وَإِنَّا لَجَٰعِلُونَ مَا عَلَيۡهَا صَعِيدࣰا جُرُزًا 8
[سورة الكهف (18): آية 8]
وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً.
وأعاد هذا الإنكار والتشنيع على عبّاد الحياة الدنيا ومنكري الآخرة، أو الغافلين عنها، في أواخر السورة فقال: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا* الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً.
وهكذا أحاطت عقيدة الآخرة، وعقيدة الإيمان بالغيب، والإيمان بفاطر هذا الكون، وقدرته المطلقة المسيطرة على كل شئ، بأول هذه السورة وآخرها، وبجميع جوانبها، وهي عقيدة نفسية، وعقلية، وطبيعية، تأباها المادية التي لا تعتمد إلا على الحس والمشاهدة والتجربة، والمنفعة العاجلة، واللذة البدنية، والسيادة القومية أو العنصرية، وتتنصل عنها وتحاربها بكل قوة ووسيلة، فجاءت هذه السورة تشتمل على مادة تستأصل جذور المادية التي قدر الله أن يكون المسيحيون أكبر مربيها ودعاتها، والمشرفين عليها، في رحلة التاريخ الطويلة، ثم يتولى قيادتها اليهود الذين حاربوا المسيح منذ أول عهده، ونافسوا المسيحية في جميع عهودها، وعلى أيديهم تبلغ هذه المادية ذروتها الأخيرة، وفي بقاياهم المشتتين ولأمثالهم يظهر الدجّال الذي يكون أعظم بطل من أبطال الكفر والإلحاد، والتدجيل والتلبيس، وقد أخبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بأن تلاوة هذه السورة، والمحافظة على أوائلها- أو خواتيمها- تعصم من فتنته، وهكذا كانت بين بداية هذه السورة ونهايتها مناسبة لطيفة لا تخفى على الناظر المتأمل، ولمجموع
السورة صلة وثيقة، وعميقة بفتنة الدجّال الذي يظهر في وقته).
المقطع الأول ويمتدّ من الآية (9) إلى نهاية الآية (31) وهذا هو:
18/ 31 - 9
بين يدي قصة أصحاب الكهف: [خلاصة ما نقل عن الكتابيين حول القصة]
نقل المفسرون عن الكتابيين الكثير في قصة أهل الكهف، وقد أراد الأستاد الندوي أن يختصر الطريق فينقل عن كتب أهل الكتاب مباشرة، فنقل ما ذكرته دائرة المعارف للأخلاق والديانات ما خلاصته:
(إن قصة النائمين السبعة من أكثر القصص التي تروى عن القديسين متعة عقلية، واشتهارا بالآفاق، إن عناصر القصة التي تشترك فيها أقدم الكتب كما يلي:
أن الإمبراطور «ديسيس (Decius) «يدخل في المدينة اليونانية القديمة «أفيسيس»: (وتحديدها الجغرافي.. جاء في دائرة المعارف للبستاني، أنها إحدى المدن الأيونية الاثنتي عشرة من الأناضول، وموقعها على الجانب الجنوبي من نهر
قسيطرة، وهي على مسافة 60 كيلومترا من إزمير، جعلها الرومانيون قاعدة لولاية آسيا الغربية في البر، وقنصلية، ومحطا لتجارة متسعة زاهرة جدا، ولكن أعظم فخر لها هو هيكل ديانا- المعبودة اليونانية- العظيم الذي يعد من عجائب الدنيا السبع، وكان أكبر الهياكل اليونانية. وذكر بليكي رضي الله عنlackie في كتابه ﷺ manual of رضي الله عنiblic History أن مدينة أفيسيس ﷺ phesus اشتهرت في التاريخ القديم بفلسفتها وخلاعة أهلها، واستهتارهم، وأصبحت مضرب المثل في الفجور والخلاعة، وكانت وثنيتها مزيجا من الوثنية الغربية والشرقية). ويجدد أي الإمبراطور ديسيس فيها تقليد عبادة الأوثان، ويأمر أهل المدينة والمسيحيين بصفة خاصة بتقديم الذبائح والقرابين لها، وأقلع عدد من المسيحيين عن عقيدتهم النصرانية، وبقي عدد منهم متمسكين بديانتهم، متحملين لاضطهاد رجال الحكومة، وتعذيبهم. وهنا يقدم إلى الإمبراطور سبعة من الشباب (وتقول بعض الروايات أنهم كانوا ثمانية) وكانوا مقيمين في السراي وقد اختلف في أسمائهم، وقد اتهموا باعتناق النصرانية سرا، وهم يرفضون تقديم القرابين إلى الأوثان، ويمهلهم الإمبراطور لمدة طمعا في أن يرجعوا إلى صوابهم، ويتوبوا عن النصرانية، ويخرج من المدينة.
وفي خلال هذه المدة يغادر هؤلاء الشباب المدينة ويأوون إلى كهف في جبل قريب كان يسمى ب ﷺnchilus ويخرج أحدهم اسمه تعالىiomedes أو Imblicus متنكرا وفي ثياب متوسخة رقيعة إلى البلد، ليتعرف الأخبار ويشتري الطعام ولا يمضي على ذلك كثيرا حتى يرجع ديسيس المدينة، ويأمر بأن يقدم إليه الشباب، ويخبر تعالىiomedes زملاءه بهذا الأمر السلطاني، فيتناولون الطعام، وقد استولى عليهم الحزن والقلق، ثم يستغرقون في نوم عميق طويل يسلّطه الله عليهم، ولما لم يهتد الإمبراطور إلى هؤلاء الشباب، طلب آباءهم فأبدوا براءتهم عن هذا التهرب، وأن تكون لهم يد في هذه المؤامرة، وأخبروه بأنهم متسترون في جبل ﷺnchilus وهنا يأمر الإمبراطور بأن يسد مدخل هذا الكهف بحجارة كبيرة، فيموتوا هناك حتف أنوفهم، ويبقوا موءودين في هذه المغارة، ويكتب مسيحيان، أحدهما Theodor والآخر Rufinus قصة هؤلاء الشهداء الشباب على لوحة من معدن ويدفنها تحت الحجارة التي سد بها الغار.
وبعد أن مضى عليهم ثلاث مائة وسبع سنوات فكان عهد الإمبراطور ثيودوسيس الثاني Theodosius تقوم ثورة يقودها بعض المسيحيين، وتنكر جماعة منهم على رأسهم القس تيودر Theodore عقيدة بعث الأموات، وإمكان حشر الأجساد، فيفزع ذلك
الإمبراطور المسيحي ويشغل باله، وهنا يلهم الله ملّاكا اسمه ﷺdolius أن يبني زربية لغنمه في الميدان الذي يقع فيه هذا الكهف ويستخدم البناءون لبناء هذه الزريبة الحجارة التي سد بها هذا الغار، وهكذا ينكشف هذا الكهف، ويوقظ الله هؤلاء الشباب في هذه الساعة، فيخطر ببالهم أنهم ناموا ليلة، ويتواصون بأن يموتوا شهداء على يد «ديسيس» إذا ألجأتهم الضرورة، ويذهب أحدهم وهو تعالىiomedes إلى المدينة كالعادة، ويقف حائرا أمام الصليب المنقوش على تاج المدينة، حتى يضطر إلى أن يسأل أحد السابلة، هل هي مدينة أفيسيس حقا؟ ويصبح تواقا إلى إخباره زملائه بهذا الانقلاب العظيم، ولكنه يملك عاطفته ويشتري الطعام، ويقدم في ثمنه النقود التي كان يحملها، وهي العملة التي كان يتعاطاها الناس في عهد ديسيس، ويعتقد صاحب الدكان وأهل السوق أن الشاب قد عثر على ركاز قديم، ويريدون أن يكون لهم نصيب فيه، ويهددون الشاب ويخوفونه ويقودونه من بين وسط المدينة وأسواقها ويتآلب عليه الناس، ويبحث الشاب في هذا الجمع الحاشد عن رجل يعرفه، فلا يجده، ويستخبره الأسقف حاكم البلد عن شأنه، فيخبره بالقصة بطولها، ويدعوهم إلى أن يرافقوه إلى الكهف، ويزوروا زملاءه الآخرين، فيرتقون قمة الجبل، وهناك يجدون لوحتين رصاصيتين تصدقان قصة الشاب. فيدخلون الكهف ويجدون زملاءه أحياء يغشى وجوههم النور والسكينة، وينمى الخبر إلى الإمبراطورا Theodosies فيزور الكهف وهنا يقول له Maximilian أو ﷺchillides أو شاب آخر، إن الله سبحانه وتعالى قد سلط عليهم النوم ليبرهن على الحشر والنشر، ثم أيقظهم قبل أن تقوم القيامة، وبعد ذلك مات الشباب موتهم الأخير، وقد بني هيكل رومي في تذكارهم.
أما مكانة هذه القصة التاريخية، فلا يشك كبار المؤرخين والناقدين.. في صحتها وإمكان وقوعها لشهرتها واستفاضتها في العالم المسيحي، وتناقل الأجيال والكتب لها، يقول «جبون» الذي يجنح دائما إلى تزييف مثل هذه الأخبار الغريبة:
(إن هذه القصة الغريبة لا يمكن أن تحمل على مجرد خرافة الإغريق ومغالاتهم الدينية فقد اتصلت الروايات الموثوق بها وتسلسلت إلى خمسين سنة بعد وقوع هذه المعجزة وقد خصص قس سوري ولد بعد الإمبراطور ثيودوسيس الأصغر بسنتين اسمه James Of Sarus رواية من رواياته التي يبلغ عددها مائتين وثلاثين لمدح
شبان أفيسيس (أصحاب الكهف) وقبل أن ينقضي القرن السادس المسيحي نقلت قصة أصحاب
الكهف هذه من اللغة السورية إلى اللغة اللاتينية بعناية غريغو. Gregory of Tours
وقد حفظت ذكرى أصحاب الكهف في اجتماعات العشاء الرباني في الشرق المسيحي بإجلال واحترام، ودونت أسماؤهم باحترام بالغ في الأعياد الرومية والتقويم الروسي، ولم تنحصر شهرتهم في العالم المسيحي فحسب.).
تعليقات على هذه الرواية: [حول ما نقل عن الكتابيين حول قصة أصحاب الكهف]
1 - هذه الرواية تذكر أن ما بين سنة الهروب وسنة الاستيقاظ (307) سنوات وسترى أن المؤرخين الذين كتبوا في هذا الموضوع مختلفون اختلافا كثيرا في سنة الاستيقاظ، ولذلك فإن الجزم في هذه الرواية ساقط تاريخيا، وجاء القرآن مصححا للخطإ في الزمن.
2 - هذه الرواية تذكر في الوقت نفسه أن الهروب كان في عصر ديسيس، بينما لم يكن بين عصر ديسيس وسنة الإيقاظ إلا حوالي مائتي سنة، مما يدل على خطأ في الرواية وفي تحديد العصر.
3 - نحن نحتمل أن تكون هذه القصة وقعت فعلا لأتباع المسيح الصادقين، ولكن نحتمل كذلك أن تكون القصة قد وقعت في زمن أسبق من ذلك.
4 - هناك من ذهب إلى أن أحداث قصة أهل الكهف قد وقعت في غير المكان الذي حددته هذه الرواية التي نقلها الأستاذ النّدوي، وإنما نقلنا ما نقلنا هنا للاستئناس فقط، وفي كتاب (لله) ما يكفينا ويغنينا لأخذ العبرة، ومن شاء التوسع في هذا الموضوع فليراجع كتاب (أهل الكهف) لمحمد تيسير ظبيان الذى نقل نقولا كثيرة، واستقر على أن كهف أهل الكهف هو المكان الذي اكتشفه هو قريبا من عمّان في الأردن.
التفسير:
وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً.
وأعاد هذا الإنكار والتشنيع على عبّاد الحياة الدنيا ومنكري الآخرة، أو الغافلين عنها، في أواخر السورة فقال: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا* الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً.
وهكذا أحاطت عقيدة الآخرة، وعقيدة الإيمان بالغيب، والإيمان بفاطر هذا الكون، وقدرته المطلقة المسيطرة على كل شئ، بأول هذه السورة وآخرها، وبجميع جوانبها، وهي عقيدة نفسية، وعقلية، وطبيعية، تأباها المادية التي لا تعتمد إلا على الحس والمشاهدة والتجربة، والمنفعة العاجلة، واللذة البدنية، والسيادة القومية أو العنصرية، وتتنصل عنها وتحاربها بكل قوة ووسيلة، فجاءت هذه السورة تشتمل على مادة تستأصل جذور المادية التي قدر الله أن يكون المسيحيون أكبر مربيها ودعاتها، والمشرفين عليها، في رحلة التاريخ الطويلة، ثم يتولى قيادتها اليهود الذين حاربوا المسيح منذ أول عهده، ونافسوا المسيحية في جميع عهودها، وعلى أيديهم تبلغ هذه المادية ذروتها الأخيرة، وفي بقاياهم المشتتين ولأمثالهم يظهر الدجّال الذي يكون أعظم بطل من أبطال الكفر والإلحاد، والتدجيل والتلبيس، وقد أخبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بأن تلاوة هذه السورة، والمحافظة على أوائلها- أو خواتيمها- تعصم من فتنته، وهكذا كانت بين بداية هذه السورة ونهايتها مناسبة لطيفة لا تخفى على الناظر المتأمل، ولمجموع
السورة صلة وثيقة، وعميقة بفتنة الدجّال الذي يظهر في وقته).
المقطع الأول ويمتدّ من الآية (9) إلى نهاية الآية (31) وهذا هو:
18/ 31 - 9
بين يدي قصة أصحاب الكهف: [خلاصة ما نقل عن الكتابيين حول القصة]
نقل المفسرون عن الكتابيين الكثير في قصة أهل الكهف، وقد أراد الأستاد الندوي أن يختصر الطريق فينقل عن كتب أهل الكتاب مباشرة، فنقل ما ذكرته دائرة المعارف للأخلاق والديانات ما خلاصته:
(إن قصة النائمين السبعة من أكثر القصص التي تروى عن القديسين متعة عقلية، واشتهارا بالآفاق، إن عناصر القصة التي تشترك فيها أقدم الكتب كما يلي:
أن الإمبراطور «ديسيس (Decius) «يدخل في المدينة اليونانية القديمة «أفيسيس»: (وتحديدها الجغرافي.. جاء في دائرة المعارف للبستاني، أنها إحدى المدن الأيونية الاثنتي عشرة من الأناضول، وموقعها على الجانب الجنوبي من نهر
قسيطرة، وهي على مسافة 60 كيلومترا من إزمير، جعلها الرومانيون قاعدة لولاية آسيا الغربية في البر، وقنصلية، ومحطا لتجارة متسعة زاهرة جدا، ولكن أعظم فخر لها هو هيكل ديانا- المعبودة اليونانية- العظيم الذي يعد من عجائب الدنيا السبع، وكان أكبر الهياكل اليونانية. وذكر بليكي رضي الله عنlackie في كتابه ﷺ manual of رضي الله عنiblic History أن مدينة أفيسيس ﷺ phesus اشتهرت في التاريخ القديم بفلسفتها وخلاعة أهلها، واستهتارهم، وأصبحت مضرب المثل في الفجور والخلاعة، وكانت وثنيتها مزيجا من الوثنية الغربية والشرقية). ويجدد أي الإمبراطور ديسيس فيها تقليد عبادة الأوثان، ويأمر أهل المدينة والمسيحيين بصفة خاصة بتقديم الذبائح والقرابين لها، وأقلع عدد من المسيحيين عن عقيدتهم النصرانية، وبقي عدد منهم متمسكين بديانتهم، متحملين لاضطهاد رجال الحكومة، وتعذيبهم. وهنا يقدم إلى الإمبراطور سبعة من الشباب (وتقول بعض الروايات أنهم كانوا ثمانية) وكانوا مقيمين في السراي وقد اختلف في أسمائهم، وقد اتهموا باعتناق النصرانية سرا، وهم يرفضون تقديم القرابين إلى الأوثان، ويمهلهم الإمبراطور لمدة طمعا في أن يرجعوا إلى صوابهم، ويتوبوا عن النصرانية، ويخرج من المدينة.
وفي خلال هذه المدة يغادر هؤلاء الشباب المدينة ويأوون إلى كهف في جبل قريب كان يسمى ب ﷺnchilus ويخرج أحدهم اسمه تعالىiomedes أو Imblicus متنكرا وفي ثياب متوسخة رقيعة إلى البلد، ليتعرف الأخبار ويشتري الطعام ولا يمضي على ذلك كثيرا حتى يرجع ديسيس المدينة، ويأمر بأن يقدم إليه الشباب، ويخبر تعالىiomedes زملاءه بهذا الأمر السلطاني، فيتناولون الطعام، وقد استولى عليهم الحزن والقلق، ثم يستغرقون في نوم عميق طويل يسلّطه الله عليهم، ولما لم يهتد الإمبراطور إلى هؤلاء الشباب، طلب آباءهم فأبدوا براءتهم عن هذا التهرب، وأن تكون لهم يد في هذه المؤامرة، وأخبروه بأنهم متسترون في جبل ﷺnchilus وهنا يأمر الإمبراطور بأن يسد مدخل هذا الكهف بحجارة كبيرة، فيموتوا هناك حتف أنوفهم، ويبقوا موءودين في هذه المغارة، ويكتب مسيحيان، أحدهما Theodor والآخر Rufinus قصة هؤلاء الشهداء الشباب على لوحة من معدن ويدفنها تحت الحجارة التي سد بها الغار.
وبعد أن مضى عليهم ثلاث مائة وسبع سنوات فكان عهد الإمبراطور ثيودوسيس الثاني Theodosius تقوم ثورة يقودها بعض المسيحيين، وتنكر جماعة منهم على رأسهم القس تيودر Theodore عقيدة بعث الأموات، وإمكان حشر الأجساد، فيفزع ذلك
الإمبراطور المسيحي ويشغل باله، وهنا يلهم الله ملّاكا اسمه ﷺdolius أن يبني زربية لغنمه في الميدان الذي يقع فيه هذا الكهف ويستخدم البناءون لبناء هذه الزريبة الحجارة التي سد بها هذا الغار، وهكذا ينكشف هذا الكهف، ويوقظ الله هؤلاء الشباب في هذه الساعة، فيخطر ببالهم أنهم ناموا ليلة، ويتواصون بأن يموتوا شهداء على يد «ديسيس» إذا ألجأتهم الضرورة، ويذهب أحدهم وهو تعالىiomedes إلى المدينة كالعادة، ويقف حائرا أمام الصليب المنقوش على تاج المدينة، حتى يضطر إلى أن يسأل أحد السابلة، هل هي مدينة أفيسيس حقا؟ ويصبح تواقا إلى إخباره زملائه بهذا الانقلاب العظيم، ولكنه يملك عاطفته ويشتري الطعام، ويقدم في ثمنه النقود التي كان يحملها، وهي العملة التي كان يتعاطاها الناس في عهد ديسيس، ويعتقد صاحب الدكان وأهل السوق أن الشاب قد عثر على ركاز قديم، ويريدون أن يكون لهم نصيب فيه، ويهددون الشاب ويخوفونه ويقودونه من بين وسط المدينة وأسواقها ويتآلب عليه الناس، ويبحث الشاب في هذا الجمع الحاشد عن رجل يعرفه، فلا يجده، ويستخبره الأسقف حاكم البلد عن شأنه، فيخبره بالقصة بطولها، ويدعوهم إلى أن يرافقوه إلى الكهف، ويزوروا زملاءه الآخرين، فيرتقون قمة الجبل، وهناك يجدون لوحتين رصاصيتين تصدقان قصة الشاب. فيدخلون الكهف ويجدون زملاءه أحياء يغشى وجوههم النور والسكينة، وينمى الخبر إلى الإمبراطورا Theodosies فيزور الكهف وهنا يقول له Maximilian أو ﷺchillides أو شاب آخر، إن الله سبحانه وتعالى قد سلط عليهم النوم ليبرهن على الحشر والنشر، ثم أيقظهم قبل أن تقوم القيامة، وبعد ذلك مات الشباب موتهم الأخير، وقد بني هيكل رومي في تذكارهم.
أما مكانة هذه القصة التاريخية، فلا يشك كبار المؤرخين والناقدين.. في صحتها وإمكان وقوعها لشهرتها واستفاضتها في العالم المسيحي، وتناقل الأجيال والكتب لها، يقول «جبون» الذي يجنح دائما إلى تزييف مثل هذه الأخبار الغريبة:
(إن هذه القصة الغريبة لا يمكن أن تحمل على مجرد خرافة الإغريق ومغالاتهم الدينية فقد اتصلت الروايات الموثوق بها وتسلسلت إلى خمسين سنة بعد وقوع هذه المعجزة وقد خصص قس سوري ولد بعد الإمبراطور ثيودوسيس الأصغر بسنتين اسمه James Of Sarus رواية من رواياته التي يبلغ عددها مائتين وثلاثين لمدح
شبان أفيسيس (أصحاب الكهف) وقبل أن ينقضي القرن السادس المسيحي نقلت قصة أصحاب
الكهف هذه من اللغة السورية إلى اللغة اللاتينية بعناية غريغو. Gregory of Tours
وقد حفظت ذكرى أصحاب الكهف في اجتماعات العشاء الرباني في الشرق المسيحي بإجلال واحترام، ودونت أسماؤهم باحترام بالغ في الأعياد الرومية والتقويم الروسي، ولم تنحصر شهرتهم في العالم المسيحي فحسب.).
تعليقات على هذه الرواية: [حول ما نقل عن الكتابيين حول قصة أصحاب الكهف]
1 - هذه الرواية تذكر أن ما بين سنة الهروب وسنة الاستيقاظ (307) سنوات وسترى أن المؤرخين الذين كتبوا في هذا الموضوع مختلفون اختلافا كثيرا في سنة الاستيقاظ، ولذلك فإن الجزم في هذه الرواية ساقط تاريخيا، وجاء القرآن مصححا للخطإ في الزمن.
2 - هذه الرواية تذكر في الوقت نفسه أن الهروب كان في عصر ديسيس، بينما لم يكن بين عصر ديسيس وسنة الإيقاظ إلا حوالي مائتي سنة، مما يدل على خطأ في الرواية وفي تحديد العصر.
3 - نحن نحتمل أن تكون هذه القصة وقعت فعلا لأتباع المسيح الصادقين، ولكن نحتمل كذلك أن تكون القصة قد وقعت في زمن أسبق من ذلك.
4 - هناك من ذهب إلى أن أحداث قصة أهل الكهف قد وقعت في غير المكان الذي حددته هذه الرواية التي نقلها الأستاذ النّدوي، وإنما نقلنا ما نقلنا هنا للاستئناس فقط، وفي كتاب (لله) ما يكفينا ويغنينا لأخذ العبرة، ومن شاء التوسع في هذا الموضوع فليراجع كتاب (أهل الكهف) لمحمد تيسير ظبيان الذى نقل نقولا كثيرة، واستقر على أن كهف أهل الكهف هو المكان الذي اكتشفه هو قريبا من عمّان في الأردن.
التفسير: