التفسير التربويالجزء 1 · ص 1179 - 1186

الآية 40

الآية 40

(40) قوله تعالى: (ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين). فيه تهديد وترهيب لمن لا يؤمن بالقرآن من خلال وصفهم بالمفسدين ومن خلال تركهم لعلم الله تعالى، وذلك بعد أن أثبت لهم حرية الاختيار وبين لهم النتيجة في حال أي اختيار، فإن اختاروا الإيمان بالقرآن كانوا من الناجين في الدنيا والآخرة، وإن اختاروا الكفر بالقرآن كانوا من الهالكين في الدنيا والآخرة.

1179

الآية 41

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (يونس: 41)

(41) قوله تعالى: (وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم، أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون). فيه تربية للمؤمنين من خلال مخاطبة الرسول الكريم على الموقف المطلوب تجاه الكافرين في حال تكذيبهم للمؤمنين وهو الصبر على الإيمان والطاعة وتحذير المكذبين من مغبة أعمالهم حيث إن الله تعالى سيجازيهم عليها يوم القيامة ويعاقبهم عليها في الدنيا والآخرة. وهذا الخطاب يحمل معنى الزجر والردع من جهة كما يحمل معنى استمالة قلوبهم إلى الإيمان، ففيه الترغيب والترهيب في نفس الأمر.

1180

الآيات 42-43

(42) و (43) قوله تعالى: (ومنهم من يستمعون إليك، أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون؟. ومنهم من ينظر إليك، أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون؟). المقصود من هاتين الآيتين التسلية والعزاء للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين عما يلاقونه من الفئة المكذبة بالإيمان، فهو يسمعون ولا يسمعون، ويبصرون ولا يبصرون، والنتيجة أنهم لا يعقلون. قد بلغوا في مرض العقل إلى حيث لا يقبلون العلاج، والطبيب إذا رأى مريضا لا يقبل العلاج أعرض عنه ولم يستوحش من عدم قبوله للعلاج، فكذلك وجب على المؤمن أن لا تستوحش من حال هؤلاء الكفار. وقد ذكرت هاتان الآيتان حال بعضهم من الرسول صلى الله عليه وسلم وهم يستمعون إليه بآذانهم وقلوبهم مغلقة، وينظرون إليه بعيونهم وبصيرتهم مطموسة، فلا يرجعون من السمع والنظر بشيء، ولا يهتدون إلى الطريق القويم والصراط المستقيم. ومثل هذه الطائفة كثير في كل زمان وفي كل أمة وفي كل جيل، والإسلام لا يملك لهم شيئا لأن حواسهم وجوارحهم مطموسة الاتصال بعقولهم وقلوبهم، فهي معطلة لا تؤدي حقيقة وظيفتها. واعلم أنه تعالى في الآية الأولى قسم الكفار إلى قسمين: منهم من يؤمن ومنهم من لا يؤمن، وفي هاتين الآيتين قسم من لا يؤمن إلى قسمين: منهم من يكون في غاية البغض والعداوة والنفرة للرسول صلى الله عليه وسلم، ومنهم من لا يكون كذلك، فوصف القسم الأول فقال: ومنهم من يستمع كلامك مع أنه يكون كالأصم من حيث إنه لا ينتفع البتة بذلك الكلام، فإن الإنسان إذا قوي بغضه لإنسان آخر وعظمت نفرته عنه صارت نفسه متوجهة إلى طلب مقابح كلامه معرضة عن محاسن كلامه، فالصمم في الأذن معنى ينافي حصول إدراك الصوت، فكذلك حصول هذا البغض الشديد كالمنافي للوقوف على محاسن ذلك الكلام، والعمى في العين معنى ينافي حصول إدراك الصورة، فكذلك البغض ينافي وقوف الإنسان على محاسن من يعاديه والوقوف على ما آتاه الله تعالى من الفضائل، فبيّن تعالى أن في أولئك الكفار من بلغت حالته في البغض والعداوة إلى هذا الحد، فلا يمكن جعل العدو البالغ في العداوة إلى هذا الحد صديقا تابعا للرسول صلى الله عليه وسلم.

1181

الآية 44

(44) قوله تعالى: (إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون). بعد الكلام على الفئة الكافرة بجميع أصنافها وما تقدم عليه من الكفر بالإيمان والإسلام والتكذيب بالرسول والقرآن، وكذلك ما تقدم عليه من تعطيل حواسها وعدم استخدامها في البحث عن الحق والوصول إليه والطاعة لله تعالى، تأتي هذه الآية لتصنع الطمأنينة والسكينة في قلوب المؤمنين والكافرين على السواء بأن الله تعالى لا يظلم الناس لأنه لا حاجة له في الظلم وإلا لمن يكن إلها يستحق العبادة، فالنفس البشرية ربما تحتاج إلى الظلم لوجود النقص فيها أما الذات الإلهية الكاملة والمبرأة عن العجز والحاجة فلا حاجة لها في الظلم. والله تعالى يحصي على الناس أعمالهم ثم يوفيهم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله تعالى ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.

1182

الآية 45

(45) قوله تعالى: (ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم، قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين). فيه تزهيد في الحياة الدنيا لقلة وقتها مقارنة مع الآخرة، فكل مائة سنة في الدنيا تعدل جزءا من عشرة أجزاء من يوم واحد في الآخرة: (وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون) (الحج:47)، وفيه ترغيب في الآخرة وما فيها من الخيرات التي لا يعلمها إلا الله والنعيم الذي لا يحصي زمانه إلا الله تعالى. قال صاحب الظلال في تفسير هذه الآية: «بعد ذلك يلمس وجدانهم لمسة خاطفة بمشهد من مشاهد القيامة، تبدو فيه الحياة الدنيا التي تزحم حسهم، وتشغل نفوسهم، وتأكل اهتماماتهم، رحلة سريعة قضاها الناس هناك، ثم عادوا إلى مقرهم الدائم ودارهم الأصيلة.. وفي هذه الجولة الخاطفة ننظر فإذا المحشورون مأخوذون بالمفاجأة، شاعرون أن رحلتهم الدنيوية كانت قصيرة قصيرة، حتى لكأنها ساعة من نهار قضوها في التعارف، ثم أسدل الستار. أو هذا مجرد تشبيه لهذا الحياة الدنيا، وللناس الذين دخلوا ثم خرجوا، كأن لم يفعلوا شيئا سوى اللقاء والتعارف؟ إنه لتشبيه، ولكنه حق اليقين، وإلا فهل ينتهي البشر في هذه الأرض من عملية التعارف؟ إنهم يجيئون ويذهبون وما يكاد أحدهم ينتهي من التعرف إلى الآخرين، وما تكاد الجماعة فيهم تنتهي من التعرف إلى الجماعات الأخرى، ثم يذهبون. وإلا فهل هؤلاء الأفراد الذين يتنازعون ويتعاركون ويقع من سوء التفاهم بينهم وبين بعضهم في كل ساعة ما يقع، هل هؤلاء تم تعارفهم كما ينبغي أن يكون؟ وهذه الشعوب المتناحرة، والدول المتخاصمة، لا تتخاصم على حق عام، ولا على منهج سليم، إنما تتعارك على الحطام والأعراض، هل عرف بعضها بعضا؟ وهي ما تكاد تفرغ من خصام حتى تدخل في خصام. إنه تشبيه لتمثيل قصر الحياة الدنيا، ولكنه يصور حقيقة أعمق فيما يكون بين الناس في هذه الحياة، ثم يرحلون! وفي ظل هذا المشهد تبدو الخسارة الفادحة لمن جعلوا همهم كله هو هذه الرحلة الخاطفة وكذبوا بلقاء الله، وشغلوا عنه واستغرقوا في تلك الرحلة فلم يستعدوا لهذا اللقاء بشيء يلقون به ربهم، ولم يستعدوا كذلك بشيء للإقامة الطويلة في الدار الباقية».

1183

الآية 46

(46) قوله تعالى: (وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم، ثم الله شهيد على ما يفعلون). فيه ترهيب للكافرين من عاقبة أمرهم في الدنيا والآخرة وذلك من خلال مخاطبة الله تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم بذلك وإعلامه له بعاقبة أمرهم. ومعنى الآية: وإما نرينك بعض الذي نعدهم في الدنيا فذاك أو نتوفينك قبل أن نرينك ذلك الموعد فإنك ستراه في الآخرة. وهذا يدل على أنه تعالى يُري رسوله أنواعا من ذل الكافرين وخزيهم في الدنيا، وسيزيد عليه بعد وفاته، ولا شك أنه حصل الكثير منه في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحصل الكثير أيضا بعد وفاته، والذي سيحصل يوم القيامة أكثر، وهو تنبيه على أن عاقبة المذنبين مذمومة.

1184

الآية 47

(47) قوله تعالى: (ولكل أمة رسول، فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون). لما بيّن الله تعالى في الآيات السابقة حال محمد صلى الله عليه وسلم مع قومه، بيّن أن حال كل الأنبياء مع أقوامهم كذلك. وفي هذه الآية دلالة على أن كل أمة من الأمم السابقة قد بعث الله إليهم رسولا: (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير) (فاطر: 24). وفي الكلام إضمار والتقدير: فإذا جاء رسولهم، وبلغ فكذبه قوم وصدقه آخرون، قضى بينهم بالقسط. والمراد من هذه الآية أمرين: البيان أن الرسول إذا بعث إلى أمة فإنه بالتبليغ وإقامة الحجة يزيح كل علة فلا يبقى لهم عذر في مخالفته أو تكذيبه، فيدل ذلك على أن ما يجري عليهم من العذاب في الآخرة يكون عدلا. والبيان بأن القوم إذا اجتمعوا في الآخرة جمع الله بينهم وبين رسولهم في وقت المحاسبة ليشهد عليهم بما شاهد منهم، وليقع منهم الاعتراف بأنه بلغ رسالات ربه فيكون ذلك من جملة ما يؤكد الله به الزجر في الدنيا. والمراد من الآية المبالغة في إظهار عدل الله.

1185

الآية 48

قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آَمَنْتُمْ بِهِ آَلْآَنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (يونس: 48)

(48) قوله تعالى: (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟). هذه الشبهة من شبهات منكري النبوة والبعث، فإنه عليه الصلاة والسلام كلما هددهم بنزول العذاب واقتراب القيامة ومر زمان ولم يظهر ذلك قالوا: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟ واحتجوا بعدم ظهوره على القدح في نوبته عليه الصلاة والسلام. وقد تكرر هذا السؤال في القرآن ست مرات في ست سور، وفي كل مرة يجيب القرآن بشيء ينفع السائلين ولا يحدد لهم زمن القيامة لأن ذلك لا يفيدهم، بل الذي يفيدهم هو معرفة كل إنسان بساعته ووقت وفاته، وهذا لن يحصل لأنه لو حصل بطل العمل وكفت الدنيا عن كونها دار ابتلاء وعمل. ففي هذه السورة قال تعالى: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (48) قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (49). وفي سورة الأنبياء قال تعالى: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (39) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (40). وفي سورة النمل قال تعالى: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (71) قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (72). وفي سورة سبأ قال تعالى: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (29) قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ (30). وفي سورة يس قال تعالى: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (48) مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (49) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50). وفي سورة الملك قال تعالى: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (26). وفي هذه الإجابات على السؤال تربية على الاشتغال بما ينفع من خلال الإجابة بموعظة أو ترغيب أو ترهيب.

1186