التفسير التربويالجزء 1 · ص 3195 - 3202

الآيات 1-8

الآيات 1-8

قوله تعالى: ﴿ألمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغب﴾ (الشرح: 1-8)

وفي هذه السورة تربية من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ولكل مؤمن على التكاليف والواجبات الدينية بعد أن ذكره بنعمه عليه كما هي القاعدة في التربية القرآنية بذكر النعمة قبل التكليف. يقول الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، مذكرا له بنعمه عليه وإحسانه إليه، وحاضا له بذلك على شكره على ما أنعم عليه ليستوجب بذلك المزيد منه: قد شرحنا لك صدرك وغفرنا لك ذنبك ورفعنا لك ذكرك في الدنيا والآخرة، فلا تغتم بما أنت فيه من الشدة والعسر لأننا جعلنا مع كل عسر يسرين، فإذا فرغت من كل ما أنت مشتغل به من أمر الدنيا والآخرة فاشتغل بعبادة الله وطاعته ودعائه وكل ما يقربك منه، واجعل رغبتك به دون سواه من خلقه، لأن هؤلاء المشركون من قومك قد جعلوا رغبتهم في حاجاتهم إلى الآلهة والأنداد. فقوله تعالى: (ألم نشرح لك صدرك) يعني: ألم نفتح صدرك للإسلام، فشرح الصدر: فتحه. وقيل: ألم نلين لك قلبك للدين والهداية، فالشرح: التليين، والصدر هنا: القلب. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام) ثم: «إن النور إذا دخل الصدر انفسح» فقيل : يا رسول الله هل لذلك من علم يعرف؟ قال: «نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله» (الحاكم في المستدرك والبيهقي في شعب الإيمان). وفي الصحيح عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة، أن النبي صلى الله عليه وسلم حدثهم ليلة أسري به فقال: «فبينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان إذ سمعت قائلا يقول: أحد الثلاثة، فأتيت بطست من ذهب، فيها ماء زمزم، فشرح صدري إلى أسفل بطني، فاستخرج قلبي، فغسل قلبي بماء زمزم، ثم أعيد مكانه، ثم حشي إيمانا وحكمة» (البخاري ومسلم). وقوله تعالى: (ووضعنا عنك وزرك) يعني: حططنا عنك ذنبك. وهذه الآية كقوله تعالى: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) (الفتح: 2). وقيل: الجميع كان قبل النبوة، والوزر: الذنب، أي وضعنا عنك ما كنت فيه من أمر الجاهلية، لأنه كان صلى الله عليه وسلم في كثير من مذاهب قومه، وإن لم يكن عبد صنما ولا وثنا. وقيل: ذنوب أمته، أضافها إليه لاشتغال قلبه بها. وقيل: عصمناك عن احتمال الوزر، وحفظناك قبل النبوة في الأربعين من الأدناس، حتى نزل عليك الوحي وأنت مطهر من الأدناس. وقوله تعالى: (الذي أنقض ظهرك) يعني: أثقله حتى سمع نقيضه، أي صوته، وأهل اللغة يقولون: أنقض الحمل ظهر الناقة: إذا سمعت له صريرا من شدة الحمل. وقيل: إنما وصفت ذنوب الأنبياء بهذا الثقل مع كونها مغفورة لشدة اهتمامهم بها وندمهم منها وتحسرهم عليها. وقوله تعالى: (ورفعنا لك ذكرك) قيل: لم أذكر إلا ذكرت معي في الأذان، والإقامة، والتشهد، والحج، والخطبة، لأنه من لم يشهد أن محمدا رسول الله لم ينتفع بشيء وكان كافرا. وقيل: أعلينا ذكرك، فذكرناك في الكتب المنزلة على الأنبياء قبلك، وأمرناهم بالبشارة بك، ولا دين إلا ودينك يظهر عليه. وقيل: رفعنا ذكرك عند الملائكة في السماء، وعند المؤمنين في الأرض، ونرفع في الآخرة ذكرك بما نعطيك من المقام المحمود، وكريم الدرجات. وقوله تعالى: (فإن مع العسر يسرا. إن مع العسر يسرا) يعني: إن مع الضيقة والشدة سعة وغنى. وهذا التكرير لتأكيد الكلام، وقيل: إن من عادة العرب إذا ذكروا اسما معرفا ثم كرروه، فهو هو، وإذا نكروه ثم كرروه فهو غيره، وهما اثنان، ليكون أقوى للأمل، وأبعث على الصبر. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لن يغلب عسر يسرين» (الحاكم في المستدرك والبيهقي في شعب الإيمان). وكتب أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعا من الروم، وما يتخوف منهم، فكتب إليه عمر رضي الله عنهما: «أما بعد، فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل شدة، يجعل الله بعده فرجا، وإنه لن يغلب عسر يسرين» (البخاري ومسلم). وقوله تعالى: (فإذا فرغت فانصب) يعني: فإذا فرغت من صلاتك، فبالغ في الدعاء وسله حاجتك. وقيل: إذا فرغت من الفرائض فانصب في السنن وقيام الليل. وقيل: فإذا فرغت من جهاد عدوك، فانصب لعبادة ربك. وقيل: فإذا فرغت من دنياك، فانصب في صلاتك. وقوله تعالى: (وإلى ربك فارغب) يعني: وإلى ربك دون من سواه من خلقه فاجعل رغبتك، لأن المشركين يجعلون رغبتهم في الأنداد والحاجات والأهواء. وفي هذه الآية ترغيب في الإخلاص وصدق النية في كل عمل وقول. والحمد لله رب العالمين.

3195

التفسير التربوي لسورة التين

قال ابن كثير في التفسير: «تفسير سورة والتين والزيتون: وهي مكية. قال مالك وشعبة، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في سفر في إحدى الركعتين بالتين والزيتون، فما سمعت أحدا أحسن صوتا أو قراءة منه. أخرجه الجماعة في كتبهم».

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «الحقيقة الرئيسية التي تعرضها هذه السورة هي حقيقة الفطرة القويمة التي فطر الله الإنسان عليها، واستقامة طبيعتها مع طبيعة الإيمان، والوصول بها معه إلى كمالها المقدور لها، وهبوط الإنسان وسفوله حين ينحرف عن سواء الفطرة واستقامة الإيمان. ويقسم الله سبحانه على هذه الحقيقة بالتين والزيتون، وطور سينين، وهذا البلد الأمين، وهذا القسم على ما عهدنا في كثير من سور هذا الجزء هو الإطار الذي تعرض فيه تلك الحقيقة. وقد رأينا في السور المماثلة أن الإطار يتناسق مع الحقيقة التي تعرض فيه تناسقا دقيقا».

3196

الآيات 1-8

قوله تعالى: ﴿والتينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِين﴾ (التين: 1-8)

فيه تربية بالقسم، وأما المقسم به فهو الطعام والجبل المقدس والبلد الحرام، وأما المقسم عليه فهو الكمال في خلق الإنسان ومراحل حياته والاستقامة في الفطرة التي فطر الله الناس عليها. وأما موضوع السورة فهو الدعوة إلى الإيمان بالله وما يترتب عليه من العمل الصالح واليوم الآخر وما يترتب عليه من العدالة الإلهية المطلقة بالثواب على الإيمان والعمل الصالح والعقاب على الكفر والعمل الباطل. والإعجاز في هذه السورة أنها تضمنت تعريفا موجزا وكاملا لدين الإسلام في أسطر قليلة. فقوله تعالى: (والتين والزيتون). قال الإمام الطبري بعد أن ذكر أقوال الصحابة والتابعين في تفسير التين والزيتون: «والصواب عندنا قول من قال: التين هو التين الذي يؤكل والزيتون هو الذي يُعصر منه الزيت، لأن ذلك هو المعروف عند العرب، ولا يُعرف جبل اسمه تينا ولا جبل يقال له زيتونا إلا أن يقول قائل: أقسم ربنا جل ثناؤه بالتين والزيتون والمراد من الكلام القسم بمنابت الزيتون ومنابت التين فيكون ذلك مذهبا، وإن لم يكن على صحة ذلك أنه كذلك دلالة في ظاهر التنزيل». وقال ابن قيم الجوزية في التين: «لما لم يكن التين بأرض الحجاز والمدينة، لم يأت له ذكر في السنة، فإن أرضه تنافي أرض النخل، ولكن: قد أقسم الله به في كتابه لكثرة منافعه وفوائده، والصحيح أن المُقسَم به هو التين المعروف. ويُذكر عن أبي الدرداء: أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم طبق من تين فقال: كلوا وأكل منه، وقال: لو قلت إنّ فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه لأن فاكهة الجنة بلا عجم، فكلوا منها فإنها تقطع البواسير وتنفع من النقرس». وقلت في الزيتون: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الزيتون: «كلوا الزيت، وادّهنوا به، فإنه من شجرةٍ مباركة» (الترمذي)، والشجرة المباركة هي شجرة الزيتون المذكورة في القرآن الكريم في سورة النور في قوله تعالى: (يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية) (النور:35)، وكذلك ذكرت في هذه السورة. وثمرة الزيتون مادة غذائية جيدة تمتاز باحتوائها على نسبة عالية من المواد الدسمة ونسبة لا بأس بها من البروتين ونسبة عالية من المواد النشوية. ويُستفاد من الزيتون بأكل ثمره، كما يستفاد باستخراج الزيت المعروف بين الناس بالزيت الطيب، ذي الطعم الطيب، والقيمة الغذائية العالية. والتين مع الزيتون غذاء كامل لاحتواء التين على كمية كبيرة من السكريات واحتواء الزيتون على كمية كبيرة من المواد الدسمة واحتواء كل كنهما على كمية معتدلة من البروتينات، واحتوائهما معا على كمية معتدلة من الفيتامينات والأملاح المعدنية والماء. ومن الناحية الطبية يمكن اعتبارا التين مع الزيتون صيدلية متحركة لفائدتهما في العلاج أو الوقاية في كثير من الأمراض. وقوله تعالى: (وطور سينين). وهو الجبل المعروف بسيناء، وهو جبل مبارك خاطب الله جل ثناؤه منه موسى عليه السلام فنبأه وبعثه إلى بني إسرائيل وقوم فرعون نبيا ورسولا. وإنما أقسم بهذا الجبل لأنه بالشام والأرض المقدسة، وقد بارك الله فيهما، كما قال: (إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله) (الإسراء: 1) يعني: فيه وحوله. وسينين وسيناء اسمان لمسمى واحد، وإذا كانت القراءة المعتمدة في المصاحف هي سينين فإن القراءة سيناء صحيحة ومثبتة في التفاسير. وقوله تعالى: (وهذا البلد الأمين). يعني مكة المكرمة التي كرمها الله تعالى فذكرها في كتابه وأقسم بها مرتين: مرة في سورة البلد ومرة في هذه السورة، وإنما سماه أمينا لأنه آمن، كما قال: (أنا جعلنا حرما آمنا) (العنكبوت: 67) فالأمين: بمعنى الآمن. وقوله تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم). هذا جواب القسم، وأراد بالإنسان كل إنسان (في أحسن تقويم) وهو اعتداله واستواء شبابه، وهو أحسن ما يكون لأنه تعالى خلق كل شئ منكبا عل وجهه، وخلق الإنسان مستويا. وقيل: مزينا بالعقل، مؤديا للأمر، مهديا بالتمييز، مديد القامة، يتناول مأكوله بيده. قال القرطبي: ((قال ابن العربي: ليس لله تعالى خلق أحسن من الإنسان، فإن الله خلقه حيا عالما، قادرا مريدا متكلما، سميعا بصيرا، مدبرا حكيما، وهذه صفات الرب سبحانه، وعنها عبر بعض العلماء، ووقع البيان بقوله: (إن الله خلق آدم على صورته) يعني على صفاته التي قدمنا ذكرها. وفي رواية (على صورة الرحمن) ومن أين تكون للرحمن صورة متشخصة، فلم يبق إلا أن تكون معان. وقد أخبرنا المبارك بن عبد الجبار الأزدي قال: أخبرنا القاضي أبو القاسم علي بن أبي علي القاضي المحسن عن أبيه قال: كان عيسى بن موسى الهاشمي يحب زوجته حبا شديدا فقال لها يوما: أنت طالق ثلاثا إن لم تكوني أحسن من القمر، فنهضت واحتجبت عنه، وقالت: طلقتني! وبات بليلة عظيمة، فلما أصبح غدا إلى دار المنصور، فأخبره الخبر، وأظهر للمنصور جزعا عظيما، فاستحضر الفقهاء واستفتاهم. فقال جميع من حضر: قد طلقت، إلا رجلا واحدا من أصحاب أبي حنيفة، فإنه كان ساكتا. فقال له المنصور: ما لك لا تتكلم؟ فقال له الرجل: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم). يا أمير المؤمنين: الإنسان أحسن الأشياء، ولا شيء أحسن منه. فقال المنصور لعيسى بن موسى: الأمر كما قال الرجل، فأقبل على زوجتك)). وقوله تعالى: (ثم رددناه أسفل سافلين). يعني: إلى أرذل العمر، وهو الهرم بعد الشباب، والضعف بعد القوة، حتى يصير كالصبي في الحال الأول. وقيل: إلى النار، والمراد هنا الإنسان الكافر. وقيل: رددناه إلى الضلال، كما قال تعالى: (إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) أي إلا هؤلاء، فلا يردون إلى ذلك. وقوله تعالى: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون). يعني: إلا أهل الإيمان الذين أدركهم الكبر فإنهم لا يؤاخذون بما عملوه في كبرهم، فتكتب لهم حسناتهم على عادتهم في الأعمال قبل الخرف. قال ابن عباس: إذا كان العبد في شبابه كثير الصلاة كثير الصيام والصدقة، ثم ضعف عما كان يعمل في شبابه، أجرى الله عز وجل له ما كان يعمل في شبابه. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أحد من المسلمين يصاب ببلاء في جسده إلا أمر الله الحفظة الذين يحفظونه فقال: اكتبوا لعبدي في كل يوم وليلة مثلما كان يعمل من الخير ما كان محبوسا في وثاقي» (مسند الدارمي). وقيل: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) فإنهم لا يردون إلى أرذل العمر، ولا يذهب عقل من عالم عامل. (فلهم أجر غير ممنون) يعني: أجر بغير عمل، وقيل: غير مقطوع. وقوله تعالى: (فما يكذبك بعد بالدين). قيل: الخطاب للكافر، توبيخا وإلزاما للحجة، أي إذا عرفت أن الله خلقك في أحسن تقويم، وأنه يردك إلى أرذل العمر، وينقلك من حال إلى حال، فما يحملك على أن تكذب بالبعث والحساب. وقيل: المعنى: فمن يكذبك أيها الرسول بعد هذا البيان بالدين، كأنه قال: فمن يقدر على تكذيبك بالثواب والعقاب، بعد ما ظهر من قدرتنا على خلق الإنسان. وقوله تعالى: (أليس الله بأحكم الحاكمين). يعني: أتقن الحاكمين صنعا في كل ما خلق. وقيل: (بأحكم الحاكمين) قضاء بالحق، وعدلا بين الخلق. وروى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قرأ سورة (والتين والزيتون) فقرأ (أليس الله بأحكم الحاكمين) فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين)) (أحمد وأبو داود). والحمد لله رب العالمين.

3197

التفسير التربوي لسورة العلق

قال القرطبي في التفسير: «سورة العلق: وهي مكية بإجماع. وهي أول ما نزل من القرآن في قول أبي موسى وعائشة رضي الله عنهما. وهي تسع عشرة آية».

وقال البقاعي في علاقة هذه السورة بالتي قبلها: «لما أمر سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في الضحى بالتحديث بنعمته، وذكره بمجامعها في الشرح، فأنتج ذلك إفراده بما أمره به في ختمها من تخصيصه بالرغبة إليه، فدل في الزيتون على أنه أهل لذلك لتمام قدرته، الذي يلزم منه أنه لا قدرة لغيره إلا به، فأنتج ذلك تمام الحكمة، فأثمر قطعا البعث للجزاء، فتشوف السامع إلى ما يوجب حسن الجزاء في ذلك اليوم وبأيّ وسيلة يقف بين يدي الملك الأعلى في يوم الجمع الأكبر من خصال الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فأرشد إلى ذلك في هذه السورة».

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «مطلع هذه السورة هو أول ما نزل من القرآن باتفاق، والروايات التي تذكر نزول غيرها ابتداء ليست وثيقة.. ولكن هناك تناسقا كاملا بين أجزاء السورة، وتسلسلا في ترتيب الحقائق التي تضمنتها بعد هذا المطلع المتقدم، يجعل من السورة كلها وحدة منسقة متماسكة».

3198

الآيات 1-19

قوله تعالى: ﴿اقرأ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب﴾ (العلق: 1-19)

(1ـ 5) قوله تعالى: (اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم). فيه ترغيب بالقراءة والعلم وكذلك الكتابة وكل ما يتعلق به، وإنه لمن مفاخر هذا الدين أن يكون أول ما نزل من القرآن الأمر بالقراءة. وفيه تربية على ابتداء الأعمال وكذلك الأقوال باسم الله تعالى. وإن ذكر الرب في التسمية دون سواه له علاقة بالتربية حيث إن الرب هو المربي والمتعهد بالإصلاح والتربية في بعض معانيه. وتبدأ هذه السورة من صفات الرب بالصفة التي بها الخلق، ثم تخصص ذلك في خلق الإنسان دون سواه من النطفة ثم من العلقة ثم من المضغة وهي المراحل الأولى في تخليق الجنين. وفيه بيان لكرمه تعالى فهو الأكرم، ومن كرمه تعليم الإنسان مع تربيته من خلال التعليم. وتبرز حقيقة التعليم بالقلم لأن القلم كان وما يزال أوسع وأعمق أدوات التعليم أثرا في حياة الإنسان. فهذه الحقائق القرآنية الأولى التي تلقاها الرسول الله صلى الله عليه وسلم في اللحظة الأولى هي التي ظلت تصرف شعوره، وتصرف لسانه، وتصرف عمله واتجاهه طوال حياته، بوصفها قاعدة الإيمان الأولى. فقوله تعالى: (اقرأ باسم ربك الذي خلق) هذه السورة أول ما نزل من القرآن في قول معظم المفسرين، نزل بها جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم على حراء، فعلمه خمس آيات من هذه السورة. وقيل: إن أول ما نزل (يا أيها المدثر) لسبع آيات منها. وقيل: فاتحة الكتاب أول ما نزل. والقول الأول هو الأصح. قالت عائشة: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصادقة، ثم جاءه الملك فقال: (اقرأ باسم ربك الذي خلق) إلى قوله: (علم الإنسان ما لم يعلم). (البخاري ومسلم). ومعنى (اقرأ باسم ربك): اقرأ ما أنزل إليك من القرآن مفتتحا باسم ربك، وهو أن تذكر التسمية في ابتداء كل سورة، وعلى هذا فالمقروء محذوف، أي اقرأ القرآن وافتتحه باسم الله. وقيل: اذكر اسمه، فأمره أن يبتدئ القراءة باسم الله (الذي خلق) يعني: الذي خلق كل شيء ولا خالق سواه. (خلق الإنسان) يعني: ابن آدم (من علق) يعني: من دم قليل جامد، وسمي علقة لعلوقه بجدار الرحم. ومرحلة العلقة هي إحدى مراحل تخلق الجنين في الرحم. (اقرأ وربك الأكرم) أكد على القراءة لأهميتها فهي السبيل الأول في التعليم فيستخدم فيها حاستين من الحواس الخمس وهما: العين والأذن (وربك الأكرم) يعني: الكريم الذي ليس لكرمه حد، وقيل: المتجاوز عن جهل العباد. (الذي علم بالقلم) يعني: الخط والكتابة، فعلم الإنسان الخط بالقلم، وسمي قلما لأنه يقلم، أي يقطع، ومنه تقليم الظفر. وقيل: الأقلام ثلاثة: القلم الأول الذي خلقه الله بيده، وأمره أن يكتب، والقلم الثاني: أقلام الملائكة، جعلها الله بأيديهم يكتبون بها المقادير والكوائن والأعمال، والقلم الثالث: أقلام الناس، جعلها الله بأيديهم، يكتبون بها كلامهم، ويصلون بها مآربهم. (علم الإنسان ما لم يعلم) يعني: آدم عليه السلام، علمه أسماء كل شيء كما قال تعالى: (وعلم آدم الأسماء كلها) (البقرة:31)، وقيل: الإنسان هنا الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، دليل ذلك قوله تعالى: (وعلمك ما لم تكن تعلم) (النساء: 113)، وقيل: هو عام لقوله تعالى: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا) (النحل: 78). فدلت هذه الآيات على كمال كرمه سبحانه، بأنه علم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبه على فضل علم الكتابة، لما فيه من المنافع العظيمة، التي لا يحيط بها إلا هو. وما دونت العلوم، ولا قيدت الحكم، ولا ضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم، ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة، ولولا هي ما استقامت أمور الدين والدنيا.

3199

(6) و (7) و (8) قوله تعالى: (كلا إن الإنسان ليطغى. أن رآه استغنى. إن إلى ربك الرجعى). فيه بيان أن الإنسان قليل الشكر على النعم وخاصة النعم المذكورة في مطلع السورة: نعمة الخلق، ونعمة التعليم، ونعمة الكرم الإلهي على الإنسان. وفيه بيان أن الغنى قد يدفع بصاحبه إلى الكفر والظلم والطغيان. فقوله تعالى: (كلا إن الإنسان ليطغى) والطغيان: مجاوزة الحد في الظلم والعصيان. (أن رآه استغنى) يعني: لأن رأى نفسه ذا مال وثروة، وقيل: استغنى بالعشيرة والأنصار والأعوان، كأنه قيل: إنكم لتطغون إن رأيتم غناكم.

(9ـ 14) قوله تعالى: (أرأيت الذي ينهى. عبدا إذا صلى. أرأيت إن كان على الهدى. أو أمر بالتقوى. أرأيت إن كذب وتولى. ألم يعلم بأن الله يرى). وهذه الآيات تعرض صورة من صور الطغيان، وهي صورة مستنكرة يعجب منها القرآن، ويفظع وقوعها في أسلوب فريد، والتشنيع والتعجيب واضح في طريقة التعبير. إنها صورة الإنسان الطاغي المستبد الذي ينهى عن الصلاة، وينأى عن الهدى، ويأمر بالمنكر، ويكذب بالقرآن ويعرض عن الإيمان متناسيا أن الله تعالى يعلم ويرى ويسمع كل ذلك. فقوله تعالى: (أرأيت الذي ينهى) نزلت في أبي جهل، وهي عامة في كل من ينهى غيره عن الصلاة أو العبادة أو الإيمان. (عبدا إذا صلى) نزلت في محمد صلى الله عليه وسلم، وهي عامة في كل من يصلي. (أرأيت إن كان على الهدى. أو أمر بالتقوى) يعني: ألم يكن الأولى بمن ينهى عن الصلاة أن يكون على الهدى والصلاة في نفسه وأن يكون آمرا بالتقوى لغيره، وهو استفهام على سبيل التوبيخ والتقريع والتعنيف. وقيل: المراد بهاتين الآيتين المنهي عن الصلاة، وفيه تشنيع على من ينهى عن الصلاة خاصة إن كان المصلي من الهداة المهتدين الآمرين بالتقوى والمعروف. (ألم يعلم بأن الله يرى) يعني: ألم يعلم هذا الذي ينهى عن الصلاة بأن الله براه ويسمعه ويبصره وهو مجازيه فمعاقبه على نهيه عن المعروف والهدى والتقوى.

3200

(15ـ 19) قوله تعالى: (كلا لئن لم ينته لنسفعن بالناصية. ناصية كاذبة خاطئة. فليدع ناديه. سندع الزبانية. كلا لا تطعه واسجد واقترب). وأمام مشهد الطغيان الذي يقف في وجه الدعوة، وفي وجه الإيمان، وفي وجه الطاعة، يجيء التهديد الحاسم الرادع المعلن بالإهانة والإذلال والتحدي الواضح الصريح، وهذا يدل على شدة الطغيان التي كان يمارسها بعض سادة قريش تجاه المؤمنين العزل والتي استدعت هذا التدخل الإلهي السافر. قوله تعالى: (كلا لئن لم ينته) يعني: أبي جهل عن أذية محمد صلى الله عليه وسلم (لنسفعن) يعني: لنأخذن (بالناصية) يعني: شعر مقدم الرأس، والأخذ بها كناية عن الذل والإهانة. وقيل: لنأخذن بناصيته يوم القيامة وتطوى مع قدميه ويطرح في النار، كما قال تعالى: (فيؤخذ بالنواصي والأقدام) (الرحمن: 41)، وهذه الآيات وإن كانت في أبي جهل، فهي عظة للناس وتهديد لمن يمتنع أو يمنع غيره عن الطاعة. وأهل اللغة يقولون: سفعت بالشيء: إذا قبضت عليه وجذبته جذبا شديدا، وقيل: هو مأخوذ من سفعته النار والشمس: إذا غيرت وجهه إلى حال تسويد. والناصية: شعر مقدم الرأس، وقد يعبر بها عن جملة الإنسان، كما يقال: هذه ناصية مباركة، إشارة إلى جميع الإنسان، وخص الناصية بالذكر على عادة العرب فيمن أرادوا إذلاله وإهانته أخذوا بناصيته. (ناصية كاذبة خاطئة) يعني: صاحب الناصية كاذب في قوله خاطئ في فعله. والخاطئ معاقب مأخوذ، والمخطئ غير مأخوذ. (فليدع ناديه) يعني: فليستنصر بأهل مجلسه وعشيرته. (سندع الزبانية) يعني: الملائكة الغلاط الشداد. والزبانية: اسم جمع مأخوذ من الزبن وهو الدفع، ومنه المزابنة في البيع، وقال قتادة: هم الشرطة عند العرب. وهذه الآيات من الآيات التي تثبت إعجاز القرآن وأنه من عند الله لأن الذي تحداه القرآن لم يقبل التحدي ولم يدخل فيه. وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ هذه السورة، وبلغ إلى قوله تعالى: لنسفعن بالناصية) قال أبو جهل: أنا أدعو قومي حتى يمنعوا عني ربك، فقال تعالى: (فليدع ناديه. سندع الزبانية)، فلما سمع ذكر الزبانية رجع فزعا، فقيل له: خشيت منه! قال لا! ولكن رأيت عنده فارسا يهددني بالزبانية، فما أدري ما الزبانية، وأما الفارس فخشيت منه أن يأكلني. (كلا) يعني: ليس الأمر على ما يظنه الكافر الذي ينهى عن المعروف (لا تطعه) يعني: فيما دعاك إليه من ترك الصلاة أو الهداية أو التقوى (واسجد) يعني: وصل لله (واقترب) يعني: تقرب إلى الله جل ثناؤه بالطاعة والعبادة. وقيل: المعنى: إذا سجدت فاقترب من الله بالدعاء، لقوله صلى الله عليه وسلم: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء» (مسلم). قال العلماء: وإنما كان ذلك لأنها نهاية العبودية والذلة، ولله غاية العزة، وله العزة التي لا مقدار لها، فكلما بعدت من صفته، قربت من جنته، ودنوت من جواره في داره. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا إني نهيت أن أقرأ راكعا أو ساجدا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فإنه قمن أن يستجاب لكم» (النسائي). والحمد لله رب العالمين.

3201

التفسير التربوي لسورة القدر

قال القرطبي في التفسير: «سورة القدر: وهي مدنية في قول أكثر المفسرين ذكره الثعلبي. وحكى الماوردي عكسه. قلت: وهي مدنية في قول الضحاك وأحد قولي ابن عباس. وذكر الواقدي أنها أول سورة نزلت بالمدينة. وهي خمس آيات».

وقال البقاعي في علاقة هذه السورة بالتي قبلها: «لما ذكر الله سبحانه وتعالى كتابه في هذا الذكر العربي المعجز، ذكر إنزاله مستحضرا في كل قلب، وكان ذلك مغنيا عن إعادته بصريح اسمه، فكان متى أضمره علمه المخاطب بما في السياق من القرائن الدالة عليه، وبما له في القلب من العظمة وفي الذهن من الحضور لا سيما في هذه السورة، لافتتاح العلق بالأمر بقراءته، وختمها بالصلاة التي هي أعظم أركانها، فكانت دلالتها عليه دلالة هي في غاية الوضوح».

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «الحديث في هذه السورة عن تلك الليلة الموعودة المشهودة التي سجلها الوجود كله في فرح وغبطة وابتهال، ليلة الاتصال المطلق بين الأرض والملأ الأعلى، ليلة بدء نزول هذا القرآن على قلب محمد صلى الله عليه وسلم، ليلة ذات الحدث العظيم الذي لم تشهد الأرض مثله في عظمته، وفي دلالته، وفي آثاره في حياة البشرية جميعا. العظمة التي لا يحيط بها الإدراك البشري. والنصوص القرآنية التي تذكر هذا الحدث تكاد ترف وتنير، بل هي تفيض بالنور الهادئ الساري الرائق الودود، نور الله المشرق في قرآنه، ونور الملائكة والروح وهم في غدوهم ورواحهم طوال الليلة بين الأرض والملأ الأعلى، ونور الفجر الذي تعرضه النصوص متناسقا مع نور الوحي ونور الملائكة، وروح السلام المرفرف على الوجود وعلى الأرواح السارية في هذا الوجود. وقد ورد في تعيين هذه الليلة آثار كثيرة، بعضها يعين الليلة السابعة والعشرين من رمضان، وبعضها يعين الليلة الواحدة والعشرين، وبعضها يعينها ليلة من الليالي العشر الأخيرة، وبعضها يطلقها في رمضان كله، فهي ليلة من ليالي رمضان على كل حال في أرجح الآثار».

3202