يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرࣰا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمࣱۖ وَلَا تَجَسَّسُواْ وَلَا يَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتࣰا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابࣱ رَّحِيمࣱ 12
[سورة الحجرات (49): آية 12]
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ قال ابن كثير: (يقول تعالى ناهيا عباده المؤمنين عن كثير من الظن وهو التهمة والتخوّن للأهل والأقارب والناس في غير محله، لأن بعض ذلك يكون إثما محضا، فليتجنب كثير منه احتياطا) قال النسفي: (والمأمور باجتنابه بعض الظن وذلك البعض موصوف بالكثرة) قال الزجاج: (هو ظنك بأهل الخير سوءا فأما أهل الفسق، فلنا أن نظن فيهم مثل الذي ظهر منهم) وقد يكون المعنى: احترزوا من الكثير من الظن ليقع المتحرز عن البعض الذي فيه إثم، والإثم الذنب الذي يستحق صاحبه العقاب وَلا تَجَسَّسُوا أي: لا تتبعوا عورات المسلمين ومعايبهم، يقال: تجسّس الأمر إذا تطلبه وبحث عنه قال ابن كثير: وَلا تَجَسَّسُوا أي: على بعضكم بعضا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فيه نهي عن الغيبة وقد فسرها رسول الله صلّى الله عليه وسلم بقوله: «ذكرك أخاك بما يكره» قال النسفي: الغيبة الذكر بالعيب في ظهر الغيب.. أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً قال النسفي: وهذا تمثيل وتصوير لما يناله المغتاب من عرض المغتاب على أفحش وجه... قال ابن كثير: (أي كما تكرهون هذا طبعا فاكرهوا ذاك شرا فإن عقوبته أشد من هذا) وهذا من التنفير عنها والتحذير منها، ولم يقتصر النص على تمثيل الاغتياب بأكل لحم الأخ حتى جعل ميتا، وعن قتادة: كما تكره إن وجدت جيفة مدودة أن تأكل منها كذلك فاكره لحم أخيك وهو حي) ولما قررهم بأن أحدا منهم لا يحب أكل جيفة أخيه عقّب ذلك بقوله فَكَرِهْتُمُوهُ قال النسفي: (أي فتحققت كراهتكم له باستقامة العقل، فيتحقق أن تكرهوا ما هو نظيره من الغيبة باستقامة الدين) أقول: ما أندر في الناس من لا يغتاب نسأل الله العافية.
قال الألوسي: (وما أحسن ما جاء الترتيب في هذه الآية أعني قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ الخ كما قال أبو حيان وفصّله بقوله: جاء الأمر أولا باجتناب الطريق التي لا تؤدي إلى العلم وهو الظن، ثم نهى ثانيا عن طلب تحقيق ذلك الظن ليصير علما بقوله سبحانه وَلا تَجَسَّسُوا ثم نهى ثالثا عن ذكر ذلك إذا علم، فهذه أمور ثلاثة مترتبة: ظن، فعلم بالتجسس، فاغتياب) وَاتَّقُوا اللَّهَ أي:
فيما أمركم به ونهاكم عنه فراقبوه في ذلك إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ أي البليغ في قبول التوبة على من تاب إليه رَحِيمٌ لمن رجع إليه واعتمد عليه. قال النسفي: (أي) واتقوا الله بترك ما أمرتم باجتنابه والندم على ما وجد منكم منه، فإنكم إن اتقيتم تقبل الله توبتكم، وأنعم عليكم بثواب المتقين التائبين.
قال الألوسي: (وقال ابن حجر عليه الرحمة: إنه تعالى ختم كلا من الآيتين بذكر التوبة رحمة بعباده وتعطفا عليهم، لكن لما بدئت الأولى بالنهي ختمت بالنفي في وَمَنْ لَمْ يَتُبْ لتقاربهما؛ ولما بدئت الثانية بالأمر في اجْتَنِبُوا ختمت به في وَاتَّقُوا اللَّهَ الخ وكان حكمة ذكر التهديد الشديد في الأولى فقط بقوله تعالى وَمَنْ لَمْ يَتُبْ الخ أن ما فيها أفحش؛ لأنه إيذاء في الحضرة بالسخرية أو اللمز أو النبز بخلافه في الآية الثانية فإنه أمر خفي؛ إذ كل من الظن والتجسس والغيبة يقتضي الإخفاء وعدم العلم به غالبا. انتهى، فلا تغفل).
ملاحظة: [حول موضوع الغيبة]
قوله تعالى وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فيه نهي عن أن يغتاب المؤمنون بعضهم بعضا، وبهذه المناسبة تبحث- عادة- غيبة الكافر؛ ولذلك قال الألوسي عند شرحه لهذه الآية: وسئل الغزالي عن غيبة الكافر فقال: هي في حق المسلم محذورة لثلاث علل: الإيذاء؛ وتنقيص خلق الله تعالى، وتضييع الوقت بما لا يعني. والأولى تقتضي التحريم، والثانية الكراهة، والثالثة خلاف الأولى. وأما الذمي فكالمسلم فيما يرجع إلى المنع عن الإيذاء، لأن الشرع عصم عرضه ودمه وماله. وقد روى ابن حبان في صحيحه أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «من سمّع يهوديا أو نصرانيا فله النار» ومعني سمّعه أسمعه ما يؤذيه، ولا كلام بعد هذا في الحرمة. وأما الحربي فغيبته ليست بحرام على الأولى، وتكره على الثانية، وخلاف الأولى على الثالثة، وأما المبتدع فإن كفر فكالحربي، وإلا فكالمسلم؛ وأما ذكره ببدعته فليس مكروها)
كلمة في السياق:1 - جاءت هاتان الآيتان بعد قوله إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ لتحرما على المسلمين كل ما يؤدي إلى خدش، أو إضعاف، أو إزالة هذه الأخوة، ومما يؤكد
ارتباط هاتين الآيتين بما قبلهما مباشرة مجئ قوله تعالى فيهما أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فمجيء كلمة الأخ هنا، ومجيء كلمة الإخاء قبل ذلك يؤكد أن تعميق معنى الإخاء الإسلامي بتحريم ما يخدشه هو سرّ السياق.
2 - جاءت هاتان الآيتان في سورة الحجرات التي تفصّل في محور آيات القتال الثانية في سورة البقرة، فذكرتها ستة من خوارم الأخوة: الاستهزاء، الطعن، التنابز بالألقاب، سوء الظن، التجسس، الغيبة، وكلّها أمور تنتشر عادة في أي تجمّع بشري، وخاصة بين العسكريين، ولذلك فقد طهّر الله الصف الإسلامي منها، وطهّر الصف الجهادي من أرجاسها.
3 - وإذ كان محور سورة الحجرات آتيا في سياق الدخول في الإسلام كله، وترك اتباع خطوات الشيطان، فقد جاءت الآيتان تبيّنان أحكاما إسلامية، وتذكران بعض خطوات الشيطان لتجتنب.
4 - ختمت سورة الفتح بآية جاء فيها: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ... وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ وإن مما يتنافى مع التراحم وجود هذه الأخلاق التي ذكرتها الآيتان، وإن مما يضعف نمو الأمة الإسلامية وجود هذه الأخلاق.
5 - وبعد أن حذّرنا الله عزّ وجل من أخلاق تتنافى مع مبدأ الإخاء الإسلامي فإنّه يذكّرنا بمبدإ الإخاء الإنساني في آية تقرّر وحدة أصل البشرية، وفي ذلك ترسيخ لترك الأخلاق التي نهت عنها الآيتان.
الفقرة السادسة وتتألف من آية واحدة هي الآية (13) وهذه هي:
49/ 13
التفسير:
يا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ قال ابن كثير: (يقول تعالى ناهيا عباده المؤمنين عن كثير من الظن وهو التهمة والتخوّن للأهل والأقارب والناس في غير محله، لأن بعض ذلك يكون إثما محضا، فليتجنب كثير منه احتياطا) قال النسفي: (والمأمور باجتنابه بعض الظن وذلك البعض موصوف بالكثرة) قال الزجاج: (هو ظنك بأهل الخير سوءا فأما أهل الفسق، فلنا أن نظن فيهم مثل الذي ظهر منهم) وقد يكون المعنى: احترزوا من الكثير من الظن ليقع المتحرز عن البعض الذي فيه إثم، والإثم الذنب الذي يستحق صاحبه العقاب وَلا تَجَسَّسُوا أي: لا تتبعوا عورات المسلمين ومعايبهم، يقال: تجسّس الأمر إذا تطلبه وبحث عنه قال ابن كثير: وَلا تَجَسَّسُوا أي: على بعضكم بعضا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فيه نهي عن الغيبة وقد فسرها رسول الله صلّى الله عليه وسلم بقوله: «ذكرك أخاك بما يكره» قال النسفي: الغيبة الذكر بالعيب في ظهر الغيب.. أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً قال النسفي: وهذا تمثيل وتصوير لما يناله المغتاب من عرض المغتاب على أفحش وجه... قال ابن كثير: (أي كما تكرهون هذا طبعا فاكرهوا ذاك شرا فإن عقوبته أشد من هذا) وهذا من التنفير عنها والتحذير منها، ولم يقتصر النص على تمثيل الاغتياب بأكل لحم الأخ حتى جعل ميتا، وعن قتادة: كما تكره إن وجدت جيفة مدودة أن تأكل منها كذلك فاكره لحم أخيك وهو حي) ولما قررهم بأن أحدا منهم لا يحب أكل جيفة أخيه عقّب ذلك بقوله فَكَرِهْتُمُوهُ قال النسفي: (أي فتحققت كراهتكم له باستقامة العقل، فيتحقق أن تكرهوا ما هو نظيره من الغيبة باستقامة الدين) أقول: ما أندر في الناس من لا يغتاب نسأل الله العافية.
قال الألوسي: (وما أحسن ما جاء الترتيب في هذه الآية أعني قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ الخ كما قال أبو حيان وفصّله بقوله: جاء الأمر أولا باجتناب الطريق التي لا تؤدي إلى العلم وهو الظن، ثم نهى ثانيا عن طلب تحقيق ذلك الظن ليصير علما بقوله سبحانه وَلا تَجَسَّسُوا ثم نهى ثالثا عن ذكر ذلك إذا علم، فهذه أمور ثلاثة مترتبة: ظن، فعلم بالتجسس، فاغتياب) وَاتَّقُوا اللَّهَ أي:
فيما أمركم به ونهاكم عنه فراقبوه في ذلك إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ أي البليغ في قبول التوبة على من تاب إليه رَحِيمٌ لمن رجع إليه واعتمد عليه. قال النسفي: (أي) واتقوا الله بترك ما أمرتم باجتنابه والندم على ما وجد منكم منه، فإنكم إن اتقيتم تقبل الله توبتكم، وأنعم عليكم بثواب المتقين التائبين.
قال الألوسي: (وقال ابن حجر عليه الرحمة: إنه تعالى ختم كلا من الآيتين بذكر التوبة رحمة بعباده وتعطفا عليهم، لكن لما بدئت الأولى بالنهي ختمت بالنفي في وَمَنْ لَمْ يَتُبْ لتقاربهما؛ ولما بدئت الثانية بالأمر في اجْتَنِبُوا ختمت به في وَاتَّقُوا اللَّهَ الخ وكان حكمة ذكر التهديد الشديد في الأولى فقط بقوله تعالى وَمَنْ لَمْ يَتُبْ الخ أن ما فيها أفحش؛ لأنه إيذاء في الحضرة بالسخرية أو اللمز أو النبز بخلافه في الآية الثانية فإنه أمر خفي؛ إذ كل من الظن والتجسس والغيبة يقتضي الإخفاء وعدم العلم به غالبا. انتهى، فلا تغفل).
ملاحظة: [حول موضوع الغيبة]
قوله تعالى وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فيه نهي عن أن يغتاب المؤمنون بعضهم بعضا، وبهذه المناسبة تبحث- عادة- غيبة الكافر؛ ولذلك قال الألوسي عند شرحه لهذه الآية: وسئل الغزالي عن غيبة الكافر فقال: هي في حق المسلم محذورة لثلاث علل: الإيذاء؛ وتنقيص خلق الله تعالى، وتضييع الوقت بما لا يعني. والأولى تقتضي التحريم، والثانية الكراهة، والثالثة خلاف الأولى. وأما الذمي فكالمسلم فيما يرجع إلى المنع عن الإيذاء، لأن الشرع عصم عرضه ودمه وماله. وقد روى ابن حبان في صحيحه أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «من سمّع يهوديا أو نصرانيا فله النار» ومعني سمّعه أسمعه ما يؤذيه، ولا كلام بعد هذا في الحرمة. وأما الحربي فغيبته ليست بحرام على الأولى، وتكره على الثانية، وخلاف الأولى على الثالثة، وأما المبتدع فإن كفر فكالحربي، وإلا فكالمسلم؛ وأما ذكره ببدعته فليس مكروها)
كلمة في السياق:1 - جاءت هاتان الآيتان بعد قوله إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ لتحرما على المسلمين كل ما يؤدي إلى خدش، أو إضعاف، أو إزالة هذه الأخوة، ومما يؤكد
ارتباط هاتين الآيتين بما قبلهما مباشرة مجئ قوله تعالى فيهما أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فمجيء كلمة الأخ هنا، ومجيء كلمة الإخاء قبل ذلك يؤكد أن تعميق معنى الإخاء الإسلامي بتحريم ما يخدشه هو سرّ السياق.
2 - جاءت هاتان الآيتان في سورة الحجرات التي تفصّل في محور آيات القتال الثانية في سورة البقرة، فذكرتها ستة من خوارم الأخوة: الاستهزاء، الطعن، التنابز بالألقاب، سوء الظن، التجسس، الغيبة، وكلّها أمور تنتشر عادة في أي تجمّع بشري، وخاصة بين العسكريين، ولذلك فقد طهّر الله الصف الإسلامي منها، وطهّر الصف الجهادي من أرجاسها.
3 - وإذ كان محور سورة الحجرات آتيا في سياق الدخول في الإسلام كله، وترك اتباع خطوات الشيطان، فقد جاءت الآيتان تبيّنان أحكاما إسلامية، وتذكران بعض خطوات الشيطان لتجتنب.
4 - ختمت سورة الفتح بآية جاء فيها: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ... وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ وإن مما يتنافى مع التراحم وجود هذه الأخلاق التي ذكرتها الآيتان، وإن مما يضعف نمو الأمة الإسلامية وجود هذه الأخلاق.
5 - وبعد أن حذّرنا الله عزّ وجل من أخلاق تتنافى مع مبدأ الإخاء الإسلامي فإنّه يذكّرنا بمبدإ الإخاء الإنساني في آية تقرّر وحدة أصل البشرية، وفي ذلك ترسيخ لترك الأخلاق التي نهت عنها الآيتان.
الفقرة السادسة وتتألف من آية واحدة هي الآية (13) وهذه هي:
49/ 13
التفسير:
يا