الآية 273
قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيم﴾ (البقرة: 273)
(1) قوله تعالى: (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّف). ترغيب في التعفف وهو ترك المسألة رغم الحاجة والفاقة، وذلك أنّ المسألة فيها مذلة للسائل وإن اضطر إليها، قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: «أعوزنا مرة فقيل لي: لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته، فانطلقت إليه مُعنقا فكان أول ما واجهني به: من استعفّ أعفه الله، ومن استغنى أغناه الله، ومن سألنا لم ندخر عليه شيئا نجده، قال أبو سعيد فرجعت إلى نفسي فقلت: ألا أستعفّ فيعفني الله، فرجعت، فما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا بعد ذلك من أمر حاجة، حتى مالت علينا الدنيا ففرقتنا إلا من عصم الله» (النسائي). فدل ذلك على الترغيب في ترك المسألة، وذلك أنّ الإنسان قد يصاب بفاقة وفقر إلا أنه يخشى عليه في حال السؤال أن يستسهل هذا الطريق في كسب المال فيتحول إلى عالة على المجتمع، هذا ناهيك عما في السؤال من المذلة وكسر النفس، واعلم يا أخي أنه لا أحد يموت جوعا، لأنّ الله قد تكفل برزق مخلوقاته فقال: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِين) (هود: 6).
(2) قوله تعالى: (تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُم). ومثل ذلك قوله تعالى: (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم) (الفتح: 29)، وقوله تعالى: (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْل) (محمد: 30). وفي هذه الآيات تربية وتعليم للمسلمين على التعامل مع الناس حسب ما يظهر منهم، وهذا منهج الإسلام في التعامل مع الناس على ظاهرهم وترك سرائرهم إلى الله تعالى.
(3) قوله تعالى: (لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافا). هذا تنبيه على سوء حال من يسأل الناس ملحا في المسألة، وقد ورد في السنة النهي عن الإلحاح في المسألة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تلحفوا في المسألة، فوالله لا يسألني أحد منكم شيئا فتخرج له مسألته مني شيئا وأنا له كاره فيُبارك له فيما أعطيته» (مسلم)، وبهذا المعنى رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما أخذ بسيف الحياء فهو حرام».
(4) قوله تعالى: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيم). هذا ترغيب في الإنفاق، وهذه الصيغة أشد ترغيبا من أن يقال: وما تنفقوا من خير فإنّ لكم ثوابه، قال الإمام الرازي: ((إنه تعالى لما رغب في التصدق على المسلم والذمي قال: (وما تنفقوا من خير يوف إليكم) (البقرة: 272)، ثم لما رغب في هذه الآية في التصدق على الفقراء الموصوفين بهذه الأوصاف الكاملة، وكان هذا الإنفاق أعظم وجوه الإنفاقات، لا جرم أردفه بما يدل على عظمة ثوابه فقال: (وما تنفقوا من خير فإنّ الله به عليم)، وهو يجري مجرى ما إذا قال السلطان العظيم لعبده الذي استحسن خدمته: ما يكفيك بأن يكون علمي شاهدا بكيفية طاعتك وحسن خدمتك، فإنّ هذا أعظم وقعا مما إذا قال له: إنّ أجرك واصل إليك)).