التفسير التربويالجزء 1 · ص 3152 - 3159

الآيات 1-25

الآيات 1-25

قوله تعالى: ﴿إذا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآَنُ لَا يَسْجُدُونَ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُون﴾ (الإنشقاق: 1-25)

(1ـ5) قوله تعالى: (إذا السماء انشقت. وأذنت لربها وحقت. وإذا الأرض مدت. وألقت ما فيها وتخلت. وأذنت لربها وحقت). في هذه الآيات تمهيد لخطاب الإنسان من خلال إلقاء الخشوع في قلبه لربه، وتذكيره بأمره، وبمصيره الذي هو صائر إليه عنده، حيث ينطبع في حسه ظل الطاعة والخشوع والاستسلام الذي تلقيه في حسه السماء والأرض في المشهد الهائل الجليل. فقوله تعالى: (وإذا السماء انشقت) يعني: انصدعت وتفطرت بالغمام، وهذا من أشراط الساعة وعلاماتها. (وأذنت لربها وحقت) يعني: سمعت، وحق لها أن تسمع بها، وقيل: أطاعت، وحق لها أن تطيع ربها، وقيل: طاعة السماء: بمعنى أنها لا تمتنع مما أراد الله بها، ولا يبعد خلق الحياة فيها حتى تطيع وتجيب. (وإذا الأرض مدت) يعني: بسطت ودكت جبالها. (وألقت ما فيها وتخلت) يعني: أخرجت أمواتها وتخلت عنهم. (وأذنت لربها) يعني: في إلقاء موتاها (وحقت) يعني: وحق لها أن تسمع أمره.

3152

(6ـ 15) قوله تعالى: (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه. فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا. وينقلب إلى أهله مسرورا. وأما من أوتي كتابه وراء ظهره. فسوف يدعو ثبورا. ويصلى سعيرا. إنه كان في أهله مسرورا. إنه ظن أن لن يحور. بلى إن ربه كان به بصيرا). فيه بيان أن الناس يوم القيامة صنفان: فمنهم من يحاسب حسابا يسيرا وهو أن تعرض عليه أعماله فيعرف الطاعة من المعصية ويثاب على الطاعة ويتجاوز له عن المعصية ولا يناقش الحساب لأن من نوقش الحساب فقد عذب. زمنهم من يُعطى كتابه من وراء ظهره فيعلم أنه من أهل النار فيصيح بالثبور والويل والهلاك على نفسه. فأما الصنف الأول وهو المؤمن الذي أوتي كتابه بيمينه متقيا من المعاصي غير آمن من العذاب ولم يكن في دنياه مسرورا في أهله، فيجعله الله في الآخرة مسرورا ويبدله بالغم الفاني سرورا دائما لا ينفذ. وأما الصنف الثاني وهو الكافر فإنه كان في أهله مسرورا منعما مستريحا من التعب بأداء العبادات واحتمال مشقة الفرائض منغمسا في المعاصي آمنا من الحساب والثواب والعقاب لا يخاف الله ولا يرجوه، فيبدله الله بذلك السرور الفاني غما باقيا لا ينقطع. قوله تعالى: (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا) المراد بالإنسان الجنس أي يا ابن آدم، والكدح في كلام العرب: العمل والكسب، (فملاقيه) يعني: ملاق ربك، وقيل: ملاق عملك. (فأما من أوتي كتابه بيمينه) وهو المؤمن. (فسوف يحاسب حسابا يسيرا) يعني: حسابا لا مناقشة فيه، قالت عائشة رضي الله عنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حوسب يوم القيامة عذب» قالت: فقلت يا رسول الله، أليس قد قال الله: (فأما من أوتي كتابه بيمينه. فسوف يحاسب حسابا يسيرا) فقال: «ليس ذاك الحساب، إنما ذلك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة عذب» (البخاري ومسلم). وقوله: (وينقلب إلى أهله مسرورا) يعني: إلى أزواجه في الجنة من الحور العين مغتبطا قرير العين. (وأما من أوتي كتابه وراء ظهره) يعني: يأخذ كتابه بشماله من وراء ظهره. (فسوف يدعو ثبورا) يعني: بالهلاك فيقول: يا ويلاه، يا ثبوراه. (ويصلى سعيرا) يعني: ويدخل النار حتى يصلى بحرها. (إنه كان في أهله) يعني: في الدنيا (مسرورا) يعني: ضاحكا متفكها. (إنه ظن أن لن يحور) يعني: لن يرجع حيا مبعوثا فيحاسب، ثم يثاب أو يعاقب، يقال: حار إذا رجع. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور» يعني: من الرجوع إلى النقصان بعد الزيادة. (بلى) يعني: ليس الأمر كما ظن، بل يحور إلينا ويرجع (إن ربه كان به بصيرا) يعني: عالما بأن مرجعه إليه من قبل أن يخلقه.

3153

(16ـ 19) قوله تعالى: (فلا أقسم بالشفق. والليل وما وسق. والقمر إذا اتسق. لتركبن طبقا عن طبق). فيه عرض لمشاهد كونية حاضرة مما يقع تحت حس الإنسان، لها إيحاؤها ولها دلالتها على التدبير والتقدير، مع التلويح بالقسم بها على أن الناس متقلبون في أحوال مقدرة مدبرة، لا مفر لهم من ركوبها ومعاناتها. فقوله تعالى: (فلا أقسم) يعني: أقسم، والمقسم به يسبق بالنفي في كلام العرب إذا كان المقسم عليه منفيا عند الطرف الآخر (بالشفق) يعني: بالحمرة التي تكون عند مغيب الشمس حتى تأتي صلاة العشاء الآخرة. (والليل وما وسق) يعني: جمع ولف وضم، فالليل يجمع ويضم ما كان منتشرا بالنهار في تصرفه. (والقمر إذا اتسق) يعني: تم واجتمع واستوى فأصبح بدرا. (لتركبن طبقا عن طبق) يعني: حالا بعد حال من شدائد القيامة، وقيل: حالا بعد حال سنة من كان قبلكم في التكذيب والاختلاق على الأنبياء، وقيل: سماء بعد سماء في النظر إلى الآفاق.

(20ـ 25) قوله تعالى: (فما لهم لا يؤمنون. وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون. بل الذين كفروا يكذبون. والله أعلم بما يوعون. فبشرهم بعذاب أليم. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون). فيه تعجيب من حال الناس الذين لا يؤمنون لما يؤول إليه أمرهم يوم القيامة من العذاب، وهذه هي حقيقة أمرهم رغم الدلائل الدالة على الإيمان في النفس والآفاق والتاريخ. وفيه ترهيب لهم من ترك الإيمان من خلال تذكيرهم بعلمه تعالى بما يسرون وما يعلنون. وفيه استثناء للمؤمنين من العذاب والتذكير بأن ثوابهم لا ينقطع يوم القيامة بينما عقاب الكافرين لا ينقطع كذلك. فقوله تعالى: (فما لهم لا يؤمنون) يعني: أي شيء يمنعهم من الإيمان بعد ما وضحت لهم الآيات وقامت الدلالات، وهذا استفهام إنكار، وقيل: وقيل: تعجيب منهم في ترك الإيمان مع هذه الآيات. (وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون) يعني: لا يخضعون لله ويذعنون له بالطاعة، وقيل: لا يصلون. (بل الذين كفروا يكذبون) يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم وما جاء به. (والله أعلم بما يوعون) يعني: بما يضمرونه في أنفسهم من التكذيب، وقيل: بما يجمعون من الأعمال الصالحة والسيئة. (فبشرهم بعذاب اليم) يعني: مؤلم في جهنم على تكذيبهم. (إلا الذين آمنوا) يعني: صدقوا بالله (وعملوا الصالحات) يعني: أدوا الفرائض المفروضة عليهم (لهم أجر) يعني: ثواب (غير ممنون) يعني: غير منقوص ولا مقطوع، وقيل: لا يمن عليهم به. والحمد لله رب العالمين.

3154

التفسير التربوي لسورة البروج

قال ابن كثير في التفسير: «سورة البروج: وهي مكية. روى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العشاء الآخرة بالسماء ذات البروج، والسماء والطارق. وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن يقرأ بالسماوات في العشاء. تفرد به أحمد».

وقال البقاعي في علاقة هذه السورة بالتي قبلها: «لما ختم تلك بثواب المؤمن وعقاب الكافر والاستهزاء به، بعد أن ذكر أنه سبحانه أعلم بما يضمر الأعداء من المكر وما يرومون من الأنكاد للأولياء وتوعدهم بما لا يطيقون، وكانوا قد عذبوا المؤمنين بأنواع العذاب واجتهدوا في فتنة من قدروا عليه منهم، وبالغوا في التضييق عليهم حتى اضطروهم إلى شعب أبي طالب وغيره من البروج في البلاد، ومفارقة الأهل والأولاد، ابتدأ هذه السورة بما أوقع بأهل الجبروت ممن تقدمهم على وجه معلم أن ذلك الإيقاع منه سبحانه قطعا، ومعلم أن الماضين تجاوزوا ما فعل هؤلاء إلى القذف في النار، وأن أهل الإيمان ثبتوا، وذلك لتسلية المؤمنين وتثبيتهم، ووعيد الكافرين وتوهيتهم وتفتيتهم».

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «هذه السورة القصيرة تعرض حقائق العقيدة، وقواعد التصور الإيماني، وتشع حولها أضواء قوية بعيدة المدى، وراء المعاني والحقائق المباشرة التي تعبر عنها نصوصها حتى لتكاد كل آية وأحيانا كل كلمة في الآية أن تفتح كوة على عالم مترامي الأطراف من الحقيقة. والموضوع المباشر الذي تتحدث عنه السورة هو حادث أصحاب الأخدود، والموضوع هو أن فئة من المؤمنين السابقين على الإسلام قيل إنهم من النصارى الموحدين ابتلوا بأعداء لهم طغاة قساة شريرين، أرادوهم على ترك عقيدتهم والارتداد عن دينهم، فأبوا وتمنعوا بعقيدتهم، فشق الطغاة لهم شقا في الأرض، وأوقدوا فيه النار، وكبوا فيه جماعة المؤمنين فماتوا حرقا، على مرأى من الجموع التي حشدها المتسلطون لتشهد مصرع الفئة المؤمنة بهذه الطريقة البشعة، ولكي يتلهى الطغاة بمشهد الحريق، حريق الآدميين المؤمنين.. فهذه لمحات مجملة عن إشعاعات السورة ومجالها الواسع البعيد، تمهد لاستعراض هذه الإشعاعات بالتفصيل».

3155

الآيات 1-22

قوله تعالى: ﴿والسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظ﴾ (البروج: 1-22)

(1ـ 9) قوله تعالى: (والسماء ذات البروج. واليوم الموعود. وشاهد ومشهود. قتل أصحاب الأخدود. النار ذات الوقود. إذ هم عليها قعود. وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود. وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد. الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد). تبدأ السورة بالقسم، فتربط بين السماء وما فيها من بروج هائلة، واليوم الموعود وأحداثه الضخام، والحشود التي تشهده والأحداث المشهودة فيه. تربط بين هذا كله وبين الحادث ونقمة السماء على البغاة. ثم تعرض المشهد المفجع في لمحات خاطفة، تودع المشاعر بشاعة الحادث بدون تفصيل ولا تطويل، مع التلميح إلى عظمة العقيدة التي تعالت على فتنة الناس مع شدتها، وانتصرت على النار وعلى الحياة ذاتها، وارتفعت إلى الأوج الذي يشرف الإنسان في أجياله جميعا. والتلميح إلى بشاعة الفعلة، وما يكمن فيها من بغي وشر إلى جانب ذلك الارتفاع والبراءة والتطهر من جانب المؤمنين. بعد ذلك يأتي التعقيب القصير الذي يتضمن تلك الأمور العظيمة في شأن الدعوة والعقيدة والتصور الإيماني الأصيل، إشارة إلى ملك الله في السماوات والأرض وشهادته وحضوره تعالى لكل ما يقع في السماوات والأرض. وفي افتتاح السورة بهذا القسم تشويق إلى ما يرد بعده وإشعار بأهمية المقسم عليه، وهو مع ذلك يلفت ألباب السامعين إلى الأمور المقسم بها، لأن بعضها من دلائل عظيم القدرة الإلهية المقتضية تفرد الله تعالى بالإلهية وإبطال الشريك، وبعضها يذكر بيوم البعث الموعود، إذ القسم لا يكون إلا بشيء ثابت الوقوع، وبعضها بما فيه من الإِبهام يوجه أنفس السامعين إلى تطلب بيانه. ومناسبة القسم لما أقسم عليه أن المقسم عليه تضمن العبرة بقصة أصحاب الأخدود، ولما كانت الأخاديد خطوطا مجعولة في الأرض مستعرة بالنار أقسم على ما تضمنها بالسماء بقيد صفة من صفاتها التي يلوح فيها للناظرين في نجومها ما سماه العرب بروجا وهي تشبه دارات متلألئة بأنوار النجوم اللامعة الشبيهة بتلهب النار. والقسم بالسماء بوصف ذات البروج يتضمن قسما بالأمرين معا لتلتفت أفكار المتدبرين إلى ما في هذه المخلوقات وهذه الأحوال من دلالة على عظيم القدرة وسعة العلم الإلهي إذ خلقها على تلك المقادير المضبوطة لينتفع بها الناس في مواقيت الأشهر والفصل. وأما مناسبة القسم باليوم الموعود فلأنه يوم القيامة باتفاق أهل التأويل ولأن الله وعد بوقوعه، مع ما في القَسم به من إدماج الإِيماء إلى وعيد أصحاب القصة المقسم على مضمونها، ووعيد أمثالهم المعرض بهم. فقوله تعالى: (والسماء ذات البروج) يعني: ذات المنازل، وهي اثنا عشر برجا، وهي منازل الكواكب والشمس والقمر، يسير القمر في كل برج منها يومين وثلث اليوم فذلك ثمانية وعشرون يوما، ثم يستتر ليلتين، وتسير الشمس في كل برج منها شهرا. وقيل: ذات النجوم، وقيل: ذات الخلق الحسن. (اليوم الموعود) يعني: يوم القيامة. (وشاهد ومشهود) قيل: الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة، وقيل: الشاهد كل يوم والمشهود هو الإنسان، وقيل: الشاهد هو الله والمشهود هو الإنسان، وقيل: الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم والمشهود أمته، وقيل: الشاهد أمة محمد صلى الله عليه وسلم والمشهود بقية الأمم. (قتل أصحاب الأخدود) يعني: لعن، وقال ابن عباس: كل شيء في القرآن (قتل) فهو لعن، وهذا جواب القسم، والأخدود: الشق العظيم المستطيل في الأرض كالخندق. (النار ذات الوقود) يعني: ذات الاتقاد والالتهاب، وقيل: ذات الوقود بأبدان الناس. (إذ هم عليها قعود) يعني: الذين حفروا الأخاديد وقعدوا عليها يلقون فيها المؤمنين، وكانوا بنجران في الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم. ففي صحيح مسلم عن صهيب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إلى غلاما أعلمه السحر، فبعث إليه غلاما يعلمه، فكان في طريقه إذا سلك، راهب، فقعد إليه وسمع كلامه، فأعجبه، فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيت الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر. فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل؟ فأخذ حجرا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس، فرماها فقتلها ومضى الناس. فأتى الراهب فأخبره، فقال له الراهب: أي بني، أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلي، فإن ابتليت فلا تدل علي. وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص، ويداوي الناس من سائر الأدواء. فسمع به جليس للملك كان قد عمى، فأتاه بهدايا كثيرة فقال: ما هنا لك أجمع إن أنت شفيتني. فقال: إني لا أشفي أحدا، إنما يشفي الله، فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك؟ فآمن بالله فشفاه الله. فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال ربي. قال: ولك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله. فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فجيء بالغلام فقال له الملك: أي بني! أقد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص، وتفعل وتفعل؟! قال: أنا لا أشفي أحدا، إنما يشفى الله. فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب، فجيء بالراهب، فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدعا بالمنشار، فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه. ثم جيء بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه، فشقه به حتى وقع شقاه. ثم جيء بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه، فذهبوا به فصعدوا به الجبل فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل، فسقطوا. وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله. فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور، فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه، فذهبوا به، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا. وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله. فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به. قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع، ثم خذ سهما من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل: باسم الله رب الغلام، ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني. فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع، ثم أخذ سهما من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال: باسم الله رب الغلام، ثم رماه فوقع السهم في صدغه، فوضع يده في صدغه، في موضع السهم، فمات، فقال الناس: آمنا برب الغلام! آمنا برب الغلام! آمنا برب الغلام! فأتي الملك فقيل له: أرأيت ما كنت، تحذر؟ قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس، فأمر بالأخدود في أفواه السكك، فحدت، وأضرم النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه فأحموه فيها، ففعلوا، حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها، فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: (يا أمه، اصبري فإنك على الحق)). وقوله تعالى: (وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود) يعني: حضور، فكانوا يعرضون الكفر على المؤمنين، فمن أبى ألقوه في النار. (وما نقموا منهم) يعني: وما نقم الملك وأصحابه من الذين حرقهم (إلا أن يؤمنوا) يعني: إلا أن يصدقوا (بالله العزيز) يعني: الغالب المنيع (الحميد) يعني: المحمود في كل حال. (الذي له ملك السموات والأرض) يعني: لا شريك له فيهما ولا ند (والله على كل شيء شهيد) يعني: عالم بأعمال خلقه لا تخفى عليه خافية.

3156

(10ـ 16) قوله تعالى: (إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق. إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير. إن بطش ربك لشديد. إنه هو يبدئ ويعيد. وهو الغفور الودود. ذو العرش المجيد. فعال لما يريد). فيه إشارة إلى عذاب جهنم وعذاب الحريق الذي ينتظر الطغاة الفجرة السفلة. وفيه إشارة إلى نعيم الجنة الذي ينتظر المؤمنين الذين اختاروا عقيدتهم على الحياة وارتفعوا على فتنة النار والحريق. وفيه تلويح ببطش الله الشديد، الذي يبدئ ويعيد، وهي حقيقة تتصل اتصالا مباشرا بالحياة التي أزهقت في الحادث، وتلقي وراء الحادث إشعاعات بعيدة. وبعد ذلك بعض صفات الله تعالى، وكل صفة منها تعني أمرا: فالغفور للتائبين من الإثم مهما عظم وبشع، والودود لعباده الذين يختارونه على كل شيء. وفيه تأكيد على الصفات التي تصور الهيمنة المطلقة، والقدرة المطلقة، والإرادة المطلقة، وكلها ذات اتصال بالحادث. فقوله تعالى: (إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات) يعني: حرقوهم بالنار، والعرب تقول: فتن فلان الدرهم والدينار إذا أدخله الكور لينظر جودته (ثم لم يتوبوا) يعني: من قبيح صنيعهم مع ما أظهره الله لهذا الملك الجبار الظالم وقومه من الآيات والبينات على يد الغلام (فلهم عذاب جهنم) لكفرهم (ولهم عذاب الحريق) يعني: ولهم في الآخرة عذاب زائد على عذاب كفرهم بما أحرقوا المؤمنين. (إن الذين آمنوا) يعني: هؤلاء الذين صدقوا بالله وبرسله (وعملوا الصالحات لهم جنات) يعني: بساتين (تجري من تحتها الأنهار) وهي أنهار: من ماء غير آسن، ومن لبن لم يتغير طعمه، ومن خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى (ذلك الفوز الكبير) يعني: العظيم، الذي لا فوز يشبهه. (إن بطش ربك لشديد) يعني: أخذه الجبابرة والظلمة يكون أخذا شديدا، وهذا كقوله تعالى: (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد) (هود: 102). وقوله تعالى: (إنه يبدئ ويعيد) يعني: الخلق، يخلقهم ابتداء، ثم يعيدهم عند البعث. (وهو الغفور) يعني: الستور لذنوب عباده المؤمنين لا يفضحهم بها (الودود) يعني: المحب لأوليائه. (ذو العرش) يعني: صاحب العرش (المجيد) وهو الله، لأن المجد هو النهاية في الكرم والفضل، والله سبحانه الموصوف بذلك. (فعال لما يريد) يعني: لا يمتنع عليه شيء يريده.

3157

(17ـ 22) قوله تعالى: (هل أتاك حديث الجنود. فرعون وثمود. بل الذين كفروا في تكذيب. والله من ورائهم محيط. بل هو قرآن مجيد. في لوح محفوظ). فيه تذكير بمصارع الطغاة السابقين الغابرين، وهما مصرعان متنوعان في طبيعتهما وآثارهما. وفيه تحذير للكافرين من التكذيب بالقرآن من خلال التذكير بعلمه تعالى وإحاطته بهم وهم لا يشعرون. وفيه تقرير لحقيقة القرآن، وثبات أصله في اللوح المحفوظ عند الله، مما يوحي بأن ما يقرره هو القول الفصل والمرجع الأخير في كل الأمور. فقوله تعالى: (هل أتاك حديث الجنود) يعني: قد أتاك، يا محمد، خبر الجموع الكافرة المكذبة لأنبيائهم. (فرعون) يعني: ملك مصر في زمن موسى عليه السلام (وثمود) يعني: القوم الذين بعث الله تعالى فيهم صالحا عليه السلام. (بل الذين كفروا) يعني: من هؤلاء الذين لا يؤمنون بك (في تكذيب) لك، كدأب من قبلهم. وإنما خص فرعون وثمود، لأن ثمود في بلاد العرب وقصتهم عندهم مشهورة وإن كانوا من المتقدمين، وأمر فرعون كان مشهورا عند أهل الكتاب وغيرهم، وكان من المتأخرين في الهلاك، فدل بهما على أمثالهما في الهلاك. (والله من ورائهم محيط) يعني: يقدر على أن ينزل بهم ما أنزل بفرعون، وقيل: والله عالم بهم فهو يجازيهم. (بل هو قرآن مجيد) يعني: متناه في الشرف والكرم والبركة، وفيه بيان ما يحتاجه الناس من أحكام الدين والدنيا. (في لوح محفوظ) يعني: مكتوب في لوح محفوظ عند الله تعالى من وصول الشياطين إليه. والحمد لله رب العالمين.

3158

التفسير التربوي لسورة الطارق

قال ابن كثير في التفسير: ((سورة الطارق: وهي مكية. وفي مسند الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن خالد بن أبي جبل العُدواني عن أبيه: أنه أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم في مُشرّق ثقيف وهو قائم على قوس (أو: عصا) حين أتاهم يبتغي عندهم النصر، فسمعته يقول: (والسماء والطارق) حتى ختمها، قال: فوعيتها في الجاهلية وأنا مشرك، ثم قرأتها في الإسلام، قال: فدعتني ثقيف فقالوا: ماذا سمعت من هذا الرجل؟ فقرأتها عليهم، فقال من معهم من قريش: نحن أعلم بصاحبنا، لو كنا نعلم ما يقول حقا لاتبعناه. وروى النسائي عن جابر قال: صلى معاذ المغرب فقرأ البقرة والنساء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أفتان يا معاذ؟ ما كان يكفيك أن تقرأ بالسماء والطارق، والشمس وضحاها، ونحو هذا؟)).

وقال البقاعي في علاقة هذه السورة بالتي قبلها: ((لما تقدم في آخر البروج أن القرآن في لوح محفوظ لأن منزله محيط بالجنود من المعاندين وبكل شيء، أخبر أن من إحاطته حفظ كل فرد من جميع الخلائق المخالفين والموافقين والمؤالفين ليجازى على أعماله يوم إحقاق الحقائق وقطع العلائق، فقال مقسما على ذلك لإنكارهم له: (والسماء والطارق)).

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: ((جاء في مقدمة هذا الجزء أن سوره تمثل طرقات متوالية على الحس، طرقات عنيفة قوية عالية، وصيحات بنائمين غارقين في النوم، تتوالى على حسهم تلك الطرقات والصيحات بإيقاع واحد، ونذير واحد: اصحوا، تيقظوا، انظروا، تلفتوا، تفكروا، تدبروا، إن هنالك إلها، وإن هنالك تدبيرا، وإن هنالك تقديرا، وإن هنالك ابتلاء، وإن هنالك تبعة، وإن هنالك حسابا وجزاء، وإن هنالك عذابا شديدا ونعيما كبيرا. وهذه السورة نموذج واضح لهذه الخصائص، ففي إيقاعاتها حدة يشارك فيها نوع المشاهد، ونوع الإيقاع الموسيقي، وجرس الألفاظ، وإيحاء المعاني. ومن مشاهدها: الطارق، والثاقب، والدافق، والرجع، والصدع. ومن معانيها: الرقابة على كل نفس، ونفي القوة والناصر، والجد الصارم. والوعيد فيها يحمل الطابع ذاته: (إنهم يكيدون كيدا. وأكيد كيدا. فمهل الكافرين أمهلهم رويدا). وتكاد تتضمن تلك الموضوعات التي أشير إليها في مقدمة الجزء: إن هنالك إلها، وإن هنالك تدبيرا، وإن هنالك تقديرا، وإن هنالك ابتلاء، وإن هنالك تبعة، وإن هنالك حسابا وجزاء. وبين المشاهد الكونية والحقائق الموضوعية في السورة تناسق مطلق دقيق ملحوظ يتضح من استعراض السورة في سياقها القرآني الجميل)).

3159