التفسير التربويالجزء 1 · ص 2848 - 2855

الآيات 6-8

الآيات 6-8

(6) و (7) و (8) قوله تعالى: (فتول عنهم يوم يدع الداعي إلى شئ نكر. خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر. مهطعين إلى الداعي يقول الكافرون هذا يوم عسر). فيه تربية على أن من ينصح شخصا ويقيم عليه الحجة ولا يؤثر فيه النصح ولا يستفيد من الحجة، يعرض عنه ولا يجادله بالكلام، وذلك بانتظار وقوع الحق يقينا على أرض الواقع. وفيه وعيد للكافرين المكذبين بالرسل بما يحصل لهم يوم القيامة، فهو يوم منكر بالنسبة لهم وكذلك هو يوم فيه خوفهم وذلتهم، وفيه صغارهم وعسرتهم. فقوله تعالى: (فتول عنهم) يعني: أعرض عنهم فقد أقمت الحجة، وقيل: هو تمام الكلام، ثم قال: (يوم يدع الداعي) يعني: وأبصرهم يوم يدعو الداعي، وهو إسرافيل عليه السلام (إلى شئ نكر) وهو الأمر العظيم يوم القيامة حيث ينالهم العذاب الشديد. (خشعا أبصارهم) والخشوع في البصر: الخضوع والذلة، وأضاف الخشوع إلى الأبصار لأن أثر العز والذل يتبين في ناظر الإنسان (يخرجون من الأجداث) يعني: القبور، واحدها: جدث (كأنهم جراد منتشر) يعني: له جهة يقصدها، وأما المبثوث: فبعضه في بعض ولا جهة له يقصدها. فهما صفتان في وقتين مختلفين، أحدهما: عند الخروج من القبور، يخرجون فزعين لا يهتدون أين يتوجهون، فيدخل بعضهم في بعض، فهم حينئذ كالفراش المبثوث بعضه في بعض لا جهة له يقصدها، والثاني: إذا سمعوا المنادي قصدوه فصاروا كالجراد المنتشر، لأن الجراد له جهة يقصدها. (مهطعين) يعني: مقبلين بسرعة، يقال: هطع الرجل إذا أقبل على الشيء ببصره لا يقلع عنه (إلى الداعي) وهو إسرافيل (يقول الكافرون هذا يوم عسر) يعني: يوم القيامة لما ينالهم فيه من الشدة.

2848

(9ـ 17) قوله تعالى: (كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر. فدعا ربه أني مغلوب فانتصر. ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر. وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر. وحملناه على ذات ألواح ودسر. تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر. ولقد تركناها آية فهل من مدكر. فكيف كان عذابي ونذر. ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر). فيه تهوين وتسلية لقلب محمد صلى الله عليه وسلم فإن حاله كحال نوح عليه السلام فيما حصل له من التكذيب والاتهام بالجنون والزجر عن تبليغ الحق والدعوة إليه. وفيه تربية على طلب النصرة من الله تعالى خاصة في حال اليأس من إيمان القوم. وفيه بيان أنه تعالى يستجيب لرسله في دعوتهم فينصرهم ويهزم قومهم ولكن في الوقت الذي يراه مناسبا وهو الوقت الذي تتحقق فيه شروط النصر. وذكر السفينة بأوصافها دون اسمها تعظيما لأمرها وتفخيما لشأنها. وفيه تربية بالعبرة من خلال ترك هذه الحادثة أو آثارها آية للناس. وفيه تعظيم لأمر القرآن لأنه حفظ للناس هذه الأحداث وذكرها لهم بعد آلاف السنين، فهو الكتاب الذي لا تنفد عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد، وكلما تدبره القلب عاد منه بزاد جديد ، وكلما صحبته النفس زادت له ألفة وبه أنسا. فقوله تعالى: (كذبت قبلهم قوم نوح) ذكر جملا من وقائع الأمم الماضية تأنيسا للنبي صلى الله عليه وسلم وتعزية له (قبلهم) يعني: قبل قومك (فكذبوا عبدنا) يعني: نوحا (وقالوا مجنون) يعني: هو مجنون (وازدجر) يعني: زجر عن دعوى النبوة بالسب والوعيد بالقتل. (فدعا ربه) يعني: دعا عليهم حينئذ نوح وقال: رب (أنى مغلوب) يعني: غلبوني بتمردهم (فانتصر) يعني: فانتصر لي. وقيل: إن الأنبياء كانوا لا يدعون على قومهم بالهلاك إلا بإذن الله عز وجل لهم فيه. (ففتحنا أبواب السماء) يعني: فأجبنا دعاءه وأمرناه باتخاذ السفينة وفتحنا أبواب السماء (بماء منهمر) يعني: كثير، قيل: لم يقلع أربعين يوما. (وفجرنا الأرض عيونا) يعني: أوحى الله إلى الأرض أن تخرج ماءها فتفجرت بالعيون (فالتقى الماء) يعني: ماء السماء وماء الأرض (على أمر قد قدر) يعني: على مقدار لم يزد أحدهما على الآخر. (وحملناه على ذات ألواح) يعني: على سفينة ذات ألواح (ودسر) يعني: المسامير أو الخيوط التي دسرت بها السفينة أي شدت، وقيل: هو صدر السفينة التي تضرب بها الموج. (تجرى بأعيننا) يعني: بمرأى منا، وقيل: بحفظنا (جزاء لمن كان كفر) يعني: جعلنا ذلك ثوابا لنوح على صبره على أذى قومه. (ولقد تركناها آية) يعني: هذه الفعلة عبرة، وقيل: أراد السفينة تركها آية لمن بعد قوم نوح يعتبرون بها، وقيل: أبقاها الله في أرض الجزيرة عبرة وآية حتى نظرت إليها أوائل هذه الأمة (فهل من مدكر) يعني: متعظ خائف. (فكيف كان عذابي) يعني: عقابي (ونذر) يعني: إنذاري. (ولقد يسرنا القرآن للذكر) يعني: سهلناه للحفظ وأعنا عليه من أراد حفظه (فهل من مدكر) يعني: فهل من طالب لحفظه فيعان عليه؟ وقيل: إن الله تعالى قص في هذه السورة على هذه الأمة أنباء الأمم وقصص المرسلين، وما عاملتهم به الأمم، وما كان من عقبى أمورهم وأمور المرسلين، فكان في كل قصة ونبأ ذكر للمستمع لو ادكر، وإنما كرر هذه الآية عند ذكر كل قصة بقوله: (فهل من مدكر) لأن (هل) كلمة استفهام تستدعي أفهامهم التي ركبت في أجوافهم وجعلها حجة عليهم، فاللام من (هل) للاستعراض، والهاء للاستخراج.

2849

الآيات 18-22

(18) و (19) و (20) و (21) و (22) قوله تعالى: (كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر. إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر. تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر. فكيف كان عذابي ونذر. ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر). فيه تربية على أن التعريف بالاسم العلم أولى وأبلغ من التعريف بالإضافة لأنه قال هنا: (كذبت عاد) بينما قال قبلها: (كذبت قبلهم قوم نوح). وفيه بيان أن تكذيب نوح كان أبلغ وأشد حيث دعاهم قريبا من ألف سنة وأصروا على التكذيب، ولهذا ذكر الله تعالى تكذيب نوح صريحا بقوله: (فكذبوا عبدنا) ولم يذكر تكذيب غير نوح صريحا وإن نبه إليه. وفيه تربية على أن أسباب الحياة هي نفسها أسباب الممات والهلاك، فقد أهلك الله تعالى قوم نوح بالماء وهو من أسباب الحياة كما أهلك قوم هود بالهواء وهو من أسباب الحياة. وفيه تربية بالتكرار لأن التكرار يفيد التأكيد والتقرير. وفي قوله: (عذابي ونذر) حكمة لطيفة حيث وحد العذاب وجمع الإنذار إشارة إلى غلبة الرحمة الغضب، وذلك لأن الإنذار إشفاق ورحمة، فقال: الإنذارات التي هي نعم ورحمة تواترت، فلما لم تنفع وقع العذاب دفعة واحدة، فكانت النعم كثيرة والنقمة واحدة. فقوله تعالى: (كذبت عاد) هم قوم هود (فكيف كان عذابي) يعني: عقابي (ونذر) يعني: وإنذاري. (إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا) يعني: شديدة البرودة وشديدة الصوت (في يوم نحس مستمر) يعني: في يوم كان دائم الشؤم عليهم، وقيل: في يوم كانوا يتشاءمون به. (تنزع الناس) يعني: تقلعهم من مواضعهم (كأنهم أعجاز نخل) والعجز: مؤخر الشيء (منقعر) والمنقعر: المنقلع من أصله. والمعنى: كانت تقلعهم من الأرض، فترمي بهم على رؤوسهم، فتندق أعناقهم وتبين رؤوسهم عن أجسادهم. (فكيف كان عذابي ونذر. ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) وقد تقدم.

2850

(23ـ 32) قوله تعالى: (كذبت ثمود بالنذر. فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر. أؤلقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر. سيعلمون غدا من الكذاب الأشر. إنا مرسلو الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر. ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر. فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر. فكيف كان عذابي ونذر. إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر. ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر). وفيه بيان أن كل قوم يأتون بعد قوم ويكذبون رسولهم يكونون قد كذبوا الرسول الذي قبله لأن الرسالة واحدة، ومن هنا قال في عاد: (كذبت عاد) وقال في ثمود: (كذبت ثمود بالنذر). وفيه بيان أن الأمم التي كذبت الرسل كانت تقع دائما في شبهة بشرية الرسول وهذه الشبهة من الشبهات التي أهلكت إبليس حيث صرح بها حين رفض الإقرار لآدم بالفضل فقال: (لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون) (الحجر: 33). واعلم أن الله تعالى ذكر في هذه السورة خمس قصص، وجعل القصة المتوسطة مذكورة على أتم وجه لأن حال صالح عليه السلام كان أكثر مشابهة بحال محمد صلى الله عليه وسلم، فأتى بأمر عجيب وكان أعجب مما جاء به الأنبياء. فعيسى عليه السلام أحيا الميت لكن الميت كان محلا للحياة فأثبت بإذن الله الحياة في محل كان قابلا لها، وموسى عليه السلام انقلبت عصاه ثعبانا فأثبت الله له في الخشبة الحياة لكن الخشبة نبات كان له قوة في النماء يشبه الحيوان في النمو فهو أعجب، وصالح عليه السلام كان الظاهر في يده خروج الناقة من الحجر والحجر جماد لا محل للحياة فيه ولا محل للنمو فيه، والنبي صلى الله عليه وسلم أتى بأعجب من الكل وهو التصرف في جرم السماء الذي يقول المشرك لا وصول لأحد إلى السماء ولا إمكان لشقه وخرقه. وفي وصفه تعالى للمعجزة بأنها فتنة بيان أنه بها يتميز حال من يثاب ممن يعذب. وفيه تربية على أن الراضي بالشيء كفاعله سواء حضر الفعل أم غاب عنه وهذا هو حال قوم صالح في عقر الناقة. وفيه تربية بالتكرار لأن التكرار يفيد التذكار. فقوله تعالى: (كذبت ثمود بالنذر) هم قوم صالح كذبوا نبيهم، وقيل: كذبوا بالآيات التي هي النذر (فقالوا أبشرا منا واحدا) يعني: رفضوا بشرية الرسول ورفضوا وحدانيته (نتبعه) يعني: نؤمن به ونعمل بما جاء (إنا إذا لفي ضلال) يعني: ذهاب عن الصواب (وسعر) يعني: وجنون، من قولهم: ناقة مسعورة، أي كأنها من شدة نشاطها مجنونة. (أؤلقي الذكر عليه من بيننا) يعني: خصص بالرسالة من بين آل ثمود وفيهم من هو أكثر مالا وأحسن حالا؟! وهو استفهام ومعناه الإنكار (بل هو كذاب أشر) يعني: ليس كما يدعيه، وإنما يريد أن يتعاظم ويلتمس التكبر علينا من غير استحقاق. والأشر: المرح والتجبر والنشاط. (سيعلمون غدا) يعني: سيرون العذاب يوم القيامة، أو في حال نزول العذاب بهم في الدنيا (من الكذاب الأشر). وقوله: (إنا مرسلو الناقة) يعني: مخرجوها من الهضبة التي سألوها، فروي أن صالحا صلى ركعتين ودعا فانصدعت الصخرة التي عينوها عن سنامها، فخرجت ناقة عشراء (فتنة لهم) يعني: اختبارا (فارتقبهم) يعني: انتظر ما يصنعون (واصطبر) يعني: واصبر على أذاهم. (ونبئهم): يعني: وأخبرهم (أن الماء قسمة بينهم) يعني: بين آل ثمود وبين الناقة، لها يوم ولهم يوم، وقيل: كان يوم شربهم لا تشرب الناقة شيئا من الماء وتسقيهم لبنا، وإذا كان يوم الناقة شربت الماء كله فلم تبق لهم شيئا (كل شرب) يعني: الحظ من الماء (محتضر) يعني: يحضره من هو له، فالناقة تحضر الماء يوم وردها، وتغيب عنهم يوم وردهم. (فنادوا صاحبهم) يعني: بالحض على عقرها (فتعاطى) يعني: تناول الفعل (فعقر) يعني: فعقر الناقة. (فكيف كان عذابي) يعني: عقابي (ونذر) يعني: وإنذاري. (إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة) يعني: صيحة جبريل عليه السلام (فكانوا كهشيم) يعني: العشب اليابس (المحتظر) يعني: صاحب الحظيرة. والمراد تشبيه الدمار الذي أصاب ثمود بحريق الهشيم. (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) وقد تقدم.

2851

(33ـ 40) قوله تعالى: (كذبت قوم لوط بالنذر. إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر. نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر. ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر. ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر. ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر. فذوقوا عذابي ونذر. ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر). إن قيل: ما الحكمة في ترك العذاب حيث لم يقل: (فكيف كان عذابي) كما قال في القصص الثلاث؟ نقول: إن البلاغ في التكرار ثلاثا، كما قال صلى الله عليه وسلم: «ألا هل بلغت ثلاثا»، والتذكير تكرر ثلاث مرات لحصول التأكيد، ففي قصة نوح للتعظيم، وفي حكاية ثمود للبيان، وفي حكاية عاد أعادها مرتين للتعظيم والبيان جميعا. وفيه تربية على أن الإنجاء فضل من الله وأن الإهلاك عدل من الله، لأن الإنجاء نعمة والإهلاك نقمة، فهو عادل في النقمة وكريم في النعمة. وفيه تبرئة للوط عليه السلام وبيان أنه أتى بما عليه، فإنه تعالى لما رتب التعذيب على التكذيب وكان من الرحمة أن يؤخره ويقدم عليه الإنذارات البالغة بين ذلك فقال: أهلكناهم وكان قد أنذرهم من قبل. وفيه تحذير من عذاب الله تعالى لأنه عذاب مستقر دائم لا دافع له، والله تعالى لا يخلف وعيده كما لا يخلف وعده، والعاقل من لا يأمن مكر الله كما لا ييأس من رحمة الله. فقوله تعالى: (كذبت قوم لوط بالنذر) أخبر عن قوم لوط أيضا لما كذبوا لوطا عليه السلام. (إنا أرسلنا عليهم حاصبا) يعني: ريحا شديدة ترميهم بالحصباء وهي الحصى (إلا آل لوط) يعني: من تبعه على دينه ولم يكن إلا بنتاه (نجيناهم بسحر) يعني: وقت السحر. والسحر: هو ما بين آخر الليل وطلوع الفجر، وهو في كلام العرب اختلاط سواد الليل ببياض أول النهار. (نعمة من عندنا) يعني: إنعاما منا على لوط وابنتيه (كذلك نجزي من شكر) يعني: من آمن بالله وأطاعه. (ولقد أنذرهم) يعني: لوطا خوفهم (بطشتنا) يعني: عقوبتنا وأخذنا إياهم بالعذاب (فتماروا بالنذر) يعني: شكوا فيما أنذرهم به الرسول ولم يصدقوه، وهو تفاعل من المرية. (ولقد راودوه عن ضيفه) يعني: أرادوا منه تمكينهم ممن كان أتاه من الملائكة في هيئة الأضياف طلبا للفاحشة (فطمسنا أعينهم) قيل: إن جبريل عليه السلام ضربهم بجناحه فعموا، وقيل: صارت أعينهم كسائر الوجه لا يرى لها شق (فذوقوا عذابي ونذر) يعني: قلنا لهم ذوقوا، والمراد من هذا الأمر الخبر، أي فأذقتهم عذابي الذي أنذرهم به لوط (ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر) يعني: دائم عام استقر فيهم حتى يفضي بهم إلى عذاب الآخرة، وذلك العذاب قلب قريتهم عليهم وجعل أعلاها أسفلها. (فذوقوا عذابي ونذر) والعذاب الذي نزل بهم من طمس الأعين غير العذاب الذي أهلكوا به فلذلك حسن التكرير. (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) وقد تقدم.

2852

الآيات 41-42

(41) و (42) قوله تعالى: (ولقد جاء آل فرعون النذر. كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر). وقصة موسى عليه السلام مع آل فرعون تختزل هنا في آيتين لأن الغاية من إيرادها هنا بيان جنب الإنذار وعاقبة التكذيب، فهي تذكر هنا كشاهد على موضوع القصص في هذه السورة وهو عاقبة التكذيب بالإنذار. فقوله تعالى: (ولقد جاء آل فرعون) يعني: القبط (النذر) يعني: موسى وهرون عليهما السلام. وقد يطلق لفظ الجمع على الاثنين. (كذبوا بآياتنا كلها) يعني: بمعجزاتنا الدالة على توحيدنا ونبوة أنبيائنا، وهي: العصا، واليد، والسنون، والطاعون، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم (فأخذناهم أخذ عزيز) يعني: غالب في انتقامه (مقتدر) يعني: قادر على ما أراد.

2853

الآيات 43-46

(43) و (44) و (45) و (46) قوله تعالى: (أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر. أم يقولون نحن جميع منتصر. سيهزم الجمع ويولون الدبر. بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر). فيه تنبيه للكافرين من قوم محمد صلى الله عليه وسلم والكافرين من أمته بأن لا يأمنوا العذاب فإنهم ليسوا خيرا من أولئك الذين أهلكوا قبلهم. وفيه بيان أنه تعالى لم يمنح الكافرين المكذبين أي براءة من العذاب في أي كتاب أنزله للناس. وفي هذه الآيات إشارة إلى أسباب الخلاص، وذلك أن الخلاص إما أن يكون بسبب أمر فيهم وليس في غيرهم من الذين تقدموهم فيكونون خيرا منهم. وإما أن يكون بفضل الله ومسامحته إياهم. وإما أن يكون بسبب عدم القدرة على الإهلاك لكثرة الأعوان. وقد نفى الله تعالى هذه الأسباب الثلاثة عن الكافرين المكذبين. وفيه بشارة لمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالنصر قبل حصوله في غزوة بدر بسنوات. وفيه بيان أن الأمر غير مقتصر على هزيمتهم في الدنيا وإدبارهم، بل الأمر أعظم منه فإن الساعة موعدهم، فذكر ما يصيبهم في الدنيا ثم بين ما هو لاحق بهم في الآخرة. فقوله تعالى: (أكفاركم خير من أولئكم) خاطب العرب، وقيل: أراد كفار أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: استفهام إنكار ومعناه النفي، أي ليس كفاركم خيرا من كفار من تقدم من الأمم الذين أهلكوا بكفرهم (أم لكم براءة في الزبر) يعني: في الكتب المنزلة على الأنبياء بالسلامة من العقوبة، وقيل: أم لكم في اللوح المحفوظ براءة من العذاب. (أم يقولون نحن جميع منتصر) يعني: جماعة لا تطاق لكثرة عددهم وقوتهم، ولم يقل منتصرين اتباعا لرؤوس الآي. فرد الله عليهم فقال: (سيهزم الجمع) يعني: جمع كفار مكة، وقد كان ذلك يوم بدر (ويولون الدبر) وهو كناية عن الهروب من القتال. قال سعيد بن جبير قال سعد بن أبي وقاص: لما نزل قوله تعالى: (سيهزم الجمع ويولون الدبر) كنت لا أدرى أي الجمع ينهزم، فلما كان يوم بدر رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يثب في الدرع ويقول: اللهم إن قريشا جاءتك تحادك وتحاد رسولك بفخرها وخيلائها فأحنهم الغداة، ثم قال: (سيهزم الجمع ويولون الدبر) فعرفت تأويلها. وهذا من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه أخبر عن غيب فكان كما أخبر. وقال ابن عباس: كان بين نزول هذه الآية وبين بدر سبع سنين. (بل الساعة موعدهم) يعني: القيامة (والساعة أدهى وأمر) يعني: أدهى وأمر مما لحقهم يوم بدر، وأدهى: من الداهية وهي الأمر العظيم.

2854

الآيات 47-48

(47) و (48) قوله تعالى: (إن المجرمين في ضلال وسعر. يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر). فيه تربية على أن الكفر بالله جريمة بحق الذات الكافرة وتستوجب العقوبة في الآخرة، وأما الحرابة على أساس الكفر بالله فإنها جريمة بحق الآخر وتستوجب العقوبة في الدنيا قبل الآخرة. فقوله تعالى: (إن المجرمين في ضلال) يعني: في حيدة عن الحق (وسعر) يعني: احتراق، وقيل: جنون. (يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا) يعني: يقال لهم ذوقوا (مس) والمس ما يجدون من الألم عند الوقوع فيها (سقر) اسم من أسماء جهنم، وقيل: سقرته الشمس إذا لوحته، ويوم مسقر يعني شديد الحر. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدر فنزلت: (يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر. إنا كل شيء خلقناه بقدر) (مسلم والترمذي وقال: حديث حسن صحيح).

2855