الآية 15
قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ (النساء: 15)
(1) في وجه اتصال هذه الآية بما قبلها فوائد تربوية ذكرها الإمام الرازي في التفسير فقال: ((اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآيات المتقدمة الأمر بالإحسان إلى النساء ومعاشرتهن بالجميل, وما يتصل بهذا الباب, ضم إلى ذلك التغليظ عليهن فيما يأتينه من الفاحشة, فإنّ ذلك في الحقيقة إحسان إليهن ونظر لهن في أمر آخرتهن. وأيضا ففيه (فائدة أخرى) وهو أن لا يجعل أمر الله الرجال بالإحسان إليهن سببا لترك إقامة الحدود عليهن, فيصير ذلك سببا لوقوعهن في أنواع المفاسد والمهالك. وأيضا فيه (فائدة ثالثة) وهي بيان أنّ الله تعالى كما يستوفي لخلقه فكذلك يستوفي عليهم, وأنه ليس في أحكامه محاباة ولا بينه وبين أحد قرابة, وأنّ مدار هذا الشارع الإنصاف والاحتراز في كل باب عن طرفي الإفراط والتفريط)).
(2) قوله تعالى: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَة). معناه: يفعلنها ويقعن فيها, فنسب هذا الفعل إلى الفاعل نفسه، ومعنى ذلك أنّ الله لما نهى عن هذه المعصية فهو لا يعينه على إتيانها وفعلها وإنما يأتيها ويفعلها من قبل نفسه, فهو الذي يختارها ويذهب إليها, وكونه تعالى لا يعين أحدا على فعل المعصية له أثره التربوي في نفس المؤمن كرادع عن فعل المعصية.
(3) قوله تعالى: (الْفَاحِشَة). أصل الفاحش في اللغة هو القبيح في القول وفي الفعل, والمراد من الفاحشة هنا الزنا بإجماع المفسرين, وفي تسميته الزنا بالفاحشة تقبيح له و تنفير للناس من فعله أو الإقدام عليه أو القبول به, ولهذا الأمر دلالته التربوية في الترهيب من الزنا.
(4) قوله تعالى: (مِنْ نِسَائِكُم). معناه: من النساء المسلمات, أي: إنّ الحكم الشرعي هنا المخاطب به المسلمات وهن ملزمات بتنفيذ الحكم بسبب من إيمانهم, فالمخاطب بالشرائع هم المؤمنون, ولا يُلزم غير المؤمنين بتكاليف الشرع إلا إذا اختاروها بأنفسهم، لأنهم لم يلزموا في أصل الدين وهو الإيمان فمن قبيل الأولى أن لا يلزموا بشرائع الدين. وهذا الربط بين الإيمان وتنفيذ الشريعة هو تربية وتوطين لكل من يختار الإيمان على الالتزام والقبول بأحكام الشريعة وتطبيقها. ولهذا الأمر أهميته في العصر الحالي حيث نجد الكثيرين ممن فصلوا بين الإيمان وبين تطبيق الشريعة، حتى راحوا يصوّرون الدين على أنه عقيدة من دون شريعة.