التفسير التربويالجزء 1 · ص 1748 - 1755

الآيات 85-87

الآيات 85-87

(85) و (86) و (87) قوله تعالى: (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا. ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا. لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا). فيه ترغيب بالإيمان والتقى من خلال البيان بأن المتقين يُحشرون يوم القيامة وفدا مكرما. وفيه ترهيب من الكفر والمعاصي من خلال البيان بأن الكافرين يُساقون يوم القيامة سوقا مذلا ليردوا النار ويدخلوها. وفيه ترغيب بالإيمان والعمل الصالح للحصول على الشفاعة يوم القيامة حيث لا شفاعة للكافرين. فقوله تعالى: (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا) يعني: إلى جنة الرحمن، ودار كرامته، وهذا كقوله تعالى: (إني ذاهب إلى ربي سيهدين) (الصافات: 99)، والوفد اسم للوافدين كما يقال: ركب وراكب وصحب وصاحب، والوفود هو الورود، وقيل: (وفدا) يعني: ركبانا على نجائب طاعتهم، وقيل: إنما قال (وفدا) لأن من شأن الوفود عند العرب أن يقدموا بالبشارات وينتظرون الجوائز، فالمتقون ينتظرون العطاء والثواب. (ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا) السوق: الحث على السير، ومعنى (وردا): عطاشا كالإبل ترد الماء فيقال جاء ورد بني فلان، والمجرمون هم الكفرة والعصاة. (لا يملكون الشفاعة) أي هؤلاء الكفار لا يملكون الشفاعة لأحد (إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا) وهم المسلمون فيملكون الشفاعة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا أزال أشفع حتى أقول: يا رب شفعني فيمن قال لا إله إلا الله محمد رسول الله، فيقول: يا محمد إنها ليست لك ولكنها لي» (مسلم)، قال القرطبي: ((وقد تظاهرت الأخبار بأن أهل الفضل والعلم والصلاح يشفعون فيشفعون).

1748

الآيات 88-91

(88) و (89) و (90) و (91) قوله تعالى: (وقالوا أتخذ الرحمن ولدا. لقد جئتم شيئا إدا. تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا. أن دعوا للرحمن ولدا). فيه تربية على أن أعظم جريمة في الكون هي جريمة الشرك بالله من خلال نسبة الولد إليه أو نسبة الأصنام إليه أو غير ذلك، فهذه الجريمة تكاد تمزق السماء وتشق الأرض وتهدم الجبال. قال صاحب الظلال في تفسير هذه الآيات: ((ثم يستطرد السياق مرة أخرى إلى مقولة منكرة من مقولات المشركين، ذلك حين يقول المشركون من العرب: الملائكة بنات الله، والمشركون من اليهود: عزير ابن الله، والمشركون من النصارى: المسيح ابن الله، فينتفض الكون كله لهذه المقولة المنكرة التي تنكرها فطرته وينفر منها ضميره. إن جرس الألفاظ وإيقاع العبارات ليشارك ظلال المشهد في رسم الجو: جو الغضب والغيرة والانتفاض! وإن ضمير الكون وجوارحه لتنتفض وترتعش وترجف من سماع تلك المقولة النابية، والمساس بقداسة الذات العلية، كما ينتفض كل عضو وكل جارحة عندما يغضب الإنسان للمساس بكرامته أو كرامة من يحبه ويوقره. هذه الانتفاضة الكونية للكلمة النابية تشترك فيها السماوات والأرض والجبال، والألفاظ بإيقاعها ترسم حركة الزلزلة والارتجاف، وما تكاد الكلمة النابية تنطلق: (وقالوا: اتخذ الرحمن ولدا) حتى تنطلق كلمة التفظيع والتبشيع: (لقد جئتم شيئاً إدا) ثم يهتز كل ساكن من حولهم، ويرتج كل مستقر، ويغضب الكون كله لبارئه، وهو يحس بتلك الكلمة تصدم كيانه وفطرته، وتجافي ما وقر في ضميره وما استقر في كيانه، وتهز القاعدة التي قام عليها واطمأن إليها)).

1749

الآيات 92-95

(92) و (93) و (94) و (95) قوله تعالى: (وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا. إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا. لقد أحصاهم وعدهم عدا. وكلهم آتيه يوم القيامة فردا). فيه تربية على التنافي بين العبدية والإلهية، فكيف يكون شريكا لله من كان عبدا لله؟! لأن كل ما خلق الله فهو عبد لله، وهو ملك لله، ولا يصح عقلا ولا شرعا أن نجعل العبد شريكا لسيده أو ولدا لسيده. وفيه تحذير للمشركين من عذاب النار من خلال تذكيرهم بان الله تعالى قد أحصاهم وأحصى أعمالهم وأنهم يأتون الله يوم القيامة فرادى من دون مال أو بنين أو زوجة أو أخ أو غير ذلك. فقوله تعالى: (وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا) نفى عن نفسه سبحانه وتعالى الولد لأن الولد يقتضي الجنسية والحدوث وذلك لا يليق به، ولا يوصف به، ولا يجوز في حقه، لأنه لا يكون ولد إلا من والد يكون له والد وأصل، والله سبحانه يتعالى عن ذلك ويتقدس. (إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا) يعني: ما كل من في السموات والأرض إلا وهو يأتي يوم القيامة مقرا له بالعبودية خاضعا ذليلا كما قال: (وكل أتوه داخرين) (النمل: 87) أي صاغرين أذلاء، والخلق كلهم عبيده، فكيف يكون واحد منهم ولدا له عز وجل؟! تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا. قال القرطبي: ((في هذه الآية دليل على أنه لا يجوز أن يكون الولد مملوكا للوالد، خلافا لمن قال إنه يشتريه فيملكه ولا يعتق عليه إلا إذا أعتقه، وقد أبان الله تعالى المنافاة بين الأولاد والملك، فإذا ملك الوالد ولده بنوع من التصرفات عتق عليه. ووجه الدليل عليه من هذه الآية أن الله تعالى جعل الولدية والعبدية في طرفي تقابل فنفى أحدهما وأثبت الآخر، ولو اجتمعا لما كان لهذا القول فائدة يقع الاحتجاج بها، وفي الحديث الصحيح (لا يجزي ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه) (مسلم)، فإذا لم يملك الأب ابنه مع مرتبته عليه فالابن بعدم ملك الأب أولى لقصوره عنه. وروى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله تبارك وتعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله ليس يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن لي كفوا أحد)). قوله تعالى: (لقد أحصاهم) يعني: علم عددهم (وعدهم عدا) تأكيد، فلا يخفى عليه أحد منهم، وقيل: المراد من هذه الآية هو أنهم أقروا له بالعبودية وشهدوا له بالربوبية. (وكلهم آتيه يوم القيامة فردا) يعني: واحدا لا ناصر له ولا مال معه لينفعه، كما قال تعالى: (يوم لا ينفع مال ولا بنون. إلا من أتى الله بقلب سليم) (الشعراء: 88ـ89).

1750

الآية 96

(96) قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا). فيه تربية على أنه بالإيمان والعمل الصالح يصبح الإنسان محلا لمحبة الله تعالى في الدنيا وفي الآخرة، وإذا صار الإنسان محلا لمحبة الله تعالى فإن الله يجعله محلا لمحبة الملائكة والناس، وهذا كما حصل لموسى عليه السلام حيث قال الله تعالى: (وألقيت عليك محبة مني) (طه: 39)، فكان كل من رآه أحبه عليه السلام. فقوله تعالى: (إن الذين آمنوا) أي صدقوا (وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا) يعني: حبا في قلوب عباده. روى الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا أحب الله عبدا نادى جبريل إني قد أحببت فلانا فأحبه، فينادي في السماء، ثم تنزل له المحبة في أهل الأرض، فذلك قوله تعالى: (سيجعل لهم الرحمن ودا). وإذا أبغض الله عبدا نادى جبريل إني أبغضت فلانا، فينادي في السماء، ثم تنزل له البغضاء في الأرض)) (الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح) وفي رواية أخرى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى إذا أحب عبدا دعا جبريل عليه السلام فقال إني أحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض. وإذا أبغض عبدا دعا جبريل عليه السلام فيقول إني أبغض فلانا فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلانا فأبغضوه، فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض» (مسلم). وقال أهل المعاني: ما أقبل أحد بقلبه على الله تعالى إلا أقبل الله تعالى بقلوب أهل الإيمان إليه حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم. وقيل: يجعل الله تعالى لهم مودة في قلوب المؤمنين والملائكة يوم القيامة. وقيل: إذا كان محبوبا في الدنيا فهو كذلك في الآخرة، فإن الله تعالى لا يحب إلا مؤمنا تقيا، ولا يرضى إلا خالصا نقيا.

1751

الآية 97

(97) قوله تعالى: (فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا). فيه بيان لأهمية هذه السورة من خلال ما فيها من التوحيد والنبوة والحشر والنشر والرد على فرق المضلين المبطلين، فبين تعالى أنه يسر ذلك بلسانه ليبشر به وينذر ، وأن القرآن يتضمن تبشير المتقين وإنذار للكافرين، لكنه تعالى لما ذكر أنه يبشر به المتقين ذكر في مقابلته من هو في مخالفة التقوى وهو الألد الذي يتمسك بالباطل ويجادل فيه ويتشدد. فقوله تعالى: (فإنما يسرناه بلسانك) يعني: القرآن، بيناه بلسانك العربي وجعلناه سهلا على من تدبره وتأمله. وقيل: أنزلناه عليك بلسان العرب ليسهل عليهم فهمه (لتبشر به المتقين) يعني: المؤمنين الذين يخافون الله تعالى ويظهر هذا الخوف في أقوالهم وأعمالهم (وتنذر به قوما لدا) واللد جمع الألد وهو الشديد الخصومة، وقيل: الألد الذي لا يقبل الحق ويدعي الباطل، وقيل: الألد الأصم عن الحق والمجادل بالباطل، وخصوا بالإنذار لأن الذي لا عناد عنده يسهل انقياده لله تعالى.

1752

الآية 98

(98) قوله تعالى: (وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا). فيه تحذير من ترك الإيمان والتكذيب بالقرآن والعناد بالباطل من خلال النظر في مصارع الأمم السابقة وما آل إليه أمرهم في الدنيا حيث لا حس ولا إنس. فقوله تعالى: (وكم أهلكنا قبلهم من قرن) يعني: من أمة وجماعة من الناس كانوا يعيشون في قرن، فالتقدير: من أهل قرن (هل تحس منهم من أحد) يعني: هل ترى منهم أحد (أو تسمع لهم ركزا) يعني: صوتا أو حسا، فقد ماتوا وحصدوا أعمالهم. وقيل: الركز ما لا يفهم من صوت أو حركة كركز الكتيبة، وقيل: الصوت الخفي ومنه ركز الرمح إذا غيب طرفه في الأرض. قال الرازي في ختام هذه السورة: ((ثم إنه تعالى ختم السورة بموعظة بليغة فقال: (وكم أهلكنا قبلهم من قرن) لأنهم إذا تأملوا وعلموا أنه لا بد من زوال الدنيا والانتهاء إلى الموت خافوا ذلك، وخافوا أيضا سوء العاقبة في الآخرة، فكانوا فيها إلى الحذر من المعاصي أقرب، ثم أكد تعالى في ذلك فقال: (هل تحس منهم من أحد) لأن الرسول عليه الصلاة والسلام إذا لم يحس منهم برؤية أو إدراك أو وجدان دل ذلك على انقراضهم وفنائهم بالكلية (أو تسمع لهم ركزا) وهو الصوت الخفي، ومنه ركز الرمح إذا غيب طرفه في الأرض، والركاز المال المدفون. والأقرب في قوله: (أهلكنا) أن المراد به الانقراض بالموت وإن كان من المفسرين من حمله على العذاب المعجل في الدنيا، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب)). والحمد لله رب العالمين.

1753

التفسير التربوي لسورة طه

قال القرطبي في التفسير: ((سورة طه عليه السلام: مكية في قول الجميع. نزلت قبل إسلام عمر رضي الله عنه. روى الدارقطني في سننه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: خرج عمر متقلدا بسيف، فقيل له: إن ختنك وأختك قد صبوا، فأتاهما عمر وعندهما رجل من المهاجرين يقال له: خباب، وكانوا يقرءون: (طه)، فقال: أعطوني الكتاب الذي عندكم فأقرؤه، وكان عمر رضي الله عنه يقرأ الكتب، فقالت له أخته: إنك رجس ولا يمسه إلا المطهرون، فقم فاغتسل أو توضأ، فقام عمر رضي الله عنه وتوضأ وأخذ الكتاب فقرأ: (طه). وذكره ابن إسحاق مطولا: فإن عمر خرج متوشحا سيفه يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتله، فلقيه نعيم بن عبد الله فقال: أين تريد يا عمر؟ فقال: أريد محمدا، هذا الصابئ الذي فرق أمر قريش، وسفه أحلامها، وعاب دينها، وسب آلهتها، فأقتله. فقال له نعيم: والله لقد غرتك نفسك من نفسك يا عمر، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمدا؟! أفلا ترجع إلى أهلك فتقيم أمرهم؟! فقال: وأي أهل بيتي؟ قال: ختنك وابن عمك سعيد بن زيد وأختك فاطمة بنت الخطاب، فقد والله أسلما وتابعا محمدا على دينه فعليك بهما. قال: فرجع عمر عامدا إلى أخته وختنه، وعندهما خباب بن الأرت معه صحيفة فيها (طه) يقرئهما إياها، فلما سمعوا حس عمر تغيب خباب في مخدع لهم أو في بعض البيت، وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر حين دنا إلى البيت قراءة خباب عليهما، فلما دخل قال: ما هذه الهينمة التي سمعت؟ قالا له: ما سمعت شيئا، قال: بلى، والله لقد أخبرت أنكما تابعتما محمدا إلى دينه، وبطش بختنه سعيد بن زيد، فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها فضربها فشجها. فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه: نعم، قد أسلمنا، وآمنا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك. ولما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع، فارعوى وقال لأخته: أعطني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرءونها آنفا أنظر ما هذا الذي جاء به محمد، وكان كاتبا، فلما قال ذلك قالت له أخته: إنا نخشاك عليها. قال لها: لا تخافي، وحلف لها بآلهته ليردنها إذا قرأها، فلما قال ذلك طمعت في إسلامه فقالت له: يا أخي إنك نجس على شركك وإنه لا يمسها إلا الطاهر. فقام عمر وأغتسل، فأعطته الصحيفة وفيها (طه) فقرأها، فلما قرأ منها صدرا قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه! فلما سمع ذلك خباب خرج إليه فقال له: يا عمر والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه فإني سمعته أمس وهو يقول: (اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب) فالله الله يا عمر. فقال له عند ذلك: فدلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم، وذكر الحديث. مسألة: أسند الدارمي أبو محمد في مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تبارك وتعالى قرأ (طه) و (يس) قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام، فلما سمعت الملائكة القرآن قالت طوبى لأمة ينزل هذا عليها، وطوبى لأجواف تحمل هذا وطوبى لألسنة تتكلم بهذا). قال ابن فورك: معنى قوله: (إن الله تبارك وتعالى قرأ (طه) و (يس) أي أظهر وأسمع وأفهم كلامه من أراد من خلقه من الملائكة في ذلك الوقت، والعرب تقول: قرأت الشيء إذا تتبعته، وتقول: ما قرأت هذه الناقة في رحمها سلا قط أي ما ظهر فيها ولد، فعلى هذا يكون الكلام سائغا وقراءته إسماعه وإفهامه بعبارات يخلقها وكتابة يحدثها)).

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: ((تبدأ هذه السورة وتختم خطابا للرسول صلى الله عليه وسلم ببيان وظيفته وحدود تكاليفه، إنها ليست شقوة كتبت عليه، وليست عناء يعذب به، إنما هي الدعوة والتذكرة، وهي التبشير والإنذار، وأمر الخلق بعد ذلك إلى الله الواحد الذي لا إله غيره، المهيمن على ظاهر الكون وباطنه، الخبير بظواهر القلوب وخوافيها، الذي تعنوا له الجباه، ويرجع إليه الناس: طائعهم وعاصيهم، فلا على الرسول ممن يكذب ويكفر، ولا يشقى لأنهم يكذبون ويكفرون. وبين المطلع والختام تعرض قصة موسى عليه السلام من حلقة الرسالة إلى حلقة اتخاذ بني إسرائيل للعجل بعد خروجهم من مصر، مفصلة مطولة، وبخاصة موقف المناجاة بين الله وكليمه موسى، وموقف الجدل بين موسى وفرعون، وموقف المباراة بين موسى والسحرة. وتتجلى في غضون القصة رعاية الله لموسى الذي صنعه على عينه واصطنعه لنفسه، وقال له ولأخيه: (لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى). وتعرض قصة آدم سريعة قصيرة، تبرز فيها رحمة الله لآدم بعد خطيئته، وهدايته له، وترك البشر من أبنائه لما يختارون من هدى أو ضلال بعد التذكير والإنذار. وتحيط بالقصة مشاهد القيامة وكأنما هي تكملة لما كان أول الأمر في الملأ الأعلى من قصة آدم، حيث يعود الطائعون إلى الجنة، ويذهب العصاة إلى النار، تصديقا لما قيل لأبيهم آدم، وهو يهبط إلى الأرض بعد ما كان! ومن ثم يمضي السياق في هذه السورة في شوطين اثنين: الشوط الأول يتضمن مطلع السورة بالخطاب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) تتبعه قصة موسى نموذجا كاملا لرعاية الله سبحانه لمن يختارهم لإبلاغ دعوته فلا يشقون بها وهم في رعايته. والشوط الثاني يتضمن مشاهد القيامة، وقصة آدم وهما يسيران في اتجاه مطلع السورة، وقصة موسى. ثم ختام السورة بما يشبه مطلعها ويتناسق معه ومع جو السورة. وللسورة ظل خاص يغمر جوها كله، ظل علوي جليل، تخشع له القلوب، وتسكن له النفوس، وتعنو له الجباه، إنه الظل الذي يخلعه تجلي الرحمن على الوادي المقدس على عبده موسى، في تلك المناجاة الطويلة، والليل ساكن وموسى وحيد، والوجود كله يتجاوب بذلك النجاء الطويل، وهو الظل الذي يخلعه تجلي القيوم في موقف الحشر العظيم: (وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا)، (وعنت الوجوه للحي القيوم). والإيقاع الموسيقي للسورة كلها يستطرد في مثل هذا الجو من مطلعها إلى ختامها رخيا شجيا نديا بذلك المد الذاهب مع الألف المقصورة في القافية كلها تقريبا)).

1754

الآيات 1-4

قوله تعالى: ﴿طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (طه: 1-4)

(1) و (2) و (3) و (4) قوله تعالى: (طه. ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى. إلا تذكرة لمن يخشى. تنزيلا ممن خلق الأرض والسموات العلى). فيه تربية على أنه لا سعادة للبشرية في الدنيا والآخرة إلا بالإيمان واتباع القرآن، وأن الشقاء الذي تعيشه البشرية الآن وفي كل زمان إنما هو من الإعراض عن القرآن، فمن اتبع القرآن وكله الله تعالى إلى الرحمن، ومن أعرض عن القرآن وكله الله تعالى إلى الشيطان. وفيه بيان أن هذا القرآن إنما هو تنزيل من رب العالمين للتذكرة والموعظة وراحة النفس والاطمئنان، فالله تعالى لم يخلق الإنسان ويترك سدى وإنما خلقه ليرحمه بالإيمان والقرآن. فقوله تعالى: (طه) تبدأ السورة بالحروف المقطعة: (طا، ها) للتنبيه إلى أن هذه السورة كهذا القرآن مؤلفة من مثل هذه الحروف، وهذان الحرفان ينتهيان بإيقاع كإيقاع السورة، ويتلو هذين الحرفين حديث عن القرآن كما هو الحال في السور التي تبدأ بالحروف المقطعة للدلالة على إعجاز القرآن وأن الناس عاجزون عن الإتيان بمثله أو بسور من مثله. وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: إن قوم الرسول عليه الصلاة والسلام قالوا: لقد شقي هذا الرجل بربه، فأنزل الله تعالى ذكره (طه) يعني: يا رجل، ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى. وقوله تعالى: (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) يعني: ما أنزلنا عليك القرآن للشقاء، وأصل الشقاء في اللغة: العناء والتعب، أي ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب، قال الشاعر: ذو العقل يشقى في النعيم بعقله * وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم، وقيل: إن معنى لتشقى أي لتتعب بفرط تأسفك على قومك وعلى كفرهم وتحسرك على أن يؤمنوا، وهذا كقوله تعالى: (فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا) (الكهف: 6)، أي ما عليك إلا أن تبلغ وتذكر ولم يكتب عليك أن يؤمنوا لا محالة بعد أن لم تفرط في أداء الرسالة والموعظة الحسنة. وقيل: إن سادة قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إنك شقي لأنك تركت دين آبائك، فرد القرآن عليهم بأن دين الإسلام هو الطريق لنيل كل فوز، والسبب في إدراك كل سعادة، وما فيه الكفرة هو الشقاوة بعينها. (إلا تذكرة لمن يخشى) يعني: أنزلنا تذكرة للناس وإنما ينتفع به من يخاف الله تعالى ويخشى عقابه (ممن خلق الأرض والسموات العلا) فيه ربط بين خلق السماوات والأرض وبين إنزال القرآن، فالذي خلق السماوات والأرض هو الذي أنزل القرآن، وهذا القرآن هو كلامه تبارك وتعالى وليس كلام محمد صلى الله عليه وسلم أو غيره. والسماوات العلى يعني السماوات العالية، وهذا إخبار عن عظمته تعالى وجبروته وجلاله.

1755