التفسير التربويالجزء 1 · ص 2775 - 2782

الآية 16

الآية 16

(16) قوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد). فيه تربية على الاستدلال بخلق الإنسان أول مرة على خلقه المرة الثانية للبعث، وأن الإقرار بالخلق الأول يوجب الإقرار بالخلق الثاني، والعرب كانوا يؤمنون بالخلق الأول ولكنهم يستبعدون الثاني شكا في قدرته تعالى. وفيه استدلال على قدرته تعالى من خلال بيان كمال علمه تعالى، لأن كمال العلم يوجب كمال القدرة وكذلك كمال القدرة توجب كمال العلم. فقوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان) يعني: الناس (ونعلم ما توسوس به نفسه) يعني: ما يختلج في سره وقلبه وضميره، والوسوسة حديث النفس بمنزلة الكلام الخفي، وفي هذا زجر عن المعاصي التي يستخفي بها الناس (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) وهو حبل العاتق، وهو ممتد من ناحية حلقه إلى عاتقه، وهما وريدان عن يمين وشمال، والحبل هو الوريد فأضيف إلى نفسه لاختلاف اللفظين. وقيل: الوريد هو الوتين وهو عرق معلق بالقلب، وهذا تمثيل للقرب، أي نحن أقرب إليه من حبل وريده الذي هو منه، وليس على وجه قرب المسافة.

2775

الآيات 17-18

(17) و (18) قوله تعالى: (إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد. ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد). فيه تربية على أن الإنسان لم يترك سدى، وذلك لأن الله أقام كتبة على الناس وليس له غفلة عنهم، ولو بدر من الكتبة تقصير، وهذا محال، فإنه تعالى أقرب إلى الناس وأشد إقبالا عليهم، فهو أقرب إليهم من عروقهم الدموية المخالط لهم. فقوله تعالى: (إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد) يعني: نحن أقرب إليه من حبل وريده حين يتلقى المتلقيان، وهما الملكان الموكلان به، أي نحن أعلم بأحواله فلا نحتاج إلى ملك يخبر، ولكنهما وكلا به إلزاما للحجة، وتوكيدا للأمر عليه، وقال: (قعيد) ولم يقل قعيدان وهما اثنان، لأن المراد عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد فحذف الأول لدلالة الثاني عليه. (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) يعني: ما يتكلم بشيء إلا كتب عليه، مأخوذ من لفظ الطعام وهو إخراجه من الفم. والرقيب: المتتبع للأمور، وقيل: الحافظ، وقيل: الشاهد. والعتيد: الحاضر الذي لا يغيب، وقيل: الحاضر المهيأ إما للحفظ وإما للشهادة.

2776

الآية 19

(19) قوله تعالى: (وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد). فيه تربية لكل السامعين وخاصة المنكرين ليوم القيامة من ساعة الاحتضار التي يهربون منها بأن يؤمنوا بها ويستعدوا لها كي لا يقعوا في أهوالها، لأنها فتنة الموت، فكما كان للحياة فتنة فإن للموت فتنة. ومن هنا ورد في الأدعية النبوية التعوذ من خمس: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا، ومن فتنة الممات، ومن فتنة المسيح الدجال. فقوله تعالى: (وجاءت سكرة الموت بالحق) يعني: غمرته وشدته، فالإنسان مادام حيا تكتب عليه أقواله وأفعاله ليحاسب عليها، ثم يجيئه الموت وهو ما يراه عند المعاينة من ظهور الحق فيما كان الله تعالى وعده أو أوعده. وقيل: الحق هو الموت سمي حقا إما لاستحقاقه وإما لانتقاله إلى دار الحق، فعلى هذا يكون في الكلام تقديم وتأخير، وتقديره: وجاءت سكرة الحق بالموت، وكذلك في قراءة أبي بكر وابن مسعود رضي الله عنهما. وفي الصحيح عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت بين يديه ركوة فيها ماء فجعل يدخل يديه في الماء، فيمسح بهما وجهه ويقول: ﴿لا إله إلا الله، إن للموت سكرات﴾ ثم نصب يده فجعل يقول: «في الرفيق الأعلى» حتى قبض ومالت يده. (البخاري). وقوله: (ذلك ما كنت منه تحيد) يعني: يقال لمن جاءته سكرة الموت ذلك ما كنت تفر منه وتميل عنه.

2777

الآيات 20-22

(20) و (21) و (22) قوله تعالى: (ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد. وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد. لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد). فيه تربية وتحذير من النفخة الثانية بعد أن حذر في الآية السابقة من النفخة الأولى، وهي فتنة النار بالنسبة للكافرين لأن ذلك اليوم هو يوم وعيد لهم ويوم وعد بالنسبة للمؤمنين. وفيه بيان أن لكل إنسان سائق يسوقه إلى مقعده في الجنة أو في النار، وشتان بين السوقين، كما لكل نفس شهيد من الملائكة يشهد عليه إن خيرا فخير وإن شرا فشر. وفيه بيان أن الإنسان غافل عن الأحوال والأهوال يوم القيامة، فأما الكافر فمعلوم الدخول في هذا الحكم وأما المؤمن فإنه يزداد علما ويظهر له ما كان مخفيا عنه ويرى علمه يقينا رأى المعتبر يقينا، فليس من سمع كمن رأى. فقوله تعالى: (ونفخ في الصور) هي النفخة الآخرة للبعث (ذلك يوم الوعيد) الذي وعده الله للكفار أن يعذبهم فيه. (وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد) والسائق: من الملائكة، والشهيد: من أنفسهم الأيدي والأرجل. وقيل: السائق الملك، والشهيد العمل. وقيل: السائق والشهيد ملكان. (لقد كنت في غفلة من هذا) يعني: لقد كنت أيها الإنسان في غفلة عن أن كل نفس معها سائق وشهيد، لأن هذا لا يعرف إلا بالنصوص الإلهية (فكشفنا عنك غطاءك) يعني: عماك، وهذا وقت العرض في القيامة (فبصرك اليوم حديد) قيل: المراد به بصر العين وهو الظاهر أي بصر عينك اليوم قوي نافذ يرى ما كان محجوبا عنك، وقيل: المراد به بصر القلب، كما يقال هو بصير بالفقه، فبصيرة القلب تبصره شواهد الأفكار ونتائج الاعتبار، كما تبصر العين ما قابلها من الأشخاص والأجسام.

2778

الآيات 23-26

(23) و (24) و (25) و (26) قوله تعالى: (وقال قرينه هذا ما لدي عتيد. ألقيا في جهنم كل كفار عنيد. مناع للخير معتد مريب. الذي جعل مع الله إله آخر فألقياه في العذاب الشديد). فيه تربية من خلال القرين من الملائكة الذي يشهد على صاحبه يوم القيامة وتكون شهادته حكما وقضاء بدخول الكافر إلى النار. وفيه تحذير من العناد لأنه السبب في الكفر في كثير من الحالات. وفيه تحذير من منع الواجب في المال وهو البخل. وفيه تحذير من الاعتداء على الآخرين. وتحذير من الريبة والشك في حقائق الإيمان وفي اليقين بالآخرة لأنه الأساس في ترك الطاعات وفعل المعاصي. وفيه تحذير من الشرك باعتباره يستوجب عقوبات إضافية وخاصة في النار بعد الإلقاء فيها. فقوله تعالى: (وقال قرينه) يعني: الملك الموكل به (هذا ما لدى عتيد) يعني: هذا ما عندي من كتابة عمله معد محفوظ. (ألقيا في جهنم) قيل: هو من كلام الله، وقيل: هو من كلام القرين الملكي (كل كفار عنيد) يعني: معاند، وقيل: العنيد المعرض عن الحق. (مناع للخير) يعني: الزكاة المفروضة وكل حق واجب (معتد) يعني: ظالم في منطقه وسيرته وأمره (مريب) يعني: شاك في التوحيد. (الذي جعل مع الله إلها آخر) يعني: مشرك في الإلهية والعبادة (فألقياه العذاب الشديد) تأكيد للأمر الأول.

2779

الآيات 27-29

(27) و (28) و (29) قوله تعالى: (قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد. قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد. ما يبدل القول لدي وما أنا بظالم للعبيد). وفيه تربية من خلال التحذير من القرين الشيطاني الذي يتبرأ من صاحبه الإنسي مؤكدا أنه لم يكن سببا في إغوائه وأنه كان من الغاوين. وفيه تقرير من الله تعالى للمنع من الاختصام بين الكافر والشيطان وبيان لعدم فائدته، كأنه تعالى يقول: قد قلت إنكم إذا اتبعتم الشيطان تدخلون النار وقد اتبعتموه. وفيه تربية على أنه لا خلف في وعيد الله تعالى كما لا إخلاف في وعد الله، فكل ما ورد في القرآن من الوعيد فهو واقع لا محالة، وكل ما ورد من القرآن من الوعد فهو منجز وموفى لأصحابه. فقوله تعالى: (قال قرينه ربنا ما أطغيته) يعني: الشيطان الذي قيض لهذا الكافر العنيد تبرأ منه وكذبه (ولكن كان في ضلال بعيد) يعني: كان طاغيا باختياره بعيدا عن الحق، وإنما دعوته فاستجاب لي. (لا تختصموا لدي) يعني: الكافرين وقرناءهم من الشياطين (وقد قدمت إليكم بالوعيد) يعني: أرسلت الرسل. (ما يبدل القول لدي) قيل: هو قوله: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها) وقيل: هو قوله: (لأملان جهنم من الجنة والناس أجمعين) وقوله تعالى: (وما أنا بظلام للعبيد) يعني: ما أنا بمعذب من لم يجرم.

2780

الآية 30

(30) قوله تعالى: (يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد). فيه تحذير للكافرين من النار، وفيه تحذير لأصحاب الكبائر من المؤمنين من النار من خلال البيان بأنها ليست كنار الدنيا وإنما هي نار عاقلة تطلب المزيد ولا تكتفي، فهي تتميز من الغيظ على الكفار فتطلبهم، ثم يبقى فيها موضع لأصحاب الكبائر من المؤمنين، فتطلب جهنم امتلاءها لظنها بقاء أحد من الكفار خارجا، فيدخل العاصي من المؤمنين، فيبرد إيمانه حرارتها، ويسكن يقينه غيظها فتسكن. وقد ورد في الأحاديث أن جهنم تطلب الزيادة حتى يضع الجبار قدمه فيها فتكف عن الطلب. فقوله تعالى: (يوم) يعني: وأنذرهم يوم، وقيل: واذكر يوم (نقول لجهنم هل امتلأت) لما سبق من وعده إياها أنه يملؤها. وهذا الاستفهام على سبيل التصديق لخبره، والتحقيق لوعده، والتقريع لأعدائه، والتنبيه لجميع عباده (وتقول) جهنم (هل من مزيد) استفهام بمعنى الاستزادة، أي هل من مزيد فأزداد؟ وقيل: استفهام بمعنى النفي، يعني: ما بقي في موضع للزيادة. وإنما صلح هذا للوجهين، لأن في الاستفهام ضربا من النفي. وفي البخاري ومسلم والترمذي عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد، حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط، بعزتك وكرمك. ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة».

2781

الآيات 31-35

(31) و (32) و (33) و (34) و (35) قوله تعالى: (وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد. هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ. من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب. ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود. لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد). في الترتيب التربوي لهذه الآيات نقول: بدأ تعالى ببيان إكرام المؤمنين المتقين فقال: (وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد) ولم يقل: اقترب المتقون من الجنة بيانا للإكرام حيث جعلهم ممن تنقل إليهم الجنان بما فيها من الأمور الحسان. ثم قال لهم هذا لكم جزاء على أعمالكم الصالحة: (هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ) فإن تصرف المالك الذي ملك شيئا بعوض أتم فيه من تصرف من ملك بغير عوض، لإمكان الرجوع في التمليك بغير عوض. ثم زاد في الإكرام بقوله: (ادخلوها بسلام) لأن من فتح بابه للناس ولم يقف ببابه من يرحب بالداخلين لا يكون قد أتى بالإكرام التام. ثم قال: (ذلك يوم الخلود) فلا تخافوا ما لحقكم من قبل حيث أخرج أبويكم منها، فهذا دخول لا خروج بعده منها. ثم لما بيّن أنهم فيها خالدون قال: (لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد) فلا تخافوا انقطاع أرزاقكم وبقاءكم في حاجة كما كنتم في الدنيا، بل لكم الخلود ولا ينفد ما تتمتعون به، فلكم ما تشاؤون في أي وقت تشاؤون، وإلى الله المنتهى حيث الزيادة التي لا يعلمها إلا هو. فقوله تعالى: (وأزلفت الجنة للمتقين) يعني: قربت منهم، وقيل: هذا في الدنيا، أي قربت من قلوبهم حين قيل لهم اجتنبوا المعاصي، وقيل: هذا في الآخرة، قربت لهم مواضعهم فيها فلا تبعد (غير بعيد) أي منهم وهذا تأكيد. (هذا ما توعدون) يعني: يقال لهم هذا الجزاء الذي وعدتم في الدنيا على ألسنة الرسل (لكل أواب حفيظ) الأواب: الرجاع إلى الله عن المعاصي، وقيل: الأواب المسبح من قوله: (يا جبال أوبي معه) والحفيظ: هو الذي حفظ ذنوبه حتى يرجع عنها، وقيل: حفيظ لما استودعه الله من حقه ونعمته، وقيل: الحفيظ هو الحافظ لأمر الله. (من خشي الرحمن بالغيب) والخشية بالغيب أن تخافه ولم تره، وقيل: في الخلوة حين لا يراه أحد (وجاء بقلب منيب) يعني: مقبل على الطاعة. (ادخلوها) يعني: يقال لأهل هذه الصفات: (بسلام) يعني: بسلام من العذاب، وقيل: بسلام من زوال النعم (ذلك يوم الخلود) يعني: اليوم الذي لا موت فيه. (لهم ما يشاؤون فيها) يعني: ما تشتهيه أنفسهم وتلذ أعينهم (ولدينا مزيد) من النعم مما لم يخطر على بالهم، وقيل: المزيد النظر إلى وجه الله تعالى.

2782