التفسير التربويالجزء 1 · ص 771 - 778

الآيات 80-83

الآيات 80-83

قوله تعالى: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيم﴾ (الأنعام: 80-83)

(1) الموضوع الأساسي الذي تناقشه هذه الآيات هو تخويف قوم إبراهيم له من آلهتهم أن تصيبه بمرض أو تؤذيه بسبب من كفره بها وإيمانه بالله عز وجل, وهذه قضية متكررة قد حصلت للمسلمين الأوائل حينما أعلنوا كفرهم بالأصنام, وتحصل في هذه المجتمعات بسبب من اعتقاد بعض الناس بالأضرحة والمقامات وبعض الأماكن التي يقولون إنها مسكونة بالجن, وهذه الآيات تقرر حقيقة يجب أن تستقر في قلب كل مؤمن, حقيقة أنّ الإيمان يوجب الأمن لصاحبه, والمؤمن لا يخاف إلا الله وخوفان في قلب واحد لا يجتمعان خوف من الله وخوف من خلق الله, وذلك أن المؤمن يعلم أنه لا سلطان لأحد على أحد لأن السلطان كله لله, وأن الأمور بيد الله يصرفها كيف شاء, ولا يحصل في الدنيا شيء إلا بإذنه تعالى وقضائه وقدره, وأن الأمة لو اجتمعت على إلحاق الضرر بشخص ما لم يكن لها ذلك إلا فيما كتبه الله وقدره عليه, ومن هنا يجب حسم هذه القضية في قلب كل مؤمن من خلال التربية الإسلامية كما حسمها الله في قلب خليله إبراهيم حين قال: (وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئا)، وحين قال (وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً)، وحين قال: (فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون).

(2) قوله تعالى: (مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانا). هذه قاعدة الشرعية في الحياة, إنه لا شريعة إلا من الله, وإن كل قول أو فعل يحتاج إلى الشريعة, والشرعية هي مما أنزل الله في كتابه, فالكتاب هو الذي يحكم في هذه الحياة, يحكم بشرعية أشياء ويحكم ببطلان أشياء, وكل ظاهرة ليس لها مستند من شريعة الله فهي ظاهرة باطلة ما أنزل الله بها من سلطان وإن حكم لها الناس بالصحة.

(3) قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُون). قال عبد الله بن مسعود: ((لما نزلت هذه الآية, شق ذلك على أصحاب رسول الله, فقالوا: يا رسول الله, ما من أحد إلا وهو يظلم نفسه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس بذلك, ألا تسمعون قول لقمان لابنه: (يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم) (لقمان: 13). فدل ذلك على البنية الإيمانية لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك البنية القائمة على الخوف من الله والإشفاق على النفس من كلام الله, والحرج من الظلم أيا كان وضعه ومهما قل حجمه, فأيقنوا بالهلاك حينما فهموا الظلم المذكور في الآية على إطلاقه وهو فعل المحرم أو ترك الواجب, ولكن رحمة الله بهم تجلت حينما حدد رسول الله صلى الله عليه وسلم مفهوم الظلم في هذه الآية بأنه الشرك, فالشرك نوع من الظلم, والظلم أعم من الشرك, وكم من المسلمين يمر على هذه الآية دون أن يعرف تفسيرها ومع ذلك لا تتحرك فيه خالجة, ولا يحس بأي لون من الخوف, ولا يشق عليه شيء مما شق على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

771

(4) قوله تعالى: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِه). دلت هذه الآية على وجوب النظر والبحث عن الدليل واتباع الحجة في مسائل العقيدة والتوحيد, كما دلت على بطلان التقليد في العقيدة والتوحيد, لأنّ الله أثبت لإبراهيم الدرجات العالية بإلهامه الحجة والدليل وبدفاعه عن التوحيد وإقامة الحجة على قومه في مسألة الإلهية والتوحيد.

(5) يقول الإمام الطبري في المدلول التربوي لهذه الخاتمة: ((وأما قوله: (إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيم) فإنه يعني: إن ربك, يا محمد (حكيم) في سياسة خلقه, وتلقينه أنبياءه الحجج على أممهم المكذبة لهم, الجاحدة توحيد ربهم, وفي غير ذلك من تدبيره, (عليم) بما يؤول إليه أمر رسله والمرسل إليهم, من ثبات الأمم على تكذيبهم إياهم, وهلاكهم على ذلك, أو إنابتهم وتوبتهم منه بتوحيد الله تعالى ذكره وتصديق رسله, والرجوع إلى طاعته. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد: فأتس في نفسك وقومك والمشركين بأبيك وخليلي إبراهيم, واصبر على ما ينوبك منهم صبره, فإني بالذي يؤول إليه أمرك وأمرهم عالم, وبالتدبير فيك وفيهم حليم)).

772

الآيات 84-90

قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلّاً هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلّاً فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِين﴾ (الأنعام: 84-90)

(1) في علاقة هذه الآيات بما قبلها نقول: إنه تعالى لما ذكر عن إبراهيم حجاجه مع قومه على توحيد الله, ودفاعه وجهده في إظهار توحيد الله ونصرته لله تعالى وما تحمل في سبيل ذلك من المشاق, ذكر تعالى أنه أنعم عليه واجتباه واصطفاه وعدد هذه النعم: (فأولها) قوله تعالى: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِه) أي: ألهمه الحجة التي قطع بها الكافرين وظهر عليهم. (وثانيها) قوله: (نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاء) أي: خصّه بالرفعة والدرجات العالية في الدنيا والآخرة. (وثالثها) قوله: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوب) وقوله: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَان) أي أنه تعالى جعل النبوة في نسله, فكل الأنبياء بعد إبراهيم من نسل إبراهيم ولذلك فهو أبو الأنبياء, وهذا أعظم ما يتمناه المؤمن أن يكون من نسله الأنبياء والملوك. (ورابعها) قوله: (وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِم) فشرّف الله إبراهيم بأن بيّن له وللناس أنه من نسل آباء طاهرين كنوح وإدريس وشيث وذلك كرامة له صلى الله عليه وسلم. ولما ذكر الله تعالى كل هذه النعم عن إبراهيم عليه السلام لأنه جاهد في إظهار دلائل التوحيد حث الناس على التأسي به, ووعد من يفعل ذلك بالجزاء الطيب فقال: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقتدِه) ومعنى ذلك: أيها المؤمن لا تظن أن جهادك في سبيل الله ودفاعك عن دين الله سيذهب هباء بل سوف أنعم عليك النعم الوافرة مما تتمناه نفسك في الدنيا والآخرة.

(2) وقد ذكر الله في هذه الآيات تسعة عشر نبيا لا على سبيل الترتيب، وإنما المراد بذلك تذكير المؤمن أنه حين يختار الإيمان فإنه لا يختار نبتة منبتة الجذور مقطوعة الأوصال مشبوهة التاريخ كما هو الكفر, وإنما هو يختار طريقا أصيلا سلكه رجال عظام فهو بانتمائه إلى الإسلام ينتمي إلى هذه الكوكبة من الأنبياء الصالحين الفاضلين ويسلك طريق الإيمان التي تعود جذورها إلى آدم عليه السلام وتنتهي فروعها بقيام الساعة، وهي طريق مستمرة لا انقطاع فيها مهما كانت الظروف ومهما جلت الأحداث.

773

(3) ولما ذكر الله هؤلاء الرهط الكرام من الأنبياء والرسل واستعرض صورتهم ختم هذا الاستعراض بثلاثة أمور: (أولها) قوله: (ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِه) وفيه تقرير لمنابع الهدى في هذه الحياة الدنيا, إنّ منابع الهدى هم الأنبياء والرسل وليسوا الفلاسفة ولا الشعراء ولا القادة ولا الزعماء, إنهم منابع الهدى لأنّ الله جعل فيهم ذلك الهدى, وواجب على كل مسلم أن ينهل من منابع الهدى وأن ينهج في حياته منهج نهج أصحاب هذه المنابع المعصومون عن الضلال. (والثاني) قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّة) وفيه تقرير لتلازم المسار بين الدين والحكم بهذا الدين, فما أوتي الأنبياء ليس تعاليم تخص الأحوال الشخصية بل جاؤوا بتعاليم شاملة لكل مناهج الحياة وجاؤوا بكتب من الله كي يحكم الناس بهذه الكتب, وكي يقيموا سائر شؤون حياتهم على أساس من الكتاب, وهذا كقوله تعالى: (فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيه) (البقرة: 213). (والثالث) قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقتدِه) أي: إنّ هؤلاء الرسل الكرام هم قدوة لك يا محمد, فالزم طريقهم وتأس بنهجهم وانهل من هداهم, وهذا الخطاب وإن خصّ الله به رسوله تكريما له وتشريفا لقدره فإنه خطاب للأمة جميعا, وهذا من قبيل التربية بالقدوة وهو أسلوب تربوي سبق أن تعرضنا له في عدة مواقع من هذا التفسير التربوي.

774

الآية 91

قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُون﴾ (الأنعام: 91)

(1) قال ابن عباس في سبب نزول هذه الآية: ((قوله: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِه) يعني من بني إسرائيل, قالت اليهود: يا محمد, أنزل الله عليك كتابا؟ قال: نعم , قالوا: والله ما أنزل الله من السماء كتابا! فأنزل الله هذه الآية)). إنّ فئة من اليهود في جدالهم مع المسلمين ونتيجة التعصب الذي يحملونه ضد الرسالة الجديدة أنكروا كل الرسالات, ولذلك أمر الله رسوله أن يسألهم عن التوراة من أنزلها؟ فإن أقروا بإنزال الله لها لزمهم الإقرار بإنزال الله تعالى للقرآن, وإن نفوا نزولها من الله, لزمهم الخروج من يهوديتهم.

(2) والمدلول التربوي لهذه الحادثة هو الحذر من الجدال والمراء في الدين الذي قد يخرج صاحبه من عن دينه أثناء محاولته الانتصار على الخصم بالباطل, فهذه الحادثة ليست فريدة ومن هنا حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجدال بالباطل فقال: «ما ضل قوم من بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل» (الترمذي)، وأذكر هنا أنّ فئة من المنتسبين إلى الإسلام ونتيجة خصومتهم المبطلة للنصارى وحقدهم قالوا: يجوز الزنا بالنصرانية نكاية في دينها! فانظر كيف أحلوا الزنا للانتصار على النصرانية بالباطل.

775

الآية 92

قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُون﴾ (الأنعام: 92)

(1) قوله تعالى: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَك). يقول الإمام الرازي في ذلك: «قال أهل المعاني: كتاب مبارك, أي: كثير خيره, دائم بركته ومنفعته, يبشر بالثواب والمغفرة, ويزجر عن القبيح والمعصية, وأقول: العلوم إما نظرية وإما عملية, أما العلوم النظرية فأشرفها وأكملها معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه, ولا ترى هذه العلوم أكمل ولا أشرف مما تجده في هذا الكتاب. وأما العلوم العملية فالمطلوب إما أعمال الجوارح وإما أعمال القلوب, وهو المسمى بطهارة الأخلاق وتزكية النفس, ولا تجد هذين العلمين مثل ما تجده في هذا الكتاب, ثم قد جرت سنة الله تعالى بأنّ الباحث عنه والمتمسك به يحصل له عز الدنيا وسعادة الآخرة». ويقول صاحب الظلال: «مبارك بكل معاني البركة, إنه مبارك في أصله, باركه الله وهو ينزله من عنده. ومبارك في محله الذي علم الله أنه له أهل, قلب محمد الطاهر الكريم الكبير. ومبارك في حجمه ومحتواه, فإن هو إلا صفحات قلائل بالنسبة لضخام الكتب التي يكتبها البشر, ولكنه يحتوي من المدلولات والإيحاءات والمؤثرات والتوجيهات في كل فقرة منه ما لا تحتويه عشرات من هذه الكتب الضخام, في أضعاف أضعاف حيزه وحجمه».

(2) قوله تعالى: (مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْه). فيه بيان لطبيعة العلاقة بين القرآن والكتب السماوية السابقة, وهي علاقة التصديق والتأييد, لأنّ مصدر هذه الكتب واحد وهو الله تعالى, ومن هذه الآية نقول بوحدة الدين, فالدين عند الله واحد وهو الإسلام, والله تعالى أراد من هذا الكتاب تربية الناس على وحدة الدين فلا أديان سماوية وإنما دين سماوي واحد.

(3) قوله تعالى: (وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا). حين سمّى الله تعالى مكة أم القرى فإنما أراد تربية الناس على الوحدة, فهي أم القرى لأنّ فيها القبلة وكل القرى تتوجه إليها في الصلاة, وهي أم القرى لأنّ فيها مناسك الحج وشعائره وكل القرى تتوجع إليها في الحج, وهي أم القرى لأن فيها نزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم ومنها شع نور الله في كل القرى فكانت القرى تابعة لها في الإيمان, فمعنى أم القرى أي: أم العالم والناس الذين يسكنون في القرى.

776

(4) قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُون). إنّ الإيمان بالآخرة سبب في الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنّ من يؤمن بالآخرة يؤمن بالثواب والعقاب ومن ثم يحمل الرغبة في الوصول إلى الثواب والبعد عن العقاب, وما من سبيل أمامه إلا الإيمان بالرسل وتطبيق تعاليم الرسالة. والإيمان بالآخرة سبب في حصول العبادة لله وحده, لأنّ من يؤمن بالآخرة لابد له من التزود لها وسبيل ذلك هو الطاعة والعبادة لله, وخص الصلاة هنا بالذكر من بين كل العبادات للتنبيه على أهميتها وشرفها وعظمتها بين العبادات, ومن ذلك أنه تعالى أوقع اسم الإيمان على الصلاة من بين كل العبادات فقال: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيم) (البقرة: 143)، أي: صلاتكم, ومن ذلك أنه أوقع اسم الكفر على تاركها من بين كل التروك فقال صلى الله عليه وسلم: «بين الرجل وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة» (مسلم وأحمد).

777

الآية 93

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُون﴾ (الأنعام: 93)

هذه الآية في وعيد من يدعي النبوة أو يكذب بها وهي من قبيل التربية بالعقوبة الأخروية، وقد جمعت هذه الآية ألوانا من الوعيد: (أولها) اعتبار من يدعي النبوة أو يكذب بها أشد الناس ظلما، وبالتالي أشد الناس عقوبة يوم القيامة. (وثانيها) الوعيد بالعذاب حين قبض الأرواح. (وثالثها) الوعيد بالعذاب يوم القيامة. (ورابعها) الوعيد بالذل والإهانة يوم القيامة.

778