التفسير التربويالجزء 1 · ص 1121 - 1130

الآيات 97-100

الآيات 97-100

قوله تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: 97-100)

(1) قوله تعالى: (الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم). يجب التفريق في هذه الآية وغيرها من الآيات بين مصطلح (الأعراب) ومصطلح (العرب) عند فهم القرآن، فالأعراب هم الذين يسكنون البادية، والعرب هم الذين يسكنون الحاضرة، والأعراب هم بدو العرب، والعرب: جيل من الناس والنسبة إليهم عربي بين العروبة وهم أهل الأمصار، والأعراب منهم سكان البادية خاصة. وفي ضوء هذا التفريق نستطيع أن نعلم لماذا كانت الأعراب أشد كفرا إن كانوا كافرين وأشد نفاقا إن كانوا منافقين؟ وذلك لأن الذين يسكنون البادية يكونون أبعد عن مراكز العلم والتعليم والتربية والتهذيب، فهم لا يحضرون الصلوات في المساجد ولا يرتادون مجالس العلم فيكونون أبعد عن فهم القرآن ومعرفة السنن، وكذلك من سكن البادية كان قاسي الطبع جافا جلفا بعيدا عن الألفة والأنسة كما جاء في الحديث الشريف: «من بدا جفا» وفي رواية «من سكن البادية جفا» (أحمد) أي: من سكن البادية صار جافي الطبع قاسي التعامل. والأعرابي إذا قيل له يا عربي فرح، والعربي إذا قيل له يا أعرابي غضب. وكذلك يجب التفريق عند الأمم الأخرى بين الذين يسكنون الحاضرة وبين الذين يسكنون البادية، فقد ذكر العلماء أن التتار هم بدو الترك، وأن الكرد هو بدو الفرس. وقد حرّم الإسلام على أتباعه من أهل الحضر العودة إلى البادية والعيش فيها بصفة دائمة مع الأعراب، وهذا ما يسميه الحديث النبوي: التعرب بعد الهجرة، واعتبر الإسلام هذه الظاهرة من كبائر الإثم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الكبائر سبع» ذكر منها «الرجوع إلى الأعرابية بعد الهجرة» (الطبراني في الأوسط بسند حسن)، وهو أن يعود المرء إلى البادية ويقيم مع الأعراب بعد أن كان مهاجرا إلى المدينة النبوية.

(2) قوله تعالى: (ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم). وفي هذه الآية وصف الله تعالى الفئة المنافقة من الأعراب بصفتين كي لا يغتر بهم المسلمون وهما: (الصفة الأولى) أنهم يعتبرون ما ينفقون في سبيل الله تعالى من زكاة مفروضة أو نفقة تطوع غرامة يدفعونها إلى المسلمين وذلك لأنهم في إنفاقهم لا يرجون ثوابا ولا يخافون عقابا ولا يؤمنون بالمعاد إلى الله أصلا. (والصفة الثانية) أنهم يتربصون بالمسلمين أن تدور عليهم الأمور ويؤولون إلى الهزيمة والضعف كي تخرج هذه الفئة من نفاقها إلى كفرها لأنها تعلن الإيمان مكرهة عليه. وقد توعد الله تعالى هذه الفئة بأن الدائرة السيئة والهزيمة والغلبة ستكون عليها بأن تنهزم الفئة الكافرة التي يوالونها في الباطن، كما توعدهم بأنه تعالى (سميع) لما يقولون (عليم) بما يضمرون ويعتقدون.

1121

(3) قوله تعالى: (ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم). وفي هذه الآية وصف الله تعالى الفئة المؤمنة من الأعراب كي لا يظن الناس أن الأعراب كلهم منافقون، وكي تكون هذه الفئة قدوة للمؤمنين في إيمانهم، وقد وصف الله هذه الفئة بصفتين: (الأولى) أنها تؤمن بالله وتؤمن باليوم الآخر، وهو فرق مهم في الإيمان بين هذه الفئة والفئة السابقة، فقد تشترك الفئتان بالإيمان بالله ولكن الفئة المؤمنة تؤمن بالمعاد إلى الله بينما الفئة المنافقة لا تؤمن بالمعاد. (والثانية) أن هذه الفئة تعتبر ما تنفقه في سبيل الله تعالى قربة تتقرب بها إلى الله لأنها تؤمن بالمعاد وترجو الثواب وتخاف من العقاب، كما إن هذه الفئة تؤمن بدعاء الرسول لها ولذلك فهي تطلب هذه الدعاء وتتخذه قربة عند الله. وقد وعد الله تعالى هذه الفئة بأنه سيقبل ما يتقربون به إليه، وأنه سيدخلهم في رحمته، ولذلك أكد هذا الأمر بقوله (إن الله غفور) يعني لذنوبهم وسيئاتهم (رحيم) بهم حين وفقهم لطاعته. ومعنى (وصلوات الرسول) أي: استغفاره ودعاؤه، لأن الصلاة تقع على ضروب، فالصلاة من الله عز وجل الرحمة والخير والبركة، قال الله تعالى: (هو الذي يصلي عليكم وملائكته) (الأحزاب: 43)، والصلاة من الملائكة الدعاء، وكذلك الصلاة من النبي صلى الله عليه وسلم هي الدعاء كما قال تعالى: (وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم) (التوبة: 103) أي: دعاؤك تثبيت لهم وطمأنينة.

1122

(4) قوله تعالى: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجرى تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم). لما ذكر الله تعالى في الآية السابقة الفئة المؤمنة من الأعراب بين في هذه الآية أن هناك من هم أعلى منهم منزلة وإن تساووا في فضيلة الإيمان وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان. كما أثنى الله تعالى على المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان بأنه رضي عنهم وهذا غاية الترغيب والثناء، وبأنه أعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، وبأنهم خالدين في تلك الجنات وهذا من تمام النعمة أن تبقى فلا تزول. وقد بين الله تعالى بقوله: (بإحسان) ما يتبعون فيه من أفعالهم وأقوالهم، لا فيما صدر عنهم من الهفوات والزلات، إذ لم يكونوا معصومين رضي الله عنهم. وقد نص القرآن على تفضيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وهم الذين صلوا إلى القبلتين، واتفق الفقهاء على أن من هاجر قبل تحويل القبلة فهو من المهاجرين الأولين من غير خلاف بينهم. كما اتفقوا على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم الستة الباقون إلى تمام العشرة، ثم أهل بدر ثم أهل أحد ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية. واختلف الفقهاء فيمن أسلم أول؟ وكان إسحاق بن إبراهيم بن راهويه شيخ البخاري يقول: أول من أسلم من الرجال أبو بكر، ومن النساء خديجة، ومن الصبيان علي، ومن الموالي زيد بن حارثة، ومن العبيد بلال. والمعروف عن طريقة أهل الحديث أن كل مسلم رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو من أصحابه. قال البخاري في صحيحه: من صحب النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه. كما اتفق الفقهاء على أن التابعي هو من صحب الصحابي.

1123

الآيات 101-106

قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ وَآَخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآَخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وَآَخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 101-106)

(1) قوله تعالى: (وممن حولكم من الأعراب منافقون، ومن أهل المدينة مردوا على النفاق، لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم). هذه الآية وإن كان المخاطب بها المؤمنون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن فيها بيانا للمنافقين وتربية لهم بالعقوبات لعلهم يتوبون من نفاقهم. وقد بين الله تعالى فيها أن المنافقين فئتان، فئة من الأعراب، وفئة من أهل المدينة، وهم متشابهون من حيث العتو والديمومة والخبرة في النفاق، وإن كان المؤمنون لا يعلمونهم لأن ظاهرهم الإسلام فإن الله يعلمهم وسيُعلم المؤمنين بهم سواء بذكر الأسماء أم بذكر الصفات. وفي الآية تربية للمنافقين بثلاث عقوبات هي: العقوبات في الدنيا، والعقوبات في القبر، والعقوبات في الآخرة. ومن الملفت للنظر في هذه الآية صف الله تعالى للمنافقين بأنهم (مردوا على النفاق) حيث إنها تفيد الخطورة والخبث في النفاق، قال القرطبي في تفسيرها: ((ومعنى: (مردوا) أقاموا ولم يتوبوا، عن ابن زيد. وقال غيره: لجوا فيه وأبوا غيره، والمعنى متقارب. وأصل الكلمة من اللين والملامسة والتجرد، فكأنهم تجردوا للنفاق. ومنه رملة مرداء لا نبت فيها، وغصن أمرد لا ورق عليه، وفرس أمرد لا شعر على ثنته، وغلام أمرد بين المرد، ولا يقال: جارية مرداء. وتمريد البناء تمليسه، ومنه قوله: (صرح ممرد) (النمل: 44). وتمريد الغصن تجريده من الورق، يقال: مرد يمرد مرودا ومرادة)).

(2) قوله تعالى: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم). والقوم المذكورون في هذه الآية غير المنافقين المذكورين في الآية السابقة، بل هم قوم (خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا)، فالعمل الصالح هو الاعتراف بالذنب والتوبة والندم، والعمل السيئ هو التخلف عن غزوة تبوك، وبهذا العمل السيئ تشابهوا مع المنافقين فورد ذكرهم في سياق الكلام على المنافقين. فهؤلاء القوم المتخلفون عن الجهاد والتائبون من تخلفهم يتوب الله عليهم لأن (عسى) من الله واجبة وليست على بابها في اللغة من الشك. قال ابن عباس: «نزلت في عشرة تخلفوا عن غزوة تبوك فأوثق سبعة منهم أنفسهم في سواري المسجد». وقال القرطبي: ((والجمهور أن الآية نزلت في شأن المتخلفين عن غزوة تبوك، وكانوا ربطوا أنفسهم في سواري المسجد، وعاهدوا الله ألا يطلقوا أنفسهم حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقهم ويرضى عنهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أؤمر بإطلاقهم، رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين) فأنزل الله هذه الآية. فلما نزلت أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأطلقهم وعذرهم. فلما أطلقوا قالوا: يا رسول الله، هذه أموالنا التي خلفتنا عنك، فتصدق بها عنا وطهرنا واستغفر لنا. فقال: (ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا) فأنزل الله تعالى الآية التي بعدها: (خذ من أموالهم صدقة) (التوبة: 103) الآية)).

1124

(3) قوله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها، وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم، والله سميع عليم). وفي هذه الآية أمر الله تعالى رسوله بأمرين في سياق علاقته مع المؤمنين، ولكل منهما مدلوله التربوي، أما الأول فهو أنه تعالى أمره أن يأخذ من المؤمنين صدقة، وسميت الصدقة صدقة لأنها تدل على صدق إيمان صاحبها، لأن كلمة (ص د ق) تدل على الكمال والتمام، فكان الإيمان لا يكمل إلا بالصدقة، وكأن النكاح لا يكمل إلا بالصداق، والحكمة التربوية من الصدقة أنها تطهير لصاحبها مما قد يلحق به من الذنوب والآثام، وفيها تزكية وتهذيب وتشذيب لنفس المعطي كما فيها تطييب لنفس الآخذ وفيها تدعيم لأواصر الأخوة والألفة والأنس في المجتمع المسلم. والأمر الثاني الذي أمر الله تعالى به نبيه هو الصلاة على المؤمنين، والصلاة منه صلى الله عليه وسلم هي الدعاء بالخير والبركة والرحمة للمؤمنين الذين يتصدقون بأموالهم، وفيها سكن وراحة لنفوس المؤمنين لأن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم محله الإجابة من الله الذي منحه مقام الشفاعة يوم القيامة. فكل مسلم يدعو بين الأذان والإقامة من كل صلاة بهذا الدعاء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، إنك لا تخلف الميعاد. والأصل في هذا الدعاء هو ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة» (مسلم والترمذي).

(4) قوله تعالى: (ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم). وفي هذه الآية ترغيب في التوبة وترغيب في الصدقة لأن الله تعالى أكد فيها أنه يتولى هذين الأمرين بنفسه وذلك ما يدل عليه ضمير الشأن (هو)، ويثيب عليهما بالرحمة منه (وأن الله هو التواب الرحيم). وقد ورد في السنة النبوية ما يؤكد هذا المعنى فروى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه، فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره، حتى أن اللقمة لتصير مثل جبل أحد، وتصديق ذلك في كتاب الله (ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات)، (يمحق الله الربا ويربي الصدقات)) (قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح)). وصيغة هذه الآية هي الاستفهام والمراد منه التقرير والتأكيد.

1125

(5) قوله تعالى: (وقل اعملوا فسيرى اللهُ عملكم ورسوله والمؤمنون، وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون). جمع بين أمرين، الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، الترغيب في العمل الصالح والترهيب من العمل السيئ، والوعد بالثواب على العمل الصالح والوعيد بالعقاب على العمل السيئ، وذلك لأن ما يعمله المؤمن يراه الله فهو السميع البصير، ويراه الرسول بإعلام الله تعالى له بذلك، ويراه المؤمنون بإعلام الله تعالى لهم أو بالرؤية المباشرة من بعضهم. ولأن ما يعمله المؤمن يكون في علم الله وحينما يُرد العباد إلى الله تعالى يوم القيامة ينبئهم بأعمالهم جزاء أو عقابا، فهو عالم الغيب كما هو عالم الشهادة. وقوله: (فسيرى اللهُ عملكم ورسوله والمؤمنون) ترغيب وترهيب من خلال الرؤية، بينما قوله: (وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون) ترغيب وترهيب من خلال علمه تعالى وحسابه للناس يوم القيامة.

(6) قوله تعالى: (وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذ بهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم). نزلت في الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، وهم كعب بن مالك وهلال بن أمية مرارة بن الربيع، وكانوا مؤمنين صادقين فلم يتخلفوا عن نفاق أو شك بل بسبب الإهمال وعد الجدية في الأمر، وسيأتي بيان ذلك عند تفسير قوله تعالى: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) (التوبة: 118). ومعنى: (مرجون لأمر الله) أي مؤخرون لأمر الله فلم ينته أمرهم حين نزول هذه الآية. وقوله: (إما يعذبهم أو يتوب عليهم) إرجاء لأمرهم، وقد حُسم الأمر بأن قبل الله توبتهم وتاب عليهم فقال: (ثم تاب عليهم ليتوبوا) (التوبة: 118).

1126

الآيات 107-110

قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 107-110)

(1) نزلت هذه الآيات في فئة من المنافقين غير الفئات المذكورة سابقا، قال القرطبي في سبب نزول هذه الآيات: ((نزلت هذه الآيات فيما روي في أبو عامر الراهب، لأنه كان خرج إلى قيصر وتنصر ووعدهم قيصر أنه سيأتيهم، فبنوا مسجد الضرار يرصدون مجيئه فيه، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم. وقال أهل التفسير: إن بني عمرو بن عوف اتخذوا مسجد قباء وبعثوا للنبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم فأتاهم فصلى فيه، فحسدهم إخوانهم بنو غنم بن عوف وقالوا: نبني مسجدا ونبعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم يأتينا فيصلي لنا كما صلى في مسجد إخواننا، ويصلي فيه أبو عامر إذا قدم من الشام، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله، قد بنينا مسجدا لذي الحاجة والعلة والليلة المطيرة، ونحب أن تصلي لنا فيه وتدعو بالبركة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إني على سفر وحال شغل، فلو قدمنا لأتيناكم وصلينا لكم فيه). فلما أنصرف النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك أتوه وقد فرغوا منه وصلوا فيه الجمعة والسبت والأحد، فدعا بقميصه ليلبسه ويأتيهم فنزل عليه القرآن بخبر مسجد الضرار، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن ووحشيا قاتل حمزة، فقال: (انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه) فخرجوا مسرعين، وأخرج مالك بن الدخشم من منزله شعلة نار، ونهضوا فأحرقوا المسجد وهدموه، وكان الذين بنوه اثني عشر رجلا)).

(2) وقال القرطبي في تحريم إمامة من كان إمام لظالم كما هو الحال في مسجد الضرار: «قال العلماء: إن من كان إماما لظالم لا يُصلى وراءه إلا أن يظهر عذره أو يتوب. فإن بني عمرو بن عوف الذين بنوا مسجد قباء سألوا عمر بن الخطاب في خلافته ليأذن لمجمع بن جارية أن يصلي بهم في مسجدهم، فقال: لا ولا نعمة عين! أليس بإمام مسجد الضرار! فقال له مجمع: يا أمير المؤمنين، لا تعجل علي، فوالله لقد صليت فيه وأنا لا أعلم ما قد أضمروا عليه ولو علمت ما صليت بهم فيه، كنت غلاما قارئا للقرآن وكانوا شيوخا قد عاشوا على جاهليتهم وكانوا لا يقرءون من القرآن شيئا فصليت ولا أحسب ما صنعت إثما ولا أعلم بما في أنفسهم. فعذره عمر رضي الله عنهما وصدقه وأمره بالصلاة في مسجد قباء».

1127

(3) وصف الله تعالى هذا المسجد الضرار بأربع صفات وهي صفات غاية في السوء والشر ومن واجب المسلم كفرد كما هو من واجب المؤمنين كجماعة اجتنابها، وهذه الصفات هي: (الأولى) قوله تعالى: (ضرارا) أي بالمؤمنين، وقال أهل التأويل: ضرارا بالمسجد، وليس للمسجد ضرار، إنما هو لأهله. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار، من ضارَّ ضار الله به، ومن شاقَّ شاق الله عليه» (الدارقطني). (والثانية) قوله تعالى: (وكفرا) لأنه كان اعتقاد هذه الفئة من المنافقين الذين بنوا مسجد الضرار أنه لا حرمة لمسجد قباء ولا لمسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا في باطنهم كافرين بالنبي صلى الله عليه وسلم وبما جاء به. (والثالثة) قوله تعالى: (وتفريقا بين المؤمنين) أي يفرقون به جماعتهم ليتخلف أقوام عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا يدل على أن المقصد الأكبر والغرض الأظهر من وضع الجماعة تأليف القلوب والكلمة على الطاعة، حتى يقع الأنس بالمخالطة، وتصفو القلوب من الأحقاد. (والرابعة) قوله تعالى: (وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل) قال المفسرون: المراد أبو عامر الراهب، وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو عامر الفاسق، وكان قد تنصر في الجاهلية، وترهب وطلب العلم، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عاداه، لأنه زالت رياسته، وقد حارب في أحد مع الكافرين وحفر الحفر التي وقع رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحداها، وقد مات كافرا بقنسرين (كورة بالشام) بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه كان قال للنبي صلى الله عليه وسلم: لا أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم، فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين. فلما انهزمت هوازن خرج إلى الروم يستنصر، وأرسل إلى المنافقين وقال: استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح، وابنوا مسجدا، فإني ذاهب إلى قيصر لأرجع بجند من الروم وأخرج محمدا من المدينة، فبنوا مسجد الضرار. وأبو عامر هذا هو والد حنظلة الذي غسلته الملائكة في غزوة أحد.

(4) وفي هذه القصة تآمر المنافقون على الرسول الكريم وأصحابه، وقد كشف الله له ذلك بقوله: (وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى) أي ما أردنا ببنائه إلا الفعلة الحسنى، وهي الرفق بالمسلمين كما ذكروا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة. (والله يشهد إنهم لكاذبون) أي يعلم خبث ضمائرهم وكذبهم فيما يحلفون عليه.

1128

(5) قوله تعالى: (لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه، فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين). فيه وقفتان تربويتان: (الأولى) قوله تعالى: (أحق أن تقوم فيه) أي بأن تقوم، وأحق: هو أفعل من الحق، وأفعل لا يدخل إلا بين شيئين مشتركين، ولأحدهما في المعنى الذي اشتركا فيه ميزة على الآخر، فمسجد الضرار وإن كان باطلا لا حق فيه، فقد اشتركا في الحق من جهة اعتقاد بانيه أو من جهة اعتقاد من كان يظن أن القيام فيه جائز، لكن أحد الاعتقادين باطل باطنا عند الله، والآخر حق باطنا وظاهرا، ومثل هذا قوله تعالى: (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا) (الفرقان: 24) ومعلوم أن الخيرية من النار معدومة، ولكنه جرى على اعتقاد كل فرقة أنها على خير وأن مصيرها إليه خير، إذ كل حزب بما لديهم فرحون. (والثانية) قوله تعالى: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين). قال قتادة: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل قباء: «إن الله سبحانه قد أحسن عليكم الثناء في التطهر فما تصنعون»؟ قالوا: إنا نغسل أثر الغائط والبول بالماء. (أبو داود). فأثنى الله سبحانه وتعالى في هذه الآية على من أحب الطهارة وآثر النظافة، وهي مروءة آدمية ووظيفة شرعية، فعن عائشة رضوان الله عليها أنها قالت: «مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء فإني أستحييهم» (الترمذي). وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحمل الماء معه في الاستنجاء، فكان يستعمل الحجارة تخفيفا والماء تطهيرا. واعلم أن طهارة الظاهر إنما يحصل لها أثر وقدر عند الله لو حصلت طهارة الباطن من الكفر والمعاصي، وعلى هذه الثنائية في الطهارة بنيت تعاليم الإسلام.

(6) قوله تعالى: أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أمّن أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدى القوم الظالمين). وفي هذه الآية تربية على صدق النية ونقاء المطلب وأن تكون الأمور لله تعالى، فما كان لله فهو المتصل وما كان لغيره فهو المنفصل. لأن معنى هذه الآية: أفمن أسس بنيان دينه على قاعدة قوية محكمة وهي الحق الذي هو تقوى الله ورضوانه خير أمّن أسس على قاعدة هي أضعف القواعد وأقلها بقاء وهي الباطل؟ وقد شبّه الله تعالى النفاق بشفا جرف هار، فهو مطل على النار، وهو معرض للسقوط في كل لحظة، ولا نرى مثالا أكثر مطابقة لأمر المنافقين من هذا المثال!.

1129

(7) قوله تعالى: (لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم). قال الرازي في تفسير هذه الآية: ((والمعنى: أن بناء ذلك البنيان صار سببا لحصول الريبة في قلوبهم، فجعل نفس ذلك البنيان ريبة لكونه سببا للريبة. وفي كونه سبباً للريبة وجوه: (الأول) أن المنافقين عظم فرحهم ببناء مسجد الضرار، فلما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بتخريبه ثقل ذلك عليهم وازداد بغضهم له وازداد ارتيابهم في نبوته. (الثاني) أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما أمر بتخريب ذلك المسجد ظنوا أنه إنما أمر بتخريبه لأجل الحسد، فارتفع أمانهم عنه وعظم خوفهم منه في كل الأوقات، وصاروا مرتابين في أنه هل يتركهم على ما هم فيه أو يأمر بقتلهم؟ (الثالث) أنهم اعتقدوا أنهم كانوا محسنين في بناء ذلك المسجد، فلما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بتخريبه بقوا شاكين مرتابين في أنه لأي سبب أمر بتخريبه؟ (الرابع) بقوا شاكين مرتابين في أن الله تعالى هل يغفر تلك المعصية؟ أعني سعيهم في بناء ذلك المسجد. والصحيح هو الوجه الأول. ثم قال: (إلا أن تقطع قلوبهم) أي تجعل قلوبهم قطعا وتفرق أجزاء، إما بالسيف وإما بالحزن والبكاء، فحينئذ تزول تلك الريبة. والمقصود أن هذه الريبة باقية في قلوبهم أبدا ويموتون على هذا النفاق. وقيل: معناه إلا أن يتوبوا توبة تنقطع بها قلوبهم ندما وأسفا على تفريطهم. وقيل: حتى تنشق قلوبهم غما وحسرة. وقرأ الحسن (إلى أن). ثم قال: (والله عليم حكيم) والمعنى: عليم بأحوالهم، حكيم في الأحكام التي يحكم بها عليهم)).

1130