الآيات 97-100
قوله تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: 97-100)
(1) قوله تعالى: (الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم). يجب التفريق في هذه الآية وغيرها من الآيات بين مصطلح (الأعراب) ومصطلح (العرب) عند فهم القرآن، فالأعراب هم الذين يسكنون البادية، والعرب هم الذين يسكنون الحاضرة، والأعراب هم بدو العرب، والعرب: جيل من الناس والنسبة إليهم عربي بين العروبة وهم أهل الأمصار، والأعراب منهم سكان البادية خاصة. وفي ضوء هذا التفريق نستطيع أن نعلم لماذا كانت الأعراب أشد كفرا إن كانوا كافرين وأشد نفاقا إن كانوا منافقين؟ وذلك لأن الذين يسكنون البادية يكونون أبعد عن مراكز العلم والتعليم والتربية والتهذيب، فهم لا يحضرون الصلوات في المساجد ولا يرتادون مجالس العلم فيكونون أبعد عن فهم القرآن ومعرفة السنن، وكذلك من سكن البادية كان قاسي الطبع جافا جلفا بعيدا عن الألفة والأنسة كما جاء في الحديث الشريف: «من بدا جفا» وفي رواية «من سكن البادية جفا» (أحمد) أي: من سكن البادية صار جافي الطبع قاسي التعامل. والأعرابي إذا قيل له يا عربي فرح، والعربي إذا قيل له يا أعرابي غضب. وكذلك يجب التفريق عند الأمم الأخرى بين الذين يسكنون الحاضرة وبين الذين يسكنون البادية، فقد ذكر العلماء أن التتار هم بدو الترك، وأن الكرد هو بدو الفرس. وقد حرّم الإسلام على أتباعه من أهل الحضر العودة إلى البادية والعيش فيها بصفة دائمة مع الأعراب، وهذا ما يسميه الحديث النبوي: التعرب بعد الهجرة، واعتبر الإسلام هذه الظاهرة من كبائر الإثم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الكبائر سبع» ذكر منها «الرجوع إلى الأعرابية بعد الهجرة» (الطبراني في الأوسط بسند حسن)، وهو أن يعود المرء إلى البادية ويقيم مع الأعراب بعد أن كان مهاجرا إلى المدينة النبوية.
(2) قوله تعالى: (ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم). وفي هذه الآية وصف الله تعالى الفئة المنافقة من الأعراب بصفتين كي لا يغتر بهم المسلمون وهما: (الصفة الأولى) أنهم يعتبرون ما ينفقون في سبيل الله تعالى من زكاة مفروضة أو نفقة تطوع غرامة يدفعونها إلى المسلمين وذلك لأنهم في إنفاقهم لا يرجون ثوابا ولا يخافون عقابا ولا يؤمنون بالمعاد إلى الله أصلا. (والصفة الثانية) أنهم يتربصون بالمسلمين أن تدور عليهم الأمور ويؤولون إلى الهزيمة والضعف كي تخرج هذه الفئة من نفاقها إلى كفرها لأنها تعلن الإيمان مكرهة عليه. وقد توعد الله تعالى هذه الفئة بأن الدائرة السيئة والهزيمة والغلبة ستكون عليها بأن تنهزم الفئة الكافرة التي يوالونها في الباطن، كما توعدهم بأنه تعالى (سميع) لما يقولون (عليم) بما يضمرون ويعتقدون.