إِن تَدۡعُوهُمۡ لَا يَسۡمَعُواْ دُعَآءَكُمۡ وَلَوۡ سَمِعُواْ مَا ٱسۡتَجَابُواْ لَكُمۡۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُونَ بِشِرۡكِكُمۡۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثۡلُ خَبِيرࣲ 14
[سورة فاطر (35): آية 14]
إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ لأنها جماد لا أرواح فيها وَلَوْ سَمِعُوا على سبيل الفرض مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ لأنهم لا يقدرون على شئ مما تطلبون منها وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ أي بإشراككم لهم وعبادتكم إياهم، ويتبرءون منكم وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ قال ابن كثير: (أي ولا يخبرك بعواقب الأمور ومآلها وما تصير إليه مثل خبير بها. قال قتادة: يعني نفسه تبارك وتعالى، فإنه أخبر بالواقع لا محالة). وقال النسفي: (ولا ينبئك أيها المفتون بأسباب الغرور كما ينبئك الله الخبير بخفايا الأمور، وتحقيقه ولا يخبرك بالأمر مخبر هو مثل خبير عالم به، يريد أن الخبير بالأمر وحده هو الذي يخبرك بالحقيقة دون سائر المخبرين به، والمعنى: أن هذا الذي أخبرتكم به من حال الأوثان هو الحق لأني خبير بما أخبرت به).
كلمة في المقطع الثاني وسياقه وسياق السورة:
1 - بدأ المقطع بالنهي عن الاغترار بالدنيا، والتحذير من تغرير الشيطان، ثمّ نفّر من الكفر، ومن طلب العزة الباطلة، ومن الشرك، مما يشير إلى أن هذه الأشياء من مظاهر الاغترار بالدنيا، والوقوع في تغرير الشيطان، ورغّب في الإيمان والعمل الصالح، والكلم الطيب، والشكر، هذه مظاهر طلب الله والدار الآخرة. فالمقطع حدّد للمسلم جوانب عملية للسير في طريق الشكر.
2 - يلاحظ أن المقطع انتهى بالكلام عن التوحيد إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ... فكل ما قبله كان يخدم هذه النتيجة وهو نفس المعنى الذي صبّ فيه المقطع الأول اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ وهو المعنى الذي قدمت له مقدمة السورة.
3 - سارت السورة إذن في سياقها الرئيسي في طريق تعريفنا على الله، وما تستلزمه هذه المعرفة، وحررتنا من كل ما يتنافى مع هذه المعرفة من شرك، أو كفر، أو اغترار بالدنيا، أو ولاء للشيطان.
4 - بدأت المقدمة بذكر استحقاق الله الحمد، ثمّ جاء المقطع الأول ليذكّرنا بنعمة الله علينا، ثمّ جاء المقطع الثاني لينهانا عن أن تكون الدنيا والشيطان أداتي تغرير بنا، وصرف لنا عن الشكر. والآن يأتي المقطع الثالث ليذكرنا في بدايته بافتقارنا إلى الله عزّ وجل واحتياجنا إليه، ولذلك محلّه في الوصول إلى الشكر.
فوائد: [حول الآيتين إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ، وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ.. ]
1 - بمناسبة قوله تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ قال ابن كثير: (وروى ابن جرير عن المخارق بن سليم قال: قال لنا عبد الله- ابن مسعود- رضي الله عنه إذا حدثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله تعالى، أن العبد المسلم إذا قال سبحان الله وبحمده، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، تبارك الله، أخذهن ملك فجعلهن تحت جناحه، ثم صعد بهن إلى السماء فلا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن، حتى يجئ بهن وجه الله عزّ وجل، ثم قرأ عبد الله رضي الله عنه إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ... وقال كعب الأحبار: إن لسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لدويا حول العرش، كدوي النحل، يذكرن لصاحبهن، والعمل الصالح في الخزائن، وهذا إسناد صحيح إلى كعب الأحبار رحمة الله عليه، وقد روي مرفوعا. روى الإمام أحمد عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «الذين يذكرون الله، من جلال الله، من تسبيحه، وتكبيره، وتحميده، وتهليله، يتعاطفن حول العرش، لهن دوي كدوي النحل،يذكرن بصاحبهن، ألا يحب أحدكم أن لا يزال له عند الله شئ يذكر به» وهكذا رواه ابن ماجه).
2 - بمناسبة قوله تعالى: وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ قال ابن كثير: (وروى النسائي عند تفسير هذه الآية عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «من سرّه أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره، فليصل رحمه» وقد رواه البخاري ومسلم وأبو داود... وروى ابن أبي حاتم عن
أبي الدرداء رضي الله عنه قال: ذكرنا عند رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: «إن الله تعالى لا يؤخر نفسا إذا جاء أجلها، وإنما زيادة العمر بالذرية الصالحة يرزقها العبد فيدعون له من بعده فيلحقه دعاؤهم في قبره فذلك زيادة العمر»).
***
المقطع الثالث ويمتدّ من الآية (15) إلى نهاية الآية (45) أي إلى نهاية السورة وهذا هو:
المجموعة الأولى 35/ 45 - 15
35/ 28
المجموعة الثانية 35/ 29 - 37
المجموعة الثالثة 35/ 38 - 40
المجموعة الرابعة 35/ 41 - 43
35/ 44 - 45
تفسير المجموعة الأولى من المقطع الثالث
يا
إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ لأنها جماد لا أرواح فيها وَلَوْ سَمِعُوا على سبيل الفرض مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ لأنهم لا يقدرون على شئ مما تطلبون منها وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ أي بإشراككم لهم وعبادتكم إياهم، ويتبرءون منكم وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ قال ابن كثير: (أي ولا يخبرك بعواقب الأمور ومآلها وما تصير إليه مثل خبير بها. قال قتادة: يعني نفسه تبارك وتعالى، فإنه أخبر بالواقع لا محالة). وقال النسفي: (ولا ينبئك أيها المفتون بأسباب الغرور كما ينبئك الله الخبير بخفايا الأمور، وتحقيقه ولا يخبرك بالأمر مخبر هو مثل خبير عالم به، يريد أن الخبير بالأمر وحده هو الذي يخبرك بالحقيقة دون سائر المخبرين به، والمعنى: أن هذا الذي أخبرتكم به من حال الأوثان هو الحق لأني خبير بما أخبرت به).
كلمة في المقطع الثاني وسياقه وسياق السورة:
1 - بدأ المقطع بالنهي عن الاغترار بالدنيا، والتحذير من تغرير الشيطان، ثمّ نفّر من الكفر، ومن طلب العزة الباطلة، ومن الشرك، مما يشير إلى أن هذه الأشياء من مظاهر الاغترار بالدنيا، والوقوع في تغرير الشيطان، ورغّب في الإيمان والعمل الصالح، والكلم الطيب، والشكر، هذه مظاهر طلب الله والدار الآخرة. فالمقطع حدّد للمسلم جوانب عملية للسير في طريق الشكر.
2 - يلاحظ أن المقطع انتهى بالكلام عن التوحيد إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ... فكل ما قبله كان يخدم هذه النتيجة وهو نفس المعنى الذي صبّ فيه المقطع الأول اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ وهو المعنى الذي قدمت له مقدمة السورة.
3 - سارت السورة إذن في سياقها الرئيسي في طريق تعريفنا على الله، وما تستلزمه هذه المعرفة، وحررتنا من كل ما يتنافى مع هذه المعرفة من شرك، أو كفر، أو اغترار بالدنيا، أو ولاء للشيطان.
4 - بدأت المقدمة بذكر استحقاق الله الحمد، ثمّ جاء المقطع الأول ليذكّرنا بنعمة الله علينا، ثمّ جاء المقطع الثاني لينهانا عن أن تكون الدنيا والشيطان أداتي تغرير بنا، وصرف لنا عن الشكر. والآن يأتي المقطع الثالث ليذكرنا في بدايته بافتقارنا إلى الله عزّ وجل واحتياجنا إليه، ولذلك محلّه في الوصول إلى الشكر.
فوائد: [حول الآيتين إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ، وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ.. ]
1 - بمناسبة قوله تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ قال ابن كثير: (وروى ابن جرير عن المخارق بن سليم قال: قال لنا عبد الله- ابن مسعود- رضي الله عنه إذا حدثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله تعالى، أن العبد المسلم إذا قال سبحان الله وبحمده، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، تبارك الله، أخذهن ملك فجعلهن تحت جناحه، ثم صعد بهن إلى السماء فلا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن، حتى يجئ بهن وجه الله عزّ وجل، ثم قرأ عبد الله رضي الله عنه إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ... وقال كعب الأحبار: إن لسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لدويا حول العرش، كدوي النحل، يذكرن لصاحبهن، والعمل الصالح في الخزائن، وهذا إسناد صحيح إلى كعب الأحبار رحمة الله عليه، وقد روي مرفوعا. روى الإمام أحمد عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «الذين يذكرون الله، من جلال الله، من تسبيحه، وتكبيره، وتحميده، وتهليله، يتعاطفن حول العرش، لهن دوي كدوي النحل،يذكرن بصاحبهن، ألا يحب أحدكم أن لا يزال له عند الله شئ يذكر به» وهكذا رواه ابن ماجه).
2 - بمناسبة قوله تعالى: وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ قال ابن كثير: (وروى النسائي عند تفسير هذه الآية عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «من سرّه أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره، فليصل رحمه» وقد رواه البخاري ومسلم وأبو داود... وروى ابن أبي حاتم عن
أبي الدرداء رضي الله عنه قال: ذكرنا عند رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: «إن الله تعالى لا يؤخر نفسا إذا جاء أجلها، وإنما زيادة العمر بالذرية الصالحة يرزقها العبد فيدعون له من بعده فيلحقه دعاؤهم في قبره فذلك زيادة العمر»).
***
المقطع الثالث ويمتدّ من الآية (15) إلى نهاية الآية (45) أي إلى نهاية السورة وهذا هو:
المجموعة الأولى 35/ 45 - 15
35/ 28
المجموعة الثانية 35/ 29 - 37
المجموعة الثالثة 35/ 38 - 40
المجموعة الرابعة 35/ 41 - 43
35/ 44 - 45
تفسير المجموعة الأولى من المقطع الثالث
يا