التفسير التربويالجزء 1 · ص 434 - 441

الآية 15

الآية 15

قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ (النساء: 15)

(1) في وجه اتصال هذه الآية بما قبلها فوائد تربوية ذكرها الإمام الرازي في التفسير فقال: ((اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآيات المتقدمة الأمر بالإحسان إلى النساء ومعاشرتهن بالجميل, وما يتصل بهذا الباب, ضم إلى ذلك التغليظ عليهن فيما يأتينه من الفاحشة, فإنّ ذلك في الحقيقة إحسان إليهن ونظر لهن في أمر آخرتهن. وأيضا ففيه (فائدة أخرى) وهو أن لا يجعل أمر الله الرجال بالإحسان إليهن سببا لترك إقامة الحدود عليهن, فيصير ذلك سببا لوقوعهن في أنواع المفاسد والمهالك. وأيضا فيه (فائدة ثالثة) وهي بيان أنّ الله تعالى كما يستوفي لخلقه فكذلك يستوفي عليهم, وأنه ليس في أحكامه محاباة ولا بينه وبين أحد قرابة, وأنّ مدار هذا الشارع الإنصاف والاحتراز في كل باب عن طرفي الإفراط والتفريط)).

(2) قوله تعالى: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَة). معناه: يفعلنها ويقعن فيها, فنسب هذا الفعل إلى الفاعل نفسه، ومعنى ذلك أنّ الله لما نهى عن هذه المعصية فهو لا يعينه على إتيانها وفعلها وإنما يأتيها ويفعلها من قبل نفسه, فهو الذي يختارها ويذهب إليها, وكونه تعالى لا يعين أحدا على فعل المعصية له أثره التربوي في نفس المؤمن كرادع عن فعل المعصية.

(3) قوله تعالى: (الْفَاحِشَة). أصل الفاحش في اللغة هو القبيح في القول وفي الفعل, والمراد من الفاحشة هنا الزنا بإجماع المفسرين, وفي تسميته الزنا بالفاحشة تقبيح له و تنفير للناس من فعله أو الإقدام عليه أو القبول به, ولهذا الأمر دلالته التربوية في الترهيب من الزنا.

(4) قوله تعالى: (مِنْ نِسَائِكُم). معناه: من النساء المسلمات, أي: إنّ الحكم الشرعي هنا المخاطب به المسلمات وهن ملزمات بتنفيذ الحكم بسبب من إيمانهم, فالمخاطب بالشرائع هم المؤمنون, ولا يُلزم غير المؤمنين بتكاليف الشرع إلا إذا اختاروها بأنفسهم، لأنهم لم يلزموا في أصل الدين وهو الإيمان فمن قبيل الأولى أن لا يلزموا بشرائع الدين. وهذا الربط بين الإيمان وتنفيذ الشريعة هو تربية وتوطين لكل من يختار الإيمان على الالتزام والقبول بأحكام الشريعة وتطبيقها. ولهذا الأمر أهميته في العصر الحالي حيث نجد الكثيرين ممن فصلوا بين الإيمان وبين تطبيق الشريعة، حتى راحوا يصوّرون الدين على أنه عقيدة من دون شريعة.

434

(5) قوله تعالى: (فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُم). القاعدة في الإشهاد هي شاهدي عدل من المسلمين، في البيع والشراء وفي سائر المعاملات إلا في مسألة الزنا فإنّ الشارع الإسلامي احتاط أكثر: (أولا) اشترط أربعة شهود. (ثانيا) اشترط كون الشهود مسلمين، فلا تقبل شهادة غيرهم في هذه المسألة لأنهم غير مؤتمنين على عرض المسلمة. (ثالثا) كون المسلمين عدولا أي: غير متهمين بالكذب وارتكاب المعاصي في سيرتهم الشخصية. (رابعا) شهادة الشهود يجب أن تكون محددة وواضحة في أنهم رأوا العضو الذكري داخل العضو الأنثوي، وهو ما يعبر عنه فيقال: «رأوا الميل في المكحل»، فلا يكفي أن يقول الشاهد بأنه رآهما عاريين ملتصقين الأبدان. (خامسا) أن يكون الشهود الأربعة ذكورا، فلا تقبل شهادة المرأة في الزنا ولا تعتبر نصف شهادة كما هو الحال في الدين. وكل هذه الاحتياطات لها علامة بواقع الناس وخيالهم ومبالغتهم في الظن والاتهام في هذه المسألة، حتى إننا نجد في كثير من المجتمعات الآن من يتهم الآخرين بالزنا لمجرد السلام أو الكلام أو المشي معا أو الخلوة.

(6) قوله تعالى: (فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ). هذا الحكم الشرعي في الزناة المتزوجين رجالا ونساء، وهو الحبس حتى الموت، هو حكم مؤقت جاء بعده الحكم النهائي, والمراد من هذا الحكم هو منع الزناة المتزوجين من الاختلاط بالمجتمع حتى لا يلوثون المجتمع بفاحشتهم وقبيحهم, فكان هذا الحكم الشرعي بمثابة الحجر الصحي على المريض المصاب بمرض معدي, وذلك أنّ التفاحة المهترئة إذا وضعت ضمن قفص من التفاح السليم فإنها ستكون سببا في اهتراء كامل التفاح في القفص مع الزمن.

(7) قوله تعالى: (أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا). وقد جعل الله لهن سبيلا فجاء الحكم النهائي في سورة النور, فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي أثر عليه، وكرب لذلك، وتغير وجهه, فأنزل الله عز وجلّ عليه ذات يوم, فلما سري عنه قال: «خذوا عني, خذوا عني, قد جعل الله لهن سبيلا, البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» (مسلم).

ونقف هنا أمام طريقة القرآن في معالجة المشكلات الاجتماعية وهي التدرج في التشريع، ونقل الناس قليلا قليلا من الحالة السيئة التي يعيشونها إلى الحالة الجيدة التي يريدها الله لهم, فبين الحكم المؤقت في عقوبة الزنا والحكم النهائي فيه مدة زمنية, فجاء الحكم المؤقت كالتمهيد للحكم النهائي والتوطين له, وذلك أنّ انتقال الناس من العادات وتركهم لها ليس بالأمر السهل فالعادة في المجتمع إلهٌ متبع, وهي متأصلة، وقد يكون عمرها مئات السنين، فإلغاؤها في يوم وليلة ليس أمرا سهلا ولا ميسورا, والمراد من الإلغاء هنا الإلغاء الاجتماعي وليس الفردي فالإلغاء الفردي قد يكون سهلا وميسورا أما الإلغاء الاجتماعي ففيه صعوبة ما لم يؤخذ بالتدريج، وذلك لأنّ حركة الأمة ليست كحركة الفرد ووعي الأمة ليس كوعي الفرد وإرادة الأمة ليست كإرادة الفرد، والله أعلم.

435

الآية 16

قوله تعالى: ﴿وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَحِيما﴾ (النساء: 16)

(1) هذه الآية في الزناة الأبكار أما الآية السابقة فهي في الزناة المتزوجين, هذا ما قاله السُدّي وابن زيد ورجّحه الطبري وهو الصحيح إن شاء الله. وعقوبة الزنا الأبكار هنا هي الإيذاء بالقول والعمل, قال ابن عباس رضي الله عنه: «الإيذاء بالتعيير والضرب بالنعال» (الطبري), وهذه العقوبة هي عقوبة مؤقتة ألغيت فيما بعد بآية في سورة النور: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة) (النور: 2), وبقوله صلى الله عليه وسلم: «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» (مسلم)، ونلمح هنا درسين تربويين: (الأول) إنّ هذه العقوبات المؤقتة كانت حيث لم يكن للإسلام دولة وسلطة وشوكة، فلما صار للإسلام دولة وسلطة وشوكة قرر العقوبات النهائية. (والثاني) إنّ عقوبة الزاني البكر أخف من عقوبة الزاني الثيب، سواء في العقوبة المؤقتة أو في العقوبة النهائية كما هو واضح من النصوص وهذا يدل على واقعية الإسلام ورحمته بالإنسان, فالزاني البكر يقع في الزنا تحت ضغط من الهوى والشهوة والشحنات الجنسية التي تنمو في داخله ولا سبيل إلى تفريغها, أما الزاني المتزوج فما يزني إلا لتأصل هذا الفساد في نفسه فهو يستطيع إفراغ شحناته الداخلية ويستطيع تفريغ هذه الطاقة المتشكلة داخله عن طريق الحلال ومن خلال زوجته، فلماذا يلجأ إلى الحرام؟ إنه يلجأ إلى الحرام لتأصل هذا الفساد في نفسه بحيث صار يبحث عن تغيير المذاق والعبث بأعراض الناس, فكان لابد من تشديد العقوبة عليه سواء في العقوبة المؤقتة أم في العقوبة النهائية، والله أعلم.

(2) قوله تعالى: (فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا). قرن الإصلاح مع التوبة فدل هذا على أنّ التوبة وحدها لا تكفي عند الله فلا بد من الإصلاح، والمراد من الإصلاح هنا محو الآثار السيئة العامة التي أحدثتها المعصية، فالذي يذنب أمام الناس لا يكفي أن يتوب أمام نفسه, لابد أن يتوب أمام الناس، فلا بد هنا من إعلان التوبة وإتباعها بالقول الصالح والعمل الصالح حتى تبلغ التوبة مقصودها في محو ما أثارته المعصية في النفوس, والذي يبدو لي أنّ الإصلاح هنا هو حق المجتمع فيما يتعلق بالذنب.

436

(3) قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَحِيما). معنى قوله (توّابا) أي: الذي يقبل التوبة مرة بعد مرة، وهذه صفة لله تعالى, فلإنسان يقبل التوبة مرة وقد يقبلها مرات ولكنه لا يقبلها مرات ومرات كما هو الله تعالى، وعلى هذا يكون المدلول التربوي لكونه تعالى توابا هو أنه على المسلم أن يقتبس من صفات الله ومن خلقه فيقبل التوبة مرات ومرات, ومعنى قوله (رحيما) أي: لا يعاقب على ذنب تاب منه, وهذه صفة لله تعالى، على المسلم أن يقتبس من صفته تعالى وخُلقه, فلا يعاقب العبد على ذنب تاب منه, ولا يعيّر العبد بذنب تاب منه, فأين نحن من هذا؟ بعض المسلمين يعيّرون الناس بذنوب تابوا منها وخاصة إذا اختلفوا معهم, وقد يعيّرون الناس بذنوب آبائهم وأمهاتهم, فأين نحن من أخلاق الله تعالى؟. ومن رحمته تعالى أنه شرع التوبة, ومن رحمته تعالى أنه يقبل التوبة مرة بعد مرة, ومن رحمته تعالى أنه شرع العقوبة الدنيوية وقاية من العقوبة الأخروية.

437

الآيات 17-18

قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيما﴾ (النساء: 17-18)

(1) اعلم أنه تعالى لما رغب في التوبة في الآية السابقة ووصف نفسه فقال: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَحِيما)، شرع هنا في ذكر صفات التوبة وشروطها ووقت قبولها، وحثّ المذنبين على التعجيل بهما وعدم التأخير بحيث يحصل الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة, وبيّن أنّ طريق التوبة مفتوح للمذنبين والمذنبات لا يمنعهم أحد من الدخول فيه إذا أرادوا.

(2) قوله تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّه). أهم شيء في نظرة الإسلام إلى التوبة هو أنّ التوبة علاقة مباشرة مع الله فلا حاجب بين العبد وبين ربه ولا وسيط وليس هناك من يعطي صكوك الغفران ولا يوجد صكوك غفران في الإسلام, وليس هناك شيخ أو أمير أو ولي يعترف له المذنب ويطلب منه أن يغفر له أو أن يستغفر له, فهي علاقة مباشرة مع الله, والنفس البشرية تحب هذه العلاقة من دون وساطة وتتوق إليها وترتاح في كنفها.

(3) قوله تعالى: (لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَة). هناك شبه إجماع عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنّ كل من عصى الله فهو جاهل وأنّ المعصية لا تكون إلا من جهالة، ولهذا قال قتادة: «أجمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على أنّ كل معصية فهي بجهالة, عمدا كانت أو جهلا» (الطبري), وقال أبو العالية: «إنّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون: كل ذنب أصابه عبد فهو بجهالة» الطبري). ومثل هذه الآية قوله تعالى: (قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُون) (يوسف: 89)، وقوله تعالى: (وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِين) (يوسف: 33)، ولكن لماذا سمّي العاصي أثناء معصيته جاهلا؟، سمّي من يعمل المعصية بالجاهل لسببين: (الأول) إنّ من يقع في المعصية لا يكون بعلمه الذي يعلمه سابقا حال وقوعه في المعصية, ولو كان بعلمه السابق متذكرا ما يحمل من علم عن هذه المعصية لما وقع في المعصية, وهذه الحالة تشبه النسيان وإن كانت لا تسمى نسيانا. (والثاني) إنّ الجهالة هنا ليست مشتقة من الجهل بمعنى عدم العلم، وإنما هي مشتقة من الجهل المأخوذ من الجاهلية، وهي حالة من النزق والطيش والشهوة والهوى تصيب الإنسان فتلم به حين يقع في المعصية. وأيا كان التعليل فنحن أمام حالة من التفسير تسمى التفسير بالنقل لا يحل المسلم تركها والعدول عنها، وتفسير الجهالة بالمعنى اللغوي المأخوذ من الجهل والذي هو ضد العلم مخالف للتفسير النقلي, لأنّ المعنى الاصطلاحي مقدم على المعنى اللغوي وخاصة إذا صدر هذا المعنى الاصطلاحي عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينهم نزل الوحي وهم أدرى بمعاني القرآن وقولهم مقدم على كل رأي وخاصة إذا كان هذا القول يشبه الإجماع في هذه المسألة.

438

(4) قوله تعالى: (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيب). قال الضحاك: «كل شيء قبل الموت فهو قريب» (الطبري)، وقال عكرمة: «الدنيا كلها قريب» (الطبري)، وهذا هو القول الصحيح في تفسير قوله تعالى (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيب) لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله يقبل توبة العبد ما لم يُغرغر» (الترمذي)، ومعنى ذلك: ما لم تبلغ روحه حلقومه, فتكون بمنزلة الشيء الذي يتغرغر به. قال القرطبي: «قال علماؤنا رحمهم الله: وإنما صحت التوبة منه في هذا الوقت لأنّ الرجاء باق ويصح منه الندم والعزم على ترك الفعل». وقبول توبة العبد ما لم يغرغر يدل على رحمته تعالى بالناس ولو شاء لجعل للتوبة وقتا بعد الذنب بساعات أو أيام أو أسابيع ولكنه تعالى سبقت رحمته غضبه فكان من رحمته هذا الأجل. ولكن لماذا سمّى الله تعالى مدة الدنيا ووصفها بالقريب؟. إنما وصف الحياة في الدنيا بالقريب لسببين: (الأول) للتنبيه على أن الحياة كل إنسان وإن طالت فهي محدودة بطرفي الأزل والأبد، فإن قسّم عمر الإنسان على هذين الطرفين كان كالعدم. (والثاني) لأنّ الإنسان يتوقع الموت في كل لحظة فلا يضمن أن يعيش ستين سنة أو سبعين كما هو الغالب في أعمار الناس. وفي قوله تعالى: (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيب) ترغيب في تعجيل التوبة وعدم التأخر بها لأنّ الإنسان قد يموت بعد الذنب في أي لحظة.

(5) قوله تعالى: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّار). هذه الآية تدلّ على أنّ التوبة لا تقبل ولا تنفع صاحبها في الآخرة إذا حضر الموت لأنه في هذه اللحظة يحصل اليأس من الدنيا وينقطع الرجاء منها, كما دلت هذه الآية على أنّ من مات على الكفر فلا توبة له, والله تعالى ذكر مصير الذين يموتون على الكفر والذين يموتون على المعصية من غير توبة فقال: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء) (النساء: 48)، فمن مات على الكفر فلا مغفرة له، ومن مات على الذنب من دون توبة فهو في مشيئة الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه.

(6) قوله تعالى: (أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيما). المراد الذين يموتون وهم كفار, وفي هذه الآية ترهيب من الكفر, فكون العذاب معدا ومهيأ أرهب مما لو كان سيعد ويهيأ, وهذا التشديد في العقوبة والترهيب الشديد منها هو من سمات منهج التربية القرآنية القائم على ردع الكافرين عن كفرهم, وهو من قبيل الترهيب بعد الترغيب في فتح باب التوبة بحيث يحدث التوازن بين الترغيب والترهيب ويكون له أثاره الواقعية في الحياة الإنسانية.

(7) نذكّر هنا بشروط التوبة التي ذكرناها في سورة آل عمران وهي: (1) الإقلاع عن الذنب، (2) الندم على الفعل، (3) العزم على عدم العودة إليه، (4) رد الحق إلى أصحابه إن كان الذنب متعلقا بحقوق العباد, فإن أخل التائب بشرط من هذه الشروط لم يكن داخلا في زمرة التائبين وإنما يكون في زمرة المصرين على الذنب.

439

الآية 19

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيرا﴾ (النساء: 19)

(1) قوله تعالى: (لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْها). قال ابن عباس رضي الله عنه: «كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته, إن شاء بعضهم تزوجها, وإن شاءوا زوجوها, وإن شاءوا لم يزوجوها، فهم أحق بها» (البخاري)، وقال ابن عباس رضي الله عنه: «كان الرجل إذا مات وترك جارية ألقى عليها حميمه ثوبه فمنعها من الناس، فإن كانت جميلة تزوجها، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها» (الطبري)، وقال زيد بن أسلم: «كان أهل يثرب إذا مات الرجل منهم في الجاهلية ورث امرأته من يرث ماله وكان يعضلها حتى يرثها, أو يزوجها من أراد, وكان أهل تهامة يسيء الرجل المرأة حتى يطلقها, ويشترط عليها ألا تنكح إلا من أراد حتى تفتدي منه ببعض ما أعطاها, فنهى الله المؤمنين عن ذلك» (ابن كثير)، وقال السُدّي: «كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها جاء وليد فألقى عليها ثوبا, فإن كان له ابن صغير أو أخ حبسها حتى يشب أو تموت فيرثها, فإن هي انفلتت فأتت أهلها ولم يلق عليها ثوبا نجت، فأنزل الله هذه الآية» (الطبري). وأما قوله تعالى: (وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة) فقال ابن عباس رضي الله عنه: «يعني: الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها ولها مهر فيضرها لتفتدي به» (الطبري)، وقال ابن البيلماني: «نزلت هاتان الآيتان إحداهما في أمر المرأة في الجاهلية, والأخرى في أمر الإسلام» (الطبري). وكل هذه الآيات تصور الحالة الذرية التي كانت عليها المرأة في الجاهلية، وتصور رحمة الإسلام بالنساء حينما حرم على المؤمن هذه المعاملة الغير إنسانية للمرأة، والنظر إليها على أنها متاع يورث كما تورث سائر الأمتعة، حيث جعلها كالرجل في أصل الإنسانية, وهذا النص وما في تفسيره هو من قبيل تربية المؤمن على التعامل الصحيح مع المرأة والنظر إليها بصفتها إنسان له حقوق وعليه واجبات، وليس شيئا يورث كالمتاع لا حقوق له ولا واجبات. كما حرم الإسلام عضل المرأة الذي كان وسيلة للحصول على مالها مقابل الطلاق إلا أن يظهر من المرأة فاحشة مبينة وهي الزنا أو النشوز أو العصيان, فإن لم يكن من المرأة فاحشة وكان الرجل كارها لزوجته وجب عليه الطلاق وليس له شيء من الصداق، كما أعطى الإسلام المرأة في غير هذه الآيات حق المخالعة، وهي طلب الطلاق من الرجل مقابل شيء من المهر تعطيه إياه، فإن لم يقبل أوجب القاضي على الرجل الطلاق, حيث يصبح حق المخالعة هنا للقاضي دون الزوج الرافض.

440

(2) قوله تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوف). تربية للمسلمين على كيفية التعامل مع الزوجات وانتقال بهم من تلك الحالة الذرية التي كانت في الجاهلية والقائمة على العدائية للنساء إلى حالة من الوئام والمحبة وحسن التعامل. قال ابن كثير: ((أي طيّبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم, كما تحب ذلك منها فافعل أنت بها مثله, كما قال تعالى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوف) (البقرة: 228)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» (الترمذي)، وكان من أخلاقه صلى الله عليه وسلم أنه جميل العشرة دائم البشر, يداعب أهله, ويتلطف بهم, ويوسعهم نفقته, ويضاحك نساءه, حتى أنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها, يتودد إليها بذلك, قالت: سابقني رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقته, وذلك قبل أن أحمل اللحم, ثم سابقته بعد ما حملت اللحم فسبقني، فقال: «هذه بتلك»، ويجتمع نساؤه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان ثم تنصرف كل واحده إلى منزلها, وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد يضع عن كتفيه الرداء وينام بالإزار، وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلا قبل أن ينام يؤانسهم بذلك صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة) (الأحزاب: 21)) (ابن كثير).

(3) قوله تعالى: (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيرا). قيل في تفسيرها: أنها ترغيب في الصبر على المرأة وحسن معاملتها مع وجود الكراهة، فذلك قد يكون خيرا للرجال في الدنيا بأن يرزق الولد وينجب الذرية فيحصل الوئام وتزول الكراهية وهذا معروف بالتجربة والخبرة ويعلمه كل الناس, وقد يكون ذلك خيرا للرجال في الآخرة بأن يُعطى الثواب الجزيل جزاء له على تحمل هذا المكروه وفي الحديث: «لا يفرك مؤمن مؤمنة, إن سخط منها خلقا رضي منها آخر» (مسلم)، وفي هذه الآية تربية على الصبر على المكاره, فربما كان في هذا المكروه خير للصابر, لأنّ المؤمن لا يعلم أين يكمن له الخير، فقد يكون الخير في مكروه يصيبه وإن كان يظن أنّ الخير فيما يحب، وربما كان ما أحب شر له، وهذا كقوله تعالى: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُون) (البقرة: 216)، وكقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حُفّت الجنة بالمكارة وحُفّت النار بالشهوات» (مسلم).

441