التفسير التربوي لسورة النحل
قال القرطبي في التفسير: ((سورة النحل: وهى مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر. وتسمى سورة النعم بسبب ما عدد الله فيها من نعمه على عباده. وقيل: هي مكية غير قوله تعالى: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) الآية، نزلت بالمدينة في شأن التمثيل بحمزة وقتلى أحد. وغير قوله تعالى: (واصبر وما صبرك إلا بالله). وغير قوله: (ثم إن ربك للذين هاجروا) الآية. وأما قوله: (والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا) فمكي، في شأن هجرة الحبشة. وقال ابن عباس: هي مكية إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة بعد قتل حمزة، وهى قوله: (ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا) إلى قوله: (بأحسن ما كانوا يعملون)).
وقال أبو حيان الأندلسي في تفسيره (البحر المحيط): ((سورة النحل: قال الحسن، وعطاء، وعكرمة، وجابر: هي كلها مكية. وقال ابن عباس: إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة بعد حمزة بن عبد المطلب وهي قوله: (ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا) إلى قوله: (بأحسن ما كانوا يعملون). وقيل: إلا ثلاث آيات (وإن عاقبتم) الآية نزلت في المدينة في شأن التمثيل بحمزة وقتلى أحد، وقوله: (واصبر وما صبرك إلا بالله)، وقوله: (ثم إن ربك للذين هاجروا). وقيل: من أولها إلى قوله: (تعالى يشركون) مدني وما سواه مكي. وعن قتادة عكس هذا. ووجه ارتباطها بما قبلها أنه تعالى لما قال: (فوربك لنسألنهم أجمعين) كان ذلك تنبيها على حشرهم يوم القيامة، وسؤالهم عما أجرموه في دار الدنيا، فقيل: (أتى أمر الله) وهو يوم القيامة على قول الجمهور)).
وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: ((هذه السورة هادئة الإيقاع، عادية الجرس، ولكنها مليئة حافلة. موضوعاتها الرئيسية كثيرة منوعة، والإطار الذي تعرض فيه واسع شامل، والأوتار التي توقع عليها متعددة مؤثرة، والظلال التي تلونها عميقة الخطوط. وهي كسائر السور المكية تعالج موضوعات العقيدة الكبرى: الألوهية، والوحي، والبعث، ولكنها تلم بموضوعات جانبية أخرى تتعلق بتلك الموضوعات الرئيسية. تلم بحقيقة الوحدانية الكبرى التي تصل بين دين إبراهيم عليه السلام ودين محمد صلى الله عليه وسلم، وتلم بحقيقة الإرادة الإلهية والإرادة البشرية فيما يختص بالإيمان والكفر والهدى والضلال، وتلم بوظيفة الرسل وسنة الله في المكذبين لهم، وتلم بموضوع التحليل والتحريم وأوهام الوثنية حول هذا الموضوع، وتلم بالهجرة في سبيل الله وفتنة المسلمين في دينهم والكفر بعد الإيمان وجزاء هذا كله عند الله. ثم تضيف إلى موضوعات العقيدة موضوعات المعاملة: العدل والإحسان والإنفاق والوفاء بالعهد، وغيرها من موضوعات السلوك القائم على العقيدة، وهكذا هي مليئة حافلة من ناحية الموضوعات التي تعالجها. فأما الإطار الذي تعرض فيه هذه الموضوعات والمجال الذي تجري فيه الأحداث فهو فسيح شامل، هو السماوات والأرض، والماء الهاطل والشجر النامي، والليل والنهار والشمس والقمر والنجوم، والبحار والجبال والمعالم والسبل والأنهار، وهو الدنيا بأحداثها ومصائرها، والأخرى بأقدارها ومشاهدها، وهو الغيب بألوانه وأعماقه في الأنفس والآفاق. في هذا المجال الفسيح يبدو سياق السورة وكأنه حملة ضخمة للتوجيه والتأثير واستجاشة العقل والضمير، حملة هادئة الإيقاع ولكنها متعددة الأوتار، ليست في جلجلة الأنعام والرعد، ولكنها في هدوئها تخاطب كل حاسة وكل جارحة في الكيان البشري، وتتجه إلى العقل الواعي كما تتجه إلى الوجدان الحساس. إنها تخاطب العين لترى، والأذن لتسمع، واللمس ليستشعر، والوجدان ليتأثر، والعقل ليتدبر. وتحشد الكون كله: سماءه وأرضه، وشمسه وقمره، وليله ونهاره، وجباله وبحاره وفجاجه وأنهاره، وظلاله وأكنانه نبته وثماره، وحيوانه وطيوره. كما تحشد دنياه وآخرته، وأسراره وغيوبه، كلها أدوات توقع بها على أوتار الحواس والجوارح والعقول والقلوب، مختلف الإيقاعات التي لا يصمد لها فلا يتأثر بها إلا العقل المغلق والقلب الميت والحس المطموس. هذه الإيقاعات تتناول التوجيه إلى آيات الله في الكون، وآلائه على الناس كما تتناول مشاهد القيامة، وصور الاحتضار، ومصارع الغابرين، تصاحبها اللمسات الوجدانية التي تتدسس إلى أسرار الأنفس، وإلى أحوال البشر وهم أجنة في البطون، وهم في الشباب والهرم والشيخوخة، وهم في حالات الضعف والقوة، وهم في أحوال النعمة والنقمة. كذلك يتخذ الأمثال والمشاهد والحوار والقصص الخفيف أدوات للعرض والإيضاح. فأما الظلال العميقة التي تلون جو السورة كله فهي الآيات الكونية تتجلى فيها عظمة الخلق، وعظمة النعمة، وعظمة العلم والتدبير، كلها متداخلة. فهذا الخلق الهائل العظيم المدبر عن علم وتقدير، ملحوظ فيه أن يكون نعمة على البشر، لا تلبي ضروراتهم وحدها، ولكن تلبي أشواقهم كذلك، فتسد الضرورة، وتتخذ للزينة، وترتاح بها أبدانهم وتستروح لها نفوسهم، لعلهم يشكرون. ومن ثم تتراءى في السورة ظلال النعمة وظلال الشكر، والتوجيهات إليها، والتعقيب بها في مقاطع السورة، وتضرب عليها الأمثال، وتعرض لها النماذج، وأظهرها نموذج إبراهيم (شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم)، كل أولئك في تناسق ملحوظ بين الصور والظلال والعبارات والإيقاعات، والقضايا والموضوعات نرجو أن نقف على نماذج منه في أثناء استعراضنا للسياق)).