الآية 108
قوله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾ (الأنعام: 108)
(1) قوله تعالى: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْم). في هذه الآية تأديب من الله لعباده المؤمنين بنهيهم عن سب معبودات المشركين، ويدخل في ذلك كل ما ينظر إليه المشركون على سبيل القداسة, والعلة في هذه النهي هو عدم إيجاد الذريعة للمشركين كي يقابلوا السب بالسب فيسبوا الله تعالى معاملة بالمثل. ولا بد أن نؤكد هنا على أمور: (الأول) إنّ بيان بطلان الأصنام وإن كان طاعة فإنه يجب التوقف عنه إذا أدى إلى معصية, وهذا المبدأ يسمى سد الذرائع، وهذه الآية الكريمة أصل في سد الذرائع. (والثاني) إنّ الأمر بالمعروف إذا أدى إلى ارتكاب منكر يجب التوقف عنه، وكذلك النهي عن المنكر إذا أدى إلى زيادة في المنكر يجب التوقف عنه عملا بهذه الآية. (والثالث) إنّ السب منهي عنه مطلقا, فالله تعالى لم يبعث رسله بالسب والشتم ولم يأمر المؤمنين بذلك, وبغض النظر عن ردة الفعل عند الخصوم, وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس المؤمن بطعان ولا لعان ولا فاحش ولا بذيء» (الترمذي)، وهذه قاعدة تربوية في الإسلام, حيث يجب على المسلم بيان بطلان معتقدات خصومه من دون سب ولا شتم, فلم يثبت أنّ السب والشتم يزيل الباطل من نفوس أصحابه, بل الثابت أنه يزيدهم حمية على باطلهم. (والرابع) هذه الآية قاعدة في التفريق بين السب والشتم والاستهزاء والسخرية من جهة وبين حرية الرأي من جهة أخرى, فحرية الرأي حق للإنسان أما السب و الشتم الاستهزاء والسخرية فليست حقا للإنسان, وهي أفعال يحاسب عليها التشريع الإسلامي, فلغير المسلم مثلا أن يعبّر عن عدم إيمانه بالله أو بنبوة رسول الله، وهذا أمر لا حساب عليه في الشريعة الإسلامية أما أن يسب أو يسخر أو يستهزئ بالله أو بالرسول أو بأي من المقدسات الإسلامية فإنه يعاقب على ذلك وربما كان العقاب إعداما.
(2) قوله تعالى: (كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُم). إشارة إلى طبيعة النفس البشرية التي خلقها الله, حيث إنّ كل عمل تعمله تستحسنه وتدافع عنه, فمن يعمل الحسنات يستحسنها ويدافع عنها, ومن يعمل السيئات يستحسنها ويدافع عنها, ومن كان على الهدى رآه حسنا, ومن كان على الضلال رآه حسنا, وهذا من طبيعة الإنسان, ومن أدرك سر الله في خلقه هانت عليه المصائب.
(3) قوله تعالى: (ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون). تطمين للمسلم الذي يرى الباطل ولا يستطيع إزالته بأن صاحب الباطل وإن لم يلق عقابه في الدنيا فإنه معاقب لا محالة يوم القيامة, فالله تعالى أحصى أعمال الناس, ومن عمل حسنا وإن لم يثاب في الدنيا فسوف يثاب يوم القيامة, ومن عمل سيئا وإن لم يعاقب في الدنيا فسوف يعاقب يوم القيامة.