التفسير التربويالجزء 1 · ص 1147 - 1154

الآية 5

الآية 5

(5) قوله تعالى: (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون). تدخل هذه الآية في إطار التربية العقدية في الإسلام والتي تقوم على الاستدلال العقلي من خلال النظر في الكون على وجود الله تعالى ووحدانيته وقيامه بأمر هذا الكون الفسيح المتسع الأرجاء المبني على الدقة والتنظيم. قال الرازي في المدلول التربوي لهذه الآية: «اعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل الدالة على الإلهية، ثم فرع عليها صحة القول بالحشر والنشر، عاد مرة أخرى إلى ذكر الدلائل الدالة على الإلهية. واعلم أن الدلائل المتقدمة في إثبات التوحيد والإلهية هي التمسك بخلق السموات والأرض، وهذا النوع إشارة إلى التمسك بأحوال الشمس والقمر، وهذا النوع الأخير إشارة إلى ما يؤكد الدليل الدال على صحة الحشر والنشر، وذلك لأنه تعالى أثبت القول بصحة الحشر والنشر بناء على أنه لا بد من إيصال الثواب إلى أهل الطاعة وإيصال العقاب إلى أهل الكفر، وأنه يجب في الحكمة تمييز المحسن عن المسيء. ثم إنه تعالى ذكر في هذه الآية أنه جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل ليتوصل المكلف بذلك إلى معرفة السنين والحساب، فيمكنه ترتيب مهمات معاشه من الزراعة والحراثة وإعداد مهمات الشتاء والصيف، فكأنه تعالى يقول: تمييز المحسن عن المسيء والمطيع عن العاصي أوجب في الحكمة من تعليم أحوال السنين والشهور. فلما اقتضت الحكمة والرحمة خلق الشمس والقمر لهذا المهم الذي لا نفع له إلا في الدنيا، فبأن تقتضي الحكمة والرحمة تمييز المحسن عن المسيء بعد الموت، مع أنه يقتضي النفع الأبدي والسعادة السرمدية، كان ذلك أولى. فلما كان الاستدلال بأحوال الشمس والقمر من الوجه المذكور في هذه الآية مما يدل على التوحيد من وجه، وعلى صحة القول بالمعاد من الوجه الذي ذكرناه، لا جرم ذكر الله هذا الدليل بعد ذكر الدليل على صحة المعاد».

1147

الآية 6

(6) قوله تعالى: (إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون). وهذه الآية كسابقتها تدخل في إطار التربية العقدية في الإسلام حيث تدل على الوجود والوحدانية والتفرد لله تعالى من خلال النظر في اختلاف الليل والنهار والنظر في عالم المخلوقات، قال الرازي في تفسيرها: ((اعلم أنه تعالى استدل على التوحيد والإلهيات أولا: بتخليق السموات والأرض، وثانيا: بأحوال الشمس والقمر، وثالثا: في هذه الآية بالمنافع الحاصلة من اختلاف الليل والنهار، ورابعا: بكل ما خلق الله في السموات والأرض، وهي أقسام الحوادث الحادثة في هذا العالم، وهي محصورة في أربعة أقسام: (أحدها) الأحوال الحادثة في العناصر الأربعة، ويدخل فيها أحوال الرعد والبرق والسحاب والأمطار والثلوج، ويدخل فيها أيضاً أحوال البحار، وأحوال المد والجزر، وأحوال الصواعق والزلازل والخسف. (وثانيها) أحوال المعادن وهي عجيبة كثيرة. (وثالثها) اختلاف أحوال النبات. (ورابعها) اختلاف أحوال الحيوانات. وجملة هذه الأقسام الأربعة داخلة في قوله تعالى: (وما خلق الله في السماوات والأرض) والاستقصاء في شرح هذه الأحوال مما لا يمكن في ألف مجلد، بل كل ما ذكره العقلاء في أحوال أقسام هذا العالم فهو جزء مختصر من هذا الباب. ثم إنه تعالى بعد ذكر هذه الدلائل قال: (لآيات لقوم يتقون) فخصها بالمتقين لأنهم يحذرون العاقبة فيدعوهم الحذر إلى التدبر والنظر. قال القفال: من تدبر في هذه الأحوال علم أن الدنيا مخلوقة لشقاء الناس فيها، وأن خالقها وخالقهم ما أهملهم، بل جعلها لهم دار عمل. وإذا كان كذلك فلا بد من أمر ونهي، ثم من ثواب وعقاب، ليتميز المحسن عن المسيء، فهذه الأحوال في الحقيقة دالة على صحة القول بإثبات المبدأ وإثبات المعاد)).

1148

الآيات 7-8

(7) و (8) قوله تعالى: (إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون. أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون). نلمح في هاتين الآيتين ترهيب ووعيد، ترهيب من الكفر بيوم القيامة حيث الثواب والعقاب، وترهيب من الإيمان بالحياة الدنيا على أنها نهاية المطاف، وترهيب من الغفلة عن آيات الله تعالى القرآنية والكونية بتركها. ووعيد لمن ففعل ذلك أو جزءا منه بأن يكون مآله إلى النار جزاء بما اكتسبه من الأفعال والأقوال.

1149

الآيات 9-10

(9) و (10) قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجرى من تحتهم الأنهار في جنات النعيم. دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين). ونلمح في هاتين الآيتين ترغيب ووعد، ترغيب بالإيمان والعمل الصالح، ووعد بدخول الجنة والخلود فيها حيث الجنات تجري من تحتها أنهار الماء واللبن والعسل المصفى والخمر التي لا تغتال العقول، وحيث الدعاء بقولهم سبحانك اللهم، والتحية بينهم بالسلام، والدعاء بعد كل أمر بأن يقولوا الحمد لله رب العالمين. قال العلماء: من السنة لمن بدأ بالأكل أن يسمي الله عند أكله وشربه ويحمده عند فراغه اقتداء بأهل الجنة، وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها». ويستحب للداعي أن يقول في آخر دعائه كما قال أهل الجنة: وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين، وحسن أن يقرأ آخر سورة الصافات: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون. وسلام على المرسلين. والحمد لله رب العالمين)، فإنها جمعت تنزيه البارئ تعالى عما نسب إليه، والتسليم على المرسلين، والختم بالحمد لله رب العالمين.

1150

الآية 11

قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ (يونس: 11)

(11) قوله تعالى: (ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون). وفي هذه الآية ترهيب من خلق ذميم عند بعض الناس حيث يدعون في الخير ويستعجلون الإجابة، ثم يحملهم سوء الخلق على الدعاء في الشر أحيانا، فلو عجل الله لهم لهلكوا. وفيها تربية على رحمته تعالى بالناس حيث لا يستعجل الإجابة لهم في دعائهم بالشر. ومعنى الآية: ولو عجل الله للناس العقوبة كما يستعجلون الثواب والخير لماتوا، لأنهم خلقوا في الدنيا خلقا ضعيفا، وليس هم كذلك يوم القيامة لأنهم يخلقون للبقاء. وقيل: المعنى لو فعل الله مع الناس في إجابته إلى المكروه مثل ما يريدون فعله معهم في إجابته إلى الخير لأهلكهم. وقيل: إنها خاصة بالكافرين، أي ولو عجل الله للكافر العذاب على كفره كما عجل له خير الدنيا من المال والولد لعجل له قضاء أجله ليتعجل عذاب الآخرة. وقيل: نزلت هذه الآية في النضر بن الحارث حيث قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء، فلو عجل لهم هذا لهلكوا. وقيل: نزلت في الرجل يدعو على نفسه أو ماله أو ولده إذا غضب: اللهم أهلكه، اللهم لا تبارك له فيه وألعنه، أو نحو هذا، فلو استجيب ذلك منه كما يستجاب الخير لقضي إليهم أجلهم.

1151

الآية 12

(12) قوله تعالى: (وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون). لما بيّن الله تعالى في الآية السابقة أنه لو أنزل العذاب على العبد في الدنيا لهلك ومات، بيّن في هذه الآية ما يدل على أن الإنسان غاية في الضعف ونهاية في العجز، وأنه يستعجل نزول العذاب وهو كاذب في طلبه واستعجاله، فلو نزل به أدنى شيء يكرهه ويؤذيه فإنه يتضرع إلى الله تعالى في إزالته عنه وفي دفعه عنه، وذلك يدل على أنه ليس صادقا في هذا الطلب. قال الرازي في المدلول التربوي لهذه الآية: ((المقصود من هذه الآية، بيان أن الإنسان قليل الصبر عند نزول البلاء، قليل الشكر عند وجدان النعماء والآلاء، فإذا مسه الضر أقبل على التضرع والدعاء مضطجعا أو قائما أو قاعدا مجتهدا في ذلك الدعاء طالباً من الله تعالى إزالة تلك المحنة، وتبديلها بالنعمة والمنحة، فإذا كشف تعالى عنه ذلك بالعافية أعرض عن الشكر، ولم يتذكر ذلك الضر ولم يعرف قدر الإنعام، وصار بمنزلة من لم يدع الله تعالى لكشف ضره، وذلك يدل على ضعف طبيعة الإنسان وشدة استيلاء الغفلة والشهوة عليه، وإنما ذكر الله تعالى ذلك تنبيها على أن هذه الطريقة مذمومة، بل الواجب على الإنسان العاقل أن يكون صابرا عند نزول البلاء شاكرا عند الفوز بالنعماء، ومن شأنه أن يكون كثير الدعاء والتضرع في أوقات الراحة والرفاهية حتى يكون مجاب الدعوة في وقت المحنة، فعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من سره أن يستجاب له عند الكرب والشدائد فليكثر الدعاء عند الرخاء) (الحاكم)، واعلم أن المؤمن إذا ابتلي ببلية ومحنة، وجب عليه رعاية أمور: (فأولها) أن يكون راضيا بقضاء الله تعالى غير معترض بالقلب واللسان عليه. وإنما وجب عليه ذلك لأنه تعالى مالك على الإطلاق وملك بالاستحقاق، فله أن يفعل في ملكه وملكه ما شاء كما يشاء، ولأنه تعالى حكيم على الإطلاق وهو منزه عن فعل الباطل والعبث، فكل ما فعله فهو حكمة وصواب، وإذا كان كذلك فحينئذ يعلم أنه تعالى إن أبقى عليه تلك المحنة فهو عدل، وإن أزالها عنه فهو فضل، وحينئذ يجب عليه الصبر والسكوت وترك القلق والاضطراب. (وثانيها) أنه في ذلك الوقت إن اشتغل بذكر الله تعالى والثناء عليه بدلا عن الدعاء كان أفضل، لقوله عليه السلام حكاية عن رب العزة: (من شغله ذكرى عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين) (البيهقي في شعب الإيمان)، ولأن الاشتغال بالذكر اشتغال بالحق، والاشتغال بالدعاء اشتغال بطلب حظ النفس، ولا شك أن الأول أفضل، ثم إن اشتغل بالدعاء وجب أن يشترط فيه أن يكون إزالته صلاحا في الدين، وبالجملة فإنه يجب أن يكون الدين راجحا عنده على الدنيا. (وثالثها) أنه سبحانه إذا أزال عنه تلك البلية فإنه يجب عليه أن يبالغ في الشكر وأن لا يخلو عن ذلك الشكر في السراء والضراء، وأحوال الشدة والرخاء، فهذا هو الطريق الصحيح عند نزول البلاء. وهنا مقام آخر أعلى وأفضل مما ذكرناه، وهو أن أهل التحقيق قالوا: إن من كان في وقت وجدان النعمة مشغولا بالنعمة لا بالمنعم كان عند البلية مشغولا بالبلاء لا بالمبلي، ومثل هذا الشخص يكون أبدا في البلاء، أما في وقت البلاء فلا شك أنه يكون في البلاء، وأما في وقت حصول النعماء فإن خوفه من زوالها يكون أشد أنواع البلاء، فإن النعمة كلما كانت أكمل وألذ وأقوى وأفضل، كان خوف زوالها أشد إيذاء وأقوى إيحاشا، فثبت أن من كان مشغولا بالنعمة كان أبدا في لجة البلية، أما من كان في وقت النعمة مشغولا بالمنعم، لزم أن يكون في وقت البلاء مشغولا بالمبلي. وإذا كان المنعم والمبلي واحدا، كان نظره أبدا على مطلوب واحد، وكان مطلوبه منزها عن التغير مقدسا عن التبدل ومن كان كذلك كان في وقت البلاء وفي وقت النعماء، غرقا في بحر السعادات، واصلا إلى أقصى الكمالات، وهذا النوع من البيان بحر لا ساحل له، ومن أراد أن يصل إليه فليكن من الواصلين إلى العين دون السامعين للأثر)).

1152

الآية 13

(13) قوله تعالى: (ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين). فيه تربية لأمة الإسلام وسائر الأمم على أن الظلم موجب للهلاك والدمار متى شاع في المجتمع وأصبح القاعدة فيه، وتدخل هذه الآية في إطار التربية الاجتماعية وعلم الاجتماع حيث تفسر قيام المجتمعات على أساس العدل وزوالها على أساس الظلم. وهذه الآية وإن كان فيها تخويف لكفار مكة بعذاب الأمم الماضية بأنه تعالى قادر على إهلاكهم بتكذيبهم لمحمد صلى الله عليه وسلم ولكنه يمهلهم لعلمه تعالى أن فيهم من يؤمن أو يخرج من أصلابهم من يؤمن، فإنها عامة في سائر الأمم. وكل من له عينين يلحظ أن قاعات الجالس التشريعية والقضائية في دول العالم الثالث تزدان بهذه العبارة (العدل أساس الملك) ولكنه يلحظ من الجانب العملي أن هذه العبارة قد أفرغت من مضمونها بالفعل والتطبيق.

1153

الآية 14

(14) قوله تعالى: (ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون). وفي هذه الآية تربية لأمة محمد صلى الله عليه وسلم وريثة الأمم السابقة تربية على العدل من خلال التجربة والاختبار، فالله تعالى جعلهم سكانا في الأرض من بعد القرون التي أهلكها ليقع منهم ما يستحقون به الثواب أو العقاب في الدنيا والآخرة، فهو يعاملهم معاملة المختبر كي يظهر العدل منهم، وينتقل علمه تعالى من عالم الغيب والإمكان إلى عالم الشهادة والحضور والفعل.

1154