التفسير التربويالجزء 1 · ص 1315 - 1322

الآية 103

الآية 103

(103) قوله تعالى: (إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة، ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود). فيه تربية على أن عذاب الدنيا دليل على عذاب الآخرة، لأن القرى الظالمة توعدها الله بعذاب الدنيا وعذاب الآخرة فلما عاينوا عذاب الدّنيا كان تحققه أمارة على تحقق العذاب الآخر. وفيه مديح للمؤمنين لأنهم المنتفعون بهذا البيان (وما يعقلها إلا العالمون) (العنكبوت: 43). فقوله تعالى: (إن في ذلك لآية) أي لعبرة وموعظة (لمن خاف عذاب الآخرة، ذلك يوم مجموع له الناس) والجمع الحشر، أي يحشرون لذلك اليوم (وذلك يوم مشهود) أي يشهده البر والفاجر، ويشهده أهل السماء وأهل الأرض.

1315

الآية 104

(104) قوله تعالى: (وما نؤخره إلا لأجل معدود). معناه: إن تأخير الآخرة وإفناء الدنيا موقوف على أجل معدود، وكل ماله عدد فهو متناه، وكل ما كان متناهيا فإنه لا بد وأن يفنى، فتأخير الآخرة سينتهي إلى وقت لا بد وأن يقيم الله القيامة فيه، وكل ما هو آت قريب. والمقصود الرد على الذين ينكرون البعث مستدلين بتأخير وقوعه، فبيّن الله لهم أن تأخيره إلى أجل حدّده له من يوم خلق العالم كما حدّد آجال الأحياء.

1316

الآيات 105-108

(105) و (106) و (107) و (107) و (108) قوله تعالى: (يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد. فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق. خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد. وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ). في هذه الآيات تربية بالترغيب والترهيب من خلال تصوير أحداث القيامة وبيان حال الكافرين في النار وحال المؤمنين في الجنة لأهل الدنيا لعلهم ينتفعون بهذا البيان فيختارون طريق الإيمان ويتركون طريق الكفر والفسوق والعصيان. قال صاحب الظلال: وهنا يرتسم مشهد التجميع يشمل الخلق جميعا على غير إرادة منهم، إنما هو سوق الجميع سوقا إلى ذلك المعرض المشهود، والكل يحضر والكل ينتظر ما سوف يكون (يوم يأت لا تَكلم نفس إلا بإذنه) فالصمت الهائل يغشى الجميع، والرهبة الشاملة تخيم على المشهد ومن فيه، والكلام بإذن لا يجرؤ أحد على طلبه، ولكن يؤذن لمن شاء الله فيخرج من صمته بإذنه، ثم تبدأ عملية الفرز والتوزيع: (فمنهم شقي وسعيد). ومن خلال التعبير نشهد: (الذين شقوا) نشهدهم في النار مكروبي الأنفاس (لهم فيها زفير وشهيق) من الحر والكتمة والضيق. ونشهد (الذين سعدوا) نشهدهم في الجنة لهم فيها عطاء دائم غير مقطوع ولا ممنوع. هؤلاء وأولئك خالدون حيث هم (ما دامت السماوات والأرض) وهو تعبير يلقي في الذهن صفة الدوام والاستمرار، وللتعبيرات ظلال، وظل هذا التعبير هنا هو المقصود. وقد علق السياق هذا الاستمرار بمشيئة الله في كلتا الحالتين، وكل قرار وكل سنة معلقة بمشيئة الله في النهاية، فمشيئة الله هي التي اقتضت السنة وليست مقيدة بها ولا محصورة فيها، إنما هي طليقة تبدل هذه السنة حين يشاء الله: (إن ربك فعال لما يريد). وزاد السياق في حالة الذين سعدوا ما يطمئنهم إلى أن مشيئة الله اقتضت أن يكون عطاؤه لهم غير مقطوع، حتى على فرض تبديل إقامتهم في الجنة، وهو مطلق فرض يذكر لتقرير حرية المشيئة بعدما يوهم التقييد.

1317

الآية 109

قوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آَبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (هود: 109)

(109) قوله تعالى: (فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء، ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل، وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص). فيه تربية على بطلان عبادة الأوثان لأنها تقوم أساسا على التقليد ولا تخضع لعقل أو منطق، ومنه بطلان التقليد في التوحيد، والأصل في عبادة الأوثان هو الاختراع من الأوائل ثم التقليد ممن يأتي بعدهم، هذا على الأقل في جزيرة العرب، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عُرضت علي النار فرأيت فيها عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه (أمعاءه) في النار، وكان أول من غير عهد إبراهيم، وسيب السوائب، وكان أشبه شيء بأكثم بن أبي الجون الخزاعي، فقال الأكثم: يا رسول الله ، هل يضرني شبهه؟ فقال: إنك مسلم وهو كافر)) (ابن حبان). قال الرازي في التفسير: ((اعلم أنه تعالى لما شرح أقاصيص عبدة الأوثان ثم أتبعه بأحوال الأشقياء وأحوال السعداء شرح للرسول عليه الصلاة والسلام أحوال الكفار من قومه فقال: (فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء) والمعنى: فلا تكن، إلا أنه حذف النون لكثرة الاستعمال، ولأن النون إذا وقع على طرف الكلام لم يبق عند التلفظ به إلا مجرد الغنة فلا جرم أسقطوه. والمعنى: فلا تك في شك من حال ما يعبدون في أنها لا تضر ولا تنفع. ثم قال تعالى: (ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل) والمراد أنهم أشبهوا آباءهم في لزوم الجهل والتقليد. ثم قال: (وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص) فيحتمل أن يكون المراد إنا موفوهم نصيبهم أي ما يخصهم من العذاب، ويحتمل أن يكون المراد أنهم وإن كفروا وأعرضوا عن الحق فإنا موفوهم نصيبهم من الرزق والخيرات الدنيوية، ويحتمل أيضا أن يكون المراد إنا موفوهم نصيبهم من إزالة العذر وإزاحة العلل وإظهار الدلائل وإرسال الرسل وإنزال الكتب، ويحتمل أيضا أن يكون الكل مرادا)).

1318

الآية 110

(110) قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه، ولولا كلمة سبقت من ربك لقضى بينهم، وإنهم لفي شك منه مريب). فيه تربية على أن الدنيا دار ابتلاء والآخرة دار حساب وجزاء، وأن اختلاف الناس في الإيمان من لوازم الابتلاء، وأن فض الخلاف لا يكون في الدنيا وإلا تحولت إلى دار حساب وجزاء. واعلم أنه تعالى لما بين في الآية السابقة إصرار كفار مكة على إنكار التوحيد، بين هنا إصرارهم على إنكار نبوة محمد عليه الصلاة والسلام وتكذيبهم بكتابه، وبين تعالى أن هؤلاء الكفار كانوا على هذه السيرة الفاسدة مع كل الأنبياء عليهم السلام، وضرب لذلك مثالا وهو أنه لما أنزل التوراة على موسى عليه السلام اختلفوا فيه فقبله بعضهم وأنكره آخرون، وذلك يدل على أن عادة الخلق هكذا لأن الدنيا دار ابتلاء.

1319

الآية 111

(111) قوله تعالى: (وإنّ كلا لما ليوفينهم ربُك أعمالهم إنه بما يعملون خبير). فيه تأكيد على أن الآخرة دار حساب وجزاء وعقاب. ومعنى الآية: إن من عجلت عقوبته في الدنيا، ومن أخرت عقوبته إلى الآخرة، ومن صدق الرسل ومن كذب الرسل، فحالهم سواء في أنه تعالى يوفيهم جزاء أعمالهم في الآخرة، فجمعت الآية بين الوعد والوعيد والترغيب والترهيب، لأن توفية جزاء الطاعات وعد عظيم وتوفية جزاء المعاصي وعيد عظيم. وقوله تعالى: (إنه بما يعملون خبير) تأكيد على الوعد والوعيد، فإنه لما كان عالما بجميع المعلومات كان عالما بمقادير الطاعات والمعاصي، فكان عالما بالقدر اللائق بكل عمل من الجزاء، فحينئذ لا يضيع شيء من الحقوق، وذلك نهاية البيان.

1320

الآية 112

(112) قوله تعالى: (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير). فيه تربية على الاستقامة وأنها جوهر العمل في الإسلام كما الإيمان جوهر الاعتقاد في الإسلام. قال القرطبي في التفسير: ((قوله تعالى: (فاستقم كما أمرت) الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولغيره. وقيل: له والمراد أمته. وقيل: (فاستقم) اطلب الإقامة على الدين من الله واسأله ذلك، فتكون السين سين السؤال، كما تقول: استغفر الله أي أطلب الغفران منه. والاستقامة الاستمرار في جهة واحدة من غير أخذ في جهة اليمين والشمال، فاستقم على امتثال أمر الله. وفي صحيح مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك! قال: (قل آمنت بالله ثم استقم). وروى الدارمي أبو محمد في مسنده عن عثمان بن حاضر الأزدي قال: دخلت على ابن عباس فقلت: أوصني! فقال: نعم! عليك بتقوى الله والاستقامة، اتبع ولا تبتدع. (ومن تاب معك) أي استقم أنت وهم، يريد أصحابه الذين تابوا من الشرك ومن بعده ممن اتبعه من أمته.

قال ابن عباس: ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية هي أشد ولا أشق من هذه الآية عليه، ولذلك قال لأصحابه حين قالوا له: لقد أسرع إليك الشيب! فقال: (شيبتني هود وأخواتها). وقد تقدم في أول السورة. وروي عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: سمعت أبا علي السري يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت: يا رسول الله! روي عنك أنك قلت: (شيبتني هود)، فقال: (نعم)، فقلت له: ما الذي شيبك منها؟ قصص الأنبياء وهلاك الأمم! فقال: (لا، ولكن قوله: فاستقم كما أمرت). (ولا تطغوا) نهي عن الطغيان، والطغيان مجاوزة الحد، ومنه (إنا لما طغى الماء). وقيل: أي لا تتجبروا على أحد)).

1321

الآية 113

(113) قوله تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار، وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون). فيه تربية على أن النصر من الله تعالى مشروط بترك الركون إلى الظالمين. وهذه الآية جدير بأن يقف عندها كل من يعمل لإعلاء كلمة الله تعالى وإقامة الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة السمحاء، لأننا في الحقيقة لا نرى منهم إلا استعانة بالظالمين على الظالمين، ثم يعجبون أنهم لا يُنصرون. فقوله تعالى: (ولا تركنوا) الركون: هو الاستناد والاعتماد والسكون إلى الشيء والرضا به، وقيل: هو المودة والطاعة، وقيل: هو الميل إليهم، وقيل: هو الرضا بأعمالهم. (إلى الذين ظلموا) قيل: أهل الشرك، وقيل: عامة في أهل الشرك وفي العصاة، وهو الصحيح في معنى الآية، لأنها دالة على هجران أهل الكفر والمعاصي فإن صحبتهم كفر أو معصية، فالصحبة لا تكون إلا عن مودة، وقد قال الشاعر: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه * فكل قرين بالمقارن يقتدي (فتمسكم النار) أي تحرقكم، بمخالطتهم ومصاحبتهم وممالأتهم وموافقتهم في أمورهم.

1322