إِذۡ أَوَى ٱلۡفِتۡيَةُ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةࣰ وَهَيِّئۡ لَنَا مِنۡ أَمۡرِنَا رَشَدࣰا 10
[سورة الكهف (18): الآيات 10 الى 12]
إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ. فرارا بدينهم من قومهم لئلا يفتنوهم، فهربوا منهم، فلجأوا إلى غار في جبل ليختفوا عن قومهم فَقالُوا حين دخلوا سائلين من الله تعالى رحمته ولطفه بهم رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً أي هب لنا من خزائن رحمتك رحمة ترحمنا بها، وتسترنا عن قومنا وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً.
أي وقدّر لنا من أمرنا هذا رشدا أي اجعل عاقبتنا رشدا، أي وهيئ لنا من أمرنا الذي نحن عليه من مفارقة الكفار رشدا حتى نكون بسببه راشدين مهتدين، أو اجعل أمرنا رشدا كله، أو يسر لنا طريق رضاك
فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً أي سنين ذوات عدد. قال الزّجّاج: أي تعد عددا لكثرتها، لأن القليل يعلم مقداره من غير عدد، فإذا كثر عدّ فأما (دراهم معدودة) (التي وردت في قصة يوسف) فهي على القلة؛ لأنهم كانوا يعدّون القليل ويزنون الكثير. والمعنى: ألقينا عليهم النوم حين دخلوا إلى الكهف فناموا سنين كثيرة. ومعنى فضربنا على آذانهم: أي ضربنا عليها حجابا من النوم يعني: أنمناهم إنامة ثقيلة لا تنبههم فيها الأصوات
ثُمَّ بَعَثْناهُمْ أي أيقظناهم من رقدتهم تلك لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أي المختلفين في مدة لبثهم، إما منهم ساعة الاستيقاظ، أو من غيرهم أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً. أي عددا أو غاية،
وقد جعل النسفي كلمة أَحْصى فعلا ماضيا، وردّ بشدة أن تكون أفعل تفضيل.
قال والمعنى: أيهم ضبط أمدا لأوقات لبثهم، وأحاط بأمد لبثهم. وقال: وإنما قال لنعلم مع أنه تعالى لم يزل عالما بذلك، لأن المراد ما تعلق به العلم من ظهور الأمر لهم، ليزدادوا إيمانا واعتبارا، وليكون لطفا لمؤمني زمانهم، وآية بيّنة لكفاره، أو المراد لنعلم اختلافهما موجودا كما علمناه قبل وجوده. وبهذه الآيات الأربعة ذكر الله لنا
قصة أصحاب الكهف على سبيل الإجمال والاختصار. ثم بعد هذا الإجمال والاختصار يأتي بسط القصة.
فوائد:
1 - [حديث بمناسبة آية إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ.. ]
بمناسبة قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ذكر ابن كثير الحديث الشريف «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فناظر ماذا تعملون. فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء».
2 - [حديثان بمناسبة دعاء أهل الكهف وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً]
وبمناسبة ذكر دعاء أهل الكهف وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً قال ابن كثير:
كما جاء في الحديث الشريف: «وما قضيت لنا من قضاء فاجعل عاقبته رشدا». وفي المسند من حديث بسر بن أرطاة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يدعو: «اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة».
3 - [حول أدب الفتوة وما يؤخذ من معنى كلمة (الفتية) في قصة أهل الكهف]
يلاحظ أن الله عزّ وجل ذكر كلمة (الفتية) في هذه القصة أكثر من مرة بما يشعرنا بالثناء، ومن هنا نشأ في التاريخ الإسلامي أدب الفتوة. فتجد مثلا في الرسالة القشيرية بابا خاصا في الفتوة وآدابها. وقد ذكر النسفي تعريفين للفتوة هما تلخيص لأدب الفتوة في تاريخنا: الأول: الفتوة بذل الندى وكف الأذى، وترك الشكوى، واجتناب المحارم، واستعمال المكارم. والثاني: الفتى من لا يدّعي قبل الفعل، ولا يزكّي نفسه بعد الفعل.
4 - [قصة أهل الكهف نموذج لطلاب الآخرة وصلة ما في القصة من معان بمحور السورة]
إن قصة أهل الكهف نموذج لطلاب الآخرة العازفين عن زينة الحياة الدنيا، ونموذج للدخول في الإسلام كله في أيام الفتنة. ولقد رأينا كيف أن أهل الكهف اعتزلوا وأووا إلى الكهف داعين الله عزّ وجل هذا الدعاء الذي قصّه الله علينا، وهو دعاء الفارين بدينهم من الفتن.
ولنعد إلى سياق القصة، فبعد الإجمال الذي رأيناه يبدأ التفصيل، وقبل أن نبدأ
العرض نحب أن نذكر أن هناك خلافا بين المفسرين حول التاريخ الذي وجد فيه أهل الكهف. قال ابن كثير: وقد ذكر أنهم كانوا على دين المسيح عيسى بن مريم، فالله أعلم، والظاهر أنهم كانوا قبل ملة النصرانية بالكلية. فإنهم لو كانوا على دين النصرانية لما اعتنى أحبار اليهود بحفظ خبرهم وأمرهم؛ لمباينتهم لهم، وقد تقدم عن ابن عباس أن قريشا بعثوا إلى أحبار اليهود بالمدينة، يطلبون منهم أشياء يمتحنون بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
فبعثوا إليهم أن يسألوه عن خبر هؤلاء، وعن خبر ذي القرنين، وعن الروح. فدلّ هذا على أن هذا أمر محفوظ في كتب أهل الكتاب، وأنه متقدم على دين النصرانية. والله أعلم. أقول: لقد رأينا ما يمكن أن يقال على رواية ابن إسحاق التي لا تعتبر حجة قاطعة في هذا المقام: إن قصة أهل الكهف مشهورة عالميا، وليس من السهل تحديد الزمان والمكان اللذين كانوا فيه، وكل ما يقال في هذه الأشياء لا يمكن اعتباره نهائيا. فالقرآن لم يفصّل، والسنّة لم تفصّل، وغير ذلك لا تقوم به الحجة. وابن كثير يقرّر هذا المعنى في أكثر من مكان وأنا لا أستبعد أن تكون قصة أصحاب الكهف سابقة على عهد المسيح عليه السلام، ولكن النّصارى أخذوها ونسبوها إلى أنفسهم، فليس هناك من شئ قطعي في هذا الشأن إلا روايات، الله أعلم بصدقها، والاحتمالان واردان.
إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ. فرارا بدينهم من قومهم لئلا يفتنوهم، فهربوا منهم، فلجأوا إلى غار في جبل ليختفوا عن قومهم فَقالُوا حين دخلوا سائلين من الله تعالى رحمته ولطفه بهم رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً أي هب لنا من خزائن رحمتك رحمة ترحمنا بها، وتسترنا عن قومنا وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً.
أي وقدّر لنا من أمرنا هذا رشدا أي اجعل عاقبتنا رشدا، أي وهيئ لنا من أمرنا الذي نحن عليه من مفارقة الكفار رشدا حتى نكون بسببه راشدين مهتدين، أو اجعل أمرنا رشدا كله، أو يسر لنا طريق رضاك
فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً أي سنين ذوات عدد. قال الزّجّاج: أي تعد عددا لكثرتها، لأن القليل يعلم مقداره من غير عدد، فإذا كثر عدّ فأما (دراهم معدودة) (التي وردت في قصة يوسف) فهي على القلة؛ لأنهم كانوا يعدّون القليل ويزنون الكثير. والمعنى: ألقينا عليهم النوم حين دخلوا إلى الكهف فناموا سنين كثيرة. ومعنى فضربنا على آذانهم: أي ضربنا عليها حجابا من النوم يعني: أنمناهم إنامة ثقيلة لا تنبههم فيها الأصوات
ثُمَّ بَعَثْناهُمْ أي أيقظناهم من رقدتهم تلك لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أي المختلفين في مدة لبثهم، إما منهم ساعة الاستيقاظ، أو من غيرهم أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً. أي عددا أو غاية،
وقد جعل النسفي كلمة أَحْصى فعلا ماضيا، وردّ بشدة أن تكون أفعل تفضيل.
قال والمعنى: أيهم ضبط أمدا لأوقات لبثهم، وأحاط بأمد لبثهم. وقال: وإنما قال لنعلم مع أنه تعالى لم يزل عالما بذلك، لأن المراد ما تعلق به العلم من ظهور الأمر لهم، ليزدادوا إيمانا واعتبارا، وليكون لطفا لمؤمني زمانهم، وآية بيّنة لكفاره، أو المراد لنعلم اختلافهما موجودا كما علمناه قبل وجوده. وبهذه الآيات الأربعة ذكر الله لنا
قصة أصحاب الكهف على سبيل الإجمال والاختصار. ثم بعد هذا الإجمال والاختصار يأتي بسط القصة.
فوائد:
1 - [حديث بمناسبة آية إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ.. ]
بمناسبة قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ذكر ابن كثير الحديث الشريف «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فناظر ماذا تعملون. فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء».
2 - [حديثان بمناسبة دعاء أهل الكهف وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً]
وبمناسبة ذكر دعاء أهل الكهف وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً قال ابن كثير:
كما جاء في الحديث الشريف: «وما قضيت لنا من قضاء فاجعل عاقبته رشدا». وفي المسند من حديث بسر بن أرطاة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يدعو: «اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة».
3 - [حول أدب الفتوة وما يؤخذ من معنى كلمة (الفتية) في قصة أهل الكهف]
يلاحظ أن الله عزّ وجل ذكر كلمة (الفتية) في هذه القصة أكثر من مرة بما يشعرنا بالثناء، ومن هنا نشأ في التاريخ الإسلامي أدب الفتوة. فتجد مثلا في الرسالة القشيرية بابا خاصا في الفتوة وآدابها. وقد ذكر النسفي تعريفين للفتوة هما تلخيص لأدب الفتوة في تاريخنا: الأول: الفتوة بذل الندى وكف الأذى، وترك الشكوى، واجتناب المحارم، واستعمال المكارم. والثاني: الفتى من لا يدّعي قبل الفعل، ولا يزكّي نفسه بعد الفعل.
4 - [قصة أهل الكهف نموذج لطلاب الآخرة وصلة ما في القصة من معان بمحور السورة]
إن قصة أهل الكهف نموذج لطلاب الآخرة العازفين عن زينة الحياة الدنيا، ونموذج للدخول في الإسلام كله في أيام الفتنة. ولقد رأينا كيف أن أهل الكهف اعتزلوا وأووا إلى الكهف داعين الله عزّ وجل هذا الدعاء الذي قصّه الله علينا، وهو دعاء الفارين بدينهم من الفتن.
ولنعد إلى سياق القصة، فبعد الإجمال الذي رأيناه يبدأ التفصيل، وقبل أن نبدأ
العرض نحب أن نذكر أن هناك خلافا بين المفسرين حول التاريخ الذي وجد فيه أهل الكهف. قال ابن كثير: وقد ذكر أنهم كانوا على دين المسيح عيسى بن مريم، فالله أعلم، والظاهر أنهم كانوا قبل ملة النصرانية بالكلية. فإنهم لو كانوا على دين النصرانية لما اعتنى أحبار اليهود بحفظ خبرهم وأمرهم؛ لمباينتهم لهم، وقد تقدم عن ابن عباس أن قريشا بعثوا إلى أحبار اليهود بالمدينة، يطلبون منهم أشياء يمتحنون بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
فبعثوا إليهم أن يسألوه عن خبر هؤلاء، وعن خبر ذي القرنين، وعن الروح. فدلّ هذا على أن هذا أمر محفوظ في كتب أهل الكتاب، وأنه متقدم على دين النصرانية. والله أعلم. أقول: لقد رأينا ما يمكن أن يقال على رواية ابن إسحاق التي لا تعتبر حجة قاطعة في هذا المقام: إن قصة أهل الكهف مشهورة عالميا، وليس من السهل تحديد الزمان والمكان اللذين كانوا فيه، وكل ما يقال في هذه الأشياء لا يمكن اعتباره نهائيا. فالقرآن لم يفصّل، والسنّة لم تفصّل، وغير ذلك لا تقوم به الحجة. وابن كثير يقرّر هذا المعنى في أكثر من مكان وأنا لا أستبعد أن تكون قصة أصحاب الكهف سابقة على عهد المسيح عليه السلام، ولكن النّصارى أخذوها ونسبوها إلى أنفسهم، فليس هناك من شئ قطعي في هذا الشأن إلا روايات، الله أعلم بصدقها، والاحتمالان واردان.