التفسير التربويالجزء 1 · ص 1500 - 1507

الآيات 80-84

الآيات 80-84

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ وَآَتَيْنَاهُمْ آَيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آَمِنِينَ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (الحجر: 80-84)

فيه تربية على وحدة الرسالة ووحدة المرسلين، فأصحاب الحجر لم يكذبوا إلا رسولهم صالحا عليه السلام، ولكن صالحا ليس إلا ممثلا للرسل أجمعين، فلما كذبه قومه قيل: إنهم كذبوا المرسلين، توحيدا للرسالة وللرسل وللمكذبين في كل عصور التاريخ وفي كل جوانب الأرض على اختلاف الزمان والمكان والأشخاص والأقوام. وفيها تربية أن قوة البيوت بالإيمان والعمل الصالح وليس بالحجر والبناء والمال. فقوله تعالى: (ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين) هم ثمود قوم صالح عليه السلام ومساكنهم شمال الجزيرة العربية في الطريق بين الحجاز والشام (الأردن حاليا)، وقد مر بمساكنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه في غزوة تبوك (وآتيناهم آياتنا) والمراد الناقة، وكان فيها آيات كثيرة: كخروجها من الصخرة، ودنو نتاجها عند خروجها، وعظمها حتى لم تشبهها ناقة، وكثرة لبنها حتى تكفيهم جميعا (فكانوا عنها معرضين) أي لم يعتبروا. (وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا) النحت في كلام العرب: البري والنجر، فكانوا يتخذون من الجبال بيوتا لأنفسهم بشدة قوتهم (آمنين) أي من أن تسقط عليهم أو تخرب، وقيل: آمنين من الموت، وقيل: من العذاب. (فأخذتهم الصيحة مصبحين) أي في وقت الصبح. (فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون) من الأموال والحصون في الجبال، ولا ما أعطوه من القوة.

1500

الآيات 85-86

قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآَنَ عِضِينَ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (الحجر: 85-86)

(85) و (86) قوله تعالى: (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل. إن ربك هو الخلاق العليم). فيه تربية على أن المقصود من ذكر القصص السابقة هو تصبير الله تعالى محمدا عليه الصلاة والسلام على سفاهة قومه، فإنه إذا سمع أن الأمم السالفة كانوا يعاملون أنبياء الله تعالى بمثل هذه المعاملات الفاسدة سهل تحمل تلك السفاهات عليه. وفيه تربية على أنه تعالى لما أنزل العذاب على الأمم السالفة فإنه قادر على الانتقام لأوليائه ومجازاة أعدائه إن لم يكن في الدنيا ففي الآخرة. وفيه تربية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين على الصفح الجميل وهو الإعراض عن سيئات الخصوم بحلم وإغضاء. فقوله تعالى: (وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق) أي إلا للحق وهو العدل والإنصاف ومجازاة المحسن ومعاقبة المسيء (وإن الساعة لآتية) أي لواقعة فيجازى كل بعمله (فاصفح الصفح الجميل) والصفح الجميل هو الإعراض والتجاوز والعفو الحسن، وهذا كقوله تعالى: (واهجرهم هجرا جميلا) (المزمل: 10). (إن ربك هو الخلاق) أي المقدر للخلق والأخلاق (العليم) بأهل الوفاق والنفاق. والمعنى: إنه تعالى خلق الخلق مع اختلاف طبائعهم وتفاوت أحوالهم مع علمه بكونهم كذلك، وإذا كان كذلك فإنما خلقهم مع هذا التفاوت ومع العلم بذلك التفاوت لأن الدنيا دار ابتلاء وعمل والابتلاء لا يكون إلا مع التفاوت في الخلق.

1501

الآية 87

(87) قوله تعالى: (ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم). في علاقة هذه الآية بالتي قبلها نقول: إنه تعالى لما أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالصبر على أذية قومه والصفح الجميل عنهم في الآية السابقة أتبع ذلك بذكر النعم العظيمة التي خصه بها لأن الإنسان إذا تذكر كثرة نعم الله عليه سهل عليه الصفح والتجاوز. فقوله تعالى: (ولقد آتيناك سبعا من المثاني) وهي سورة الفاتحة وآياتها سبعة، وسميت بالمثاني لأنه يثنى بها في الصلاة فتقرأ في كل ركعة على سبيل الوجوب، وهذا من فضائل سورة الفاتحة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحمد لله: أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني» (أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح)، قلت: وهذا نص في التفسير (والقرآن العظيم) أي والفاتحة هي القرآن العظيم، لاشتمالها على كل ما يتعلق بأصول الإيمان.

1502

الآيات 88-89

(88) و (89) قوله تعالى: (لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم، ولا تحزن عليهم، واخفض جناحك للمؤمنين. وقل: إني أنا النذير المبين). في علاقة هذه الآية بالتي قبلها نقول: إنه تعالى لما عرّف رسوله صلى الله عليه وسلم عظم نعمه عليه فيما يتعلق بالدين وهي أنه آتاه سبعا من المثاني والقرآن العظيم، نهاه عن الرغبة في الدنيا وزهّده فيها، وأمره أن يتواضع مع المؤمنين، وبين له أن مهمته النذارة الواضحة من خلال البلاغ والدعوة. وهذا الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد به كل من آمن بالله والرسول صلى الله عليه وسلم. فقوله تعالى: (لا تمدن عينيك) المعنى: قد أغنيتك بالقرآن عما في أيدي الناس، فإنه ليس منا من لم يغتن بالقرآن، فيطمح بصره إلى زخارف الدنيا وعنده معارف المولى. ومعنى (أزواجا منهم) أي أمثالا في النعم، أي الأغنياء بعضهم أمثال بعض في الغنى فهم أزواج (ولا تحزن عليهم) أي ولا تحزن على المشركين إن لم يؤمنوا (واخفض جناحك للمؤمنين) أي ألن جانبك لمن آمن بك وتواضع لهم، وأصله أن الطائر إذا ضم فرخه إلى نفسه بسط جناحه ثم قبضه على الفرخ، فجعل ذلك وصفا لتقريب الإنسان أتباعه. (وقل: إني أنا النذير المبين) أي عليك الإنذار وعلى الله الحساب، والإنذار: إعلام مع تخويف.

1503

الآيات 90-93

(90) و (91) و (92) و (93) قوله تعالى: (كما أنزلنا على المقتسمين. الذين جعلوا القرآن عضين. فوربك لنسألنهم أجمعين. عما كانوا يعملون). في هذه الآيات تعجيب من أمر المشركين في تفريقهم للقرآن وتهديد لهم بالعقوبة يوم القيامة على هذا الافتراء والبهتان. فأصح ما قيل في المقتسمين أنهم مشركو قريش عضهوا القرآن واقتسموه كالأعضاء، فقال بعضهم: ساحر، وقال بعضهم: شاعر، وقال بعضهم: كاهن، وقال بعضهم: مجنون. قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: ((إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش، وكان ذا شرف فيهم، وقد حضر الموسم فقال لهم: يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا، ويرد قولكم بعضه بعضا. فقالوا: وأنت يا أبا عبد شمس، فقل وأقم لنا رأيا نقول به. قال: بل أنتم قولوا لأسمع. قالوا: نقول: كاهن. قال: ما هو بكاهن!. قالوا: فنقول: مجنون. قال: ما هو بمجنون! قالوا: فنقول: شاعر. قال: ما هو بشاعر! قالوا: فنقول: ساحر. قال: ما هو بساحر! قالوا: فماذا نقول؟ قال: والله إن لقوله حلاوة، فما أنتم بقائلين من هذا شيئًا إلا عُرف أنه باطل، وإن أقرب القول أن تقولوا: هو ساحر. فتفرقوا عنه بذلك، وأنزل الله فيهم: (الذين جَعَلوا القرآنَ عِضِين)) (تفسير الطبري بإسناده).

1504

الآيات 94-96

(94) و (95) و (96) قوله تعالى: (فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين. إنا كفيناك المستهزئين. الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون). فيه تربية للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين معه على الجهر بالقرآن وإبلاغه للناس لا يمنعهم من ذلك شرك مشرك ولا هزء مستهزيء ولا لومة لائم فالله تعالى يتولى أمر هؤلاء والمؤمنون يتولون أمر الله بالدعوة والبلاغ. فقوله تعالى: (فاصدع بما تؤمر) أي بالذي تؤمر به، يعني: بلغ رسالة الله جميع الخلق لتقوم الحجة عليهم، فقد أمرك الله بذلك. وقيل: فرق جمعهم وكلمتهم بأن تدعوهم إلى التوحيد فإنهم يتفرقون بأن يجيب البعض، فيرجع الصدع على هذا إلى صدع جماعة الكفار (وأعرض عن المشركين) أي عن الاهتمام باستهزائهم وعن المبالاة بقولهم، فقد برأك الله عما يقولون. (إنا كفيناك المستهزئين) قيل: المعنى: اصدع بما تؤمر ولا تخف غير الله، فإن الله كافيك من أذاك كما كفاك المستهزئين، وكانوا خمسة من رؤساء أهل مكة، وهم الوليد بن المغيرة وهو رأسهم، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث، والحارث بن الطلاطلة، أهلكهم الله جميعا قتلا يوم بدر لاستهزائهم برسول الله صلى الله عليه وسلم. (الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون) وهذه صفة المستهزئين وهي أنهم مشركون بالله تعالى، فجمعوا بين صفة الشرك بالله والتكذيب لرسوله من خلال الاستهزاء.

1505

الآيات 97-99

(97) و (98) و (99) قوله تعالى: (ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون. فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين. واعبد ربك حتى يأتيك اليقين). في هذه الآيات تربية على علاج الشدة النفسية التي تحصل عند المؤمنين بسبب الخلاف مع خصومهم من خلال الذكر والصلاة والطاعة لله تعالى. فقوله تعالى: (ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون) أي بما تسمعه من تكذيبك ورد قولك، وبما تناله ويناله أصحابك من أعدائك (فسبح بحمد ربك) أي فافزع إلى الصلاة فهي غاية التسبيح ونهاية التقديس، وذلك تفسير لقوله: (وكن من الساجدين) وقد خص السجود بالذكر لأن غاية القرب في الصلاة حال السجود، كما قال عليه الصلاة والسلام: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء» (مسلم وأبو داود). (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) واليقين هنا هو الموت. والمراد استمرار العبادة مدة الحياة كما قال العبد الصالح عيسى عليه السلام: (وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا) (مريم: 31). والدليل على أن اليقين الموت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما عثمان بن مظعون فقد جاءه اليقين، وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل به» (البخاري). والحمد لله رب العالمين.

1506

التفسير التربوي لسورة النحل

قال القرطبي في التفسير: ((سورة النحل: وهى مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر. وتسمى سورة النعم بسبب ما عدد الله فيها من نعمه على عباده. وقيل: هي مكية غير قوله تعالى: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) الآية، نزلت بالمدينة في شأن التمثيل بحمزة وقتلى أحد. وغير قوله تعالى: (واصبر وما صبرك إلا بالله). وغير قوله: (ثم إن ربك للذين هاجروا) الآية. وأما قوله: (والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا) فمكي، في شأن هجرة الحبشة. وقال ابن عباس: هي مكية إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة بعد قتل حمزة، وهى قوله: (ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا) إلى قوله: (بأحسن ما كانوا يعملون)).

وقال أبو حيان الأندلسي في تفسيره (البحر المحيط): ((سورة النحل: قال الحسن، وعطاء، وعكرمة، وجابر: هي كلها مكية. وقال ابن عباس: إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة بعد حمزة بن عبد المطلب وهي قوله: (ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا) إلى قوله: (بأحسن ما كانوا يعملون). وقيل: إلا ثلاث آيات (وإن عاقبتم) الآية نزلت في المدينة في شأن التمثيل بحمزة وقتلى أحد، وقوله: (واصبر وما صبرك إلا بالله)، وقوله: (ثم إن ربك للذين هاجروا). وقيل: من أولها إلى قوله: (تعالى يشركون) مدني وما سواه مكي. وعن قتادة عكس هذا. ووجه ارتباطها بما قبلها أنه تعالى لما قال: (فوربك لنسألنهم أجمعين) كان ذلك تنبيها على حشرهم يوم القيامة، وسؤالهم عما أجرموه في دار الدنيا، فقيل: (أتى أمر الله) وهو يوم القيامة على قول الجمهور)).

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: ((هذه السورة هادئة الإيقاع، عادية الجرس، ولكنها مليئة حافلة. موضوعاتها الرئيسية كثيرة منوعة، والإطار الذي تعرض فيه واسع شامل، والأوتار التي توقع عليها متعددة مؤثرة، والظلال التي تلونها عميقة الخطوط. وهي كسائر السور المكية تعالج موضوعات العقيدة الكبرى: الألوهية، والوحي، والبعث، ولكنها تلم بموضوعات جانبية أخرى تتعلق بتلك الموضوعات الرئيسية. تلم بحقيقة الوحدانية الكبرى التي تصل بين دين إبراهيم عليه السلام ودين محمد صلى الله عليه وسلم، وتلم بحقيقة الإرادة الإلهية والإرادة البشرية فيما يختص بالإيمان والكفر والهدى والضلال، وتلم بوظيفة الرسل وسنة الله في المكذبين لهم، وتلم بموضوع التحليل والتحريم وأوهام الوثنية حول هذا الموضوع، وتلم بالهجرة في سبيل الله وفتنة المسلمين في دينهم والكفر بعد الإيمان وجزاء هذا كله عند الله. ثم تضيف إلى موضوعات العقيدة موضوعات المعاملة: العدل والإحسان والإنفاق والوفاء بالعهد، وغيرها من موضوعات السلوك القائم على العقيدة، وهكذا هي مليئة حافلة من ناحية الموضوعات التي تعالجها. فأما الإطار الذي تعرض فيه هذه الموضوعات والمجال الذي تجري فيه الأحداث فهو فسيح شامل، هو السماوات والأرض، والماء الهاطل والشجر النامي، والليل والنهار والشمس والقمر والنجوم، والبحار والجبال والمعالم والسبل والأنهار، وهو الدنيا بأحداثها ومصائرها، والأخرى بأقدارها ومشاهدها، وهو الغيب بألوانه وأعماقه في الأنفس والآفاق. في هذا المجال الفسيح يبدو سياق السورة وكأنه حملة ضخمة للتوجيه والتأثير واستجاشة العقل والضمير، حملة هادئة الإيقاع ولكنها متعددة الأوتار، ليست في جلجلة الأنعام والرعد، ولكنها في هدوئها تخاطب كل حاسة وكل جارحة في الكيان البشري، وتتجه إلى العقل الواعي كما تتجه إلى الوجدان الحساس. إنها تخاطب العين لترى، والأذن لتسمع، واللمس ليستشعر، والوجدان ليتأثر، والعقل ليتدبر. وتحشد الكون كله: سماءه وأرضه، وشمسه وقمره، وليله ونهاره، وجباله وبحاره وفجاجه وأنهاره، وظلاله وأكنانه نبته وثماره، وحيوانه وطيوره. كما تحشد دنياه وآخرته، وأسراره وغيوبه، كلها أدوات توقع بها على أوتار الحواس والجوارح والعقول والقلوب، مختلف الإيقاعات التي لا يصمد لها فلا يتأثر بها إلا العقل المغلق والقلب الميت والحس المطموس. هذه الإيقاعات تتناول التوجيه إلى آيات الله في الكون، وآلائه على الناس كما تتناول مشاهد القيامة، وصور الاحتضار، ومصارع الغابرين، تصاحبها اللمسات الوجدانية التي تتدسس إلى أسرار الأنفس، وإلى أحوال البشر وهم أجنة في البطون، وهم في الشباب والهرم والشيخوخة، وهم في حالات الضعف والقوة، وهم في أحوال النعمة والنقمة. كذلك يتخذ الأمثال والمشاهد والحوار والقصص الخفيف أدوات للعرض والإيضاح. فأما الظلال العميقة التي تلون جو السورة كله فهي الآيات الكونية تتجلى فيها عظمة الخلق، وعظمة النعمة، وعظمة العلم والتدبير، كلها متداخلة. فهذا الخلق الهائل العظيم المدبر عن علم وتقدير، ملحوظ فيه أن يكون نعمة على البشر، لا تلبي ضروراتهم وحدها، ولكن تلبي أشواقهم كذلك، فتسد الضرورة، وتتخذ للزينة، وترتاح بها أبدانهم وتستروح لها نفوسهم، لعلهم يشكرون. ومن ثم تتراءى في السورة ظلال النعمة وظلال الشكر، والتوجيهات إليها، والتعقيب بها في مقاطع السورة، وتضرب عليها الأمثال، وتعرض لها النماذج، وأظهرها نموذج إبراهيم (شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم)، كل أولئك في تناسق ملحوظ بين الصور والظلال والعبارات والإيقاعات، والقضايا والموضوعات نرجو أن نقف على نماذج منه في أثناء استعراضنا للسياق)).

1507