الآية 176
قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ (النساء: 176)
(1) قوله تعالى: (يَسْتَفْتُونَك). ظاهرة الاستفتاء أي: طلب الفتيا في أمر لإظهار ما أشكل منه ظاهرة لها دلالات تربوية متعددة سبق أن قررناها في هذه السورة, ونوجز هنا فنقول: إنها تدل على التفاعل الحقيقي بين المسلمين وبين ما يتلقونه من شرائع, وتدل على الرغبة الصادقة في معرفة أحكام الدين في شؤون الحياة, وتدل على الحرج الذي نشأ في نفوس الصحابة من كل ما هو جاهلي فراحوا يسألون عن أحكام الله في شؤون الحياة, وتدل على الرغبة في العمل والتنفيذ, فذلك منهج الصحابة رضوان الله عليهم: المعرفة المنشئة للعمل.
(2) قوله تعالى: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا). أي: يبين الله لكم لكي لا تضلوا, وهذا يدل على حرصه تعالى على هداية الناس وكرهه تعالى لضلالهم، أي يدل على رحمته تعالى بالناس ورأفته بحالهم.
(3) قوله تعالى: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم). ترغيب للمسلمين على العمل بطاعة الله وتحذير لهم من معصيته، من خلال تذكيرهم بعلمه تعالى المطلق بكل شيء فلا تخفى عليه خافية، ويعلم الباطن كما يعلم الظاهر.
يقول الإمام الرازي في المدلول التربوي لهذه الخاتمة: ((واعلم أنه في هذه السورة لطيفة عجيبة, وهي أنّ أولها مشتمل على بيان كمال قدرة الله تعالى فإنه قال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء) (النساء: 1)، وهذا دال على سعة القدرة, وآخرها مشتمل على بيان كمال العلم وهو قوله: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم) وهذان الوصفان هما اللذان بهما تثبيت الربوبية والإلهية والجلالة والعزة, وبهما يجب على العبد أن يكون مطيعا للأوامر والنواهي منقادا لكل التكاليف)). والحمد لله رب العالمين.