التفسير التربويالجزء 1 · ص 787 - 794

الآية 108

الآية 108

قوله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾ (الأنعام: 108)

(1) قوله تعالى: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْم). في هذه الآية تأديب من الله لعباده المؤمنين بنهيهم عن سب معبودات المشركين، ويدخل في ذلك كل ما ينظر إليه المشركون على سبيل القداسة, والعلة في هذه النهي هو عدم إيجاد الذريعة للمشركين كي يقابلوا السب بالسب فيسبوا الله تعالى معاملة بالمثل. ولا بد أن نؤكد هنا على أمور: (الأول) إنّ بيان بطلان الأصنام وإن كان طاعة فإنه يجب التوقف عنه إذا أدى إلى معصية, وهذا المبدأ يسمى سد الذرائع، وهذه الآية الكريمة أصل في سد الذرائع. (والثاني) إنّ الأمر بالمعروف إذا أدى إلى ارتكاب منكر يجب التوقف عنه، وكذلك النهي عن المنكر إذا أدى إلى زيادة في المنكر يجب التوقف عنه عملا بهذه الآية. (والثالث) إنّ السب منهي عنه مطلقا, فالله تعالى لم يبعث رسله بالسب والشتم ولم يأمر المؤمنين بذلك, وبغض النظر عن ردة الفعل عند الخصوم, وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس المؤمن بطعان ولا لعان ولا فاحش ولا بذيء» (الترمذي)، وهذه قاعدة تربوية في الإسلام, حيث يجب على المسلم بيان بطلان معتقدات خصومه من دون سب ولا شتم, فلم يثبت أنّ السب والشتم يزيل الباطل من نفوس أصحابه, بل الثابت أنه يزيدهم حمية على باطلهم. (والرابع) هذه الآية قاعدة في التفريق بين السب والشتم والاستهزاء والسخرية من جهة وبين حرية الرأي من جهة أخرى, فحرية الرأي حق للإنسان أما السب و الشتم الاستهزاء والسخرية فليست حقا للإنسان, وهي أفعال يحاسب عليها التشريع الإسلامي, فلغير المسلم مثلا أن يعبّر عن عدم إيمانه بالله أو بنبوة رسول الله، وهذا أمر لا حساب عليه في الشريعة الإسلامية أما أن يسب أو يسخر أو يستهزئ بالله أو بالرسول أو بأي من المقدسات الإسلامية فإنه يعاقب على ذلك وربما كان العقاب إعداما.

(2) قوله تعالى: (كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُم). إشارة إلى طبيعة النفس البشرية التي خلقها الله, حيث إنّ كل عمل تعمله تستحسنه وتدافع عنه, فمن يعمل الحسنات يستحسنها ويدافع عنها, ومن يعمل السيئات يستحسنها ويدافع عنها, ومن كان على الهدى رآه حسنا, ومن كان على الضلال رآه حسنا, وهذا من طبيعة الإنسان, ومن أدرك سر الله في خلقه هانت عليه المصائب.

(3) قوله تعالى: (ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون). تطمين للمسلم الذي يرى الباطل ولا يستطيع إزالته بأن صاحب الباطل وإن لم يلق عقابه في الدنيا فإنه معاقب لا محالة يوم القيامة, فالله تعالى أحصى أعمال الناس, ومن عمل حسنا وإن لم يثاب في الدنيا فسوف يثاب يوم القيامة, ومن عمل سيئا وإن لم يعاقب في الدنيا فسوف يعاقب يوم القيامة.

787

الآيات 109-111

قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُون﴾ (الأنعام: 109-111)

(1) حاصل هذه الآيات الثلاثة: إنّ المشركين طرحوا شبهة في تقرير عدم إيمانهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يأتهم بآية, وأنه لو جاءهم بآية لآمنوا, وهم يحددون الآيات كنزول الملائكة أو تكليم أشخاص محددين من الموتى. والله تعالى يبيّن لرسوله وللمؤمنين أنّ هؤلاء لو جاءتهم الآية التي يطلبون لن يؤمنوا لأنّ القرآن هو الآية الكبرى والمعجزة العظيمة التي أعطاها الله لنبيه صلى الله عليه وسلم, وقد أعطاه معجزات أخرى كانشقاق القمر حسما للذرائع التي يتذرع بها بعض الناس, فمن لم يؤمن بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم بعد علمه بالقرآن وما فيه من الآيات الكونية والآيات في مجال النفس البشرية فلن يؤمن مهما أنزل الله له من الآيات التي يطلبها, وفي هذا البيان تنبيه للمؤمنين وللناس على معجزة القرآن, وتسلية وعزاء لرسول الله وللمؤمنين عما يلقونه من المشركين, وتوضيح لحقيقة هؤلاء المشركين فلا يغتر بهم مغتر ولا ينخدع بهم منخدع.

(2) يقول الإمام الرازي في ذلك: «حاصل الكلام أنّ القوم طلبوا من الرسول معجزات قوية وحلفوا أنها لو ظهرت لآمنوا, فبيّن الله تعالى أنهم وإن حلفوا على ذلك, إلا أنه تعالى عالم بأنها لو ظهرت لم يؤمنوا, وإذا كان الأمر كذلك لم يجب في الحكمة إجابتهم إلى هذا المطلوب». وهذه الآيات تدخل في إطار تعرية الشر وكشف الباطل وإظهار ما يكنه المشركون.

788

الآيات 112-113

قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُون﴾ (الأنعام: 112-113)

(1) في هذه الآيات تسلية وعزاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما يلقاه من قومه من الصد والإعراض والتكذيب والابتلاء من خلال تذكيره بحقيقة أن ما يحصل له قد حصل لكل نبي قبله, وفيها حث له على الصبر والثبات وعدم التردد, فتلك سنة الله في الحياة أن يكون لكل نبي أعداؤه من شياطين الإنس والجن, وفيها تسلية وعزاء لكل المؤمنين لأنّ محمدا صلى الله عليه وسلم قدوة لهم في الصبر والثبات.

(2) كما دلت هذه الآيات على أنّ للإنس شياطين وهم موكلون بالمؤمنين كما شياطين الجن موكلون بالمؤمنين, وفي السنة ما يدل على أن شياطين الإنس شر من شياطين الجن ومنه مضاعفة الحذر من شياطين الإنس, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر الغفاري رضي الله عنه: «يا أبا ذر, هل تعوّذت بالله من شر شياطين الإنس والجن؟» فقال أبو ذر: يا رسول الله, وهل للإنس شياطين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نعم, وهم شر من شياطين الجن) (أحمد).

(3) قوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوه). يدل على أنّ الكفر موجود بمشيئة الله وبإرادته وأنّ له حكمة في ذلك وهي كون الحياة دار ابتلاء, وإذا انعدم الكفر من الحياة انعدم الابتلاء, وأصبحت الحياة بلا معنى ولا مبرر لوجودها, ومن أدرك حكمة الله في خلقه هانت عليه الأمور.

(4) قوله تعالى: (فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُون). قال الإمام الرازي في المدلول التربوي لذلك: «قال القاضي: هذا القول يتضمن التحذير الشديد من الكفر, والترغيب الكامل في الإيمان, ويقتضي زوال الغم عن قلب الرسول من حيث يتصور ما أعد الله للقوم على كفرهم من أنواع العذاب, وما أعد له من منازل الثواب بسبب صبره على سفاهتهم ولطفه بهم».

789

الآية 114

قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِين﴾ (الأنعام: 114)

في هذه الآية تربية للمؤمنين على وجوب الحكم بما أنزل الله ووجوب التحاكم إلى كلام الله المثبت في كتابه في كل الشؤون صغيرها وكبيرها, وقد طرحت هذه الآية قضية الحكم بأسلوب الاستفهام الإنكاري وهو أسلوب أبلغ تربويا وأكثر أثرا في النفوس من الإنكاري العادي, وكلمة (حَكَما) أبلغ من كلمة (حاكما) لأنّ كلمة الحكم خاصة بالله تعالى بينما كلمة الحاكم قد تطلق على غير الله, وحقيقة أنّ الكتاب إنما أنزله الله من عنده كي يحكم بين الناس وكي يتحاكم إليه الناس حقيقة لا يجب أن يعتريها الشك, وما فساد الأمة إلا بسبب الفصل بين العقيدة والشريعة وذلك الفصل يبدأ بالشك ولذلك خاطب الله رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِين) أي: الشاكين في ذلك, وهو خطاب للأمة جمعاء.

790

الآية 115

قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم﴾ (الأنعام: 115)

دلت هذه الآية على حقيقتين تربويتين: (الأولى) تطمين للمسلمين على أنّ الله قد تكفل بحفظ القرآن كلمة كلمة, فعليهم التوجه إلى العمل والتطبيق والتنفيذ وعدم الانشغال بحفظ ألفاظ القرآن خوفا عليها من التحريف, بل يحفظون بالقدر الذي يحتاجونه للعمل. (والثانية) وجوب اتباع دلالات القرآن وكلماته وألفاظه ومفرداته, وعدم التحايل على هذه الكلمات في مجال المعاني والتأويلات, ومعنى ذلك أنّ القرآن حجة ليس في معانيه فقط وإنما في دلالاته اللفظية, لأنّ كلماته حق لا يمكن تبديلها.

791

الآيات 116-117

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين﴾ (الأنعام: 116-117)

هذه الآيات تقرر قاعدة قرآنية وحقيقة واقعية وهي أنّ الأكثرية من الناس لن يكونوا مؤمنين, قال تعالى: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِين) (يوسف: 103)، وقال تعالى: (إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُون) (هود: 17)، والمراد من تقرير هذه الحقيقة هو عدم الاغترار بالكثرة وعدم النظر إليها كأساس في تقرير الحق, فالحق حق بذاته, وحق بمصدره من الله تعالى, وحق بتقرير الله بأحقيته, والكثرة على الباطل لأنها تسلك سبيل تقليد الآباء والأجداد, ومن ثم يجب عدم الالتفات إلى الكثرة, وعدم طاعتها فهي على الباطل, لأنها لا تتبع اليقين بل تتبع الظن والتخمين, وتأتي أهمية هذه القاعدة القرآنية من أنّ الناس حتى الآن ينخدعون بالكثرة وينظرون إلى القلة المؤمنة نظر الشك ويتساءلون: لو كان هؤلاء على الحق لوافقهم الناس واتبعوهم؟ والجواب: هذه الآيات من القرآن.

792

الآيات 118-119

قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِين﴾ (الأنعام: 118-119)

(1) قوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِين). دلت هذه الآية على الارتباط الوثيق بين العقيدة والشريعة أي بين الإيمان بالله وبين تطبيق أحكامه, وذلك أن الالتزام بالشريعة ينبثق من الإيمان بالله, ومن لم يعمل بأحكام الشريعة فليس مؤمنا وإن ادعى ذلك, وهذا ما يدل عليه الشرط في هذه الآية, وإنّ أحد مصادر القوة في الشريعة هذا التلازم بينها وبين الإيمان, وهذا ما لا نجده في الشرائع الوضعية والقوانين التي يشرعها البشر.

(2) قوله تعالى: (وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم). فيه ذم للأهواء التي تدفع بصاحبها إلى عدم الوقوف عند الحلال والحرام, فتحل لصاحبها وتحرم له من دون شريعة الله, وفيه بيان لخطورة الأهواء لأنها قد تتحول إلى إله يُعبد من دون الله وما أكثر من يتبع الأهواء ويسير معها حيث سارت, وفيه ذم للقول في الدين على أساس التقليد لأنّ التقليد اتباع للهوى والشهوة, وتقليد الآباء والأجداد هو من الشهوات والأهواء وهو حجة الكافرين في تركهم الإسلام.

(3) قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِين). تهديد ووعيد لكل من يتعد حدود الله متبعا هواه وشهوته, وذلك من خلال التذكير بعلم الله المطلق للباطن والظاهر سواء ومن ثم عقابه لمن اعتدى ومجازاته على اعتدائه يوم القيامة.

793

الآية 120

قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْأِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْأِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُون﴾ (الأنعام: 120)

المراد من هذه الآية ترك المعاصي كلها صغيرها وكبيرها, وظاهرها وباطنها, وما كان منها في السر وما كان منها في العلن, ولكن هذه الآية بالمقارنة مع غيرها خصّت بالنهي باطن الإثم أي: المعصية التي تعمل في السر فلا يطلع عليها الناس, وقد ذكرها الله تعالى في هذه الآية وخصّها لخطورتها على الإنسان, حيث لا يوجد ما يمنع الإنسان منها إلا الخوف من الله, في حين أنّ المعاصي المعلنة يوجد لها عدة موانع: وهي الخوف من الله والخوف من الناس والخوف من العقوبات القانونية عليها, وهذا وجه في الخطورة, والوجه الآخر هو استسهال الإثم عند فاعله ومن ثم التحول من الإثم الباطن إلى الإثم الظاهر, والوجه الثالث في الخطورة هو تحول المجتمع إلى مجتمع ظاهره الإسلام في حين ينخر السوس في داخله ولذلك فهو سرعان ما ينهار في مواجهته لأول صدمة. ولذلك توعد الله من يعمل المعاصي بأنه معاقب على فعله إن لم يتب منه، وأنّ هذه العقوبة لابد وأن تحصل له في الآخرة, فما من شيء يخفى على الله وإن خفي على الناس, وهذا الوعيد هو من باب التربية بالعقوبة الأخروية حيث لا عقوبة دنيوية على الإثم الباطن لعدم ظهوره.

794