التفسير التربويالجزء 1 · ص 1796 - 1803

الآيات 105-107

الآيات 105-107

(105) و (106) و (107) قوله تعالى: (ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا. فيذرها قاعا صفصفا. لا ترى فيها عوجا ولا أمتا). فيه بيان لكمال قدرة الله تعالى حيث ينسف الجبال نسفا فتصبح الأرض قاعا أملسا لا وديان فيه ولا تلال. وفيه ترهيب من قدرة الله تعالى في حال العدول عن الإيمان والتولي عن القرآن. فقوله تعالى: (ويسألونك عن الجبال) يعني: عن حال الجبال يوم القيامة (فقل) فقد جاء هذا بفاء، وكل سؤال في القرآن (قل) بغير فاء إلا هذا، لأن المعنى إن سألوك عن الجبال فقل، فتضمن الكلام معنى الشرط، وقد علم الله أنهم سيسألونه عنها فأجابهم قبل السؤال (ينسفها ربي نسفا) يعني: يطيّرها ربي تطييرا، وقيل: يقلعها قلعا من أصولها ثم يصيرها رملا يسيل سيلا، ثم يصيرها كالصوف المنفوش تطيرها الرياح هكذا وهكذا.(فيذرها) يعني: يذر مواضعها (قاعا صفصفا) وهو الأرض الملساء بلا نبات ولا بناء، وقيل: القاع الصفصف هو القاع المستوي من الأرض. (لا ترى فيها عوجا ولا أمتا) والعوج: الانخفاض، والأمت: الارتفاع، وقيل: (عوجا) واديا (أمتا) رابية. قال القرطبي: «وهذه الآية تدخل في باب الرُقى، ترقى بها الثآليل وهي التي تسمى عندنا البراريق، واحدها بروقة، تطلع في الجسد وخاصة في اليد: تأخذ ثلاث أعواد من تبن الشعير، يكون في طرف كل عود عقدة، تمر كل عقدة على الثآليل وتقرأ هذه الآية مرة، ثم تدفن الأعواد في مكان ندي، فتعفن الأعواد وتعفن الثآليل فلا يبقى لها أثر، جربت ذلك في نفسي وفي غيري فوجدته نافعا إن شاء الله تعالى». قلت: هذا علاج الثآليل بالإيحاء لا يزال يدرس في كليات الطب، ويعمل به الأطباء كوسيلة من الوسائل العلاجية، ولكن العلاج السائد الآن هو الكي البارد بغاز الفحم الثلجي أو بغاز الآزوت السائل.

1796

الآيات 108-110

(108) و (109) و (110) قوله تعالى: (يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا. يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضى له قولا. يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما). فيه بيان لكمال جلال الله وعظمته وجبروته، حيث ينقاد الناس يوم القيامة لأمره وتخشع الأصوات لوجوده فتصبح همسا بحضرته هيبة وجلالا. وفيه تحذير من الاعتماد على الواسطة من أجل الشفاعة، فلا يشفع عند الله إلا من أذن له بذلك، ولا شفاعة لغير المؤمن يوم القيامة. وفيه ترغيب وترهيب من خلال التذكير بعلم الله المطلق الذي لا يخفى عليه خافية، فالإنسان إذا تذكر علم الله تعالى كان ذلك أرغب له في الطاعة وأبعد له عن المعصية. فقوله تعالى: (يومئذ يتبعون الداعي) يريد إسرافيل عليه السلام إذا نفخ في الصور (لا عوج له) يعني: لا معدل لهم عن ندائه فلا يزيغون ولا ينحرفون بل يسرعون إليه ولا يحيدون عنه (وخشعت الأصوات) يعني: ذلت وسكنت (للرحمن) أي من أجله (فلا تسمع إلا همسا) والهمس الصوت الخفي، وقيل: هو صوت وقع الأقدام بعضها على بعض إلى المحشر، وقيل: الهمس تحريك الشفة واللسان، وبناء (هـ م س) أصله الخفاء كيفما تصرف، ومنه الحروف المهموسة، وهي عشرة يجمعها قولك: (حثه شخص فسكت) وإنما سمي الحرف مهموسا لأنه ضعف الاعتماد من موضعه حتى جرى معه النفس. (يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن) يعني: لا تنفع الشفاعة أحدا إلا شفاعة من أذن له الرحمن (ورضى له قولا) يعني: رضي قوله في الشفاعة، وقيل: إنما تنفع الشفاعة لمن أذن له الرحمن في أن يُشفع له، وكان له قول يرضى. (يعلم ما بين أيديهم) يعني: من أمر الساعة (وما خلفهم) من أمر الدنيا، وقيل: يعلم ما يصيرون إليه من ثواب أو عقاب وما خلفوه وراءهم في الدنيا (ولا يحيطون به علما) يعني: لا أحد يحيط بالله علما، لأن الإحاطة مشعرة بالحد والله يتعالى عن الحد والتحديد. وقيل: لا أحد يحيط علما بما يعلمه الله.

1797

الآيات 111-112

(111) و (112) قوله تعالى: (وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما. ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما). فيه بيان أن الناس يوم القيامة يذلون ويخضعون لله تعالى، فمن كان ظالما لنفسه أو لغيره في الدنيا فمصيره الخيبة والخسران في الآخرة، ومن كان مؤمنا عاملا بالصالحات في الدنيا فسيكون له الثواب كاملا يوم القيامة لا يُنقص منه شيء. فقوله تعالى: (وعنت الوجوه) يعني: ذلت وخضعت وخشعت (للحي القيوم) والقيوم: القائم بتدبير الخلق، وقيل: القائم على كل نفس بما كسبت، وقيل: الدائم الذي لا يزول ولا يبيد (وقد خاب من حمل ظلما) يعني: خسر من حمل شركا. (ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن) لأن العمل لا يقبل من غير إيمان (فلا يخاف ظلما) يعني: نقصا لثواب طاعته ولا زيادة عليه في سيئاته (ولا هضما) بالانتقاص من حقه، وقيل: الفرق بين الظلم والهضم: أن الظلم المنع من الحق كله، والهضم المنع من بعضه، والهضم ظلم وإن افترقا من وجه.

1798

الآيات 113-114

(113) و (114) قوله تعالى: (وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا. فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما). فيه تربية على كمال القرآن وأنه كلام الله، فقد نزل بلغة واضحة بيّنة. وفيه ترهيب من يوم القيامة كي تستقيم الحياة في الدنيا. وفيه تربية على تنزيه الله تعالى وتمجيده بصفاته الكاملة في الملك والحق والعلم. وفيه تربية على الحلم والأناة في التعامل مع القرآن. فقوله تعالى: (وكذلك) يعني: كما بينا لك في هذه السورة من البيان (جعلناه قرآنا عربيا) يعني: بلغة العرب (وصرفنا فيه من الوعيد) يعني: بيّنا ما فيه من التخويف والتهديد والعقاب (لعلهم يتقون) يعني: يخافون الله فيجتنبون معاصيه ويحذرون عقابه (أو يحدث لهم ذكرا) يعني: موعظة، وقيل: حذرا وورعا، وقيل: شرفا، فالذكر هنا بمعنى الشرف كقوله: (وإنه لذكر لك ولقومك) (الزخرف: 44). وقيل: ليتذكروا العذاب الذي توعدوا به. (فتعالى الله الملك الحق) لما عرف العباد عظيم نعمه، وإنزال القرآن، نزه نفسه عن الأولاد والأنداد فقال: (فتعالى الله) يعني: جل الله (الملك الحق) يعني: ذو الحق (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه) علم نبيه كيف يتلقى القرآن، قال ابن عباس: كان عليه الصلاة والسلام يبادر جبريل فيقرأ قبل أن يفرغ جبريل من الوحي حرصا على الحفظ، وشفقة على القرآن مخافة النسيان، فنهاه الله عن ذلك وأنزل: (ولا تعجل بالقرآن). وهذا كقوله تعالى: (لا تحرك به لسانك لتعجل به. إن علينا جمعه وقرآنه) (القيامة: 16ـ17). (وقل رب زدني علما) يعني: حفظا وفهما.

1799

الآية 115

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ (طه: 115)

(115) قوله تعالى: (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما). فيه تربية على أنه من طبيعة الإنسان النسيان، وقد اشتق اسمه من ذلك، فناس ونسى بمعنى واحد كطاغ وطغى وجذب وجبذ، والنسيان آفة العلم وآفة الحزم، ولأن من طبيعة الإنسان النسيان فإن الأنبياء جاؤوا مذكرين. فقوله تعالى: (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي) والنسيان هنا من السهو والنسيان، وإنما أخذ الإنسان من أنه عهد إليه فنسي، وقيل: نسي ما عهد الله إليه في ذلك، ولو كان له عزم ما أطاع عدوه إبليس، وعلى هذا القول يحتمل أن يكون آدم عليه السلام في ذلك الوقت مأخوذا بالنسيان، وإن كان النسيان عنا اليوم مرفوعا (من قبل) يعني: من قبل أن يأكل من الشجرة لأنه نهى عنها. وقيل: المراد تسلية النبي صلى الله عليه وسلم، لأن طاعة بني آدم للشيطان أمر قديم، فإن نقض هؤلاء العهد فإن آدم أيضا عهدنا إليه فنسي (ولم نجد له عزما) والعزم المضي على المعتقد في أي شيء كان، وآدم عليه السلام كان يعتقد أن لا يأكل من الشجرة لكن لما وسوس إليه إبليس لم يعزم على معتقده. وقيل: لم نجد له صبرا عن أكل الشجرة، ومواظبة على التزام الأمر. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصا من نور، ثم عرضهم على آدم فقال: أي رب من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك، فرأى رجلا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه فقال: أي رب من هذا؟ فقال: هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له داود، فقال: رب كم جعلت عمره؟ قال: ستين سنة، قال: أي رب زده من عمري أربعين سنة، فلما قضي عمر آدم جاءه ملك الموت فقال: أولم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أولم تعطها ابنك داود. قال: فجحد آدم فجحدت ذريته ونسي آدم فنسيت ذريته وخطئ آدم فخطئت ذريته» (قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح).

1800

الآيات 116-119

(116) و (117) و (118) و (119) قوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى. فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى. إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى. وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى). فيه تحذير من الكبر وهو رفض الحق، لأنه أخرج إبليس من الجنة. وفيه تربية على أن الدنيا دار شقاء للناس لأنها دار ابتلاء، والابتلاء مشقة، فقد حُفت الجنة بالمكاره وحُفت النار بالشهوات. فقوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى) يدل على نعمة التكريم والتفضيل وهي أن الله تعالى فضل الإنسان على الملائكة حتى أمرهم بالسجود لآد وذلك لأن طاعتهم مبنية على الاختيار وليس على الجبلة. ويدل على أن الإصرار على الكبر يؤدي بصاحبه إلى الكفر. (فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة) نهي شرعي ومعناه: لا تقبلا منه فيكون ذلك سببا لخروجكما من الجنة (فتشقى) يعني: أنت وزوجك لأنهما في استواء العلة واحد، ولم يقل: فتشقيا لأن المعنى معروف، وآدم عليه السلام هو المخاطب، وهو المقصود، والشقاء هنا التعب والنصب. (إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى) يعني: في الجنة. (وأنك لا تظمأ فيها) يعني: لا تعطش، والظمأ العطش (ولا تضحى) يعني: تبرز للشمس فتجد حرها، إذ ليس في الجنة شمس، إنما هو ظل ممدود كما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. وقال القرطبي: «لما كان آدم يكد عليها ويكسب لها كان بالشقاء أخص. وقيل: إنما خصه بذكر الشقاء ولم يقل فتشقيا ليعلمنا أن نفقة الزوجة على الزوج، فمن يومئذ جرت نفقة النساء على الأزواج، فلما كانت نفقة حواء على آدم كذلك نفقات بناتها على بني آدم بحق الزوجية. وأعلمنا في هذه الآية أن النفقة التي تجب للمرأة على زوجها هذه الأربعة: الطعام والشراب والكسوة والمسكن، فإذا أعطاها هذه الأربعة فقد خرج إليها من نفقتها، فإن تفضل بعد ذلك فهو مأجور، فأما هذه الأربعة فلا بد لها منها، لأن بها إقامة المهجة. وقال سعيد بن جبير: أهبط إلى آدم ثور أحمر فكان يحرث عليه، ويمسح العرق عن جبينه، فهو شقاؤه الذي قال الله تبارك وتعالى. وقيل: لما أهبط من الجنة كان من أول شقائه أن جبريل أنزل عليه حبات من الجنة، فقال: يا آدم ازرع هذا، فحرث وزرع، ثم حصد ثم درس ثم نقى ثم طحن ثم عجن ثم خبز، ثم جلس ليأكل بعد التعب، فتدحرج رغيفه من يده حتى صار أسفل الجبل، وجرى وراءه آدم حتى تعب وقد عرق جبينه، قال: يا آدم فكذلك رزقك بالتعب والشقاء، ورزق ولدك من بعدك ما كنت في الدنيا».

1801

الآيات 120-122

(120) و (121) و (122) قوله تعالى: (فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى. فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى. ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى). فيه تحذير من الحرص والطمع، فقد سمح الله تعالى لآدم وزوجه بالأكل من سائر أشجار الجنة إلا واحدة، ولم يسع آدم وزوجه كل أشجار الجنة إلى أن أكلا من هذه الواحدة، فهو الحرص والطمع والرغبة في الخلود. وفيه تربية على أن المعصية تورث المذلة، وأن العورة عند الإنسان قبيحة فطرة وطبعا، وأن المعصية من غواية الشيطان. وفيه تربية على رحمة الله تعالى بالناس حين شرع لهم التوبة للخروج من المعصية إلى الهداية. فقوله تعالى: (فوسوس إليه الشيطان قال) يعني: الشيطان (يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى) وهذا يدل على المشافهة، وأنه دخل الجنة بطريقة ما. (فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة) وطفقا يعني: أقبلا وشرعا، وقيل: جعلا يلصقان عليهما ورق التين (وعصى آدم ربه فغوى) قال القرطبي: «قال بعض المتأخرين من علمائنا والذي ينبغي أن يقال: إن الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعض الأنبياء، ونسبها إليهم، وعاتبهم عليها، وأخبروا بذلك عن نفوسهم وتنصلوا منها، واستغفروا منها وتابوا، وكل ذلك ورد في مواضع كثيرة لا يقبل التأويل جملتها، وإن قبل ذلك آحادها، وكل ذلك مما لا يزرى بمناصبهم، وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم على جهة الندور، وعلى جهة الخطأ والنسيان، أو تأويل دعا إلى ذلك، فهي بالنسبة إلى غيرهم حسنات، وفى حقهم سيئات بالنسبة إلى مناصبهم، وعلو أقدارهم، إذ قد يؤاخذ الوزير بما يثاب عليه السائس، فأشفقوا من ذلك في موقف القيامة، مع علمهم بالأمن والأمان والسلامة. وهذا هو الحق. ولقد أحسن الجنيد حيث قال: حسنات الأبرار سيئات المقربين، فهم صلوات الله وسلامه عليهم، وإن كانوا قد شهدت النصوص بوقوع ذنوب منهم، فلم يخل ذلك بمناصبهم، ولا قدح في رتبتهم، بل قد تلافاهم، واجتباهم وهداهم، ومدحهم وزكاهم واختارهم واصطفاهم، صلوات الله عليهم وسلامه». (ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى) فذكر أن الاجتباء والهداية كانا بعد العصيان، وإذا كان هذا قبل النبوة فجائز عليهم الذنوب وجها واحدا، لأن قبل النبوة لا شرع علينا في تصديقهم، فإذا بعثهم الله تعالى إلى خلقه وكانوا مأمونين في الأداء معصومين لم يضر ما قد سلف منهم من الذنوب.

1802

الآيات 123-126

(123) و (124) و (125) و (126) قوله تعالى: (قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم منى هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى. ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى. قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا. قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى). فيه تربية على أنه تعالى تكفل بإنزال الهداية للناس ولم يتركهم يبحثون عنها بعقولهم، وهذه نعمة الهداية. وفيه تربية على أن السعادة في الدنيا ثم في الآخرة تكون باتباع الهداية الإلهية، وأن الشقاء في الدنيا ثم في الآخرة يكون بالإعراض عن الهداية الربانية. وفيه تربية على أن الجزاء من جنس العمل، فمن نسي آيات الله بتركها يُنسى يوم القيامة بتركه في العذاب، ومن تعامى في الدنيا عن آيات الله يُحشر أعمى يوم القيامة. فقوله تعالى: (قال اهبطا منها جميعا) خطاب لآدم وإبليس، ومنها يعني: من الجنة (بعضكم لبعض عدو) يعني: إبليس عدو لآدم، وآدم عدو لإبليس، وهذا يدل على أن قوله: (اهبطا) ليس خطابا لآدم وحواء، لأنهما ما كانا متعاديين (فإما يأتينكم منى هدى) يعني: رشدا وقولا حقا (فمن اتبع هداي) يعني: الرسل والكتب (فلا يضل) في الدنيا (ولا يشقى) في الآخرة. (ومن أعرض عن ذكري) يعني: ديني، وتلاوة كتابي، والعمل بما فيه (فإن له معيشة ضنكا) يعني: عيشا ضيقا، فالمعرض عن الدين مستول عليه الحرص الذي لا يزال يطمح به إلى الازدياد من الدنيا، مسلط عليه الشح، الذي يقبض يده عن الإنفاق، فعيشه ضنك، وحاله مظلمة، وقيل: لا يعرض أحد عن ذكر ربه إلا أظلم عليه وقته وتشوش عليه رزقه، وكان في عيشة ضنك (ونحشره يوم القيامة أعمى) يعني: أعمى على الحقيقة، وقيل: أعمى عن الحجة، وقيل: عن الحيلة في دفع العذاب عن نفسه. (قال رب لم حشرتني أعمى) يعني: بأي ذنب عاقبتني بالعمى (وقد كنت بصيرا) يعني: في الدنيا، وكأنه يظن أنه لا ذنب له. (قال كذلك أتتك آياتنا) يعني: دلالاتنا على وحدانيتنا وقدرتنا (فنسيتها) يعني: تركتها وأعرضت عنها ولم تنظر فيها (وكذلك اليوم تنسى) يعني: تترك في عذاب جهنم.

1803