الآيات 1-8
قوله تعالى: ﴿ألمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغب﴾ (الشرح: 1-8)
وفي هذه السورة تربية من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ولكل مؤمن على التكاليف والواجبات الدينية بعد أن ذكره بنعمه عليه كما هي القاعدة في التربية القرآنية بذكر النعمة قبل التكليف. يقول الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، مذكرا له بنعمه عليه وإحسانه إليه، وحاضا له بذلك على شكره على ما أنعم عليه ليستوجب بذلك المزيد منه: قد شرحنا لك صدرك وغفرنا لك ذنبك ورفعنا لك ذكرك في الدنيا والآخرة، فلا تغتم بما أنت فيه من الشدة والعسر لأننا جعلنا مع كل عسر يسرين، فإذا فرغت من كل ما أنت مشتغل به من أمر الدنيا والآخرة فاشتغل بعبادة الله وطاعته ودعائه وكل ما يقربك منه، واجعل رغبتك به دون سواه من خلقه، لأن هؤلاء المشركون من قومك قد جعلوا رغبتهم في حاجاتهم إلى الآلهة والأنداد. فقوله تعالى: (ألم نشرح لك صدرك) يعني: ألم نفتح صدرك للإسلام، فشرح الصدر: فتحه. وقيل: ألم نلين لك قلبك للدين والهداية، فالشرح: التليين، والصدر هنا: القلب. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام) ثم: «إن النور إذا دخل الصدر انفسح» فقيل : يا رسول الله هل لذلك من علم يعرف؟ قال: «نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله» (الحاكم في المستدرك والبيهقي في شعب الإيمان). وفي الصحيح عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة، أن النبي صلى الله عليه وسلم حدثهم ليلة أسري به فقال: «فبينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان إذ سمعت قائلا يقول: أحد الثلاثة، فأتيت بطست من ذهب، فيها ماء زمزم، فشرح صدري إلى أسفل بطني، فاستخرج قلبي، فغسل قلبي بماء زمزم، ثم أعيد مكانه، ثم حشي إيمانا وحكمة» (البخاري ومسلم). وقوله تعالى: (ووضعنا عنك وزرك) يعني: حططنا عنك ذنبك. وهذه الآية كقوله تعالى: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) (الفتح: 2). وقيل: الجميع كان قبل النبوة، والوزر: الذنب، أي وضعنا عنك ما كنت فيه من أمر الجاهلية، لأنه كان صلى الله عليه وسلم في كثير من مذاهب قومه، وإن لم يكن عبد صنما ولا وثنا. وقيل: ذنوب أمته، أضافها إليه لاشتغال قلبه بها. وقيل: عصمناك عن احتمال الوزر، وحفظناك قبل النبوة في الأربعين من الأدناس، حتى نزل عليك الوحي وأنت مطهر من الأدناس. وقوله تعالى: (الذي أنقض ظهرك) يعني: أثقله حتى سمع نقيضه، أي صوته، وأهل اللغة يقولون: أنقض الحمل ظهر الناقة: إذا سمعت له صريرا من شدة الحمل. وقيل: إنما وصفت ذنوب الأنبياء بهذا الثقل مع كونها مغفورة لشدة اهتمامهم بها وندمهم منها وتحسرهم عليها. وقوله تعالى: (ورفعنا لك ذكرك) قيل: لم أذكر إلا ذكرت معي في الأذان، والإقامة، والتشهد، والحج، والخطبة، لأنه من لم يشهد أن محمدا رسول الله لم ينتفع بشيء وكان كافرا. وقيل: أعلينا ذكرك، فذكرناك في الكتب المنزلة على الأنبياء قبلك، وأمرناهم بالبشارة بك، ولا دين إلا ودينك يظهر عليه. وقيل: رفعنا ذكرك عند الملائكة في السماء، وعند المؤمنين في الأرض، ونرفع في الآخرة ذكرك بما نعطيك من المقام المحمود، وكريم الدرجات. وقوله تعالى: (فإن مع العسر يسرا. إن مع العسر يسرا) يعني: إن مع الضيقة والشدة سعة وغنى. وهذا التكرير لتأكيد الكلام، وقيل: إن من عادة العرب إذا ذكروا اسما معرفا ثم كرروه، فهو هو، وإذا نكروه ثم كرروه فهو غيره، وهما اثنان، ليكون أقوى للأمل، وأبعث على الصبر. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لن يغلب عسر يسرين» (الحاكم في المستدرك والبيهقي في شعب الإيمان). وكتب أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعا من الروم، وما يتخوف منهم، فكتب إليه عمر رضي الله عنهما: «أما بعد، فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل شدة، يجعل الله بعده فرجا، وإنه لن يغلب عسر يسرين» (البخاري ومسلم). وقوله تعالى: (فإذا فرغت فانصب) يعني: فإذا فرغت من صلاتك، فبالغ في الدعاء وسله حاجتك. وقيل: إذا فرغت من الفرائض فانصب في السنن وقيام الليل. وقيل: فإذا فرغت من جهاد عدوك، فانصب لعبادة ربك. وقيل: فإذا فرغت من دنياك، فانصب في صلاتك. وقوله تعالى: (وإلى ربك فارغب) يعني: وإلى ربك دون من سواه من خلقه فاجعل رغبتك، لأن المشركين يجعلون رغبتهم في الأنداد والحاجات والأهواء. وفي هذه الآية ترغيب في الإخلاص وصدق النية في كل عمل وقول. والحمد لله رب العالمين.