الآيات 136-139
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيم﴾ (الأنعام: 136-139)
(1) قال الإمام الرازي في المدلول التربوي لهذه الآيات: «اعلم أنه تعالى لما بيّن قبح طريقتهم في إنكارهم البعث والقيامة, ذكر عقيبه أنواعا من جهالاتهم وركاكات أقوالهم تنبيها على ضعف عقولهم, وقلة محصولهم, وتنفيرا للعقلاء عن الالتفات إلى كلماتهم، والمقصود من حكاية هذه المذاهب الفاسدة, أن يعرف الناس قلة عقول القائلين بهذه المذاهب, وأن يصير ذلك سببا لتحقيرهم في أعين العقلاء, وأن لا يُلتفت لكلامهم أحد البتة».
(2) وقد ذكرت هذه الآيات الأربعة أربعة من مذاهب أهل الجاهلية الفاسدة: (فأولها) قوله: (وَجَعَلُوا لِلَّه) الآية. كانوا يحصدون الطعام فيجعلونه حزما, ويجعلون منه سهما لله وسهما لآلهتهم, فإذا انتقل شيء مما جعلوه للآلهة إلى الذي جعلوه لله بسبب من ريح أو نحو ذلك ردوه، وإذا انتقل شيء مما جعلوه لله إلى الذي جعلوه للآلهة تركوه ولم يردوه. (وثانيها) قوله: (وَكَذَلِكَ زَيَّن) الآية. والمراد بذلك وأد البنات خوفا من العار, ووأد الأولاد عموما خوفا من الفقر كما ذكر في آيات مختلفة, والعجيب في هذا الأمر كيف يئدون البنات ثم يريدون الزواج؟ لو أنّ كل الناس وأدوا البنات فكيف الزواج؟ وما معنى هذه الحياة الذكورية؟ وأما قتل الأولاد خوف الفقر فقد قيل فيهم: يقتل ابنه ويغذو كلبه, فإذا كانوا يخافون الفقر فلماذا كانوا يحرمون على أنفسهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وبعض الحرث؟!. (وثالثها) قوله: (وَقَالُوا هَذِه) الآية. فقد حرموا بعض الأنعام وبعض الحرث وقالوا هذه يأكلها الذكور دون الإناث, وبعض الأنعام حرموا ركوبها فقط ولم يحرموا ذبحها أو لبنها, وبعض الأنعام حرموا ذكر اسم الله حين ذبحها, وكل ذلك نسبوه إلى الله. (ورابعها) قوله: (وَقَالُوا مَا فِي بُطُون) الآية. أي أجنة البحائر والسوائب والوصائل إن وُلدت حية فهي للذكور دون الإناث, وإن وُلدت ميتة فهي للجميع ذكورا وإناثا.
(3) وقد ذكر الله هذه المذاهب الفاسدة مع الوعيد عليها، وهو من قبيل التربية بالعقوبة الأخروية فقال: (سَاءَ مَا يَحْكُمُون), وهذا توبيخ وبيان لطريقة حكمهم الفاسدة, وقال أيضا: (فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُون) وهذا تهديد من الله لهم, وقال: (سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُون) أي سيعاقبهم يوم القيامة على افترائهم على الله, وقال (سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُم) أي سيعاقبهم على هذا التحليل والتحريم من عند أنفسهم دون رجوع إلى شريعة الله.
(4) ونلمح في هذه الآيات اهتمام المنهج الإسلامي بالشريعة تماما كاهتمامه بالعقيدة, وهذا يدل على شمولية المنهج من جهة ويدل على أنّ الشرك في الشريعة كالشرك في العقيدة سواء, فكما يجب تلقي العقيدة من توحيد ونبوة وبعث من الله كذلك يجب تلقي الشريعة من حلال وحرام من الله, فالدينونة لله هو منهج المسلم في شؤونه كلها صغيرها وكبيرها عقيدة وشريعة وأخلاقا.