التفسير التربويالجزء 1 · ص 243 - 250

الآية 273

الآية 273

قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيم﴾ (البقرة: 273)

(1) قوله تعالى: (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّف). ترغيب في التعفف وهو ترك المسألة رغم الحاجة والفاقة، وذلك أنّ المسألة فيها مذلة للسائل وإن اضطر إليها، قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: «أعوزنا مرة فقيل لي: لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته، فانطلقت إليه مُعنقا فكان أول ما واجهني به: من استعفّ أعفه الله، ومن استغنى أغناه الله، ومن سألنا لم ندخر عليه شيئا نجده، قال أبو سعيد فرجعت إلى نفسي فقلت: ألا أستعفّ فيعفني الله، فرجعت، فما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا بعد ذلك من أمر حاجة، حتى مالت علينا الدنيا ففرقتنا إلا من عصم الله» (النسائي). فدل ذلك على الترغيب في ترك المسألة، وذلك أنّ الإنسان قد يصاب بفاقة وفقر إلا أنه يخشى عليه في حال السؤال أن يستسهل هذا الطريق في كسب المال فيتحول إلى عالة على المجتمع، هذا ناهيك عما في السؤال من المذلة وكسر النفس، واعلم يا أخي أنه لا أحد يموت جوعا، لأنّ الله قد تكفل برزق مخلوقاته فقال: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِين) (هود: 6).

(2) قوله تعالى: (تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُم). ومثل ذلك قوله تعالى: (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم) (الفتح: 29)، وقوله تعالى: (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْل) (محمد: 30). وفي هذه الآيات تربية وتعليم للمسلمين على التعامل مع الناس حسب ما يظهر منهم، وهذا منهج الإسلام في التعامل مع الناس على ظاهرهم وترك سرائرهم إلى الله تعالى.

(3) قوله تعالى: (لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافا). هذا تنبيه على سوء حال من يسأل الناس ملحا في المسألة، وقد ورد في السنة النهي عن الإلحاح في المسألة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تلحفوا في المسألة، فوالله لا يسألني أحد منكم شيئا فتخرج له مسألته مني شيئا وأنا له كاره فيُبارك له فيما أعطيته» (مسلم)، وبهذا المعنى رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما أخذ بسيف الحياء فهو حرام».

(4) قوله تعالى: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيم). هذا ترغيب في الإنفاق، وهذه الصيغة أشد ترغيبا من أن يقال: وما تنفقوا من خير فإنّ لكم ثوابه، قال الإمام الرازي: ((إنه تعالى لما رغب في التصدق على المسلم والذمي قال: (وما تنفقوا من خير يوف إليكم) (البقرة: 272)، ثم لما رغب في هذه الآية في التصدق على الفقراء الموصوفين بهذه الأوصاف الكاملة، وكان هذا الإنفاق أعظم وجوه الإنفاقات، لا جرم أردفه بما يدل على عظمة ثوابه فقال: (وما تنفقوا من خير فإنّ الله به عليم)، وهو يجري مجرى ما إذا قال السلطان العظيم لعبده الذي استحسن خدمته: ما يكفيك بأن يكون علمي شاهدا بكيفية طاعتك وحسن خدمتك، فإنّ هذا أعظم وقعا مما إذا قال له: إنّ أجرك واصل إليك)).

243

الآية 274

قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُون﴾ (البقرة: 274)

تضمنت هذه الآية أشد الترغيبات في الإنفاق وذلك لعمومها مقارنة مع سائر آيات الإنفاق، فقوله تعالى: (الذين ينفقون) عام في كل النفقات ولم يخصص نفقة دون نفقة، وقوله تعالى: (أموالهم) عام في كل الأموال فلم يخصص مالا دون مال، وقوله تعالى: (بالليل والنهار سرا وعلانية) يشمل كل حالات الإنفاق، ونلمح عمومية هذه الآية أيضا في الثواب على الإنفاق، فقوله تعالى: (لهم أجرهم عند ربهم) أي: إنّ ثواب الإنفاق محفوظ عند الله لكل من أنفق في سبيله، وقوله تعالى: (ولا خوف عليهم) أي فيما يستقبلونه من أهوال يوم القيامة، وقوله تعالى: (ولا هم يحزنون) أي على ما فاتهم من الدنيا.

244

الآيات 275-276

قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيم﴾ (البقرة: 275-276)

(1) جاء الكلام عن الربا عقب الكلام عن الصدقات وذلك لوجود علاقة تضاد بين الربا والصدقة، وهي أنّ الصدقة إنقاص للمال بسبب أمر الله بذلك والربا زيادة للمال مع نهي الله عن ذلك، وهذا من قبيل التربية بذكر الشيء وذكر ضده.

(2) ونلمح في هذه الآيات أسلوب التربية بالعقوبة الأخروية على أكل الربا، وذلك بالترهيب الشديد والوعيد الأكيد لمن يفعل ذلك، ومن هذه الترهيبات: (أولا) قوله تعالى: (لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَس)، قال سعيد بن جبير: «يُبعث آكل الربا يوم القيامة مجنونا يُخنق» (الطبري). (ثانيا) قوله تعالى: (وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون)، وهذه العقوبة وهي الخلود في النار أشد العقوبات الأخروية على الإطلاق. (ثالثا) قوله تعالى: (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيم)، وعدم محبة الله لآكل الربا عقوبة شديدة، لأنّ من لا يحبه الله لا تحبه الملائكة ولا يحبه المؤمنون ولا يحبه الناس، والمؤمن يكفيه أن يعلم أنّ الله لا يحب فعلا حتى يبادر إلى ترك هذا الفعل وعدم الوقوع به حرصا على محبة الله. (رابعا) قوله تعالى: (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيم)، وتسمية آكل الربا بالكفار والأثيم ترهيب من أكل الربا، سواء كان المقصود بقوله: (كفار) الكفر المعروف في الإسلام وهو الخروج من الملة أم كان المقصود به كفر الجحود للنعم، لأنّ كلا نوعي الكفر له عقوبته يوم القيامة.

(3) قوله تعالى: (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّه). نلمح هنا أسلوب التربية بالموعظة في حمل الناس على ترك أكل الربا، وهذه الموعظة هنا هي النهي عن أكل الربا مع قرن هذا النهي بذكر عقوبة آكل الربا يوم القيامة، وذلك بتشبيهه بالمجنون الذي يُصرع من مسّ الشياطين، ولهذا التشبيه أثر كبير في نفوس السامعين لأنهم كانوا يعاينون هذه الحالة المرضية.

(4) قوله تعالى: (فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَف) ترغيب في ترك أكل الربا والتعامل به وذلك من خلال وعد آكل الربا بعدم محاسبته على ما كان من أكله للربا قبل إسلامه أو قبل تحريم أكل الربا.

245

(5) والحكم التربوية من تحريم الربا، وإن لم ينص عليها القرآن فلنا أن نجتهد في ذلك فنقول: هناك مجموعة من الحكم: (أولها) الحكمة التربوية الأولى هي تربية المسلمين على قاعدة «الثمرة مقابل الجهد»، لأنّ الربا ثمرة من دون جهد، وهذا يشجع أصحاب الأموال على الكسل وترك العمل، وهذا يؤدي إلى انقطاع الحرف والتجارات والصناعات، ولما كانت مصالح الأمة لا تنتظم ولا تقوم إلا بهذه الأشياء فقد حرّم الإسلام الربا. (وثانيها) الحكمة التربوية الثانية هي إيجاد المعروف بين الناس من خلال القرض الحسن، والقروض الربوية تقطع المعروف بين الناس، قال جعفر الصادق رحمه الله: «حرم الله الربا ليتقارض الناس» (القرطبي). (وثالثها) الحكمة التربوية الثالثة من تحريم الربا هي أنّ الربا ينشئ العداوة بين الناس، فالذي يدفع الربا يخسر ماله الذي كسبه بجهده من دون مقابل، وهذا يجعله يبغض آكل الربا. (ورابعها) الحكمة التربوية الرابعة من تحريم الربا هي التفكك الاجتماعي الذي يصيب المجتمعات الربوية وتحولها إلى مجتمعات فيها طبقتين يسود بينهما الصراع والتناقض، وهذا يفضي إلى الدمار والهلاك، وهذا يتعارض مع مبادئ الإسلام التي تقوم على الأخوة بين المؤمنين والتكافل الاجتماعي والتضامن والمحبة والوئام.

(6) قوله تعالى: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا). ترهيب ووعيد على أكل الربا وذلك بمحقه وإزالته في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإنّ الربا وإن كثر فعاقبته إلى زوال لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الربا وإن كثر فإلى قِل» (ابن ماجة)، وأما في الآخرة فإنّ الله لا يقبل من مال الربا صدقة ولا جهادا ولا حجا ولا صلة رحم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله طيّب لا يقبل إلا طيّبا» (مسلم).

(7) قوله تعالى: (وَيُرْبِي الصَّدَقَات). ترغيب ووعد لمن يتصدق بماله بانّ صدقته إلى زيادة في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإنّ الصدقة إنفاق للمال كما أمر الله والله يخلف على المنفق لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الملك ينادي كل يوم: اللهم أعط منفقا خلفا، اللهم أعط ممسكا تلفا» (البخاري)، وأما في الآخرة فإنّ الله تكفل بإنماء الصدقة وزيادتها منذ أن يتصدق بها المسلم إلى أن يلقى الله يوم القيامة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله تعالى يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره أو فلُوّه حتى إنّ اللقمة لتصير مثل أحد» (الترمذي). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه» (مسلم)، فمع أنّ الملعونين في الربا خمسة فإنّ آيات القرآن خصّت بالكلام آكل الربا، وذلك أنّ مؤكل الربا لا يكون راضيا بذلك وإنما ألجأته الحاجة إلى ذلك، وأما الكاتب والشاهدين فقد لا يكون لهم علم بالربا كأن تكون الكتابة والشهادة على دين والاتفاق على الربا بين الآكل والمؤكل خارج عقد الدين، فخصّ الآكل دون المؤكل للرضا، وخصّ الآكل دون الكاتب والشاهد للعلم، وهذه حكمة تربوية تؤخذ من النصوص.

246

(8) قوله تعالى: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ. ترهيب من جحود النعمة وذلك بتسمية آكل الربا كفارا أثيما، قال ابن كثير في التفسير: «ولابد من مناسبة في ختم هذه الآية بهذه الصفة وهي أنّ المرابي لا يرضى بما قسم الله له من الحلال، ولا يكتفي بما شرع له من الكسب المباح، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل بأنواع المكاسب الخبيثة، فهو جحود لما عليه من النعمة، ظلوم آثم بأكل أموال الناس بالباطل».

247

الآية 277

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُون﴾ (البقرة: 277)

(1) نلمح هنا وقفة تربوية في تحديد العلاقة بين هذه الآية والآيات السابقة في الربا، وفيها تبيان لماذا تخللت هذه الآية، ومضمونها الإيمان بالله والعمل الصالح والصلاة والزكاة، بين آيات الربا؟. قال الإمام الرازي في تفسيره: «اعلم أنّ عادة الله في القرآن مطردة بأنه تعالى مهما ذكر وعيدا ذكر بعده وعدا، فلما بالغ ههنا في وعيد المرابي أتبعه بهذا الوعد»، وقال صاحب الظلال: «وفي الصفحة المقابلة لصفحة الكفر والإثم، والتهديد الساحق لأصحاب منهج الربا ونظامه، يعرض صفحة الإيمان والعمل الصالح وخصائص الجماعة المؤمنة في هذا الجانب، وقاعدة الحياة المرتكزة إلى النظام الآخر، نظام الزكاة المقابل لنظام الربا».

(2) قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات). خصّ العمل الصالح من الإيمان مع أنّ العمل الصالح جزء من الإيمان لتبيان أهميته، فهو الجزء الذي يلمسه الناس وينتفعون به، وهو الدليل على صدق الإيمان أو عدمه، فليس الإيمان بالتمني والتحلي ولكن هو ما وقر في القلب وصدقه العمل، ومنهج التربية يقوم على ربط العمل بالعلم والقرن بينهما، ومن دون العمل لا نقول هناك تربية، لأنّ التربية ليست مجرد أفكار وآراء يحملها المؤمن ولا مصداق لها من عمل مشهود.

(3) قوله تعالى: (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاة). هنا أيضا خصّ بالذكر الصلاة والزكاة من بين الأعمال الصالحة، مع أنّ الأعمال الصالحة تتضمن الصلاة والزكاة، وذلك للتنبيه إلى شرف الصلاة والزكاة وقدرهما ومنزلتهما من بين سائر أعمال الإيمان، إذ هما رأس الأعمال، فالصلاة رمز لأعمال البدن، والزكاة رمز لأعمال المال، والجهاد رمز لأعمال البدن والمال.

(4) قوله تعالى: (لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِم) أقوى في الترغيب من أن يقال: عند ربهم أجرهم، فالأول يجري مجرى البيع بالنقد والثاني يجري مجرى البيع بالنسيئة، والأول أقوى وأبلغ.

(5) قوله تعالى: (وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُون). قال ابن عباس رضي الله عنه: «لا خوف عليهم: فيما يستقبلونه من أهوال يوم القيامة، ولا هم يحزنون: بسبب ما تركوه في الدنيا» (ابن كثير)، وقال الرازي: «فإنّ المنتقل من حالة إلى حالة أخرى فوقها، ربما يحزن على ما فاته من الأحوال السالفة، وإن كان مغتبطا بالثانية لأجل إلفه وعادته، فبيّن تعالى أنّ هذا القدر من الغصة لا يلحق أهل الثواب والكرامة».

248

الآيات 278-279

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُون﴾ (البقرة: 278-279)

(1) قوله تعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا) ترغيب في ترك الربا وذلك من خلال ربط ترك الربا بتقوى الله والخوف منه والخشية من عقابه.

(2) قوله تعالى: (وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين). يدل على قاعدة تربوية قرآنية وهي ربط التشريع بالإيمان، فمن لا يترك الربا متهم في إيمانه، وكذلك من يترك الشريعة فلا يعمل بما أمر الله ولا ينتهي عما نهى الله عنه مشكوك في إيمانه، وقاعدة ربط التشريع بالإيمان قاعدة هامة ولها مفعولها التربوي الأكيد في حال كون الإيمان موجودا عند الإنسان، وهي ترشد إلى منهج التربية القرآنية القائم على الدعوة إلى الإيمان وتثبيت هذا الإيمان وتقويته في قلب صاحبه، ثم الدعوة إلى تطبيق أحكام الشريعة مع قرن هذه الدعوة إلى تطبيق الأحكام بالإيمان.

(3) قوله تعالى: وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا. قال الإمام الطبري: «نزلت في قوم أسلموا وله على قوم أموال من ربا كانوا أربوه عندهم، فكانوا قد قبضوا بعضه منهم وبقي بعض، فعفا الله جلّ ثناؤه لهم عما كانوا قبضوه قبل نزول هذه الآية، وحرم عليهم اقتضاء ما بقي منه». والمدلول التربوي لهذه الآية هو تربية المسلمين على التطبيق الفوري والتنفيذ المباشر لأحكام الشريعة بمجرد علمهم بها، وكذلك الحال فيمن يسلم فإنه يسامح بما أخذ من الربا في الجاهلية ويبطل الإسلام كل ما له من الربا على الناس، وأما رأس المال فهو له.

(4) قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِه). ترهيب شديد من الإقامة على أكل الربا لأنّ ذلك يتضمن العقوبات التربوية التالية: (أولا) التربية بالعقوبة الدنيوية، وذلك أنّ المقيم على أكل الربا يقتل إن لم يتب وذلك بعد استتابته، قال ابن عباس رضي الله عنه: «من كان مقيما على الربا لا ينزع عنه فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع وإلا ضرب عنقه» (الطبري). (ثانيا) التربية بالعقوبة الأخروية، وذلك أنّ آكل الربا يدعى إلى الحرب مع الله ورسوله يوم القيامة، قال ابن عباس رضي الله عنه: «يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب» (الطبري). (ثالثا) الحرب من الله ليست فقط بتسليط الإمام المسلم على أكلة الربا لإقامة الحد عليهم، بل هناك الحرب الخفية بتسليط بعضهم على بعض، وبمحق البركة من أموالهم، وبفساد النفوس وشيوع الفقر وانهيار الأخلاق في المجتمعات الربوية. (رابعا) قوله تعالى: (بحرب) نكرة، وتنكير الحرب يدل على تعظيمها، وكذلك إضافتها إلى الله (من الله) يدل على تعظيمها.

(5) قوله تعالى: (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُم). ترغيب في التوبة من أكل الربا بالإبقاء على رأس المال لصاحب الدين، ولو شاء الله لما أبقى على رأس المال وخاصة أنّ رأس المال كان الوسيلة للحصول على الربا، ولكن رحمة الله بالناس كبيرة، فليستشعرها المؤمن كما استشعرها صاحب رأس المال.

(6) قوله تعالى: (لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُون). يدل على أنّ أحكام الله تقوم على العدل، فأخذ الزيادة على رأس المال ظلم للمدين، وإنقاص رأس المال ظلم للدائن، ومن هنا واجب الدعاة تربية الناس على العدل.

249

(7) قوله تعالى: (فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِه). يرى الإمام مالك رحمه الله أنّ الربا أشر ما يدخل جوف الإنسان حتى أنه أشر من الخمر، قال القرطبي: «ذكر ابن بكير قال: جاء رجل إلى مالك بن أنس فقال: يا أبا عبد الله، إني رأيت رجلا سكرانا يتعاقر يريد أن يأخذ القمر، فقلت: امرأتي طالق إن كان يدخل جوف ابن آدم أشر من الخمر، فقال مالك: ارجع حتى أنظر في مسألتك، فأتاه من الغد فقال: ارجع حتى أنظر في مسألتك، فأتاه من الغد فقال له: امرأتك طالق، إني تصفحت كتاب الله وسنة نبيه فلم أر شيئا أشر من الربا، لأنّ الله أذن فيه بالحرب».

250