سورة قبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِقٓۚ وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡمَجِيدِ 1 بَلۡ عَجِبُوٓاْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٞ مِّنۡهُمۡ فَقَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا شَيۡءٌ عَجِيبٌ 2 أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗاۖ ذَٰلِكَ رَجۡعُۢ بَعِيدٞ 3 قَدۡ عَلِمۡنَا مَا تَنقُصُ ٱلۡأَرۡضُ مِنۡهُمۡۖ وَعِندَنَا كِتَٰبٌ حَفِيظُۢ 4 بَلۡ كَذَّبُواْ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ فَهُمۡ فِيٓ أَمۡرٖ مَّرِيجٍ 5 أَفَلَمۡ يَنظُرُوٓاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوۡقَهُمۡ كَيۡفَ بَنَيۡنَٰهَا وَزَيَّنَّٰهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٖ 6 وَٱلۡأَرۡضَ مَدَدۡنَٰهَا وَأَلۡقَيۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِيجٖ 7 تَبۡصِرَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِكُلِّ عَبۡدٖ مُّنِيبٖ 8 وَنَزَّلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ مُّبَٰرَكٗا فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ جَنَّٰتٖ وَحَبَّ ٱلۡحَصِيدِ 9 وَٱلنَّخۡلَ بَاسِقَٰتٖ لَّهَا طَلۡعٞ نَّضِيدٞ 10 رِّزۡقٗا لِّلۡعِبَادِۖ وَأَحۡيَيۡنَا بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗاۚ كَذَٰلِكَ ٱلۡخُرُوجُ 11 كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَأَصۡحَٰبُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ 12 وَعَادٞ وَفِرۡعَوۡنُ وَإِخۡوَٰنُ لُوطٖ 13 وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡأَيۡكَةِ وَقَوۡمُ تُبَّعٖۚ كُلّٞ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ 14 أَفَعَيِينَا بِٱلۡخَلۡقِ ٱلۡأَوَّلِۚ بَلۡ هُمۡ فِي لَبۡسٖ مِّنۡ خَلۡقٖ جَدِيدٖ 15

تفسير سورة ق - الآية 1

قٓۚ وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡمَجِيدِ 1

سورة ق
وهي السّورة الخمسون بحسب الرّسم القرآني وهي السّورة السّادسة من المجموعة الخامسة من قسم المثاني، وآياتها خمس وأربعون آية وهي مكيّة
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله وأصحابه ربّنا تقبّل منّا، إنّك أنت السّميع العليم
كلمة في سورة (ق) ومحورها:
يرجّح ابن كثير أن قسم المفصّل يبدأ بسورة (ق) ويفند كل قول آخر، وهذا كلامه: (هذه السورة هي أول الحزب المفصّل على الصحيح، وقيل من الحجرات.
وأما ما يقوله العوام إنه من (عمّ) فلا أصل له، ولم يقله أحد من العلماء رضي الله عنهم المعتبرين فيما نعلم. والدليل على أن هذه السورة هي أول المفصّل ما رواه أبو داود في سننه (باب تحزيب القرآن) ثم قال: قال عبد الله بن سعيد: حدثنيه أوس بن حذيفة ثم اتفقا قال: قدمنا على رسول الله صلّى الله عليه وسلم في وفد ثقيف قال: فنزلت الأحلاف على المغيرة بن شعبة رضي الله عنه وأنزل رسول الله صلّى الله عليه وسلم بني مالك في قبة له قال مسدد- وكان في الوفد الذين قدموا على رسول الله صلّى الله عليه وسلم من ثقيف- قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم كل ليلة يأتينا بعد العشاء يحدثنا قال أبو سعيد: قائما على رجليه حتى يراوح بين رجليه من طول القيام فأكثر ما يحدثنا صلّى الله عليه وسلم ما لقي من قومه قريش، ثم يقول صلّى الله عليه وسلم «لا أساء وكنا مستضعفين مستذلين» قال مسدد بمكة «فلما خرجنا إلى المدينة كانت الحرب سجالا بيننا وبينهم، ندال عليهم ويدالون علينا» فلما كانت ليلة أبطأ عنا صلّى الله عليه وسلم عن الوقت الذي كان يأتينا فيه فقلنا: لقد أبطأت علينا الليلة قال صلّى الله عليه وسلم: «إنه طرأ على حزبي من القرآن فكرهت أن أجيء حتى أتمه» قال أوس: سألت أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم كيف يحزّبون القرآن فقالوا: ثلاث وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصّل وحده، ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة ورواه الإمام أحمد، إذا علم هذا فإذا عددت ثمانيا وأربعين سورة فالتي بعدها سورة ق. بيانه: (ثلاث) البقرة وآل عمران والنساء (وخمس) المائدة والأنعام والأعراف والأنفال وبراءة (وسبع) يونس وهود ويوسف والرعد وإبراهيم والحجر والنحل (وتسع) سبحان والكهف ومريم وطه والأنبياء والحج والمؤمنون والنور والفرقان (وأحد عشرة) الشعراء والنمل والقصص والعنكبوت والروم ولقمان والم السجدة والأحزاب وسبأ وفاطر ويس (وثلاث عشرة) الصافات وص والزمر وغافر وحم السجدة وحم عسق والزخرف والدخان والجاثية والأحقاف والقتال والفتح والحجرات، ثم بعد ذلك الحزب المفصّل كما قاله الصحابة رضي الله عنهم، فتعيّن أن أوله سورة ق، وهو الذي قلناه ولله الحمد والمنّة).
أقول: الذي أذهب إليه في هذا الموضوع أن سورة الذاريات هي بداية قسم
المفصّل، وأن سورة (ق) ينتهي بها قسم المثاني، والذي دعاني إلى هذا القول استقرائي لمعاني القرآن وأسلوبه، فقد رأينا في سورة الصافات أنها كانت بداية لمجموعة، وهي مبدوءة بقسم مباشر وَالصَّافَّاتِ فهي تشبه سورة وَالذَّارِياتِ ومن ثم قلنا:
إن سورة الذاريات بداية مجموعة، وبداية قسم، وسنرى في المفصّل بشكل واضح أنه حيث جاء القسم بشكل مباشر فذلك علامة على بداية مجموعة لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً... وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً... وَالسَّماءِ...
وَالْفَجْرِ... وَالتِّينِ... وَالْعَصْرِ... فهذا أول شئ دعانا إلى اعتبار الذاريات هي بداية قسم المفصّل، ثم لاحظنا من قبل أن سورة الشورى مبدوءة بقوله تعالى حم عسق مما يشير إلى أن سورة (ق) مشدودة إلى هذا القسم الذي فيه سورة الشورى، فهي ألصق بقسم المثاني، وهذا معنى ثان دعانا إلى هذا القول وهو أنّ سورة (ق) هي نهاية قسم المثاني، وليست بداية قسم المفصّل. ومن كلام العرب (قلت لها قفي فقالت قاف) أي وقفت فعبّر بالحرف عن الكلمة، وهذا البيت مشهور عند العرب، والوقوف يتضمن معنى نهاية السير، ولا نستبعد أن يكون ختم قسم المثاني بحرف (قاف) يتضمن إشارة إلى أن سورة (ق) نهاية سير قسم المثاني، وهذا معنى آخر نستأنس به على أن سورة (ق) نهاية قسم، وقد ذكر ابن كثير أن أحد الأقوال الضعيفة في (ق) أنه إشارة إلى كلمة وهو قول مردود، ولذلك فقد استأنست به استئناسا قال ابن كثير: (وقيل المراد قضي الأمر والله، وأن قوله جل ثناؤه ق دلت على المحذوف من بقية الكلمة كقول الشاعر* قلت لها قفي فقالت ق* وفي هذا التفسير نظر لأن الحذف في الكلام إنما يكون إذا دل دليل عليه، ومن أين يفهم هذا من ذكر هذا الحرف؟). وقد استأنست استئناسا بأصل الفكرة أن يكون في الحرف قاف إشارة إلى معنى الوقوف، خاصة والعرب استعملته في ذلك. وأهم من كل ما ذكرته في الاستدلال على أن سورة (ق) هي نهاية قسم المثاني، وليست بداية قسم المفصّل هو معناها ومحلها وصلتها بما قبلها، وتفصيلها لمحور يأتي في أعماق سورة البقرة بينما تفصّل سورة الذاريات في مقدمة سورة البقرة بشكل واضح كما سنرى، مما يؤكد أن سورة الذاريات بداية قسم، وأن سورة (ق) نهاية قسم.
فإذا اتضحت هذه المعاني وعرفنا كما ذكرنا من قبل وكما سنذكر في ابتداء الكلام عن المفصّل أنّ القضية اجتهادية، بدليل كثرة الأقوال فيها، مما يشير إلى أن ما ورد في الموضوع ليس حاسما فإن ما ذهبنا إليه له وجهه، مع ملاحظة أن الدليل الوحيد الذي
ذكره ابن كثير يمكن أن يوجّه لصالح ما ذهبنا إليه، فمن المعلوم أن عثمان رضي الله عنه لم يذكر هو والصحابة الذين نسخوا المصحف (بسم الله الرحمن الرحيم) بين سورة الأنفال وسورة براءة لمظنة أنهما سورة واحدة، وقد رأينا في أول التفسير ما ذكره ابن كثير في تفسير السبع الطوال عن سعيد بن جبير قال: (هي السبع الطوال البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس) فلم يذكر هنا الأنفال ولا براءة مع أن براءة أطول من سورة يونس، كل ذلك يجعلنا نتصوّر أن الأثر الذي استدل به ابن كثير في الاستشهاد على أن سورة (ق) بداية قسم المفصّل يمكن أن يكون لصالحنا، فإذا اعتبرنا أن سورة الأنفال وبراءة في تقييم بعض الصحابة سورة واحدة فهذا يعني أن سورة (ق) هي نهاية قسم المثاني، وأن سورة الذاريات هي بداية قسم المفصّل. إن ابن كثير جعل الأنفال وبراءة سورتين، وجعل سورة يونس في ورد اليوم الثالث، فاحتمال أن تكون سورة يونس من ورد اليوم الثاني، وبراءة والأنفال سورة واحدة احتمال قائم، وهو لصالح ما اجتهدنا إليه، هذا ونحب أن نلفت نظر القارئ إلى أن ذكر أسماء السور في اليوم الأول والثاني والثالث.... هو من فعل ابن كثير وليس مذكورا في نص الأثر، فالأثر اكتفى بالقول: ثلاث وخمس وسبع، فلمّا فصّلها ابن كثير خرجت معه سورة (ق) على أنها بداية المفصّل، أما إذا نظرنا إلى واقع الأمر في عصر الصحابة من احتمال بعضهم كون الأنفال وبراءة سورة واحدة، ومن عدم عدّ بعضهم الأنفال وبراءة في السبع الطول، فكل ذلك يجعلنا نقول إن الأثر يحتمل أن يكون لصالح قولنا، فإذا أضفنا إلى هذه المعاني
التي استأنسنا بها لقولنا فإن الراجح أن يكون قولنا هو الصحيح، والله أعلم.
وهذا قول أضيفه إلى مجموعة أقوال في قضية خلافية، وفي ظني أن له وجهه الأقوى، وليس هناك نص عن الصحابة أنّ بداية المفصّل هو الحجرات أو قاف، وإنما المنقول عنهم هو ما ذكرناه، وهو محتمل لما ذهبنا إليه، ولما ذهب إليه ابن كثير، وهو ليس نصا في الموضوع، وإلا لقطع الخلاف، والخلاف لم ينقطع من قبل.
إن سورة (ق) وهي خاتمة قسم المثاني تجد فيها من كل مجموعة من مجموعات قسم المثاني روحا ونفسا وأثرا وصلات وروابط وهذه أمثلة:
- جاء في سورة سبأ من المجموعة الأولى من قسم المثاني قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ
لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (الآية: 9) وجاء في سورة (يس) من المجموعة الأولى قوله تعالى: إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ (الآية: 11) وتجد في سورة (قاف) قوله تعالى: هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ* مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ.
- وجاء في سورة (ص) من المجموعة الثانية من قسم المثاني قوله تعالى: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (الآية: 1، 2).
[سورة ق (50): الآيات 1 الى 2]
وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ (الآية: 4). وتجد في سورة قاف قوله تعالى: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ* بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ.
- وجاء في سورة (فصّلت) من المجموعة الثالثة من قسم المثاني قوله تعالى: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ... (الآية: 9). وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ... (الآية: 10). فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ (الآية: 12). وتجد هنا قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ.
- وجاء في سورة الشورى من المجموعة الرابعة من قسم المثاني قوله تعالى: وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (الآية: 14). وتجد في سورة (قاف) قوله تعالى: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ* مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ.
- وجاء في سورة الأحقاف من المجموعة الخامسة- التي هي مجموعة قاف نفسها- قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى... (الآية: 33) وتجد هاهنا قوله تعالى: أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ فسورة قاف التي هي خاتمة قسم المثاني ترتبط بقسمها رباطا وثيقا وتختمه بما تتكامل هي معه ويتكامل معها. ولذلك فقد اشتملت على أنواع من التذكير كان بسببها رسول الله صلّى الله عليه وسلم يخصها بالتلاوة في المجامع الكبار
كالعيد والجمع. قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عبد الله أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي ما كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقرأ في العيد؟ قال: بقاف واقتربت) ورواه مسلم وأهل السنن الأربعة من حديث مالك به، وفي رواية لمسلم عن أبي واقد قال سألني عمر رضي الله عنه فذكره (حديث آخر) وروى أحمد عن أم هشام بنت حارثة قالت: لقد كان تنّورنا وتنور النبي صلّى الله عليه وسلم واحدا سنتين أو سنة وبعض سنة، وما أخذت ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ إلا على لسان رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس رواه مسلم من حديث ابن إسحاق به، وروى أبو داود عن ابنة الحارث بن النعمان قالت: ما حفظت (ق) إلا من رسول الله صلّى الله عليه وسلم يخطب بها كل يوم جمعة وكان تنّورنا وتنور رسول الله صلّى الله عليه وسلم واحدا، وكذا رواه مسلم والنسائي وابن ماجه من حديث شعبة به. والقصد أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان يقرأ بهذه السورة في المجامع الكبار كالعيد والجمع لاشتمالها على ابتداء الخلق والبعث والنشور والمعاد والقيام والحساب والجنة والنار والثواب والعقاب والترغيب والترهيب والله أعلم).
لقد جاءت سورة (قاف) على هذه الشاكلة من قوة التذكير والوعظ كخاتمة لقسمها- قسم المثاني- لترفع الهمم للأخذ به ولتهيّج على التطبيق الرفيع، خاصّة وقد سبقت بسور الحجرات والفتح والقتال، وفيها جميعا تكليفات قتالية وتكليفات شاقة، إلا على الموفّقين.
عند ما تفتّش عن محور لسورة قاف يأتي بعد محور سورة الحجرات من سورة البقرة فإنك تجده في آخر آية من القسم الثالث من سورة البقرة وهي: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (الآية: 284) لاحظ صلة هذه الآية بما جاء في سورة (قاف) من خلال هذه المقارنة: جاء في هذه الآية قوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ وتجد في سورة (قاف) قوله تعالى:
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
وجاء في الآية التالية لآية المحور قوله تعالى: سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (الآية: 285) وتجد في سورة (قاف) قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ
وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ.
[تقديم الألوسي وصاحب الظلال لسورة ق]
وسنرى أثناء عرضنا للسورة صلاتها بمحورها. ولننقل هاهنا بعض ما قالوه فيها:
قال الألوسي في تقديمه لهذه السورة:
(وهي مكية وأطلق الجمهور ذلك، وفي التحرير عن ابن عباس وقتادة أنها مكية إلا قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ الآية فهي مدنية نزلت في اليهود، وآيها خمس وأربعون بالإجماع، ولما أشار سبحانه في آخر السورة السابقة إلى أن إيمان أولئك الأعراب لم يكن إيمانا حقا، ويتضمن ذلك إنكار النبوة وإنكار البعث؛ افتتح عزّ وجل هذه السورة بما يتعلق بذلك، وكان صلّى الله عليه وسلم كثيرا ما يقرؤها في صلاة الفجر كما في حديث مسلم وغيره عن جابر بن سمرة؛ وفي رواية ابن ماجه وغيره عن قطبة بن مالك أنه عليه الصلاة والسلام كان يقرؤها في الركعة الأولى من صلاة الفجر. وأخرج أحمد، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي، والنسائي عن أبي واقد الليثي أنه صلّى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيد بقاف واقتربت، وأخرج أبو داود، والبيهقي، وابن ماجه، وابن أبي شيبة عن أم هشام ابنة حارثة قالت: «ما أخذت ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ إلا من فيّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، كان يقرأ بها في كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس» وفي حديث ابن مردويه عن أبي العلاء رضي الله تعالى عنه مرفوعا «تعلموا ق والقرآن المجيد» وكل ذلك يدل على أنها من أعظم السور).
وقال صاحب الظلال في تقديمه لسورة (قاف):
(كان رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- يخطب بهذه السورة في العيد والجمعة- فيجعلها هي موضوع خطبته ومادتها- وفي الجماعات الحافلة.. وإن لها لشأنا.. إنها سورة.. ، شديدة الوقع بحقائقها، شديدة الإيقاع ببنائها التعبيري، وصورها وظلالها وجرس فواصلها. تأخذ على النفس أقطارها، وتلاحقها في خطراتها وحركاتها، وتتعقبها في سرها وجهرها، وفي باطنها وظاهرها. تتعقبها برقابة الله، التي لا تدعها لحظة واحدة من المولد، إلى الممات، إلى البعث، إلى الحشر، إلى الحساب. وهي رقابة شديدة دقيقة رهيبة. تطبق على هذا المخلوق الإنساني الضعيف إطباقا كاملا شاملا. فهو في القبضة التي لا تغفل عنه أبدا، ولا تغفل من أمره دقيقا ولا جليلا، ولا تفارقه كثيرا ولا قليلا. كل نفس معدود.
وكل هاجسة معلومة. وكل لفظ مكتوب. وكل حركة محسوبة. والرقابة الكاملة
الرهيبة مضروبة على وساوس القلب، كما هي مضروبة على حركة الجوارح. ولا حجاب ولا ستار دون هذه الرقابة النافذة، المطلعة على السر والنجوى اطلاعها على العمل والحركة. في كل وقت وفي كل حال. وكل هذه حقائق معلومة. ولكنها تعرض في الأسلوب الذي يبديها وكأنها جديدة، تروع الحس روعة المفاجأة، وتهز النفس هزا، وترجها رجا، وتثير فيها رعشة الخوف، وروعة الإعجاب، ورجفة الصحو من الغفلة على الأمر المهول الرهيب! وذلك كله إلى صور الحياة؛ وصور الموت، وصور البلى، وصور البعث، وصور الحشر. وإلى إرهاص الساعة في النفس وتوقعها في الحس. وإلى الحقائق الكونية المتجلية في السماء والأرض، وفي الماء والنبت، وفي الثمر والطلع.. تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ.. وإنه ليصعب في مثل هذه السورة التلخيص والتعريف، وحكاية الحقائق والمعاني والصور والظلال، في غير أسلوبها القرآني الذي وردت فيه؛ وفي غير عبارتها القرآنية التي تشع بذاتها تلك الحقائق والمعاني والصور والظلال، إشعاعا مباشرا للحس والضمير).
وبعد فإن السورة تتألف من مقدمة وثلاث فقرات: المقدمة تعرض علينا موقفا للكافرين، والفقرات الثلاث تردّ على هذا الموقف:
أما المقدمة فهي قوله تعالى: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ* بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ* أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ثم تأتي فقرات ثلاث: الأولى منها مبدوءة بكلمة (قد) والأخريان مبدوءتان بكلمة (ولقد) وكل من الفقرات الثلاث يرد على موقف الكافرين الذي ذكرته المقدمة:
قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ (الآية: 4) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ (الآية: 16) وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ (الآية: 38).
ولنبدأ عرض السورة.
مقدمة السورة وتمتدّ من الآية (1) إلى نهاية الآية (3) وهذه هي مع البسملة:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
50/ 1 - 3
التفسير:
ق قال ابن كثير: حرف من أحرف الهجاء المذكورة في أوائل السورة كقوله تعالى ص ون والم* وحم* وطس ونحو ذلك قاله مجاهد وغيره وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ أي: الكريم العظيم، قال النسفي: والمجيد ذو المجد والشرف على غيره من الكتب، ومن أحاط علما بمعانيه وعمل بما فيه مجد عند الله وعند الناس. قال ابن كثير: واختلفوا في جواب القسم ما هو؟ فحكى ابن جرير عن بعض النحاة أنه قوله تعالى: قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ وفي هذا نظر، بل الجواب هو مضمون الكلام بعد القسم، وهو إثبات النبوة، وإثبات المعاد، وتقريره وتحقيقه، وهذا كثير في أقسام القرآن كما تقدم في قوله ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ* بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ وهكذا قال هاهنا ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ* بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ.
بَلْ عَجِبُوا أي: بل عجب الكافرون أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ قال ابن كثير: أي تعجّبوا من إرسال رسول إليهم من البشر وقال النسفي: (أي: محمد صلّى الله عليه وسلم) وفي النصّ كما قال النسفي: إنكار لتعجبهم مما ليس بعجب وهو أن ينذرهم بالخوف رجل منهم قد عرفوا عدالته وأمانته، ومن كان كذلك لم يكن إلا ناصحا لقومه، خائفا أن ينالهم مكروه، وإذا علم أن مخوفا أظلهم لزمه أن ينذرهم فكيف بما هو غاية المخاوف؟ ثم بيّن تعالى محل عجبهم بقوله فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ*
فهرس السور