التفسير التربويالجزء 1 · ص 2887 - 2894

الآيات 81-96

الآيات 81-96

(81) و (82) قوله تعالى: (أفبهذا الحديث أنتم مدهنون. وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون). فيه تحذير من الإدهان ومن الكذب ومن التكسب من ورائهما، فإذا كان الكذب هو الكلام المخالف للحقيقة والواقع فإن الإدهان هو تليين الكلام لاستمالة السامع من غير اعتقاد صحة الكلام من المتكلم، وعلى هذا فالإدهان من الكذب الخبيث. وفيه بيان أن ما أصاب العباد من خير فلا ينبغي أن يروه من قبل الوسائط التي جرت العادة بأن تكن أسبابا، بل ينبغي أن يروه من قبل الله تعالى، ثم يقابلونه بشكر إن كان نعمة، أو صبر إن كان مكروها تعبدا له وتذللا. فقوله تعالى: (أفبهذا الحديث) يعني: القرآن (أنتم مدهنون) يعني: مكذبون، والمدهن الذي ظاهره خلاف باطنه، كأنه شبه بالدهن في سهولة ظاهره. (وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون) يعني: تجعلون شكركم التكذيب، وإنما صلح أن يوضع اسم الرزق مكان الشكر، لأن شكر الرزق يقتضي الزيادة فيه فيكون الشكر رزقا، فقيل: (وتجعلون رزقكم) أي شكر رزقكم الذي لو وجد منكم لعاد رزقا لكم (أنكم تكذبون) بالرزق أن تضعون الكذب مكان الشكر.

(83ـ 87) قوله تعالى: (فلولا إذا بلغت الحلقوم. وأنتم حينئذ تنظرون. ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون. فلولا إن كنتم غير مدينين. ترجعونها إن كنتم صادقين). وفي هذه الآيات إشارة وبشارة. أما الإشارة فإلى الكفار، وأما البشارة فللرسل. والإشارة هي أن الله تعالى ذكر للكفار حالة لا يمكنهم إنكارها وهي حالة الموت، فإنهم وإن كفروا بالحشر وهو الحياة بعد الموت لكنهم لم ينكروا الموت، ولم يشكوا أن في ذلك الوقت لا يبقى لهم لسان ينطق، ولا يمكنهم الإتيان بما يجب، فيكون ذلك حثا لهم على تجديد النظر في طلب الحق قبل تلك الحالة. والبشارة لأن الرسل لما كذبوا وكذب مرسلهم صعب عليهم، فبشروا بأن المكذبين سيرجعون عما يقولون، ثم هو إن كان قبل النزع فذلك مقبول، وإلا فعند الموت هو غير نافع. فقوله تعالى: (فلولا إذا بلغت الحلقوم) يعني: فهلا إذا بلغت النفس أو الروح الحلقوم، ولم يتقدم لها ذكر لأن المعنى معروف (وأنتم حينئذ تنظرون) يعني: إلى الميت ولا تقدرون له على شيء، وقيل: تنظرون أمر الله وسلطانه. (ونحن أقرب إليه منكم) يعني: بالقدرة والعلم والرؤية، وقيل: أراد الرسل الذين يتولون قبضه (ولكن لا تبصرون) يعني: لا ترونهم. (فلولا إن كنتم غير مدينين) يعني: فهلا إن كنتم غير محاسبين ولا مجزيين بأعمالكم، وقيل: غير مملوكين ولا مقهورين. (ترجعونها) يعني: ترجعون الروح إلى الجسد (إن كنتم صادقين) يعني: ولن ترجعوها فبطل زعمكم أنكم غير مملوكين ولا محاسبين. وقيل: المعنى فهلا إذا بلغت نفس أحدكم الحلقوم عند النزع وأنتم حضور أمسكتم روحه في جسده، مع حرصكم على امتداد عمره، وحبكم لبقائه.

2887

(88ـ 94) قوله تعالى: (فأما إن كان من المقربين. فروح وريحان وجنة نعيم. وأما إن كان من أصحاب اليمين. فسلام لك من أصحاب اليمين. وأما إن كان من المكذبين الضالين. فنزل من حميم. وتصلية جحيم). ذكر الله تعالى الأزواج الثلاثة في أول السورة بعبارة. وأعادهم بعبارة أخرى فقال: (فأصحاب الميمنة) (الواقعة: 8) ثم قال: (وأصحاب اليمين) (الواقعة: 27) وقال: (وأصحاب المشأمة) (الواقعة: 9) ثم قال: (وأصحاب الشمال) (الواقعة: 41). وأعادهم هنا. وفي المواضع الثلاثة ذكر أصحاب اليمين بلفظين مرتين، أحدهما غير الآخر، وذكر السابقين في أول السورة بلفظ السابقين، وفي آخر السورة بلفظ المقربين، وذكر أصحاب النار في الأول بلفظ (وأصحاب المشأمة) ثم بلفظ (الشمال) ثم بلفظ (المكذبين) فما الحكمة فيه؟ نقول: أما السابق فله حالتان إحداهما في الأولى، والأخرى في الآخرة، فذكره في المرة الأولى بما له في الحالة الأولى، وفي الثانية بماله في الحالة الآخرة، وليس له حالة هي واسطة بين الوقوف للعرض وبين الحساب، بل هو ينقل من الدنيا إلى أعلى عليين. ثم ذكر أصحاب اليمين بلفظين متقاربين لأن حالهم قريبة من حال السابقين. وذكر الكفار بألفاظ ثلاثة: فهم في الدنيا أصحاب موضع شؤم ، فوصفوهم بالمشأمة، ثم قال: (أصحاب الشمال) فإنهم في الآخرة يؤتون كتابهم بشمالهم، ويقفون في موضع هو شمال، لأجل كونهم من أهل النار، ثم إنه تعالى لما ذكر حالهم في أول الحشر بكونهم من أصحاب الشمال ذكر ما يكون لهم من السموم والحميم. ثم لم يقتصر عليه بل ذكر السبب فيه بأنهم كانوا مترفين وكانوا يصرون على الشرك، لأن العادل يذكر للعقاب سببا، والمتفضل لا يذكر للإنعام والتفضل سببا. ثم ذكرهم في الآخرة بما عملوه في الدنيا وهو التكذيب ليكون ترتيب العقاب على تكذيب الكتاب فظهر العدل. فقوله تعالى: (فأما إن كان من المقربين) ذكر طبقات الخلق عند الموت وعند البعث، وبين درجاتهم فقال: (فأما إن كان) هذا المتوفى (من المقربين) وهم السابقون. (فروح) يعني: رحمة في الدنيا (وريحان) يعني: راحة في القبر (وجنة نعيم) يعني: في الآخرة. (وأما إن كان) هذا المتوفى (من أصحاب اليمين) يعني: من الذين يأخذون كتابهم بيمينهم بوم القيامة. (فسلام لك من أصحاب اليمين) يعني: لست ترى منهم إلا ما تحب من السلامة فلا تهتم لهم، فإنهم يسلمون من عذاب الله. وقيل: المعنى سلام لك منهم، أي أنت سالم من الاغتمام لهم. وقيل: المعنى إنهم يسلمون عليك يا محمد. (وأما إن كان من المكذبين) بالبعث (الضالين) عن الهدى وطريق الحق. (فنزل من حميم) يعني: فلهم رزق من حميم. (وتصلية جحيم) يعني: إدخال لهم في النار، وقيل: إقامة في الجحيم ومقاساة لأنواع عذابها.

2888

(93) و (94) قوله تعالى: (إن هذا لهو حق اليقين. فسبح باسم ربك العظيم). فيه تربية على أن التصديق بالقرآن وسائر الحقائق الإيمانية هو الذي يستحقه اليقين. وفيه تربية على مواجهة التكذيب بالحقائق الإيمانية هو بذكر الله وخاصة تنزيهه عما لا يليق به من التكذيب بحقائقه، كما جرت عادة القرآن بذلك في كثير من المواضع. (إن هذا لهو حق اليقين) يعني: هذا الذي قصصناه محض اليقين وخالصه، وجاز إضافة الحق إلى اليقين وهما واحد لاختلاف لفظهما، وقيل: هو توكيد. (فسبح باسم ربك العظيم) يعني: نزه الله تعالى عن السوء. وقيل: فصل بذكر ربك وبأمره. وقيل: فاذكر اسم ربك العظيم وسبحه. وعن عقبة بن عامر قال: لما نزلت (فسبح باسم ربك العظيم) قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اجعلوها في ركوعكم» ولما نزلت (سبح اسم ربك الأعلى) قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اجعلوها في سجودكم» (أبو داود). والحمد لله رب العالمين.

2889

التفسير التربوي لسورة الحديد

قال القرطبي في التفسير: ((سورة الحديد: مدنية في قول الجميع. وهي تسع وعشرون آية. عن العرباض بن سارية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بالمسبحات قبل أن يرقد ويقول: (إن فيهن آية أفضل من ألف آية). ويعني بالمسبحات: الحديد والحشر والصف والجمعة والتغابن)). قلـت: روى هذا الحديث الإمام أحمد في مسنده، كما رواه أبو داود والنسائي والترمذي، والآية المشار إليها في الحديث هي قوله تعالى: (هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم) (الحديد: 3) والله أعلم.

وقال البقاعي في علاقة هذه السورة بالتي قبلها: ((ولما ختمت الواقعة بالأمر بتنزيهه عما أنكره الكفرة من البعث: (فسبح باسم ربك العظيم)، جاءت هذه السورة لتقرير ذلك التنزيه وتبيينه بالدليل والبرهان والسيف والسنان، فقال تعالى كالتعليل لآخر الواقعة: (سبح لله) أي أوقع التسبيح بدلالة الجبلة تعظيما له سبحانه وإقرارا بربوبيته وإذعانا لطاعته)).

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «هذه السورة بجملتها دعوة للجماعة الإسلامية كي تحقق في ذاتها حقيقة إيمانها، هذه الحقيقة التي تخلص بها النفوس لدعوة الله، فلا تضن عليها بشيء، ولا تحتجز دونها شيئا، لا الأرواح ولا الأموال، ولا خلجات القلوب ولا ذوات الصدور، وهي الحقيقة التي تستحيل بها النفوس ربانية بينما تعيش على الأرض، موازينها هي موازين الله، والقيم التي تعتز بها وتسابق إليها هي القيم التي تثقل في هذه الموازين. كما أنها هي الحقيقة التي تشعر القلوب بحقيقة الله، فتخشع لذكره، وترجف وتفر من كل عائق وكل جاذب يعوقها عن الفرار إليه. وعلى أساس هذه الحقيقة الكبيرة تدعو السورة الجماعة الإسلامية إلى البذل في سبيل الله، بذل النفس وبذل المال. وعلى أساس هذه الحقيقة الكبيرة كذلك تدعو الجماعة الإسلامية إلى الخشوع لذكر الله وللحق الذي أنزله الله ليجيء البذل ثمرة لهذا الخشوع المنبعث من الحقيقة الإيمانية الأولى. وكذلك تضع قيم الدنيا وقيم الآخرة في ميزان الحق، وتدعو الجماعة الإسلامية لاختيار الكفة الراجحة، والسباق إلى القيمة الباقية. وظاهر من سياق السورة أنها كانت تعالج كذلك حالة واقعة في الجماعة الإسلامية عند نزول هذه السورة في المجتمع المدني في فترة تمتد من العام الرابع الهجري إلى ما بعد فتح مكة».

2890

الآيات 1-3

قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آَمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم﴾ (الحديد: 1-3)

(1) و (2) و (3) قوله تعالى: (سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم. له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم). فيه تربية على التسبيح اعتقادا وقولا وعملا، فكأنه تعالى يقول للمؤمنين: سبحوا الله تعالى كما يسبحه ما دونه من خلقه تعظيما له، وإقرارا بربوبيته، وإذعانا لطاعته. وهذا التسبيح لله لأنه يستحقه، فهو العزيز في انتقامه ممن عصاه، وهو الحكيم في تدبير شؤون خلقه، وله الملك المطلق للسماوات والأرض وما سواهما من المخلوقات، وبيده الإحياء والإماتة، وله كمال القدرة، كما له كمال العلم، فهو الأول ليس قبله أحد، وهو الآخر ليس بعده أحد، وهو الظاهر ليس فوقه أحد، وهو الباطن ليس دونه أحد. فقوله تعالى: (سبح لله ما في السماوات والأرض) يعني: مجد الله ونزهه عن السوء، وقيل: صلى لله (ما في السماوات) ممن خلق من الملائكة (والأرض) من كل شيء فيه روح أو لا روح فيه وقيل: هو تسبيح الدلالة، وأنكر الزجاج هذا وقال: لو كان هذا تسبيح الدلالة وظهور آثار الصنعة لكانت مفهومة، فلم قال: (ولكن لا تفقهون تسبيحهم)؟ وإنما هو تسبيح مقال، وأستدل بقوله تعالى: (وسخرنا مع داود الجبال يسبحن) فلو كان هذا تسبيح دلالة فأي تخصيص لداود؟! (وهو العزيز) الذي لا يغالب (الحكيم) في تدبيره لخلقه. (له ملك) يعني: انفرد بذلك، والملك عبارة عن الملكية ونفوذ الأمر فهو سبحانه الملك القادر القاهر (السماوات والأرض) يعني: خزائن المطر والنبات وسائر الرزق (يحيي ويميت) يعني: يميت الأحياء في الدنيا ويحيي الأموات للبعث، وقيل: يحيي النطف وهي موات ويميت الأحياء (وهو على كل شيء قدير) يعني: لا يعجزه شيء. (هو الأول) فليس قبله شيء (والآخر) فليس بعده شيء (والظاهر) فليس فوقه شيء (والباطن) فليس دونه شيء (وهو بكل شيء عليم) فلا يخفى عليه شيء مما كان أو يكون. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين وأغننا من الفقر». وقيل: عنى بالظاهر الغالب، وعنى بالباطن العالم، والله أعلم.

2891

الآيات 4-6

(4) و (5) و (6) قوله تعالى: (هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير. له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور. يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور). فيه تربية على كمال قدرته تعالى وكمال علمه، وفيه تربية على التأني وترك العجلة فالله تعالى قادر على الخلق بكلمة ولكنه خلق الخلق في ستة أيام، وفيه ترغيب وترهيب من خلال كونه تعالى معنا بعلمه. وفيه دعوة إلى الإيمان بالمعاد إلى الله تعالى من خلال التذكير بكون المخلوقات ومنها الإنسان ملك لله تعالى. وفيه ربط بين الملك والحكم، فالمالك هو الحاكم. وفيه دلالة على قدرته تعالى، وبيان لنعمه التي أنعم بها على الناس، ودعوة إلى النظر والتأمل في خلق الله. فقوله تعالى: (هو الذي خلق السماوات والأرض) فيه تربية على الربط بين الربوبية والإلهية وذلك من خلال البيان بأن المنفرد بقدرة الإيجاد هو الذي يجب أن يُعبد، فهناك شرك في الربوبية وهناك شرك في الإلهية والعرب في الجاهلية كانوا موحدين في مجال الربوبية بينما كانوا مشركين في مجال الإلهية يعبدون مع الله غيره، ومن هنا جاءهم القرآن بتوحيد الإلهية بناء على توحيد الربوبية. (في ستة أيام) ولو أراد لخلق السماوات والأرض في لحظة، لأن الله تعالى أراد أن يعلم العباد الرفق والتثبت والتأني وترك العجلة في الأمور، وإعطاء الأشياء وقتها الذي تحتاج إليه. (ثم استوى على العرش) الاستواء من صفات الله تبارك وتعالى، والعرش من مخلوقات الله تعالى، ومذهب السلف في الصفات أسلم وأحكم، وتلخيص مذهب السلف في ذلك قول الإمام مالك رحمه الله تعالى عندما سئل عن الاستواء: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة»، والقاعدة في ذلك: إثبات الصفة مع نفي التعطيل والتشبيه والتأويل، فهو تبارك وتعالى منزه عن النقائص والتحيز والجهة. (يعلم ما يلج في الأرض) يعني: يدخل فيها من مطر وغيره (وما يخرج منها) يعي: من نبات وغيره (وما ينزل من السماء) يعني: من رزق ومطر وملك (وما يعرج فيها) يعني: يصعد فيها من ملائكة وأعمال العباد (وهو معكم أينما كنتم) يعني: بقدرته وسلطانه وعلمه (والله بما تعملون بصير) يعني: يبصر أعمالكم ويراها ولا يخفى عليه شيء منها. (له ملك السماوات والأرض) هذا التكرير للتأكيد أي هو المعبود على الحقيقة (وإلى الله ترجع الأمور) يعني: أمور الخلائق في الآخرة. (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل) يعني: يدخل من هذا في هذا، ومن هذا في هذا، فتارة يطول الليل ويقصر النهار كما في الشتاء، وتارة يطول النهار ويقصر الليل كما في الصيف (وهو عليم بذات الصدور) يعني: لا تخفى عليه الضمائر.

2892

الآيات 7-8

(7) و (8) قوله تعالى: (آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير. وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين). اعلم أنه تعالى لما ذكر أنواعاً من الدلائل على التوحيد والعلم والقدرة ، أتبعها بالتكاليف ، وبدأ بالأمر بالإيمان ورسوله والإنفاق في سبيله، ورغب في الإيمان والإنفاق من خلال الوعد بالأجر الكبير يوم القيامة. وفيه ترهيب من ترك الإيمان أو ترك الإنفاق من خلال التذكير بكون الداعي إليهما هو نبي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وهو من أنفسهم يعرفون صدقه وأمانته، وكذلك من خلال التذكير بالميثاق الذي أخذه الله على الناس في الإيمان من خلال النظر في الدلائل الكونية التي توجب الإيمان. وفيه دليل على أن أصل الملك لله سبحانه، وأن العبد ليس له فيه إلا التصرف الذي يرضي الله فيثيبه على ذلك بالجنة، فمن أنفق منها في حقوق الله وهان عليه الإنفاق منها، كما يهون على الرجل النفقة من مال غيره إذا أذن له فيه، كان له الثواب الجزيل والأجر العظيم. فقوله تعالى: (آمنوا بالله ورسوله) يعني: صدقوا أن الله واحد وأن محمدا رسوله (وأنفقوا) يعني: تصدقوا في سبيل الله، وقيل: المراد الزكاة المفروضة، وقيل: المراد غيرها من وجوه الطاعات وما يقرب منه (مما جعلكم مستخلفين فيه) بوراثتكم إياه عمن كان قبلكم، وهذا يدل على أنها ليست بأموالكم في الحقيقة، وما أنتم فيها إلا بمنزلة النواب والوكلاء، فاغتنموا الفرصة فيها بإقامة الحق قبل أن تزال عنكم إلى من بعدكم (فالذين آمنوا منكم) يعني: صدقوا الإيمان بالعمل (وأنفقوا) يعني: في سبيل الله (لهم أجر كبير) وهو الجنة. (وما لكم لا تؤمنون بالله) استفهام يراد به التوبيخ، يعني: أي عذر لكم في ألا تؤمنوا وقد أزيحت العلل؟! (والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم) يعني: هو موجود بين أظهركم وهذا أدعى للإيمان فيما لو كان غائبا عنكم، وبين بهذا أنه لا حكم قبل ورود الشرائع (وقد أخذ ميثاقكم) يعني: وقد أخذ الله ميثاقكم، وقيل: هو الميثاق الأول الذي كان وهم في ظهر آدم، وقيل: أخذ ميثاقكم بأن ركب فيكم العقول وأقام عليكم الدلائل والحجج التي تدعو إلى متابعة الرسول (إن كنتم مؤمنين) يعني: حين كنتم مؤمنين في عالم الذر، وقيل: إن كنتم مؤمنين بالحجج والدلائل، وقيل: إن كنتم مؤمنين بحق يوما من الأيام، فالآن أحرى الأوقات أن تؤمنوا لقيام الحجج والأعلام ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم فقد صحت براهينه.

2893

الآيات 9-11

(9) و (10) و (11) قوله تعالى: (هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن الله بكم لرؤوف رحيم. وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير. من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم). فيه بيان لرحمته تعالى بالناس ورأفته بهم وحرصه على هدايتهم بإنزال الآيات البينات التي هي القرآن وغيره من المعجزات ليخرجهم من الظلمات إلى النور، وأكد ذلك بإثباته للرأفة والرحمة بهم. ولما أمر أولا بالإيمان وبالإنفاق، ثم أكد في الآية المتقدمة إيجاب الإيمان، أتبعه في هذه الآية بتأكيد إيجاب الإنفاق، والمعنى أنكم ستموتون فتورثون، فهلا قدمتموه في الإنفاق في طاعة الله، وتحقيقه أن المال لا بد وأن يخرج عن اليد إما بالموت وإما بالإنفاق في سبيل الله، فإن وقع على الوجه الأول كان أثره اللعن والمقت والعقاب، وإن وقع على الوجه الثاني كان أثره المدح والثواب، وإذا كان لا بد من خروجه عن اليد فكل عاقل يعلم أن خروجه عن اليد بحيث يعقبه المدح والثواب أولى منه بحيث يعقبه اللعن والعقاب. ثم لما بين تعالى أن الإنفاق فضيلة بين أن المسابقة في الإنفاق تمام الفضيلة، ومثل ذلك يقال في القتال في سبيل الله لأنه إنفاق للنفس في سبيل الله. وفيه ترغيب الناس في أن ينفقوا أموالهم في نصرة المسلمين وقتال الكافرين ومواساة فقراء المسلمين من خلال تسمية ذلك الإنفاق قرضا لله ومن خلال الوعد عليه بالأجر الكريم في الجنة. فقوله تعالى: (هو الذي ينزل على عبده آيات بينات) يعني: القرآن، وقيل: المعجزات، أي وجب عليكم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم لما معه من المعجزات، والقرآن أكبرها وأعظمها (ليخرجكم) يعني: بالقرآن والرسول (من الظلمات) يعني: من الشرك والكفر (إلى النور) يعني: إلى الإيمان (وان الله بكم لرؤوف رحيم) يعني: في إنزاله الكتب وإرساله الرسل لهداية الناس، وإزاحة العلل وإزالة الشبهات. (وما لكم أن لا تنفقوا في سبيل الله) يعني: أي شيء يمنعكم من الإنفاق في سبيل الله وفيما يقربكم من ربكم، وأنتم تموتون وتخلفون أموالكم وهي صائرة إلى الله تعالى، فمعنى الكلام التوبيخ على عدم الإنفاق (ولله ميراث السماوات والأرض) يعني: إنهما راجعتان إليه بانقراض من فيهما كرجوع الميراث إلى المستحق له (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل) أكثر المفسرين على أن المراد بالفتح فتح مكة، وقال بعضهم بل المراد فتح الحديبية، والمعنى: هما قتالان أحدهما أفضل من الآخر، ونفقتان إحداهما أفضل من الأخرى، كان القتال والنفقة قبل الفتح أفضل من القتال والنفقة بعد ذلك. وفي الكلام محذوف تقديره: ومن أنفق من بعد الفتح وقاتل (أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا) وإنما كانت النفقة قبل الفتح أعظم لأن حاجة الناس كانت أكثر لضعف الإسلام، وفعل ذلك كان على المنفقين حينئذ أشق والأجر على قدر النصب، ويقال مثل ذلك في القتال (وكلا وعد الله الحسنى) يعني: المتقدمون السابقون والمتأخرون اللاحقون، وعدهم الله جميعا الجنة مع تفاوت الدرجات (والله بما تعملون خبير) يعني: لخبرته فاوت بين ثواب من أنفق من قبل الفتح وقاتل، ومن فعل ذلك بعد ذلك، وما ذلك إلا لعلمه بقصد الأول وإخلاصه التام وإنفاقه في حال الجهد والقلة والضيق. (من ذا الذي يقرض الله قرضا) يعني: صدقة (حسنا) محتسبا من قلبه بلا من ولا أذى (فيضاعفه له) ما بين السبع إلى سبعمائة إلى ما شاء الله من الأضعاف (وله أجر كريم) يعني: الجنة. وهذا ندب إلى الإنفاق في سبيل الله، والعرب تقول لكل من فعل فعلا حسنا: قد أقرض، وسمي قرضا لأنه أخرج لاسترداد البدل.

2894