كقوله تعالى: (إنك أنت علام الغيوب) (المائدة: 116). وفيه تربية على جواز وصف الله تعالى بأنه علام، وأما وصف الله تعالى بالعلامة فإنه لا يجوز، لأن فيه تكلف والتكلف على الله لا يجوز.

1109

(5) قال صاحب الظلال في تفسير هذه الآيات: ((ثم يمضي السياق في عرض نماذج من المنافقين وأحوالهم وأقوالهم من قبل الغزوة وفي ثناياها.. من المنافقين من عاهد الله لئن أنعم الله عليه ورزقه، ليبذلن الصدقة، وليصلحن العمل، ولكن هذا العهد إنما كان في وقت فقره وعسرته، في وقت الرجاء والطمع، فلما أن استجاب الله له ورزقه من فضله نسي عهده، وتنكر لوعده، وأدركه الشح والبخل فقبض يده، وتولى معرضا عن الوفاء بما عاهد، فكان هذا النكث بالعهد مع الكذب على الله فيه سببا في التمكين للنفاق في قلبه، والموت مع هذا النفاق، ولقاء الله به. والنفس البشرية ضعيفة شحيحة إلا من عصم الله، ولا تطهر من هذا الشح إلا أن تعمر بالإيمان، وترتفع على ضرورات الأرض، وتنطلق من قيود الحرص على النفع القريب، لأنها تؤمل في خلف أعظم، وتؤمل في رضوان من الله أكبر. والقلب المؤمن يطمئن بالإيمان، فلا يخشى الفقر بسبب الإنفاق، لأنه يثق بأن ما عند الناس ينفد وما عند الله باق، وهذا الاطمئنان يدفع به إلى إنفاق المال في سبيل الله تطوعا ورضى وتطهرا، وهو آمن مغبته، فحتى لو فقد المال وافتقر منه، فإن له عوضا أعظم عند الله. فأما حين يقفر القلب من الإيمان الصحيح، فالشح الفطري يهيج في نفسه كلما دعي إلى نفقة أو صدقة، والخوف من الفقر يتراءى له فيقعد به عن البذل، ثم يبقى سجين شحه وخوفه بلا أمن ولا قرار. والذي يعاهد الله ثم يخلف العهد، والذي يكذب على الله فلا يفي بما وعد، لا يسلم قلبه من النفاق: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان) (البخاري). فلا جرم يعقب إخلاف العهد والكذب على الله نفاقا دائماً في قلوب تلك الطائفة التي تشير إليها الآية: (فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون). (ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب؟): ألم يعلموا، وهم يدعون الإيمان، أن الله مطلع على السرائر، عالم بما يدور بينهم من أحاديث، يحسبونها سرا بينهم لأنهم يتناجون بها في خفية عن الناس؟ وأن الله يعلم الغيب الخافي المستور، فيعلم حقيقة النوايا في الصدور؟ ولقد كان من مقتضى علمهم بهذا، ألا يستخفوا عن الله بنية، وألا تحدثهم نفوسهم بإخلاف ما عاهدوا الله عليه، والكذب عليه في إعطاء العهود)).

1110