التفسير التربويالجزء 1 · ص 194 - 202

الآية 223

الآية 223

قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِين﴾ (البقرة: 223)

(1) قوله تعالى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُم). التربية الجنسية في الإسلام تقوم على مبدأ التسامي في الهدف من العلاقة بين الرجل والمرأة، فالجماع ليس هدفا بحد ذاته وإنما هم وسيلة لغاية أعلى وهي إنجاب الذرية الصالحة والحفاظ على النوع البشري، وبالتالي الحفاظ على النسل وامتداد الحياة، ونلمح هذا التسامي في العلاقة من خلال كلمة (حرث)، ففيها تشبيه للمرأة بالأرض فهي موضع الخصب والنماء.

(2) قوله تعالى: (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُم). معناه: للرجل أن يجامع امرأته كيف شاء مقبلة أو مدبرة أو واقفة أو مستلقية ما دام ذلك في الفرج، وله أن يجامع امرأته متى شاء من ليل أو نهار ما لم يكن ذلك في الحيض أو النفاس، وهذا التوسع في المباحات هو من قواعد التربية الإسلامية القائمة على مراعاة الميول الفطرية عند الإنسان، وما حرّمه الإسلام في العلاقة بين الرجل والمرأة فهو مناف للفطرة الإنسانية السليمة.

(3) قوله تعالى: (وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُم). قيل معناه: قدموا العمل الصالح والعبادات والطاعات، وقيل: قدموا لأنفسكم ابتغاء الولد الصالح من الجماع، وقيل: أن ينوي المسلم الطاعة والعبادة من فعل الجماع كما جاء في الحديث: «وفي بُضع أحدكم صدقة» (أحمد)، وقيل معناه: التسمية قبل الجماع لما ورد في الحديث: «لو أنّ أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لا يضره شيطان أبدا» (البخاري). وأيّا كان المقصود من قوله تعالى (وقدموا لأنفسكم)، فإنّ معناه: التسامي بالجماع وتربية المسلم على أنّ هذا الفعل ليس مجرد أداء لشهوة حيوانية، وإنما هو جزء من ناموس كوني خلقه الله وأوجد نظامه، وهو وسيلة لتحقيق هدف أسمى في الحياة.

(4) قوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّه) تحذير وترهيب من مخالفة أحكام الشريعة الإسلامية.

(5) قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوه) ترهيب من العمل الطالح وترغيب في العمل الصالح، لأنه من علم أنه ملاق ربه كان ذلك العلم دافعا له لفعل الخير ومخوّفا له من فعل الشر.

(6) قوله تعالى: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِين) ترغيب في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية بما يلاقيه الإنسان من البشرى له يوم القيامة إن فعل ما أمره الله وانتهى عما نهى الله عنه. والتعقيب على الأحكام التشريعية بالترغيب والترهيب والتذكير بالله والأمر بالتقوى وغير ذلك، له أثر تربوي في حض المؤمنين على تنفيذ هذه الأحكام وتخويفهم من مخالفتها أو ترك العمل بها، وبهذا المنهج يفترق القانون القرآني عن سائر القوانين الوضعية وعن سائر كتب الفقه والقانون التي تذكر فيها الأحكام التشريعية مجردة من ذلك، وهنا نسجل ملاحظة على كتب الفقه الإسلامي نفسها، حيث جرّدت النصوص من كل هذه الإشارات التربوية.

194

الآيات 224-225

قوله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيم﴾ (البقرة: 224-225)

(1) قوله تعالى: (وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ). المدلول التربوي لهذا النص هو ترغيب المسلم في البر والتقوى والإصلاح، أي: فعل الخير مهما كانت الظروف وأيّا كانت الملابسات، حتى لو كان المسلم حلف بالله أن لا يفعل الخير فليكفر عن يمينه وليفعل ما هو خير. وهناك وجه آخر في تفسير هذه الآية وهو: الإقلال من الحلف بالله حتى لو كانت الغاية من الحلف هي البر والتقوى والإصلاح.

(2) قوله تعالى: (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم). هذا ترهيب من ترك فعل الخير وترغيب في فعله، لأنّ معنى (سميع) أي: لما يقال، ومعنى (عليم) أي: لما يُعتقد ولما يُفعل، فلا يخفى على الله خافية، وللرقابة الإلهية دور تربوي أساسي، لأنّ التربية الإسلامية تقوم على وجود هذه الرقابة ودوامها.

(3) قوله تعالى: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُم). اللغو في اليمين هو قول الرجل: لا والله، بلى والله، وهذا من الكلام الشائع عند الناس، ولو آخذ الله الناس بهذه الأقوال، وله أن يفعل ذلك، لكان في ذلك مشقة وعنت، وهذا يدل على رحمة الله بالناس ورأفته بهم، وهنا مسألة لابد من الإشارة إليها وهي اللغو في ألفاظ الكفر بالله أو الرب أو الدين، فهذه يؤاخذ الله بها الناس، والمسلم يخرج من الإسلام بهذه الألفاظ وعليه أن يدخل في الإسلام من جديد، لأنّ الكفر بالله أو الرب أو الدين جدّها جدّ، وهزلها جدّ، ولغوها جدّ.

(4) قوله تعالى: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُم). هذه في اليمين المنعقدة، وقد نصّ القرآن على كفارتها في سورة المائدة حيث قال: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون) (المائدة: 89)، والمراد من المؤاخذة وكذلك الكفارة في اليمين المنعقدة هو تربية المسلم على تعظيم الحلف بالله، والإقلال من هذا الحلف، لأنّ الأصل في الحلف هو أن يحلف المسلم على أمر مهم، وأن لا يحلف إلا مضطرا، ويدخل في هذه الآية اليمين الغموس حيث يتعمد المسلم اليمين ويتعمد الكذب خلافا لليمين المنعقدة حيث يتعمد المسلم اليمين ولا يتعمد الكذب، واليمين الغموس لا كفارة لها وتغمس صاحبها في النار، وقيل فيها التوبة والكفارة.

(5) قوله تعالى: (وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيم). معنى (غفور) هو أنّ الله لا يؤاخذ المسلمين في اليمين اللغو، ولا يؤاخذهم في اليمين المنعقدة إذا كفروا عنها، ولا يؤاخذهم في اليمين الغموس إذا تابوا منها وأصلحوا ما أفسده الكذب ثم كفروا عنها، ومعنى (حليم) هو أنه لا يعجل بعقوبة أهل المعصية ومنها المعصية باليمين المنعقدة واليمين الغموس، وهذه الروابط بين مضمون الآيات وخواتيم الآيات هي من الوسائل التربوية في تأكيد مضمون الآيات.

195

الآيات 226-227

قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيم﴾ (البقرة: 226-227)

(1) الإيلاء: هو الحلف على عدم الجماع، قال ابن عباس رضي الله عنه: «كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ذلك، يقصدون بذلك إيذاء المرأة عند المساءة، فوقّت لهم أربعة أشهر» (القرطبي)، وقال سعيد بن المسيّب: «كان الرجل لا يريد المرأة ولا يحب أن يتزوجها غيره فيحلف أن لا يقربها، فكان يتركها بذلك لا أيما ولا ذات بعل، والغرض منه مضارة المرأة، ثم إنّ أهل الإسلام كانوا يفعلون ذلك أيضا، فأزال الله تعالى ذلك وأمهل الزوج مدة حتى يتروى ويتأمل، فإن رأى المصلحة في ترك هذه المضارة فعلها، وإن رأى المصلحة في المفارقة فارقها» (الرازي).

(2) ولهذا التوقيت في الإيلاء مدلولات تربوية: (أولا) لو ترك الإيلاء من غير توقيت كما هو الحال في الجاهلية لكان في ذلك فساد نفسية المرأة، فقد تتطلع في هذه الحالة إلى غير زوجها الهاجر، ومعنى ذلك أنه لما كانت الغاية من العقوبة هي التربية فيجب أن تكون العقوبة بالقدر الذي يحقق التربية لا بالقدر الذي يسبب الفساد. (ثانيا) ولو ترك الإيلاء من غير توقيت، وحتى لو لم تتطلع المرأة إلى غير زوجها الهاجر، فإنّ في ذلك إيذاء لمشاعر المرأة وإضرار بها، لأنّ ذلك حرمان من حق ديني لها وهو حق الجماع. (ثالثا) لو ألغى الإيلاء وحرمه لتعارض ذلك مع وسيلة تربوية أقرّها الإسلام وهي الهجر في المضاجع (واهجروهنّ في المضاجع) (النساء: 34)، أقرّها الإسلام كإحدى الوسائل لمعالجة النشوز عند الزوجة، وبالتالي يكون تحريم الإيلاء حرمان للزوج من وسيلة تربوية لها أثرها في إصلاح المرأة. (رابعا) ومن الفوائد التربوية للإيلاء المؤقت: اختبار مشاعر الزوجين تجاه بعضهما، وهذه الحالة لا تحصل إلا بالحرمان، وكذلك قد يكون الإيلاء وسيلة للتنفيس عن ثورة الغضب أو حالة السأم والملل عند الزوجين.

(3) قوله تعالى: (فَإِنْ فَاءُوا). الفيء هنا هو الجماع، ولا يكون فيء أي رجوع من دون جماع إلا لصاحب عذر، وكنّى الله تعالى عن الجماع بالفيء لأنه كريم، ومن هنا نقول: يجب على المسلم أن يكنّي اقتداءً بالله وتأسيا بكرمه، فلا يذكر الجماع بلفظه أو بالألفاظ العامية البذيئة لأنّ في ذلك إيذاء للفطرة السليمة، وفيه تحريك للشهوة عند السامعين، وإلهاب لخيال السامعين بالمسائل الجنسية، وكل ذلك حرام لأنه قد يؤدي إلى حرام.

196

الآية 228

قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيم﴾ (البقرة: 228)

(1) قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْن). قدّم الفاعل فصار مبتدأ وأخّر الفعل فصار خبرا، ولم يقل: يتربص المطلقات، وهذا التقديم يفيد التأكيد والقوة، وهو أبلغ في التحقيق ونفي الشبهة، لأنه عندما ابتدأ الكلام فقال (والمطلقات) حصل في العقل شوق إلى معرفة خبرهنّ، فكأنّ العقل يقول ما بالهنّ؟ فيأتي الجواب، ويقبله العقل قبول العاشق للمعشوق، وهذا الأسلوب في البيان وإن كان أسلوبا أدبيا إلا أنّ أثره التربوي لا يخفى على العاقل.

(2) قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْن). أمر جاء في صيغة الخبر، وهو يُشعر بوجوب المسارعة إلى تطبيق الأمر حتى كأنّ الأمر حصل فصار خبرا، وهذا يفيد الثقة في التنفيذ، وهذه المسألة وإن كانت مسألة بلاغية إلا أنّ مدلولها التربوي في ربط العمل بالعلم واضح جدا.

(3) قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِن). ولم يقل: والمطلقات يتربصن ثلاثة قروء، مع أنه لو قال ذلك لكان صحيحا، قال الإمام الرازي: «في ذكر الأنفس تهييج لهنّ على التربص وزيادة بعث، وذلك لأنّ أنفس النساء طوامح إلى الرجال، فأراد أن يقمعن أنفسهن ويغلبنها على الطموح ويجبرنها على التربص». قلت: وهناك مدلول آخر وهو أنّ المرأة المطلقة تطمح إلى الزواج في أقرب وقت وربما من أول خاطب كي تثبت للناس أنّ الخلل الذي أدى إلى الطلاق كان من الزوج ولم يكن منها، أيك لتثبت كفاءتها كزوجة. ثم هناك مدلول ثالث، وهو أنّ المرأة المطلقة تطمح إلى الزواج أكثر من الفتاة التي لم تتزوج بعد ، وذلك لقلة الطلب عليها، ومن هنا احتاجت إلى زيادة تأكيد في لزوم العدة وعدم تجاوزها.

197

(4) قوله تعالى: (ثَلاثَةَ قُرُوء). المراد بذلك عدة المطلقة، ويذكر المفسرون والفقهاء أنّ المراد من العدة هو استبراء الرحم من الحمل، قلت: تعليل العدة باستبراء الرحم من الحمل وإن كان صحيحا فإنه ليس كافيا، ودليل ذلك هو وجوب عدة مماثلة، وهي ثلاثة أشهر، لمن يئست من المحيض بسبب كبر سنها ولمن لم تحض لصغر سنها. ولذلك نقول: هناك مدلول آخر للعدة وهو مدلول تربوي، وهو اختبار مشاعر الزوجين تجاه بعضهما، لأنّ الطلاق يحصل عادة عندما يصل الزوجان أو أحدهما إلى قناعة تامة بأنّ الحياة الزوجية قد تحولت إلى جحيم لا يطاق وأنّ الفراق سيكون نعيما، فإذا حصل الطلاق كانت العدة كي يعيد كل واحد من الزوجين حساباته ويختبر مشاعره تجاه الآخر، فالصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراها إلا المرضى وكذلك النعمة تاج على رؤوس الناس لا يحس بها إلا من فقدها، ويحصل كثيرا أن تتغير نظرة الزوج إلى الزوجة أو العكس أثناء هذا الاختبار، فيقتنع الزوجان أنّ الفراق جحيم وأنّ الرجوع إلى قفص الزوجية هو النعيم، وخاصة أنّ الطلاق يترافق في غالب الأحيان بحالة من الغضب أو اليأس أو الملل أو الانزعاج، ولذلك جعل الإسلام عدّة المطلقة في بيت زوجها. فإن قال قائل: قد تنقضي العدة خلال عشرة أيام عند الحامل المطلقة، فأين القروء الثلاثة أو الأشهر الثلاثة لاختبار المشاعر؟. والجواب على ذلك: إنّ الأمر هنا مختلف، فحصول الوضع خلال مدة يسيرة يُحدث حالة أهم من اختيار المشاعر، وهذه الحالة هي وجود مولود هو ثمرة الزواج، وهذا يحتاج إلى قرار سريع من الرجل، فإما أن يعيد المرأة كي ينمو الطفل في ظل والديه وهو الجو الطبيعي للنمو، وإما أن يقبل بحضانة الأم للولد وفي هذه الحالة سيعيش الولد محروما من الأب في فترة الحضانة ثم سيعيش محروما من الأم في بقية عمره، وهذه الحالة كما قلنا تتطلب القرار السريع ولا مجال لتجربة اختبار المشاعر، وهناك علة أخرى في هذه المسألة وهي: إنّ قدوم المولود سيغير مشاعر الأب ويجعله يعيد الأم إلى عصمته، فإن لم يحصل ذلك فانقضاء العدة أولى، لأنّ اختبار المشاعر حصل هنا بقدوم المولود.

(5) قوله تعالى: (وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ). نلمح في هذا القول أسلوب القرآن الفريد في التربية من خلال الربط بين تطبيق الأحكام الشرعية وبين الإيمان بالله واليوم الآخر، فالإيمان بالله واليوم الآخر هو الضمانة الوحيدة لتطبيق الأحكام الشرعية عند المؤمنين، وخاصة الأحكام التي لا سبيل إلى المجتمع لمعرفتها إلا بإخبار صاحب العلاقة عنها، كما هو الحال هنا في إخبار المرأة المعتدة عن الحيض أو الحمل، وهذا الربط يحمل معنى الترهيب والوعيد، قال الإمام القرطبي: «هذا وعيد عظيم شديد لتأكيد تحريم الكتمان، وإيجاب لأداء الأمانة في الإخبار عن الرحم بحقيقة ما فيه، أي: فسبيل المؤمنات أن لا يكتمن الحق».

198

(6) قوله تعالى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوف). معناه: ولهن من الحقوق مثل الذي عليهن من الواجبات، وهذه قاعدة عظيمة من قواعد التربية، إذ لو كان للمرأة حقوق ولا واجبات عليها لأدى ذلك إلى فساد تربية المرأة بالدلال المفرط، ولو كان على المرأة واجبات ولا حقوق لها لأدى ذلك إلى فساد تربية المرأة بالحرمان المفرط، والتوازن بين الحقوق والواجبات يخلق الشخصية السوية المتوازنة من جميع النواحي.

(7) قوله تعالى: (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَة). قلت: هذه الدرجة هي درجة القوامة، أي: قيام الرجل على تدبير شؤون المرأة وإصلاحها، وهذا يعني إعطاء الرجل الحق في تربية المرأة وإصلاحها، وبغير هذا الحق لا تصلح المرأة ولا يصلح الأولاد، وبالتالي تكف الأسرة عن القيام بدورها التربوي في بناء المجتمع، وهذه الدرجة هي درجة الإمارة والإدارة وهو معنى القوامة.

(8) قوله تعالى: (وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيم). قال الإمام الطبري: ((وإنما توعد الله تعالى ذكره عباده، لتقديمه قبل ذلك بيان ما حرّم عليهم أو نهاهم عنه، من ابتداء قوله: (ولا تنكحوا المشركات) إلى قوله: (وللرجال عليهن درجة) ثم أتبع ذلك بالوعيد ليزدجر أولو الحجى فيتقوا عقابه ويحذروا عذابه)).

199

الآية 229

قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون﴾ (البقرة: 229)

(1) قوله تعالى: (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ). أخرج ابن جرير عن هشام بن عروة عن أبيه قال: ((كان الرجل يطلق ما شاء، ثم إن راجع امرأته قبل أن تنقضي عدتها كانت امرأته. فغضب رجل من الأنصار على امرأته فقال لها: لا أقربك ولا تحلين مني. قالت: كيف؟ قال: أطلقك حتى إذا دنا أجلك راجعتك، ثم أطلقك فإذا دنا أجلك راجعتك، قال: فشطت ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى ذكره: (الطلاق مرتان)) (الطبري).

(2) ولهذا النص في سبب نزول الآية ثلاثة مدلولات تربوية: (أولا) تربية المسلمين على الاستقامة والإخلاص في التعامل مع التشريعات، إذ إنّ تشريع الطلاق لم يوجد أساسا كي يضار الرجل المرأة، وإنما وُجد كحل اجتماعي لمشكلة موجودة، فحين تصل الحياة بين الزوجين إلى الجحيم ويتعذر التفاهم بينهما يكون الحل بالطلاق، ولكن لما أساء أحدهم استعمال هذا الحق ووجه استعماله لإيذاء المرأة أنزل الله تشريعا آخر يحدد مرات الطلاق بعد أن لم يكن لمرات الطلاق عدد. (ثانيا) قوله تعالى: (مرتان) يعني مرة بعد مرة، أي: طلاق ثم عدة ورجعة أثناء العدة أو بعدها، ثم طلاق، ثم رجعة أثناء العدة أو بعدها، ويؤكد ذلك ما صحّ في السنة أنّ الطلاق الموافق للسنة هو أن يطلق الرجل امرأته في طهر لم يجامعها فيه، فإن طلق الرجل امرأته في الحيض أو في طهر جامعها فيه كان الطلاق مخالفا للسنة وصاحبه آثم. ويدل هذا النص على أنّ الطلاق مرتان وليس لفظان أو أكثر، وكذلك ليس عددان أو أكثر، فلو طلق الرجل زوجته فقل لهل: أنت طالق وكرر اللفظ أو ذكر عددا فقد خالف القرآن والسنة، وقد أوقع جمهور الفقهاء هذه الطلاقات المخالفة للسنة عقوبة لصاحبها لأنها لعب بكتاب الله واستهانة بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يوقعها علماء آخرون كابن حزم وابن تيمية وابن القيم لأنها مخالفة للسنة وإن كان صاحبها آثما. (ثالثا) التربية بالأحداث، أي نزول القرآن في معظمه بناء على أحداث كانت تقع في المجتمع الإسلامي وتحتاج إلى حلول، والتربية بالأحداث من الأساليب التربوية التي ميزت هذا المنهج الرباني عن غيره من المناهج.

200

(3) قوله تعالى: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَان). هذا النص إثبات لحق الرجعة، أي أن يراجع الرجل زوجته أثناء العدة، والحكمة التربوية من إثبات حق الرجعة هي ما قاله الإمام الرازي في تفسيره حيث قال: «الحكمة في إثبات حق الرجعة هي أنّ الإنسان ما دام يكون مع صاحبه لا يدري أنه هل تشق عليه مفارقته أم لا ، فإذا فارقه فعند ذلك يظهر، فلو جعل الله الطلقة الواحدة مانعة من الرجوع لعظمت المشقة على الإنسان بتقدير أن تظهر المحبة بعد المفارقة، ثم لما كان كمال التجربة لا يحصل بالمرة الواحدة، فلا جرم أثبت الله تعالى حق المراجعة بعد المفارقة مرتين، وعند ذلك قد جرّب الرجل نفسه في تلك المفارقة، وعرف حال قلبه في ذلك الباب، فإن كان الأصلح إمساكها راجعها وأمسكها بالمعروف، وإن كان الأصلح له تسريحها سرّحها على أحسن الوجوه، وهذا التدريج والترتيب يدل على كمال رحمته ورأفته بعبده».

(4) قوله تعالى: (وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِه). أخرج ابن جرير عن أبي حُريز أنه سأل عكرمة: هل كان للخلع أصل؟ قال: كان ابن عباس يقول: «إنّ أول خلع كان في الإسلام، أخت عبد الله بن أبي، أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، لا يجمع رأسي ورأسه شيء أبدا، إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة، فإذا هو أشدهم سوادا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجها، قال زوجها: يا رسول الله، إني أعطيتها أفضل مالي، حديقة، فإن ردت عليّ حديقتي، قال: ما تقولين؟ قالت: نعم وإن شاء زدته، قال: ففرّق بينهما» (الطبري). ولهذا النص مدلولان تربويان: (الأول) إثبات حق الخلع للمرأة، وذلك بأن تتنازل المرأة لزوجها عن مهرها كله أو بعضه مقابل أن يطلقها، فإن لم يفعل الزوج فرّق بينهما القاضي، وإثبات حق الخلع يدل على مراعاة الإسلام للميول الفطرية عند الإنسان، كما يدل على حل واقعي، فحين تصل العشرة بين الزوجين إلى طريق مسدود فإن لم يفترقا فإنهما سوف يقعان في مخالفة منهج الله وتعاليمه والاعتداء على حدود الله، ولذلك فالفراق هنا رحمة للزوجين. (والثاني) التربية بالأحداث، وهكذا كانت التربية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فلم ينزل القرآن جملة واحدة ثم ترك الناس كي يطبقوا ما فيه من التعاليم، وإنما جاء مفرّقا حسب الحوادث وأسباب النزول، وهذا المنهج أي: التربية بالأحداث من أكثر المناهج نجاحا في التربية وتحقيق الأهداف المرجوة من التعاليم الربانية.

201

(5) قوله تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا). تحذير من الاعتداء، وفي مناسبة الحديث عن الصوم في هذه السورة قال تعالى: (تلك حدود الله فلا تقربوها) أي: تحذير من الاقتراب، فلماذا هذا الاختلاف في التحذير؟. قال صاحب الظلال: «في المناسبة الأولى كان الحديث عن محظورات مشتهاة، والمحظورات المشتهاة شديدة الجاذبية، فمن الخير أن يكون التحذير من مجرد الاقتراب من حدود الله، اتقاءً لضعف الإرادة أمام جاذبيتها إذا اقترب الإنسان من مجالها ووقع في نطاق حبائلها، أما هنا فالمجال مجال مكروهات واصطدامات وخلافات، فالخشية هنا من تعدي الحدود في دفعة من دفعات الخلاف، وتجاوزها وعدم الوقوف عندها، فجاء التحذير من التعدي لا من المقاربة بسبب اختلاف المناسبة، وهي دقة في التعبير من المقتضيات المختلفة عجيبة».

(6) قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون). ترهيب من مخالفة التشريعات السابقة، ووعيد شديد على المخالفة، لأنّ لفظ الظلم بحد ذاته ذمٌ وتصغير وجرى مجرى الوعيد، والمسلم يعلم أنّ الظالم ملعون (ألا لعنة الله على الظالمين) (هود: 18)، وذكر الظلم هنا تنبيه على اللعن، ولذلك فإنّ المسلم إذا علم أنّ تعدي هذه الحدود ظلم كفاه ذلك، فلا يقع في تعدي حدود الله.

202