التفسير التربويالجزء 1 · ص 819 - 826

الآيات 155-157

الآيات 155-157

قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُون﴾ (الأنعام: 155-157)

(1) قوله تعالى: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوه). في صفة القرآن يدل على أنّ بركة هذا الكتاب باتباعه والعمل بما فيه وليس في تقليبه أو تلاوته على الطعام كي يزيد, أو وضعه على الرف في البيوت استكثارا للرزق, إنّ الاحترام الشكلي للقرآن مطلوب ولكن ليس هو الأساس في نزول القرآن, فالقرآن أنزل لتطبيقه والعمل به وجعله دستورا للحياة فهو كتاب حركة وليس كتاب ثقافة واطلاع, كتاب أنزله الله كي يكون للناس إماما يقتدون بما فيه.

(2) قوله تعالى: (وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون). أي: لكي ترحموا. فجعل الله رحمته جزاء لمن يتقيه, وهذا ترغيب في التقوى, لأنّ كل مؤمن يتمنى أن تنزل به رحمة الله في الدنيا والآخرة, فإذا علم أنّ الطريق إلى الرحمة يكون بالتقوى فإنه سيبادر بسرعة إلى العمل بالتقوى.

(3) قوله تعالى: (أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِين). المراد من هذه الآية إثبات الحجة على العرب بإنزال القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم وقطع العذر عليهم فلا يقولون نزل الكتاب على اليهود والنصارى ولم ينزل علينا كتاب. وفي حرصه تعالى على إثبات الحجة وقطع العذر عن هذه الأمة ما يدل على رحمته تعالى بها وتعهده لها فالإصلاح والتربية والرعاية وذلك فضل من الله, لأنه الرب بكل معاني هذه الكلمة من التربية والملك والتصرف والسياسة.

(4) قوله تعالى في وصفه القرآن: (فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَة). ترغيب للناس في سماعه وفهمه والعمل بما فيه, فالبينة ما يعلم سمعا, والهدى ما يعلم سمعا وعقلا, والرحمة هي رحمة الله التي تحصل لمن آمن وعمل صالحا من عباده.

(5) قوله تعالى: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا). المراد منه تعظيم كفر من كذب بالقرآن, وتعظيم كفر من منع الناس عن الانتفاع بالقرآن, فالأول ضلال والثاني إضلال, وقد نص الله على ذلك بأسلوب الاستفهام التقريري هو أبلغ تربويا من التقريري العادي, واعتبر من يفعل ذلك أشد الناس ظلما.

(6) قوله تعالى: (سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُون). ترهيب بالعقوبة الأخروية ووعيد شديد لمن يمنع الناس عن كتاب الله, فيمنعهم من سماعه ويمنعهم من الإيمان به ويمنعهم من العمل به, فهو يمنعهم من رحمة الله أن تصيبهم.

819

الآية 158

قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُون﴾ (الأنعام: 158)

(1) في هذه الآية ترغيب للكافرين على الإيمان بل والمسارعة إلى الإيمان, وفيها ترهيب لهم من البقاء على الكفر, لأنّ هناك علامات لو حصل أحدها لم يبق مجال للإيمان ولا ينتفع الإنسان بالإيمان عندها وهذه الآيات (أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَة) أي: لقبض الأرواح, (أَوْ يَأْتِيَ رَبُّك) أي: يوم القيامة، (أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّك) أي: علامات الساعة وأولها طلوع الشمس من مغربها. وهذا الكلام وإن كان موجها للكافرين فإنه كذلك موجه للمؤمنين العصاة المقيمين على المعصية ولم يتوبوا منها, بل يسوفون ويضربون المواعيد للتوبة ولا يفون بمواعيدهم, فماذا ينتظرون؟ قد ينفع مع هؤلاء تذكيرهم بالموت فهو أقرب علامة من العلامات المذكورة في هذه الآية, لأنه قد يقع في أية لحظة.

(2) قوله تعالى: (قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُون). المراد منه التهديد والوعيد, يقول الإمام الطبري: «قل: يا محمد , لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام: انتظروا أن تأتيكم الملائكة بالموت فتقبض أرواحكم, أو يأتي ربكم لفصل القضاء بيننا وبينكم في موقف القيامة, أو يأتي طلوع الشمس من مغربها, فتطوى صحف الأعمال, ولا ينفعكم إيمانكم حينئذ إن آمنتم, حتى تعلموا حينئذ المحق منا من المبطل, والمسيء من المحسن, والصادق من الكاذب, وتتبينوا عند ذلك بمن يحق عذاب الله وأليم نكاله, ومن الناجي منا ومنكم ومن الهالك, إنا منتظرون ذلك, ليجزل الله لنا ثوابه على طاعتنا إياه, وإخلاصنا العبادة له, وإفرادنا بالربوبية له دون ما سواه, ويفصل بيننا وبينكم بالحق, وهو خير الفاصلين».

820

الآية 159

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُون﴾ (الأنعام: 159)

(1) المراد التربوي من هذه الآية هو الأمر بالوحدة بين المسلمين والتحذير من الفرقة, وتربية المسلمين على وحدة الكلمة ووحدة الصف، لأنّ الفرقة كانت سببا في ضلال من كان قبلهم من الأمم, وكانت سببا في ضعف قوتهم وذهاب ريحهم وفشلهم في إقامة منهج الله في الأرض, حيث أدت الفرقة إلى التناحر والقتال وتحقيق الدمار والهلاك بين الناس بخلاف المطلوب منهم وهو إعمار الأرض والقيام بأمر الخلافة فيها.

(2) كما تضمنت هذه الآية التحذير من البدع والأهواء في الدين، لأنّ سبب الفرقة إنما هو الابتداع وليس الاتباع, وما من فرقة حصلت إلا كان السبب فيها بدعة ابتدعها قوم وأقاموا عليها فكانت سببا في الفرقة, والسبب الآخر في الفرقة اتباع الأهواء وعلى رأسها هوى الرياسة حين يختلف الناس على الرؤساء ويؤدي ذلك إلى فرق متعددة كل فرقة تدين لزعيم.

(3) إنّ الأسلوب التربوي الذي سلكه النص في ذم الفرقة في الدين هو أسلوب البراءة والتهديد والوعيد, فقوله تعالى لرسوله: (لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء) وقوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّه) تهديد من الله للذين فرقوا دينهم, وقوله تعالى: (ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُون) وعيد من الله لأولئك الذين فرّقوا دينهم من أن أعمالهم أحصيت عليهم وسوف يخبرهم بها إخبار عقاب.

821

الآية 160

قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُون﴾ (الأنعام: 160)

لما ذكر الله تعالى الحساب والجزاء والعقاب في خاتمة الآية السابقة ذكر هنا قاعدة الحساب والجزاء والعقاب وهي أنّ الحسنة بعشرة أمثالها والسيئة بمثلها, وهذه القاعدة تدل على إحسانه تعالى لأصحاب الحسنات كما تدل على عدله تعالى مع أصحاب السيئات, لأنّ العدل هو المثل وهذا ما يحصل لأصحاب السيئات حيث يجازي الله على السيئة بمثلها, والإحسان هو الزيادة على المثل وهذا ما يحصل لأصحاب الحسنات حيث يجازي الله على الحسنة بعشر أمثالها, وهذا هو الحد الأدنى في إحسان الله لأنّ في القرآن ما يدل المضاعفة التي لا يعلم عددها إلا الله خاصة في مجال النفقات، ومن هذه الآيات قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيما) (النساء: 40)، وقوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيم) (البقرة: 261)، وقوله تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون) (البقرة: 245).

822

الآيات 161-163

قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِين﴾ (الأنعام: 161-163)

(1) قوله تعالى: (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين). المدلول التربوي لهذه الآية هو تربية المؤمن على الشكر لله على نعمة الهداية للإيمان لأنّ القلوب بيد الله يصرفها كيف شاء, والشكر على نعمة الدين الذي أنزله الله للناس وما فيه من الصفات الحسنة التي ترتاح لها القلوب البشرية فهو دين مستقيم (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) وهو ملة إبراهيم أبي الأنبياء (دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيم) وهو دين مائل عن الشرك والتعدد (حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين).

(2) قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِين). المدلول التربوي لهذه الآيات هو تربية المسلم على التجرد الكامل لله والإخلاص التام لله في كل حركة وفي كل خالجة نفس وفي كل شعور وفي كل قول, الإخلاص لله في الصلاة والإخلاص لله في الذبائح والعبادات والإخلاص لله في الحياة وحين الممات.

(3) قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكي). قيل: المراد بالنسك هنا الذبيحة فجمع بين الصلاة والذبائح لله تعالى كقوله تعالى: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر) (الكوثر: 2)، وقيل: المراد بالنسك العبادة, «روى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال: النسك سبائك الفضة, كل سبيكة منه نسيكة, وقيل للمتعبد ناسك لأنه خلص نفسه من دنس الآثام وصفاها كالسبيكة المخلصة من الخبث, وعلى هذا التأويل فالنسك كل ما تقربت به إلى الله تعالى, إلا أنّ الغالب عليه في العرف الذبح».

823

الآية 164

قوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُون﴾ (الأنعام: 164)

(1) لما ذكر الله تعالى التوحيد الخالص له في الآيات السابقة ذكر هنا ما يدل على ذلك فجرى الكلام في هذه الآية مجرى الدليل على الآيات السابقة (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ) فالمشركون كانوا يقرون بأن الله رب السماوات والأرض ولكنهم كانوا يجعلون معه آلهتهم شركاء في العبادة, وكانوا يقرون أنّ الله خالق السماوات والأرض وخالق كل شيء ولكنهم كانوا يجعلون معه آلهتهم شركاء في العبادة, والعقل يشهد بأنه لا يجوز أن نجعل المربوب شريكا للرب والمخلوق شريكا للخالق, بدليل أنّ أي واحد من المشركين لا يقبل بأن يكون عبده شريكا له في ملكه مساويا له في التصرف في هذا الملك, فكيف يقبل لله ما لا يقبله لنفسه؟ وكيف يرضى للرب ما لا يرضاه لنفسه؟.

(2) ثم بين لهم أن كفر من كفر لا يضر الله شيئا ولا ينقص من ملكه شيئا فقال: (وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى), وكذلك إيمان من آمن لا ينفع الله شيئا ولا يزيد في ملكه شيئا.

(3) ولما ذكر التوحيد والدليل على التوحيد ذكر الوعيد والتهديد لمن يخالف ذلك فقال: (ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُون).

824

الآية 165

قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيم﴾ (الأنعام: 165)

(1) قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْض). المخاطب بذلك هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم حيث خلفت هذه الأمة سائر الأمم قبلها, وهذا الخطاب هو خطاب تكليف وتشريف, والتشريف يأتي من التكليف, فإن بلغوا الأمانة وأدّوا الرسالة وعمّروا الأرض كانت لهم السعادة في الدنيا والآخرة, والله تعالى حينما يخاطبهم بذلك فإنه يحضهم على القيام بدورهم والحفاظ على المكان اللائق بهم, وأنا أستغرب على هذه الأمة, كيف يخصص الله لهم صدر البيت وهم يركضون إلى العتبات؟!.

(2) قوله تعالى: (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم)). أي: فاوت بينهم في الشرف والعقل والمال والجاه والرزق لأجل الابتلاء, ولو كان الناس متساوين في هذه المسائل لما كان هناك ابتلاء, فالله يبتلي الغني بالفقير والفقير بالغني, والعاقل بالجاهل والجاهل بالعاقل, والشريف بالوضيع والوضيع بالشريف, فلابد من التفاوت كي يحصل التكليف والابتلاء.

(3) قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيم). ((ثم إن المكلف إما أن يكون مقصرا فيما كلف به, وإما أن يكون موفرا فيه, فإن كان الأول كان نصيبه من التخويف والترهيب هو قوله: (إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ)، ووصف العقاب بالسرعة لأن ما هو آت قريب, وإن كان الثاني, وهو أن يكون موفرا في تلك الطاعات كان نصيبه من التشريف والترغيب هو قوله: (وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) أي: يغفر الذنوب ويستر العيوب في الدنيا بستر فضله وكرمه ورحمته, وفي الآخرة بأن يفيض عليه أنواع نعمه. وهذا الكلام بلغ في شرح الإعذار والإنذار والترغيب والترهيب إلى حيث لا يمكن الزيادة عليه)).

825

التفسير التربوي لسورة الأعراف

قال القرطبي: ((سورة الأعراف وهي مكية، إلا ثمان آيات، وهي قوله تعالى: (واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر) إلى قوله تعالى: (وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة). وروى النسائي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في صلاة المغرب بسورة الأعراف، فرقها في ركعتين)).

826