التفسير التربويالجزء 1 · ص 803 - 810

الآيات 136-139

الآيات 136-139

قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيم﴾ (الأنعام: 136-139)

(1) قال الإمام الرازي في المدلول التربوي لهذه الآيات: «اعلم أنه تعالى لما بيّن قبح طريقتهم في إنكارهم البعث والقيامة, ذكر عقيبه أنواعا من جهالاتهم وركاكات أقوالهم تنبيها على ضعف عقولهم, وقلة محصولهم, وتنفيرا للعقلاء عن الالتفات إلى كلماتهم، والمقصود من حكاية هذه المذاهب الفاسدة, أن يعرف الناس قلة عقول القائلين بهذه المذاهب, وأن يصير ذلك سببا لتحقيرهم في أعين العقلاء, وأن لا يُلتفت لكلامهم أحد البتة».

(2) وقد ذكرت هذه الآيات الأربعة أربعة من مذاهب أهل الجاهلية الفاسدة: (فأولها) قوله: (وَجَعَلُوا لِلَّه) الآية. كانوا يحصدون الطعام فيجعلونه حزما, ويجعلون منه سهما لله وسهما لآلهتهم, فإذا انتقل شيء مما جعلوه للآلهة إلى الذي جعلوه لله بسبب من ريح أو نحو ذلك ردوه، وإذا انتقل شيء مما جعلوه لله إلى الذي جعلوه للآلهة تركوه ولم يردوه. (وثانيها) قوله: (وَكَذَلِكَ زَيَّن) الآية. والمراد بذلك وأد البنات خوفا من العار, ووأد الأولاد عموما خوفا من الفقر كما ذكر في آيات مختلفة, والعجيب في هذا الأمر كيف يئدون البنات ثم يريدون الزواج؟ لو أنّ كل الناس وأدوا البنات فكيف الزواج؟ وما معنى هذه الحياة الذكورية؟ وأما قتل الأولاد خوف الفقر فقد قيل فيهم: يقتل ابنه ويغذو كلبه, فإذا كانوا يخافون الفقر فلماذا كانوا يحرمون على أنفسهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وبعض الحرث؟!. (وثالثها) قوله: (وَقَالُوا هَذِه) الآية. فقد حرموا بعض الأنعام وبعض الحرث وقالوا هذه يأكلها الذكور دون الإناث, وبعض الأنعام حرموا ركوبها فقط ولم يحرموا ذبحها أو لبنها, وبعض الأنعام حرموا ذكر اسم الله حين ذبحها, وكل ذلك نسبوه إلى الله. (ورابعها) قوله: (وَقَالُوا مَا فِي بُطُون) الآية. أي أجنة البحائر والسوائب والوصائل إن وُلدت حية فهي للذكور دون الإناث, وإن وُلدت ميتة فهي للجميع ذكورا وإناثا.

(3) وقد ذكر الله هذه المذاهب الفاسدة مع الوعيد عليها، وهو من قبيل التربية بالعقوبة الأخروية فقال: (سَاءَ مَا يَحْكُمُون), وهذا توبيخ وبيان لطريقة حكمهم الفاسدة, وقال أيضا: (فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُون) وهذا تهديد من الله لهم, وقال: (سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُون) أي سيعاقبهم يوم القيامة على افترائهم على الله, وقال (سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُم) أي سيعاقبهم على هذا التحليل والتحريم من عند أنفسهم دون رجوع إلى شريعة الله.

(4) ونلمح في هذه الآيات اهتمام المنهج الإسلامي بالشريعة تماما كاهتمامه بالعقيدة, وهذا يدل على شمولية المنهج من جهة ويدل على أنّ الشرك في الشريعة كالشرك في العقيدة سواء, فكما يجب تلقي العقيدة من توحيد ونبوة وبعث من الله كذلك يجب تلقي الشريعة من حلال وحرام من الله, فالدينونة لله هو منهج المسلم في شؤونه كلها صغيرها وكبيرها عقيدة وشريعة وأخلاقا.

803

الآية 140

قوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِين﴾ (الأنعام: 140)

(1) لما ذكر الله تعالى في الآيات السابقة عن مشركي العرب قتلهم أولادهم وتحريم ما رزقهم الله جمع هذين الأمرين في هذه الآيات وذم فاعلها بألفاظ متعددة تفيد الترهيب من القيام بهذا الأمر والتخويف من نتائجه في الدنيا والآخرة والردع عن القيام به, فوصف من يقوم به بالخسران وبالسفاهة وبعدم العلم وبتحريم ما رزقهم الله وبالافتراء على الله وبالضلال وبعدم الاهتداء وهذه أمور سبعة كل واحد منها يفيد الذم التام والإدانة الكاملة.

(2) ولو نظرنا في أقوال المفسرين عما يقوم به العرب في جاهليتهم لوجدنا العجب, قال عكرمة: «نزلت هذه الآية فيمن يئد البنات من ربيعة ومضر, كان الرجل يشترط على امرأته أن تستحيي جارية وتئد أخرى, فإذا كانت الجارية التي تئد غدا الرجل أو راح من عند امرأته, وقال لها: أنت عليّ كظهر أمي إن رجعت إليك ولم تئديها, فتخُد لها في الأرض خدا, وترسل إلى نسائها يجتمعن عندها, ثم يتداولنها, ثم إذا أبصرته راجعا دستها في حفرتها, ثم سوت عليها التراب» (الطبري), وقال قتادة: ((قوله: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْم) هذا صنيع أهل الجاهلية, كان أحدهم يقتل ابنته مخافة السباء والفاقة ويغذو كلبه, (وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّه) وهم أهل الجاهلية, جعلوا بحيرة وسائبة ووصيلة وحاميا, تحكما من الشياطين في أموالهم)) (الطبري). فأين هذا من رحمة الإسلام بالنساء؟ وأين هذا من رحمة الله تعالى بالناس؟!.

804

الآية 141

قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِين﴾ (الأنعام: 141)

(1) في الآية (99) من هذه السورة ذكر الأنواع الخمسة التي ذكرها في هذه الآية وهي: العنب والنخل والزرع والزيتون والرمان, وعقب عليها هناك فقال: (انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون) (الأنعام: 99)، فأمر بالنظر في أحوالها والاستدلال على وجود الله ووحدانيته من خلالها, وفي هذه الآية عقب عليها فقال: (كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِه) فأمر بالانتفاع منها في الأكل وفي إطعام الفقير, فحصل من ذلك أنّ لهذه الأشياء فائدتين: (الأولى) الاستدلال بها على الخالق الواحد. (والثانية) الانتفاع بها بالأكل والإطعام, وفي ذلك تنبيه على أنّ الاستدلال مقدم على الانتفاع وإن كان كلاهما مطلوبا, وذلك أنّ الاستدلال يوجب السعادة الروحية الدائم وأما الانتفاع فيوجب السعادة الجسمية الزائلة.

(2) وفي هذه الآية إعلام من الله تعالى للناس بنعمه التي أنعم بها عليهم وفضله تعالى على الناس, وتعريف لهم ما أحل لهم وما حرم عليهم, وتربية لهم على كيفية التصرف في هذه النعم بالأكل (كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَر) وإطعام المحتاج (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِه) وعدم الإسراف (وَلا تُسْرِفُوا), وهذه التربية القرآنية خلاف التربية الجاهلية القائمة على تحريم ما رزقهم الله بتحريم مآكل معينة وقتل الأولاد خوف الفقر.

(3) قوله تعالى: (وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِين). ينهى الله تعالى عن الإسراف بكل أنواعه, وهو تجاوز الحد المشروع سواء بالزيادة على الواجب أو الإنقاص منه, فمن منع حق أهله مسرف, ومن منع حق الفقير مسرف, ومن تجاوز العطاء للفقراء فأجحف بحق أهله ونفسه مسرف, والترهيب من الإسراف يبلغ مداه حين يقول الله عن المسرف بأنه لا يحبه (لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِين), لأنّ المؤمن من يعمل جاهدا ليكون في محل محبة الله تعالى له.

805

الآية 142

قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِين﴾ (الأنعام: 142)

لما بيّن الله تعالى للمؤمن منافع النبات في الآية السابقة ذكر في هذه الآية منافع الحيوان, فبيّن أنّ هذه الأنعام منها ما يحمل الناس والمتاع (حَمُولَة), ومنها ما يفرش للذبح أو يستفاد من صوفه وشعره ووبره للفرش (وَفَرْشا), ثم أمرهم بأن يأكلوا من رزق الله ولا يتّبعوا الشيطان في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله, فالله خلق الأنعام والشيطان يتصرف فيها بين الناس؟! فهذا تناقض صريح ما ينبغي أن يخفى على عاقل. وتنفيرا من الشيطان وتحذيرا من خطواته يذكّر الله الناس بعداوته للإنسان المتمثلة في عدائه لآدم وحواء حين أخرجهما من الجنة بوسوسته لهم, وإغوائه لهم، حيث أقسم على العداوة لذريتهم.

806

الآيات 143-144

قوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَمِنَ الْأِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين﴾ (الأنعام: 143-144)

(1) في هذه الآيات تقريع وتوبيخ لأولئك الذين يحلون ويحرمون من عند أنفسهم ومن دون سلطان من الله, وفيها تعليم لنبيه كيفية إقامة الحجة عليهم وإثبات بطلان ما يقولونه في التحليل والتحريم, ووجه الحجة قوله تعالى: (قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْن) يعني: إن كان الله حرم الذكر من هذه الأنعام فكل ذكر فيها حرام, وإن كان حرم الأنثى من هذه الأنعام فكل أنثى حرام, فكيف يحرم الذكر أو الأنثى ولا يحرم ما اشتملت عليه رحم الأنثى وهي لا تشتمل إلا على اذكر أو الأنثى؟! وهم كانوا يحرمون البحيرة والسائبة والوصيلة, ويحلون ما في بطونها للذكور دون الإناث إن ولد حيا وإن ولد ميتا أحلوه للذكور والإناث وذلك قولهم: (وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء) (الأنعام: 139).

(2) قوله تعالى: (نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين). فيه تربية للمسلمين على أنّ الأساس في التحريم هو العلم أي ما قاله الله أو قاله رسول الله تبليغا عنه, وكل قول لا يصدر من هذه المشكاة فهو قول قائم على الجهل, ما ينبغي الالتفات إليه أو الأخذ به لأنه كذب على الله, ومنه بطلان العادات والتقاليد كأساس في التحريم, حيث نلحظ في بعض المجتمعات تحريم وتحليل لا على أساس من شريعة الله وإنما على أساس من عادات وتقاليد اتفق عليها الناس.

(3) قوله تعالى: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين). ترهيب من الافتراء على الله مطلقا سواء في الشريعة والتحليل والتحريم أم في العقيدة والتوحيد والنبوة والمعاد, ووعيد على هذا الافتراء من خلال توصيف فاعله بأنه أشد الناس ظلما, وبأنّ الله لا يهدي الظالمين إلى الرشاد والصلاح في الدنيا, ولا يهدي الظالمين إلى الجنة يوم القيامة.

(4) وهذه الآيات كغيرها ترُدّ التشريع إلى مصدر واحد وهو الله تعالى, وتحذر كل من يشرع من دون الله أو ينسب ذلك إلى الله من إدانته يوم القيامة بتهمة الافتراء على الله, وهي من أكبر الذنوب ومن أشد العداوات لله تعالى, والمسلم من يقر لله بالحاكمية والتشريع ولا يفصل بين العقيدة والشريعة, فلا يجعل العقيدة لله والشريعة لغيره كما هو حال أصحاب بعض المذاهب الوضعية البشرية التي تفصل العقيدة عن الشريعة فتصدق بالعقيدة وتستغني عن الشريعة.

807

الآية 145

قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيم﴾ (الأنعام: 145)

قال الإمام الطبري: «هذا إعلام من الله جل ثناؤه للمشركين الذين جادلوا نبي الله وأصحابه في تحريم الميتة بما جادلوهم به, إنّ الذي جادلوهم فيه من ذلك هو الحرام الذي حرمه الله, وأنّ الذي زعموا أنّ الله حرمه حلال قد أحله الله, وأنهم كذبة في إضافتهم تحريمه إلى الله».

(1) قوله تعالى: (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُون). يدل على أنّ الأصل في المطاعم والمشارب هو الإباحة فلا تحريم إلا بنص, وكل ما لا نص فيه فهو حلال, وهذا من رحمته تعالى بالناس ورأفته بهم, وهو ما يتفق مع قانون التسخير أي: إنّ كل ما خلقه الله فهو مسخر لخدمة الإنسان, فالإنسان سيد هذا الكوكب ولأجله خلق الله كل ما خلق في الكون.

(2) قوله تعالى: (مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِه). ونذكر هنا بما قلنا في مطلع سورة المائدة, أما تحريم الميتة فلوجود الدم فيها وعدم خروجه منها, وأما تحريم الدم فلأنه مجمع الجراثيم والفيروسات والطفيليات والأملاح, وما من خلل في الجسم إلا ويتحول إلى الدم, وأما لحم الخنزير فللطباع القذرة في الخنزير من جهة ولكونه ناقلا للأمراض من جهة أخرى, وأما ما أهل لغير الله به فهو تحريم شرعي معنوي متعلق بتعظيم غير الله عن ذبح الحيوان.

(3) قوله تعالى: (أَوْ دَماً مَسْفُوحا). أي المحرم من الدم هو الدم المنصب وليس النقط البسيطة منه, وهذا من رحمته تعالى بهذه الأمة وتيسيره لهم ورفع الحرج عنهم, قال عكرمة: «لولا هذه الآية لتتبع المسلمون من العروق ما تتبعت اليهود» (الطبري).

(4) قوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيم). ومن رحمته تعالى أن رخّص لمن ألجأته الضرورة المهلكة من الجوع الشديد في الأكل من هذه المحرمات بالقدر الذي يحتاجه, وشرط لهذه الضرورة شرطين: (أحدهما) قوله: (غَيْرَ بَاغ) أي غير بائح للأكل ملتذ به وإنما يأكله مع كراهته لذلك. (والثاني) قوله: (وَلا عَاد) أي ولا يتجاوز في الأكل القدر الذي يرفع عنه الهلاك. والله تعالى ولأنه رب (غَفُورٌ رَحِيم) يغفر لمن فعل ذلك فلا يعاقبه عليه, ولو شاء لعاقب, ويرحم من فعل ذلك فيسمح له بالفعل, ولو شاء لحرمه عليه ولمنعه منه.

808

الآية 146

قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُون﴾ (الأنعام: 146)

لما ذكر الله في الآية السابقة ما يدل على رحمته تعالى بهذه الأمة حيث جعل لهم الأصل في المأكولات والمشروبات هو الإباحة وأنّ التحريم واقع على أشياء محددة, ذكر الله تعالى في هذه الآية غضبه على اليهود وأنه حرم عليهم أشياء، هي حل لهذه الأمة، بسبب بغيهم في قتل الأنبياء وأخذ الربا وأكل أموال الناس بالباطل, فكان ذلك التحريم عقوبة تربوية لهم, ونظير هذه الآية قوله تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرا) (النساء: 160).

809

الآية 147

قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِين﴾ (الأنعام: 147)

جمعت هذه الآية بين الترغيب والترهيب, وفيها من الإطماع بالرحمة بقدر ما فيها من الترهيب بالبأس والعقوبة, والله تعالى خالق القلوب وهو أعلم بما يُصلحها, فتارة يخاطبها بالترغيب وتارة يخاطبها بالترهيب, وتارة يجمع الخطاب بين الأمرين كما في هذه الآية. يقول الإمام الطبري: ((يقول جلّ ثناؤه لنبيه محمد: فإن كذبك هؤلاء اليهود فيما أخبرناك أنا حرمنا عليهم وحللنا لهم, كما بينا في هذه الآية, (فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَة) بنا وبمن كان به مؤمنا من عباده وبغيرهم من خلقه, (وَاسِعَة) تسع جميع خلقه, المحسن والمسيء, لا يعاجل من كفر به بالعقوبة, ولا من عصاه بالنعمة, ولا يدع كرامة من آمن به وأطاعه, ولا يحرمه ثواب عمله, رحمة منه بكلا الفريقين, ولكن بأسه, وذلك سطوته وعذابه, لا يرده إذا أحله عند غضبه على المجرمين عنهم شيء, والمجرمون هم الذين أجرموا فاكتسبوا الذنوب واجترحوا السيئات)).

810