الآيات 81-96
(81) و (82) قوله تعالى: (أفبهذا الحديث أنتم مدهنون. وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون). فيه تحذير من الإدهان ومن الكذب ومن التكسب من ورائهما، فإذا كان الكذب هو الكلام المخالف للحقيقة والواقع فإن الإدهان هو تليين الكلام لاستمالة السامع من غير اعتقاد صحة الكلام من المتكلم، وعلى هذا فالإدهان من الكذب الخبيث. وفيه بيان أن ما أصاب العباد من خير فلا ينبغي أن يروه من قبل الوسائط التي جرت العادة بأن تكن أسبابا، بل ينبغي أن يروه من قبل الله تعالى، ثم يقابلونه بشكر إن كان نعمة، أو صبر إن كان مكروها تعبدا له وتذللا. فقوله تعالى: (أفبهذا الحديث) يعني: القرآن (أنتم مدهنون) يعني: مكذبون، والمدهن الذي ظاهره خلاف باطنه، كأنه شبه بالدهن في سهولة ظاهره. (وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون) يعني: تجعلون شكركم التكذيب، وإنما صلح أن يوضع اسم الرزق مكان الشكر، لأن شكر الرزق يقتضي الزيادة فيه فيكون الشكر رزقا، فقيل: (وتجعلون رزقكم) أي شكر رزقكم الذي لو وجد منكم لعاد رزقا لكم (أنكم تكذبون) بالرزق أن تضعون الكذب مكان الشكر.
(83ـ 87) قوله تعالى: (فلولا إذا بلغت الحلقوم. وأنتم حينئذ تنظرون. ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون. فلولا إن كنتم غير مدينين. ترجعونها إن كنتم صادقين). وفي هذه الآيات إشارة وبشارة. أما الإشارة فإلى الكفار، وأما البشارة فللرسل. والإشارة هي أن الله تعالى ذكر للكفار حالة لا يمكنهم إنكارها وهي حالة الموت، فإنهم وإن كفروا بالحشر وهو الحياة بعد الموت لكنهم لم ينكروا الموت، ولم يشكوا أن في ذلك الوقت لا يبقى لهم لسان ينطق، ولا يمكنهم الإتيان بما يجب، فيكون ذلك حثا لهم على تجديد النظر في طلب الحق قبل تلك الحالة. والبشارة لأن الرسل لما كذبوا وكذب مرسلهم صعب عليهم، فبشروا بأن المكذبين سيرجعون عما يقولون، ثم هو إن كان قبل النزع فذلك مقبول، وإلا فعند الموت هو غير نافع. فقوله تعالى: (فلولا إذا بلغت الحلقوم) يعني: فهلا إذا بلغت النفس أو الروح الحلقوم، ولم يتقدم لها ذكر لأن المعنى معروف (وأنتم حينئذ تنظرون) يعني: إلى الميت ولا تقدرون له على شيء، وقيل: تنظرون أمر الله وسلطانه. (ونحن أقرب إليه منكم) يعني: بالقدرة والعلم والرؤية، وقيل: أراد الرسل الذين يتولون قبضه (ولكن لا تبصرون) يعني: لا ترونهم. (فلولا إن كنتم غير مدينين) يعني: فهلا إن كنتم غير محاسبين ولا مجزيين بأعمالكم، وقيل: غير مملوكين ولا مقهورين. (ترجعونها) يعني: ترجعون الروح إلى الجسد (إن كنتم صادقين) يعني: ولن ترجعوها فبطل زعمكم أنكم غير مملوكين ولا محاسبين. وقيل: المعنى فهلا إذا بلغت نفس أحدكم الحلقوم عند النزع وأنتم حضور أمسكتم روحه في جسده، مع حرصكم على امتداد عمره، وحبكم لبقائه.