التفسير التربويالجزء 1 · ص 1363 - 1370

الآية 42

الآية 42

(42) قوله تعالى: (وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك، فأنساه الشيطان ذكر ربه، فلبث في السجن بضع سنين). فيه دليل على جواز التعلق بالأسباب وإن كان اليقين حاصلا، فإن الأمور بيد مسببها ولكنه جعلها سلسلة وركب بعضها على بعض، فتحريكها سنة، والتعويل على المنتهى يقين. فقوله تعالى: (وقال للذي ظن) ظن هنا بمعنى أيقن، لأن ما قاله يوسف عليه السلام في تعبير الرؤيا كان عن وحي، وإنما يكون ظنا في حكم الناس، وأما في حق الأنبياء فإن حكمهم حق كيفما وقع (اذكرني عند ربك) أي سيدك، وذلك معروف في اللغة أن يقال للسيد رب، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقل أحدكم اسق ربك أطعم ربك وضئ ربك، ولا يقل أحدكم ربي وليقل سيدي مولاي، ولا يقل أحدكم عبدي أمتي وليقل فتاي فتاتي غلامي». ويقال لكل من قام بإصلاح شئ وإتمامه: قد ربه يربه، فهو رب له. قال العلماء: قول عليه الصلاة والسلام: «لا يقل أحدكم» «وليقل» من باب الإرشاد إلى إطلاق اسم الأولى، لا أن إطلاق ذلك الاسم محرم، ولأنه قد جاء عنه عليه الصلاة والسلام «أن تلد الأمة ربها» (البخاري ومسلم) أي مالكها وسيدها، وهذا موافق للقرآن في إطلاق ذلك اللفظ، فكان محل النهي في هذا الباب ألا نتخذ هذه الأسماء عادة فنترك الأولى والأحسن (فأنساه الشيطان ذكر ربه) الضمير في (فأنساه) عائد على الناجي، فهو الناسي، أي أنسى الشيطان الساقي أن يذكر يوسف لربه، أي لسيده، ويؤيد ذلك قوله تعالى: (وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة) (يوسف: 45) فدل على أن الناسي هو الساقي لا يوسف عليه السلام (فلبث) يوسف عليه السلام (في السجن بضع سنين) والعرب تستعمل البضع فيما بين الثلاث إلى التسع. قيل: إن يوسف عليه السلام لبث في السجن سبع سنين.

1363

الآيات 43-44

قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (يوسف: 43-44)

(43) و (44) قوله تعالى: (وقال الملك: إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات، يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون. قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين). فيه دلالة على أن ملك مصر في زمن يوسف عليه السلام كان يؤمن بالرؤيا ويسعى لتفسيرها، وأن ذلك كان نافعا له في تثبيت ملكه وفي حماية شعبه. وفيه بيان أن الرؤيا هي ما يراه الإنسان في منامه واضحا وله دلالة وتفسير، وأن ما يراه الإنسان في منامه ولم يكن واضحا أو قابلا للتفسير فهو من الأحلام، والفرق بين الحلم والرؤيا يكون في الوضوح والدلالة. فقوله تعالى: (وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان) قال المفسرون: لما دنا فرج يوسف عليه السلام رأى الملك رؤياه، فنزل جبريل فسلم على يوسف وبشره بالفرج وقال: إن الله مخرجك من سجنك، وممكن لك في الأرض، يذل لك ملوكها، ويطيعك جبابرتها، ومعطيك الكلمة العليا على إخوتك، وذلك بسبب رؤيا رآها الملك، وهي كيت وكيت، وتأويلها كذا وكذا، فما لبث في السجن أكثر مما رأى الملك الرؤيا حتى خرج، فجعل الله الرؤيا أولا ليوسف بلاء وشدة، وجعلها آخرا بشرى ورحمة. وذلك أن الملك رأى في نومه كأنما خرج من نهر يابس سبع بقرات سمان، في أثرهن سبع عجاف، أي مهازيل، وقد أقبلت العجاف على السمان فأخذن بآذانهن فأكلنهن إلا القرنين، ورأى سبع سنبلات خضر قد أقبل عليهن سبع يابسات فأكلنهن حتى أتين عليهن فلم يبق منهن شئ وهن يابسات، وكذلك البقر كن عجافا فلم يزد فيهن شئ من أكلهن السمان، فهالته الرؤيا، فأرسل إلى الناس وأهل العلم منهم والبصر بالكهانة والعرافة والسحر وأشراف قومه، فقال: (يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي) فقص عليهم. فقال القوم: (أضغاث أحلام) الضغث هو المختلط، والحلم ما يراه النائم في منامه، أي أحلام مختلطة. قيل: الأضغاث ما لا تأويل له من الرؤيا، وقيل: الأضغاث الرؤيا الكاذبة المخطئة (وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين) نفوا عن أنفسهم علم ما لا تأويل له، وقيل: نفوا عن أنفسهم علم تأويل الأحلام. وفي هذا دليل على بطلان قول من يقول: إن الرؤيا على أول ما تعبر، لأن القوم قالوا: (أضغاث أحلام) ولم تقع كذلك، فإن يوسف فسرها على سني الجدب والخصب فكان كما عبر، وفي هذا دليل أيضا على فساد قول من يقول: إن الرؤيا على رجل طائر، فإذا عبرت وقعت.

1364

الآيات 45-46

(45) و (46) قوله تعالى: (وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون. يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون). فقوله تعالى: (وقال الذي نجا منهما) وذلك أن الملك لما سأل الملأ عن الرؤيا واعترف الحاضرون بالعجز عن الجواب، قال الشرابي: إن في الحبس رجلا فاضلا صالحا كثير العلم كثير الطاعة قصصت أنا والخباز عليه منامين فذكر تأويلهما فصدق في الكل وما أخطأ في حرف، فإن أذنتم مضيت إليه وجئتكم بالجواب (وادكر بعد أمة) أي بعد حين، والأمة لا تكون الحين إلا على حذف مضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، كأنه قال: وادكر بعد حين أمة، أو بعد زمن أمة. وقيل: نسي الفتى يوسف لقضاء الله تعالى في بقائه في السجن مدة. وقيل: ما نسي ولكنه خاف أن يذكر الملك الذنب الذي بسببه حبس هو والخباز فهو في حكم الناسي (أنا أنبئكم بتأويله) أي أنا أخبركم (فأرسلون) خاطب الملك ولكن بلفظ التعظيم، أو خاطب الملك وأهل مجلسه. (يوسف أيها الصديق) أي الكثير الصدق (أفتنا) أي فأرسلوه، فجاء إلى يوسف فقال: أيها الصديق! وسأله عن رؤيا الملك (لعلى أرجع إلى الناس) أي إلى الملك وأصحابه (لعلهم يعلمون) التعبير، أو (لعلهم يعلمون) مكانك من الفضل والعلم فتخرج. والمراد (لعلي أرجع إلى الناس) بفتواك (لعلهم يعلمون) فضلك وعلمك، وإنما قال (لعلي) لأنه رأى عجز سائر المعبرين عن جواب هذه المسألة فخاف أن يعجز هو أيضا عنها.

1365

الآيات 47-49

(47) و (48) و (49) قوله تعالى: (قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون. ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون. ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يُغاث الناس وفيه ويعصرون). هذه الآيات أصل في القول بالمصالح الشرعية التي فيها حفظ الدين والنفس والعقل والنسب والمال، فكل ما تضمن تحصيل شئ من هذه الأمور فهو مصلحة، وكل ما يفوت شيئا منها فهو مفسدة، ولا خلاف أن مقصود الشرائع إرشاد الناس إلى مصالحهم الدنيوية، ليحصل لهم التمكن من معرفة الله تعالى وعبادته الموصلتين إلى السعادة الأخروية، ومراعاة ذلك فضل من الله عز وجل ورحمة رحم بها عباده. وهذه الآيات أصل في صحة رؤيا الكافر، وأنها تخرج على حسب ما رأى. وفي هذه الآيات تربية على أن المفتي يزيد في الفتوى ما يراه مفيدا ونافعا للمستفتي، كما فعل يوسف عليه السلام بزيادة علم سنة لم يُسأل عنها. فقوله تعالى: (قال تزرعون) لما أعلمه بالرؤيا جعل يفسرها له، فقال: السبع من البقرات السمان والسنبلات الخضر سبع سنين مخصبات، وأما السبع من البقرات العجاف والسنبلات اليابسات فسبع سنين مجدبات، فذلك قوله: (تزرعون سبع سنين دأبا) أي متوالية متتابعة (فما حصدتم فذروه في سنبله) قيل: لئلا يتسوس وليكون أبقى، وهذا من الإعجاز العلمي في القرآن حيث يوجد في غلاف حبوب القمح مواد حافظة لها من التسوس (إلا قليلا مما تأكلون) أي استخرجوا ما تحتاجون إليه بقدر الحاجة (ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد) يعني السنين المجدبات (يأكلن) مجاز، والمعنى يأكل أهلهن (ما قدمتم لهن) أي ما ادخرتم لأجلهن (إلا قليلا مما تحصنون) أي مما تحبسون لتزرعوا، لأن في استبقاء البذر تحصين الأقوات. (ثم يأتي من بعد ذلك عام) هذا خبر من يوسف عليه السلام عما لم يكن في رؤيا الملك، ولكنه من علم الغيب الذي آتاه الله، وقيل: زاده الله علم سنة لم يسألوه عنها إظهارا لفضله وإعلاما لمكانه من العلم (فيه يغاث الناس) والغيث المطر، ومعنى (يغاث الناس) يمطرون (وفيه يعصرون) يعصرون الأعناب والزيتون وسائر الثمار وقيل: أراد حلب الألبان لكثرتها، ويدل ذلك على كثرة النبات.

1366

الآية 50

(50) قوله تعالى: (وقال الملك ائتوني به، فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن، إن ربي بكيدهن عليم). فيه دلالة على أن يوسف عليه السلام أبى أن يخرج من السجن إلا بالبراءة من الملك، وهذا من عزائم الأمور، وقد روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يرحم الله أخي يوسف لقد كان صابر حليما، ولو لبثت في السجن ما لبثه لأجبت الداعي ولم ألتمس العذر». فقوله تعالى: (وقال الملك ائتوني به) أي فذهب الرسول فأخبر الملك، فقال الملك: ائتوني به (فلما جاءه الرسول) أي يأمره بالخروج (قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة) أي ما حال النسوة (اللاتي قطعن أيديهن) فأبى أن يخرج إلا أن تصح براءته عند الملك مما قذف به، وأنه حبس بلا جرم. وذكر النساء جملة ليدخل فيهن امرأة العزيز مدخل العموم بالتلويح حتى لا يقع عليها تصريح، وذلك حسن عشرة وأدب (إن ربي بكيدهن عليم).

1367

الآيات 51-53

(51) و (52) و (53) قوله تعالى: (قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه، قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء، قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين. ذلك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين. وما أبرى نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربى غفور رحيم). قال المفسرون: فأرسل الملك إلى النسوة وإلى امرأة العزيز، وكان قد مات العزيز، فدعاهن الملك (قال ما خطبكن) أي ما شأنكن (إذ راودتن يوسف عن نفسه) وذلك أن كل واحدة منهن كلمت يوسف في حق نفسها، أو أراد قول كل واحدة منهن: قد ظلمت امرأة العزيز، فكان ذلك مراودة منهن، أو خاطب الجميع وأراد امرأة العزيز (قلن حاش لله) أي معاذ الله (ما علمنا عليه من سوء) أي من زنا (قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق) لما رأت إقرارهن ببراءة يوسف، وخافت أن يشهدن عليها إن أنكرت أقرت هي أيضا، وكان ذلك لطفا من الله بيوسف (حصحص الحق) أي تبين وظهر، ومعنى (حصحص الحق) أي انقطع عن الباطل بظهوره وثباته (أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين) وهذا القول منها إظهار لتوبتها وتحقيق لصدق يوسف وكرامته، لأن إقرار المقر على نفسه أقوى من الشهادة عليه، فجمع الله تعالى ليوسف لإظهار صدقه الشهادة والإقرار حتى لا يخامر نفسا ظن، ولا يخالطها شك. (ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب) هو من قول امرأة العزيز، وهو متصل بقولها: (الآن حصحص الحق) ومعناه: أقررت بالصدق (ليعلم أني لم أخنه بالغيب) أي بالكذب عليه، ولم أذكره بسوء وهو غائب (وأن الله لا يهدى كيد الخائنين) معناه: أن الله لا يهدي الخائنين بكيدهم. ثم قالت: (وما أبرئ نفسي) بل أنا راودته (إن النفس لأمارة بالسوء) أي مشتهية له (إلا ما رحم ربي) أي إلا من رحم ربي فعصمه، وعلى هذا فهي كانت مقرة بالخالق، ولهذا قالت: (إن ربي غفور رحيم). وهذه هي الآية الوحيدة في القرآن التي ذكرت فيها النفس الأمارة بالسوء، وقد قال العلماء: إن النفس الإنسانية شيء واحد ولها صفات كثيرة، فإذا مالت إلى العالم الإلهي كانت نفسا مطمئنة، وإذا مالت إلى الشهوة والغضب كانت أمارة بالسوء، وكونها أمارة بالسوء يفيد المبالغة، والسبب فيه أن النفس من أول حدوثها قد ألفت المحسوسات وارتاحت لها، فأما شعورها بعالم المجردات وميلها إليه فذلك لا يحصل إلا نادرا في حق الواحد، وذلك الواحد إنما يحصل له ذلك التجرد والانكشاف طول عمره في الأوقات النادرة، فلما كان الغالب هو انجذابها إلى العالم الجسداني وكان ميلها إلى الصعود إلى العالم الأعلى نادرا لا جرم حكم عليها بكونها أمارة بالسوء، وقيل: إن النفس المطمئنة هي النفس العقلية النطقية، وأما النفس الشهوانية فهي مغايرة للنفس العقلية.

1368

الآيات 54-55

قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (يوسف: 54-55)

(54) و (55) قوله تعالى: (وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي، فلما كلمه قال: إنك اليوم لدينا مكين أمين. قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم). فيه تربية للحكام على كيفية اختيار البطانة وكيفية توسيد المهام والصفات التي يجب تحققها فيمن يختارونه للعمل والمنصب، وأهم هذه الصفات: القوة والأمانة والحفظ والعلم. قال الرازي في التفسير: ((إن الملك عظم اعتقاده في يوسف لوجوه: (أحدها) أنه عظم اعتقاده في علمه، وذلك لأنه لما عجز القوم عن الجواب وقدر هو على الجواب الموافق الذي يشهد العقل بصحته مال الطبع إليه. (وثانيها) أنه عظم اعتقاده في صبره وثباته، وذلك لأنه بعد أن بقي في السجن بضع سنين لما أذن له في الخروج ما أسرع إلى الخروج بل صبر وتوقف وطلب أولا ما يدل على براءة حاله عن جميع التهم. (وثالثها) أنه عظم اعتقاده في حسن أدبه، وذلك لأنه اقتصر على قوله: (ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن)؟ وإن كان غرضه ذكر امرأة العزيز فستر ذكرها، وتعرض لأمر سائر النسوة مع أنه وصل إليه من جهتها أنواع عظيمة من البلاء وهذا من الأدب العجيب. (ورابعها) براءة حاله عن جميع أنواع التهم، فإن الخصم أقر له بالطهارة والنزاهة والبراءة عن الجرم. (وخامسها) أن الشرابي وصف له جده في الطاعات واجتهاده في الإحسان إلى الذين كانوا في السجن. (وسادسها) أنه بقي في السجن بضع سنين. وهذه الأمور كل واحد منها يوجب حسن الاعتقاد في الإنسان، فكيف مجموعها؟! فلهذا السبب حسن اعتقاد الملك فيه، وإذا أراد الله شيئا جمع أسبابه وقواها)). فقوله تعالى: (وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي) لما ثبت للملك براءته مما نسب إليه، وتحقق في القصة أمانته، وفهم أيضا صبره وجلده عظمت منزلته عنده، وتيقن حسن خلاله قال: (ائتوني به استخلصه لنفسي) فانظر إلى قول الملك أولا حين تحقق علمه (ائتوني به) فقط، فلما فعل يوسف ما فعل ثانيا قال: (ائتوني به استخلصه لنفسي)، (فلما كلمه) أي كلم الملك يوسف، وسأله عن الرؤيا فأجاب يوسف (قال) الملك (إنك اليوم لدينا مكين أمين) أي متمكن نافذ القول، (أمين) لا تخاف غدرا. (قال) يوسف للملك (اجعلني على خزائن الأرض) أرض مصر (إني حفيظ) لما وليت (عليم) بأمره. وقيل: إني حاسب كاتب، وأنه أول من كتب في القراطيس. وقيل: (حفيظ) لتقدير الأقوات (عليم) بسني المجاعات. وقيل: (حفيظ) للخزائن (عليم) بوجوه تصرفاتها. قال القرطبي في التفسير: ((قال بعض أهل العلم: في هذه الآية ما يبيح للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر، والسلطان الكافر، بشرط أن يعلم أنه يفوض إليه في فعل لا يعارضه فيه، فيصلح منه ما شاء، وأما إذا كان عمله بحسب اختيار الفاجر وشهواته وفجوره فلا يجوز ذلك. وقال قوم: إن هذا كان ليوسف خاصة، وهذا اليوم غير جائز، والأول أولى إذا كان على الشرط الذي ذكرناه. والله أعلم. قال الماوردي: فان كان المولي ظالما فقد اختلف الناس في جواز الولاية من قبله على قولين: (أحدهما) جوازها إذا عمل بالحق فيما تقلده، لأن يوسف ولي من قبل فرعون، ولأن الاعتبار في حقه بفعله لا بفعل غيره. (الثاني) أنه لا يجوز ذلك، لما فيه من تولي الظالمين بالمعونة لهم، وتزكيتهم بتقلد أعمالهم. فأجاب من ذهب إلى هذا المذهب عن ولاية يوسف من قبل فرعون بجوابين: (أحدهما) أن فرعون يوسف كان صالحا، وإنما الطاغي فرعون موسى. (الثاني) أنه نظر في أملاكه دون أعماله، فزالت عنه التبعة فيه. قال الماوردي: والأصح من إطلاق هذين القولين أن يفصل ما يتولاه من جهة الظالم على ثلاثة أقسام: (أحدها) ما يجوز لأهله فعله من غير اجتهاد في تنفيذه كالصدقات والزكوات، فيجوز توليه من جهة الظالم، لأن النص على مستحقه قد أغنى عن الاجتهاد فيه، وجواز تفرد أربابه به قد أغنى عن التقليد. (والقسم الثاني) ما لا يجوز أن يتفردوا به ويلزم الاجتهاد في مصرفه كأموال الفيء، فلا يجوز توليه من جهة الظالم، لأنه يتصرف بغير حق، ويجتهد فيما لا يستحق. (والقسم الثالث) ما يجوز أن يتولاه لأهله، وللاجتهاد فيه مدخل كالقضايا والأحكام، فعقد التقليد محلول، فإن كان النظر تنفيذا للحكم بين متراضيين، وتوسطا بين مجبورين جاز، وإن كان إلزام إجبار لم يجز. ثم قال القرطبي: ودلت الآية أيضا على جواز أن يخطب الإنسان عملا يكون له أهلا، فإن قيل: فقد روى مسلم عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:

1369

(يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها). وعن أبي بردة قال: قال أبو موسى: أقبلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعي رجلان من الأشعريين، أحدهما عن يميني والآخر عن يساري، فكلاهما سأل العمل، والنبي صلى الله عليه وسلم يستاك، فقال: (ما تقول يا أبا موسى) قال: قلت: والذي بعثك بالحق ما أطلعاني علما في أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل، قال: وكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته وقد قلصت، فقال: (لا نستعمل على عملنا من أراده) وذكر الحديث، خرجه مسلم أيضا وغيره. فالجواب: (أولا) أن يوسف عليه السلام إنما طلب الولاية لأنه علم أنه لا أحد يقوم مقامه في العدل والإصلاح وتوصيل الفقراء إلى حقوقهم فرأى أن ذلك فرض متعين عليه فإنه لم يكن هناك غيره، وهكذا الحكم اليوم، لو علم إنسان من نفسه أنه يقوم بالحق في القضاء أو الحسبة ولم يكن هناك من يصلح ولا يقوم مقامه لتعين ذلك عليه، ووجب أن يتولاها ويسأل ذلك، ويخبر بصفاته التي يستحقها به من العلم والكفاية وغير ذلك، كما قال يوسف عليه السلام، فأما لو كان هناك من يقوم بها ويصلح لها وعلم بذلك فالأولى ألا يطلب، لقول عليه السلام لعبد الرحمن: (لا تسأل الإمارة) وأيضا فإن في سؤالها والحرص عليها مع العلم بكثرة آفاتها وصعوبة التخلص منها دليل على أنه يطلبها لنفسه ولأغراضه، ومن كان هكذا يوشك أن تغلب عليه نفسه فيهلك، وهذا معنى قوله عليه السلام: (وكل إليها) ومن أباها لعلمه بآفاتها، ولخوفه من التقصير في حقوقها فر منها، ثم إن ابتلي بها فيرجى له التخلص منها، وهو معنى قوله: (أعين عليها). (الثاني) أنه لم يقل: إني حسيب كريم، وإن كان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم) ولا قال: إني جميل مليح، إنما قال: (إني حفيظ عليم) فسألها بالحفظ والعلم، لا بالنسب والجمال. (الثالث) إنما قال ذلك عند من لا يعرفه فأراد تعريف نفسه، وصار ذلك مستثنى من قوله تعالى: (فلا تزكوا أنفسكم). (الرابع) أنه رأى ذلك فرضا متعينا عليه، لأنه لم يكن هنالك غيره، وهو الأظهر، والله أعلم. ثم قال القرطبي: ودلت الآية أيضا على أنه يجوز للإنسان أن يصف نفسه بما فيه من علم وفضل، قال الماوردي: وليس هذا على الإطلاق في عموم الصفات، ولكنه مخصوص فيما اقترن بوصله، أو تعلق بظاهر من مكسب، وممنوع منه فيما سواه، لما فيه من تزكية ومراءاة، ولو ميزه الفاضل عنه لكان أليق بفضله، فإن يوسف دعته الضرورة إليه لما سبق من حاله، ولما يرجو من الظفر بأهله)).

1370