التفسير التربويالجزء 1 · ص 587 - 594

الآية 176

الآية 176

قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ (النساء: 176)

(1) قوله تعالى: (يَسْتَفْتُونَك). ظاهرة الاستفتاء أي: طلب الفتيا في أمر لإظهار ما أشكل منه ظاهرة لها دلالات تربوية متعددة سبق أن قررناها في هذه السورة, ونوجز هنا فنقول: إنها تدل على التفاعل الحقيقي بين المسلمين وبين ما يتلقونه من شرائع, وتدل على الرغبة الصادقة في معرفة أحكام الدين في شؤون الحياة, وتدل على الحرج الذي نشأ في نفوس الصحابة من كل ما هو جاهلي فراحوا يسألون عن أحكام الله في شؤون الحياة, وتدل على الرغبة في العمل والتنفيذ, فذلك منهج الصحابة رضوان الله عليهم: المعرفة المنشئة للعمل.

(2) قوله تعالى: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا). أي: يبين الله لكم لكي لا تضلوا, وهذا يدل على حرصه تعالى على هداية الناس وكرهه تعالى لضلالهم، أي يدل على رحمته تعالى بالناس ورأفته بحالهم.

(3) قوله تعالى: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم). ترغيب للمسلمين على العمل بطاعة الله وتحذير لهم من معصيته، من خلال تذكيرهم بعلمه تعالى المطلق بكل شيء فلا تخفى عليه خافية، ويعلم الباطن كما يعلم الظاهر.

يقول الإمام الرازي في المدلول التربوي لهذه الخاتمة: ((واعلم أنه في هذه السورة لطيفة عجيبة, وهي أنّ أولها مشتمل على بيان كمال قدرة الله تعالى فإنه قال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء) (النساء: 1)، وهذا دال على سعة القدرة, وآخرها مشتمل على بيان كمال العلم وهو قوله: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم) وهذان الوصفان هما اللذان بهما تثبيت الربوبية والإلهية والجلالة والعزة, وبهما يجب على العبد أن يكون مطيعا للأوامر والنواهي منقادا لكل التكاليف)). والحمد لله رب العالمين.

587

التفسير التربوي لسورة المائدة

قال ابن كثير في تقديم هذه السورة: «سورة المائدة: وهي مدنية. روى الإمام أحمد عن أسماء بنت يزيد قالت: إني لآخذة بزمام العَضْباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ نزلت عليه المائدة كلها، وكادت من ثقلها تدُقّ عَضُد الناقةَ. وروى ابن مَرْدُويه عن عاصم الأحول قال: حدثتني أم عمرو، عن عمها؛ أنه كان في مَسِير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت عليه سورة المائدة، فاندَقَّ عُنُق الراحلة من ثقلها. وروى أحمد أيضا عن عبد الله بن عمرو قال: أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة المائدة وهو راكب على راحلته، فلم تستطع أن تحمله، فنزل عنها. وروى الترمذي عن عبد الله بن عمرو قال: آخر سورة أنزلت: سورة المائدة والفتح، ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب حسن. وروى الحاكم عن جبير بن نُفَيْر قال: حججت، فدخلت على عائشة، فقالت لي: يا جبير، تقرأ المائدة؟ فقلت: نعم. فقالت: أما إنها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه. ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ورواه الإمام أحمد، وزاد: وسألتها عن خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: القرآن».

588

الآية 1

قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ (المائدة: 1)

(1) القرآن هو الكتاب الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم, وهو المعجزة التي أعطيها محمد صلى الله عليه وسلم إضافة إلى غيره من المعجزات, وفي هذه الآيات كما في غيرها نلمح التربية بالمعجزة كأسلوب تربوي اختاره الله لتربية هذه الأمة, يقول الإمام القرطبي: ((وهذه الآية مما تلوح فصاحتها وكثرة معانيها على قلة ألفاظها لكل ذي بصير في الكلام, فإنها تضمنت خمس أحكام: (الأول) الأمر بالوفاء بالعقود. (الثاني) تحليل بهيمة الأنعام. (الثالث) استثناء ما يلي ذلك. (الرابع) استثناء حال الإحرام فيما يصاد. (الخامس) ما تقتضيه الآية من إباحة الصيد لمن ليس بمحرم. وحكى النقاش أنّ أصحاب الكندي قالوا له: أيها الحكيم, اعمل لنا مثل هذا القرآن, فقال: نعم, أعمل مثل بعضه. فاحتجب أياما كثيرة ثم خرج فقال: والله ما أقدر ولا يطيق هذا أحد, إني فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة، فنظرت فإذا هو قد نطق بالوفاء, ونهى عن النكث, وحلل تحليلا عاما, ثم استثنى استثناء بعد استثناء, ثم أخبر عن قدرته وحكمته, في سطرين, ولا يقدر أحد أن يأتي بمثل هذا إلا في أجلاد)).

(2) قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا). تكلمنا عن المدلولات التربوية لهذا النداء في سورة البقرة ونذكر هنا بأمرين: (الأول) إنّ الله تعالى قد اختار هذه النداء لخطاب الأمة المسلمة، وهذا الاختيار يدل على أهمية هذا النداء, فالله تعالى خاطب الناس فدعاهم إلى الإيمان بقوله: (يا أيها الناس) ثم خاطب من استجاب من الناس وآمن بقوله: (يا أيها الذين آمنوا) فدل هذا الاختيار على أهمية الإيمان بصفة الرابطة التي تربط المؤمنين فيما بينهم, وتربط المؤمنين مع الله ومع رسوله, وهو نداء بالصفة المحببة إلى قلوبهم، وهي الصفة التي تستجيش مشاعرهم وتحركها باتجاه العمل والتنفيذ. (الثاني) أهمية ما بعد النداء, فلو تتبعنا آيات القرآن لوجدنا بعد هذا النداء: (يا أيها الذين آمنوا) إما خيرا يأمر الله بفعله وإما شرا ينهى الله عن فعله, ومن هنا ضرورة الانتباه إلى هذا النداء, والتهيؤ لفعل الأمر الوارد بعده أو لترك النهي الوارد بعده, وهذا النداء نجد بعده أمرا يأمر الله به وهو الوفاء بالعقود.

589

(3) قوله تعالى: (أَوْفُوا بِالْعُقُود). والعقود كثيرة: (أولها) عقد الربوبية الذي أخذه الله من بني آدم في عالم الذر، حينما كانوا في أصلاب آبائهم: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا) (الأعراف: 172)، وهذا العقد وإن كنا لا نعيه ولا نذكره إلا أنه حصل ويجب الوفاء به لأنّ الله تعالى أخبر بوقوعه. (وثانيها) عقد الإيمان بالله، وما يتضمنه من الطاعة لله فيما أحل وفيما حرم وفيما حد في كتابه، وإليه الإشارة بقوله: (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِه) (البقرة: 27)، وهذا العقد قد أمر به كل مسلم حين آمن بالله فهو من مقتضى الإيمان. (وثالثها) العقود التي يتعاقد بها الناس، كعقد البيع وعقد الشراكة وعقد الأيمان وعقد النكاح وعقد العهد وعقد الحِلف. (ورابعها) عقود الجاهلية، حيث كانوا يتعاقدون على النصر وعلى رفع الظلم كما في حلف الفضول. وهذه الآية تأمر المؤمن أن يفي بالعقود كلها، فهي تأمره بأن يفي بكل ضوابط الحياة مع نفسه ومع الناس من حوله ومع الكون من حوله، وبهذا المعنى تستقيم حياة المؤمن إذا أوفى بالعقود, وبهذا المعنى نصل إلى المدلول التربوي لهذا الأمر بالوفاء بالعقود حيث أنه أمر تربوي تقوم عليه حياة المسلم وتستقيم شؤونه من خلاله.

(4) وقد كان لالتزام المسلمين بالوفاء بالعهود أثره التربوي في ردع الظالمين عن ظلمهم, فذكر القرطبي في تفسيره فقال: ((قال ابن اسحق: اجتمعت قبائل من قريش في دار عبد الله بن جدعان (لشرفه ونسبه) فتعاقدوا أو تعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها أو غيرهم إلا قاموا معه حتى ترد عليه مظلمته, فسمّت قريش ذلك الحلف حلف الفضول. وهو الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به من حمر النعم, ولو أدعى به في الإسلام لأجبت»، وهذا الحلف هو المعنى المراد في قوله صلى الله عليه وسلم: «وأيّما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة»، لأنه موافق للشرع إذ أمر بالانتصاف من الظالم, فأما ما كان من عهودهم الفاسدة وعقودهم الباطلة على الظلم والغارات فقد هدمه الإسلام والحمد لله. ثم قال ابن اسحق: تحامل الوليد بن عتبة على الحسين بن علي في مال له (لسلطان الوليد, فإنه كان أميرا على المدينة)، فقال له الحسين: أحلف بالله لتنصفني من حقي أو لآخذن بسيفي ثم لأقومن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم لأدعون بحلف الفضول، قال عبد الله بن الزبير: وأنا أحلف بالله لئن دعاني لآخذن بسيفي ثم لأقومن معه حتى ينتصف من حقه أو نموت جميعا، وبلغت المسور بن مخرمة فقال مثل ذلك، وبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي فقال مثل ذلك, فلما بلغ ذلك الوليد أنصفه)) (القرطبي).

590

(5) قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ(). فيه تربية للمسلمين على التلازم بين الإلهية والتشريع, وأنّ الله هو المشرع, وتوحيد الإلهية يعني أنّ التشريع لله وحده, ومن ثم الشرك في التشريع كالشرك في الإلهية، ولعل أخطر ما ابتلي به المسلمون الآن هو الفصل بين الإلهية والتشريع فراحوا يدينون لله بالإلهية ويدينون لغيره بالتشريع, ووجه الخطورة في ذلك ليس فقط الفصل بين العقيدة والعمل بل كذلك سوء الظن بالله من خلال التصور أنّ المسلم يكون مسلما من غير أن يتبع شرع الله, وسوء الظن هذا هو الهالكة التي تهلك الإنسان فتورده النار.

591

الآية 2

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب﴾ (المائدة: 2)

(1) قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا). نلمح في هذه المحرمات سعي الإسلام لإقامة المكان الآمن والزمان الآمن في جو يملؤه الخوف والترقب والخشية, وتلك حال الناس في البيئة الجاهلية، فلا زمان آمن ولا مكان آمن ولا صفة للأمن بينهم, كان العرب يعيشون في قبائل متنازعة متناحرة تعارفت على أنّ الرجل إن وقع في غير قبيلته أصبح أسيرا، وبموجب الأسر إما أن يستعبد أو يفدى أو يقتل, والمرأة كذلك إن وقعت في يد غير يد القبيلة التي تنتمي إليها فهي إما أن تستعبد فتحول إلى أمة رقيقة أو تفدى, وكانت معظم القبائل تعيش على الغزو أي يغزوا بعضها بعضا، وبموجب الغزو يستباح الدم والمال والعرض, فجاء الإسلام وسعى لتحقيق الأمان في الأرض من خلال بناء المسلمين وتربيتهم على تحريم ما حرم الله من المكان الآمن والزمان الآمن والصفة الآمنة، فأمر بتحريم ما حرم الله من المحرمات. ويدخل في هذه المحرمات مناسك الحج فقال: (لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّه) أي معالم دينه, (وَلا الشَّهْرَ الْحَرَام) والمراد في ذلك تحريم القتال في الأشهر الحرم الأربعة: رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم, وقد كان العرب يحرمون القتال في الأشهر الحرم ولكنهم يتلاعبون بها وفقا لأهوائهم فيغيرون في المسميات، (وَلا الْهَدْي) أي ما يهدي للكعبة من شاة وجمل وبقرة ونحو ذلك, يحرم صيده أو امتلاكه كما يحرم على صاحبه نحره إلا في وقته ومكانه, (وَلا الْقَلائِد) قيل: ما يهدي للكعبة فيقلد, وقيل: كان الناس يتقلدون لحاء شجر الحرم فلا يتعرض لهم أحد لا في حج ولا في عمرة ولا في سفر ولا غير ذلك, (وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانا) أي يحرم على المسلم قتال قاصد البيت الحرام في حج أو عمرة أو سفر للتجارة والكسب وإن لم يتقلدوا بشيء. (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) أي لا يحل لمحرم أن يصطاد لا في البيت الحرام ولا في غيره ما دام محرما, وأما الصيد في البيت الحرام فهو محرم على المحرم وعلى غير المحرم, وهذا مع قوله (ولا الهدي)،(ولا القلائد) آمان للدواب والطير وكل ما يصطاد. قال صاحب الظلال: «إنها منطقة الأمان يقيمها الله في بيته الحرام, كما يقيم فترة الأمان في الأشهر الحرام, منطقة يأمن فيها الناس والحيوان والطير والشجر أن ينالها الأذى, أو يروعها العدوان، إنه السلام المطلق يرفرف على هذا البيت استجابة لدعوة إبراهيم، أبي هذه الأمة الكريم، ويرفرف على الأرض كلها أربعة أشهر كاملة في العام، في ظلال الإسلام، وهو سلام يتذوق القلب البشري حلاوته وطمأنينته وأمنه, ليحرص عليه بشروطه وليحفظ عهد الله وميثاقه, وليحاول أن يطبقه في الحياة كلها على مدار العام, وفي كل مكان». ومن خلال هذه التحريمات نلمح استجابة الإسلام ومراعاته للميول الفطرية داخل الإنسان, ميول الآمان والراحة من عناء القتال, ميول السلام والاطمئنان في بيئة لم تبق حراما إلا أحلته وسعت في حله.

592

(2) قوله تعالى: (وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانا). أما الفضل فهو التجارة، وأما الرضوان فهو الثواب من الله على الحج أو العمرة, وفي هذا التشريع نلمح رحمته تعالى بالناس حين أقرّ لهم سعيهم لدنياهم كما أقرّ لهم سعيهم لأخراهم, وفيه تأكيد على حرص الإسلام على سعادة الإنسان في الدنيا كما هو حريص على سعادته في الآخرة, إنها ثنائية الجسد والروح التي أقرّها الإسلام ودعا إليها ولم يقدم جانبا على حساب الآخر, فالعمل للدنيا صاحبه مأجور عند الله كما العمل للآخرة صاحبه مأجور عنده, وقد كانوا يقيمون أسواقا للتجارة في مواسم الحج في الجاهلية فجاء الإسلام وأقرّ ذلك، وللمسلم أن يتاجر أثناء حجه أو عمرته وكل ذلك عبادة.

(3) قوله تعالى: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا). أي لا يدفعنكم بغضكم لقوم بسبب صدهم إياكم عن المسجد الحرام في حج أو عمرة أو غير ذلك أن تعاملوهم بالمثل فتصدوهم عن المسجد الحرام أو تستحلوا قتالهم في المسجد الحرام أو تستحلوا قتالهم وهم آمون للمسجد الحرام أو متقلدون للقلائد, فالاعتداء في كل ذلك محرم, وهذا تربية للمسلمين على ضبط النفس وتحرير القلب من العبودية للأهواء أو الشهوات أو نزعات الغضب والانتقام, كي يرتقي المسلمون إلى مستوى الأمة الذي أراده الله لهم، كخير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتقيم الشهادة لله وتنشر العدل بين الناس, فمن أراد أن يكون كبيرا بين الناس وأن يكون قدوة للناس فعليه أن يسمو بنفسه عن شهوة الغضب للنفس وشهوة الانتقام, وعليه أن يترفع عن سفاسف الأمور وصغارها, وأن يتحلى بالنفس السمحة التي تكظم الغيظ وتعفو عن الناس وتحسن إلى الآخرين.

(4) قوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَان). والعرب في الجاهلية كانوا يتعاونون على البر والتقوى وعلى الإثم والعدوان, يتعاونون على الحق والباطل, وإذا كان الشعر ديوان العرب فلننظر في هذا الديوان, يقول شاعرهم: ألا لا يجهلن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا, ويقول آخر: لا يسألون أخاهم حين يندبهم * في النائبات على ما قال برهانا, ويقول ثالث: ومن لم يزد عن حوضه بسلاحه * يهدم ولم لا يظلم الناس يظلم , ويقول رابع: وهل أنا إلا غزية إن غوت * غويت وإن ترشد غزية أرشد, والقول المأثور في الجاهلية هو: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما», وقد جاء الإسلام ليقيم علاقة العدل بين الناس في تعاونهم وعلاقاتهم, وليصحح هذه التصورات فقال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَان)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في معرض تصحيح التصور: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما، فقالوا: يا رسول الله, ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما؟ فقال: بأن تأخذوا على يده» (البخاري)، فأكد النصرة وصحح مفهومها, فاعتبر نصرة الظالم بمنعه من ظلمه وبعدم معاونته على إثمه وعدوانه.

593

(5) قوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب). لما شرّع الله هذه التشريعات, وحرّم هذه المحرمات, ونهى عن استحلالها أو التهاون في حرمتها, ناسب أن تكون الخاتمة ترهيبا وزجرا عن ذلك, فتوعد من يخالف الله في تشريعاته بالعقوبة الشديدة يوم القيامة, وذكرهم بأنّ الله شديد العقاب, فلا طاقة لأحد في تحمل عقوبة الله, هذا ناهيك عن عقوبة من يفعل ذلك في الدنيا حيث يحاسب من قبل السلطان المسلم حسابا عسيرا ويعاقب عقوبة زاجرة له ولغيره.

594