التفسير التربويالجزء 1 · ص 1564 - 1571

الآية 97

الآية 97

(97) قوله تعالى: (من عمل صلحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون). فيه ترغيب على العمل الصالح بعد الإيمان من خلال الوعد بالأجر الأحسن والحياة الطيبة في الجنة، وفيه مساواة بين الذكر والأنثى في الإيمان والعمل والثواب وسائر التشريعات كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما النساء شقائق الرجال» (أبو داود والترمذي). فقوله تعالى: (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة) شرط وجوابه، وقيل: الحياة الطيبة في الدنيا بالرزق الحلال والقناعة والتوفيق إلى الطاعات فإنها تؤدي إلى رضوان الله، وقيل: الحياة الطيبة في الآخرة بالجنة (ولنجزينهم أجرهم) في الآخرة (بأحسن ما كانوا يعملون).

1564

الآيات 98-100

(98) و (99) و (100) قوله تعالى: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم. إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون. إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون). فيه تربية على الاستعاذة بالله تعالى من الشيطان الرجيم قبل قراءة القرآن، وفي غيرها من الآيات أمر الله تعالى بالاستعاذة به من الشيطان الرجيم فإنه لا يكفه عن بني آدم إلا الاستعاذة بالله، وحينها لا يكون له سلطان عليهم إنما سلطانه على الذين لا يستعيذون بالله منه. فقوله تعالى: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) هذه الآية متصلة بقوله: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء) فإذا أخذت في قراءته فاستعذ بالله من أن يعرض لك الشيطان فيصدك عن تدبره والعمل بما فيه، وليس يريد استعذ بعد القراءة، بل هو كقولك إذا أكلت فقل بسم الله، أي إذا أردت أن تأكل. (إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون) يعني: لا سلطان له على المستعيذين بالله منه طالما كانوا مستحضرين لمعنى الاستعاذة وأحوالها، وإنما يضلهم في حال نسيان الاستعاذة أو الغفلة عنها أو تركها. (إنما سلطانه على الذين يتولونه) أي يطيعون الشيطان، يقال: توليته أي أطعته، وتوليت عنه إذا أعرضت عنه (والذين هم به مشركون) أي والذين هم بالله مشركون.

1565

الآيات 101-102

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (النحل: 101-102)

(101) و (102) قوله تعالى: (وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون. قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين). فيه تربية وبيان على أن هذا القرآن ليس من عند محمد عليه الصلاة والسلام وإنما هو من عند الله تعالى نزل به الملك جبريل عليه السلام من أجل هداية الناس وتبشير المهتدين بالجنة وإنذار الضالين من النار. وأصح ما قيل في التبديل هنا، وخاصة أن السورة مكية، هو المغايرة بين اللين والشدة، والتعميم والتخصيص، واختلاف الخطاب باختلاف المقام والمقتضى. قال ابن عاشور في تفسيره (التحرير والتنوير): استمرّ الكلام على شأن القرآن وتنزيهه عما يوسوسه الشيطان في الصد عن متابعته، ولما كان من أكبر الأغراض في هذه السورة بيان أن القرآن منزل من عند الله وبيان فضله وهديه فابتدأ فيها بآية (ينزل الملائكة بالروح من أمره) (سورة النحل: 2)، ثم قفّى بما اختلقه المشركون من الطعن فيه بعد تنقلات جاء فيها: (وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين) (سورة النحل: 24)، وأتبع ذلك بتنقلات بديعة فأعاد الكلام على القرآن وفضائله من قوله تعالى: (وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبيّن لهم الذي اختلفوا فيه) (سورة النحل: 64) ثم قوله: (ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء) (سورة النحل: 89). وجاء في عقب ذلك بشاهد يجمع ما جاء به القرآن وذلك آية: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) (سورة النحل: 90)، فلما استقر ما يقتضي تقرير فضل القرآن في النفوس نبّه على نفاسته ويمنه بقوله: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) (سورة النحل: 98)، لا جرم تهيأ المقام لإبطال اختلاق آخر من اختلاقهم على القرآن اختلاقا مموّها بالشبهات. وذلك الاختلاق هو تعمدهم التمويه فيما يأتي من آيات القرآن مخالفا لآيات أخرى لاختلاف المقتضى والمقام، والمغايرة باللين والشدة، أو بالتعميم والتخصيص، ونحو ذلك مما يتبع اختلافه اختلاف المقامات واختلاف الأغراض واختلاف الأحوال التي يتعلق بها، فاتخذوا من ظاهر ذلك دون وضعه مواضعه وحمله محاملهُ مغامز يتشدقون بها في نواديهم، يجعلون ذلك اضطرابا من القول ويزعمونه شاهدا باقتداء قائله في إحدى المقالتين أو كلتيهما. وبعض ذلك ناشيء عن قصور مداركهم عن إدراك مرامي القرآن وسموّ معانيه، وبعضه ناشيء عن تعمّد للتجاهل تعلقاً بظواهر الكلام يلبّسون بذلك على ضعفاء الإدراك من أتباعهم، ولذلك قال تعالى: (بل أكثرهم لا يعلمون) أي ومنهم من يعلمون ولكنهم يكابرون. قال ابن عباس: «كان إذا نزلت آية فيها شدّة ثم نزلت آية ألين منها يقول كفار قريش: والله ما محمد إلا يسخر بأصحابه، اليوم يأمر بأمر وغدا ينهى عنه، وأنه لا يقول هذه الأشياء إلا من عند نفسه»، وهذه الكلمة أحسن ما قاله المفسرون في حاصل معنى هذه الآية. فالمراد من التبديل في قوله تعالى: (بدلنا) مطلقُ التغاير بين الأغراض والمقامات، أو التغاير في المعاني واختلافها باختلاف المقاصد والمقامات مع وضوح الجمع بين محاملها. وقوله تعالى: (قل نزله روح القدس من ربك بالحق) جواب عن قولهم: (إنما أنت مفتر) أي قل لهم: لست بمفتر ولا القرآن بافتراء بل نزّله روح القدس من الله، وفي أمره بأن يقول لهم ذلك شد لعزمه لكيلا يكون تجاوزه الحد في البهتان صارفا إياه عن محاورتهم. وبعد أن أبطل الله دعواهم عليه أنه مفتر بطريقة النقض أمر رسوله أن يبيّن لهم ماهية القرآن. وهذه نكتة الالتفات في قوله تعالى: (من ربك) الجاري على خلاف مقتضى ظاهر حكاية المقول المأمور بأن يقوله، لأن مقتضى الظاهر أن يقول: من ربي، فوقع الالتفات إلى الخطاب تأنيسا للنبي صلى الله عليه وسلم بزيادة توغل الكلام معه في طريقة الخطاب. واختير اسم الرب لما فيه من معنى العناية والتدبير. (روح القدس) جبريل عليه السلام. والقدس: الطهر، وهو هنا مراد به معنياه الحقيقي والمجازي الذي هو الفضل وجلالة القدر (ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين) وذكرت علة من عِلل إنزال القرآن بأن في ذلك تثبيتاً للذين آمنوا إذ يفهمون محمل كل آية ويهتدون بذلك وتكون آيات البشرى بشارة لهم وآيات الإنذار محمولة على أهل الكفر، وفي التعليل بحكمة التثبيت والهدى والبُشرى بيانٌ لرسوخ إيمان المؤمنين وسداد آرائهم في فهم الكلام السامي، وأنه تثبيت لقلوبهم بصحة اليقين وهدى وبشرى لهم.

1566

الآيات 103-105

(103) و (104) و (105) قوله تعالى: (ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر، لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين. إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم. إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون). وهذه شبهة خامسة من شبهات الذين ينكرون النبوة في هذه السورة حيث قالوا إن عبدا أعجميا كان يسكن مكة وهو الذي يعلم محمدا صلى الله عليه وسلم القرآن، والقرآن الكريم يعلمنا الرد عليهم من خلال بيان اختلاف اللسان بين الغلام الأعجمي وبين محمد صلى الله عليه وسلم. ثم إنه تعالى يبيّن للمؤمنين أن الإيمان والافتراء على الله لا يجتمعان، فهم ولأنهم لا يؤمنون يفترون على محمد الكذب في النبوة، ومحمد صلى الله عليه وسلم ولأنه مؤمن لا يفتري على الله الكذب. ثم إنه تعالى رهّب من ترك الإيمان ومن فعل الافتراء بالوعيد عليهما في الدنيا وفي الآخرة. فقوله تعالى: (ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر) قيل: كان بمكة عبد أعجمي للفاكه بن المغيرة واسمه جبر، وكان نصرانيا فأسلم، وكانوا إذا سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم ما مضى وما هو آت مع أنه أمي لم يقرأ قالوا: إنما يعلمه جبر، فقال الله تعالى: (لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين) أي كيف يعلمه جبر وهو أعجمي هذا الكلام الذي لا يستطيع الإنس والجن أن يعارضوا منه سورة واحدة فما فوقها. وقيل: إن مولى جبر كان يضربه ويقول له: أنت تعلم محمدا، فيقول: لا والله، بل هو يعلمني ويهديني. قلت: ليتهم وهم أرباب اللسان ورؤساء اللغة وقادة البيان تعلموا من جبر وجاؤوا بمثل سورة من القرآن! (لسان الذي يلحدون إليه أعجمي) الإلحاد: الميل، يقال: لحد وألحد، أي مال عن القصد، والعجمة: الإخفاء وعدم الإفصاح، والعرب تسمي كل من لا يعرف لغتهم ولا يتكلم بكلامهم أعجميا (وهذا لسان عربي مبين) المراد باللسان هنا القرآن، والمعنى: هو أفصح ما يكون من العربية. (إن الذين لا يؤمنون بآيات الله) أي هؤلاء المشركون الذين لا يؤمنون بالقرآن (لا يهديهم الله) حجة في الدنيا (ولهم عذاب أليم) في الآخرة. (إنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله) هذا جواب وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بالافتراء (وأولئك هم الكاذبون) وهذا مبالغة في وصفهم بالكذب، أي كل كذب قليل بالنسبة إلى كذبهم.

1567

الآية 106

(106) قوله تعالى: (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم). فيه تربية على رفع الإكراه في إظهار الكفر، فالله تعالى لا يحاسب المؤمن إذا اضطر لإظهار الكفر ما دام قلبه مطمئن بالإيمان، ولكن يعاقب من أظهر الكفر من دون إكراه إرضاء للكافرين وشفاء لصدورهم من الغيظ على المؤمنين. فقوله تعالى: (من كفر بالله من بعد إيمانه) هذا متصل بقوله تعالى: (ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها) فكان مبالغة في الوصف بالكذب، لان معناه لا ترتدوا عن بيعة الرسول صلى الله عليه وسلم، أي من كفر من بعد إيمانه وارتد فعليه غضب الله (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) قال المفسرون: هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر، أخذه المشركون وأخذوا أباه وأمه سمية وصهيبا وبلالا وخبابا وسالما فعذبوهم، وربطت سمية بين بعيرين ووجئ قبلها بحربة، وقيل لها إنك أسلمت من أجل الرجال، فقتلت وقتل زوجها ياسر، وهما أول قتيلين في الإسلام، وأما عمار فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها، فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف تجد قلبك؟»، قال: مطمئن بالإيمان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإن عادوا فعد». (ولكن من شرح بالكفر صدرا) يعني: وسّعه بإظهار الكفر من غير إكراه (فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم) وهو عذاب جهنم.

1568

الآيات 107-109

(107) و (108) و (109) قوله تعالى: (ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين. أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون. لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون). لما ذكر الله تعالى في الآية السابقة من كفر بلسانه دون قلبه مكرها على ذلك، ذكر في هذه الآيات من كفر بقلبه ولسانه معا. متوعدا على ذلك في الدنيا والآخرة. فقوله تعالى: (ذلك) أي ذلك الغضب (بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة) يعني فضلوها واختاروها على الآخرة (وأن الله لا يهدي القوم الكافرين). ثم وصفهم فقال: (أولئك الذين طبع الله على قلوبهم) عن فهم المواعظ (وسمعهم) عن كلام الله تعالى (وأبصارهم) عن النظر في الآيات (وأولئك هما الغافلون) عما يراد بهم. (لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون) والموجب لهذا الخسران هو أن الله تعالى وصفهم في الآيات المتقدمة بصفات ستة: (الأولى) أنهم استوجبوا غضب الله. (والثانية) أنهم استحقوا العذاب الأليم. (والثالثة) أنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة. (والرابعة) أنه تعالى حرمهم من الهداية. (والخامسة) أنه تعالى طبع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم. (والسادسة) أنه جعلهم من الغافلين عما يراد بهم من العذاب الشديد يوم القيامة فلا جرم لا يسعون في دفعها. فثبت أنه حصل في حقهم هذه الصفات الستة التي كل واحد منها من أعظم الأحوال المانعة عن الفوز بالخيرات والسعادات، ومعلوم أنه تعالى إنما أدخل الإنسان الدنيا ليكون كالتاجر الذي يشتري بطاعاته سعادات الآخرة، فإذا حصلت هذه الموانع العظيمة عظم خسرانه، فلهذا السبب قال: ((لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون) والمقصود التنبيه على عظم خسرانهم.

1569

الآيات 110-111

(110) و (111) قوله تعالى: (ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم. يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهو لا يظلمون). في علاقة هذه الآيات بما قبلها نقول: إنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة حال من كفر بالله من بعد إيمانه وحال من أكره على الكفر، ذكر بعده حال من هاجر من بعد ما فتن، وأتبع ذلك بمشهد من مشاهد القيامة حيث تحاول النفوس الظالمة الدفاع عن نفسها. فقوله تعالى: (ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا) المراد بالفتنة هو أنهم عذبوا، ويحتمل أن يكون المراد هو أنهم خوفوا بالتعذيب (وجاهدوا وصبروا) ترغيب في الجهاد والصبر بعد الترغيب بالهجرة (إن ربك من بعدها) أي من بعد هذه الثلاثة وهي الهجرة والجهاد والصبر (لغفور رحيم). وقوله تعالى: (يوم تأتى كل نفس تجادل عن نفسها) أي إن الله غفور رحيم في ذلك، وقيل: ذكرهم (يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها) تخاصم وتحاج عن نفسها ولا يهمها شأن غيرها، وهذا كقوله تعالى: (لكل امرئ منهم يومئذ شأن يُغنيه) (عبس: 37)، (وتوفى كل نفس ما عملت) أي توفى كل نفس جزاء ما عملت من غير بخس ولا نقصان (وهم لا يُظلمون) أي لا يُنقصون.

1570

الآيات 112-113

قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَآَتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (النحل: 112-113)

(112) و (113) قوله تعالى: (وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون. ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون). فيه تربية على أن الإيمان يورث الغنى والأمان، وأن الكفر يورث الفقر والخوف والجوع. فقوله تعالى: (وضرب الله مثلا قرية) هذا متصل بذكر المشركين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على مشركي قريش وقال: «اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف»، فابتلوا بالقحط حتى أكلوا العظام، ووجه إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما ففرق فيهم (كانت أمنة) لا يهاج أهلها (يأتيها رزقها رغدا من كل مكان) من البر والبحر (فكفرت بأنعم الله) الأنعم: جمع النعمة، وهذا الكفران تكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم (فأذاقها الله) أي أذاق أهلها، وأصل الذوق بالفم ثم يستعار فيوضع موضع الابتلاء (لباس الجوع والخوف) سماه لباسا لأنه يظهر عليهم من الهزال وشحوب اللون وسوء الحال ما هو كاللباس، ومثل ذلك يقال في الخوف (بما كانوا يصنعون) يعني: من الكفر والمعاصي. وضرب مكة مثلا لغيرها من البلاد، أي إنها مع جوار بيت الله وعمارة مسجده لما كفر أهلها أصابهم القحط فكيف بغيرها من القرى. وقيل: إنه مثل مضروب لأي قرية كانت أو تكون على هذه الصفة من سائر القرى. (ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه) وهذا يدل على أنها مكة (فأخذهم العذاب) وهو الجوع الذي وقع بمكة، وقيل: الشدائد والجوع منها (وهم ظالمون).

1571