يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسۡـَٔلُواْ عَنۡ أَشۡيَآءَ إِن تُبۡدَ لَكُمۡ تَسُؤۡكُمۡ وَإِن تَسۡـَٔلُواْ عَنۡهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلۡقُرۡءَانُ تُبۡدَ لَكُمۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهَاۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمࣱ 101
[سورة المائدة (5): الآيات 101 الى 102]
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ، إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ. أي: تغمّكم وتشق عليكم، إذ تؤمرون بتحمّلها فتعرّضون أنفسكم لغضب الله بالتفريط فيها، وفي هذا تأديب من الله تعالى لعباده المؤمنين، ونهي لهم عن أن يسألوا عن أشياء ممّا لا فائدة لهم في السؤال والتنقيب عنها؛ لأنّها إن أظهرت لهم تلك الأمور ربّما ساءتهم، وشقّ عليهم سماعها وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ يحتمل معنيين. الأول: وإن تسألوا عن هذه التكاليف الصعبة في زمان الوحي- وهو ما دام الرسول صلّى الله عليه وسلّم بين أظهركم- تبد لكم تلك التكاليف التي تسوؤكم، ويترتب على ذلك تفريط. والمعنى الثاني: أي: وإن تسألوا عن هذه الأشياء التي نهيتم عن السؤال عنها حين ينزّل الوحي على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تبيّن لكم، وعلى هذا يكون المعنى: إن السؤال لتفهم الوحي جائز، وأما السؤال ابتداء فقد يترتب عليه ضرر عام، وهذا لا يجوز عَفَا اللَّهُ عَنْها. عفا الله عما سلف من
مسألتكم فلا تعودوا إلى مثلها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ومن حلمه أنه لا يعاقبكم إلا بعد الإنذار
قَدْ سَأَلَها. أي: سأل مثل هذه المسائل قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ من الأمم السابقة ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها. أي: بسببها كافِرِينَ كما حدث لبني إسرائيل، وعرف ذلك منهم
ما جَعَلَ اللَّهُ. أي: ما شرع ذلك، ولا أمر به، ثم بين هذا الذي لم يشرعه ولم يأمر به مِنْ بَحِيرَةٍ البحيرة: الناقة إذا نتجت خمسة أبطن، آخرها ذكر بحروا أذنها أي شقوها، وامتنعوا من ركوبها، وذبحها، ولا تطرد عن ماء، ولا مرعى وَلا سائِبَةٍ هي الناقة يسيبونها لآلهتهم، ويعاملونها كالبحيرة في عدم الانتفاع بها، كان الرجل منهم يقول: إذا قدمت من سفري، أو برأت من مرضي فناقتي سائبة وَلا وَصِيلَةٍ هي الشاة إذا ولدت سبعة أبطن، فإن كان السابع ذكرا أكله الرجال، وإن كان أنثى أرسلت في الغنم، وكذا إن كان ذكرا وأنثى، وقالوا وصلت أخاها، فالوصيلة بمعنى الواصلة وَلا حامٍ وهو الفحل إذا نتج من صلبه عشرة أبطن، قالوا قد حمى ظهره فلا يركب، ولا يحمل عليه، ولا يمنع من ماء ولا مرعى وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ بتحريمهم ما حرّموا ونسبتهم هذا التحريم إليه وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ فأفعالهم وتصوراتهم لا عقل فيها ولا فهم، ومن جهلهم وعدم عقلهم فإنهم كما قال الله بعد ذلك
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ. أي:
هلموا إلى حكم الله ورسوله بأن هذه الأشياء غير محرمة أو إلى حكم الله مطلقا قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا. أي: كافينا ذلك أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا
يَهْتَدُونَ
. أي: الاقتداء إنما يصح بالعالم المهتدي، وإنما يعرف اهتداؤه بالحجّة. وآباء هؤلاء لا علم، ولا هداية، فكيف يكفيهم ما عليه آباؤهم وهم كذلك.
والسياق العام لهذه الفقرة على الشكل التالي:
نهاهم عن السؤال ابتداء، وسمح لهم بالسؤال لاستجلاء الوحي، ثمّ علّل سبب منع السؤال، ثم ابتدأ تبيان حكمه في موضوع تحريم الانتفاع في أنواع من الحيوان، ثم بيّن جهالة الجاهليين في رفضهم الاحتكام إلى الله ورسوله، واتباعهم آباءهم في القضايا غير المعقولة المعنى، والتي تدلّل على الجهل والضلال، كهذه القضية المذكورة في وسط الفقرة، وقد دلّت الآية على أن غير شرع الله لا يقوم على عقل، ولا علم، ولا هداية.
نقل وتعليق:
[نقل عن صاحب الظلال حول آية.. لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ.. ]
عند قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ
يقول صاحب الظلال: «إن المعرفة الغيبية في الإسلام إنما تطلب لمواجهة حاجة واقعة وفي حدود هذه الحاجة الواقعة.. فالغيب وما وراءه تصان الطاقة البشرية أن تنفق في استجلائه واستكناهه، لأن معرفته لا تواجه حاجة واقعية في حياة البشرية. وحسب القلب البشري أن يؤمن بهذا الغيب كما وصفه العليم به. فأما حين يتجاوز الإيمان به إلى البحث عن كنهه فإنه لا يصل إلى شئ أبدا، لأنه ليس مزودا بالمقدرة على استكناهه إلا في الحدود التي كشف الله عنها.. فهو جهد ضائع. فوق أنه ضرب في التيه بلا دليل، يؤدي إلى الضلال البعيد. وأما الأحكام الشرعية فتطلب ويسأل عنها عند وقوع الأقضية التي تتطلب هذه الأحكام.. وهذا هو منهج الإسلام..
ففي طوال العهد المكي لم يتنزّل حكم شرعي تنفيذي- وإن تنزلت الأوامر والنواهي عن أشياء وأعمال- ولكن الأحكام التنفيذية كالحدود والتعازير والكفارات لم تتنزل إلا بعد قيام الدولة المسلمة التي تتولى تنفيذ هذه الأحكام.
ووعى الصدر الأول هذا المنهج واتجاهه، فلم يكونوا يفتون في مسألة إلا إذا كانت قد وقعت بالفعل، وفي حدود القضية المعروضة دون تفصيص للنصوص، ليكون للسؤال والفتوى جديّتهما وتمشيهما كذلك مع ذلك المنهج التربوي الرباني:
كان عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- يلعن من سأل عما لم يكن.. ذكره الدارمي في مسنده.. وذكر عن الزهري قال: بلغنا أن زيد بن ثابت الأنصاري كان يقول إذا سئل عن الأمر: أكان هذا؟ فإن قالوا: نعم قد كان، حدث فيه بالذي يعلم. وإن قالوا: لم يكن، قال: فذروه حتى يكون. وأسند عن عمار بن ياسر- وقد سئل عن مسألة- فقال: هل كان هذا بعد؟ قالوا: لا. قال: دعونا حتى يكون فإذا كان تجشمناها لكم. وقال الدارمي: حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن فضيل عن عطاء، عن ابن عباس، قال: ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سألوه عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض، كلهن في القرآن، منهنّ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ.. وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ..
وشبهه.. ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم. وقال مالك: أدركت هذا البلد (يعني المدينة) وما عندهم علم غير الكتاب والسنة. فإذا نزلت نازلة، جمع الأمير من حضر من العلماء فما اتفقوا عليه أنفذه. وأنتم تكثرون المسائل وقد كرهها رسول الله!
وقال القرطبي في سياق تفسيره للآية: روى مسلم عن المغيرة بن شعبة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعا وهات.وكره لكم ثلاثا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال».. قال كثير من العلماء: المراد بقوله: «وكثرة السؤال»: التكثير من السؤال في المسائل الفقهية تنطّعا، وتكلّفا فيما لم ينزل، والأغلوطات، وتشقيق المولدات. وقد كان السلف يكرهون ذلك ويرونه من التكلف. ويقولون: إذا نزلت النازلة وفّق المسئول لها..
إنه منهج واقعي جاد. يواجه وقائع الحياة بالأحكام، المشتقة لها من أصول شريعة الله، مواجهة عملية واقعية.. مواجهة تقدر المشكلة بحجمها وشكلها وظروفها كاملة وملابساتها، ثم تقضي فيها بالحكم الذي يقابلها ويغطيها ويشملها وينطبق عليها انطباقا كاملا دقيقا.. فأما الاستفتاء عن مسائل لم تقع، فهو استفتاء عن فرض غير محدد.
وما دام غير واقع فإن تحديده غير مستطاع. والفتوى عليه حينئذ لا تطابقه لأنه فرض غير محدد. والسؤال والجواب عندئذ يحملان معنى الاستهتار بجدية الشريعة؛ كما يحملان مخالفة للمنهج الإسلامي القويم. ومثله الاستفتاء عن أحكام شريعة الله في أرض لا تقام فيها شريعة الله لغير التفقه، والفتوى على هذا الأساس لغير مريد العمل!! إن شريعة الله لا تستفتى إلا ليطبق حكمها وينفذ.. فإذا كان المستفتي والمفتي كلاهما يعلمان أنهما في أرض لا تقيم شريعة، ولا تعترف بسلطان الله في الأرض وفي نظام المجتمع وفي حياة الناس.. أي: لا تعترف بألوهية الله في هذه الأرض ولا تخضع لحكمه ولا تدين لسلطانه.. فما استفتاء المستفتي؟ وما فتوى المفتي؟ إنهما- كليهما- يرخصان شريعة الله، ويستهتران بها، شاعرين أو غير شاعرين سواء! ومثله تلك الدراسات النظرية المجردة لفقه الفروع وأحكامه في الجوانب غير المطبقة.. إنها دراسة للتلهية! لمجرد الإيهام بأن لهذا الفقه مكانا في هذه الأرض التي تدرسه في معاهدها ولا تطبقه في محاكمها! وهو إيهام يبوء بالإثم من يشارك فيه، ليخدّر مشاعر الناس بهذا الإيهام! إن هذا الدين جد. وقد جاء ليحكم الحياة. جاء ليعبّد الناس لله وحده، وينزع من المغتصبين لسلطان الله هذا السلطان فيرد الأمر كله إلى شريعة الله لا إلى شرع أحد سواه.. وجاءت هذه الشريعة لتحكم الحياة كلها، ولتواجه بأحكام الله حاجات الحياة الواقعية وقضاياها، ولتدلي بحكم الله في الواقعة حين
تقع بقدر حجمها وشكلها وملابساتها. ولم يجئ هذا الدين ليكون مجرد شارة أو شعار. ولا لتكون شريعته
موضوع دراسة نظرية لا علاقة لها بواقع الحياة. ولا لتعيش مع الفروض التي لم تقع، وتضع لهذه الفروض الطائرة أحكاما فقهية في الهواء!.
هذا هو جدّ الإسلام. وهذا هو منهج الإسلام. فمن شاء من «علماء» هذا الدين أن يتبع منهجه بهذا الجد فليطلب تحكيم شريعة الله في واقع الحياة. أو على الأقل فليسكت عن الفتوى والقذف بالأحكام في الهواء!.
تعليق: [المؤلف على كلام صاحب الظلال وبيان أهمية دراسة الفقه]
أن تحاول الحركة الإسلامية تصوّر الفرعيّات التي يمكن أن تواجهها بعد خمسين عاما ثمّ تكرّس جهودها كلها من أجل ذلك فذلك استنفاد للطاقات في غير محلّها، وأن تشتغل الحركة الإسلامية أو المفتون بعمليّات التبرير للجاهلية والجاهليين فذلك عبث وهجوم على دين الله، ولكن أن يوجد المفتي القادر على أن يفتي المسلم في حياته المعاصرة فيما ينبغي فعله أو تركه في ظل الأنظمة الكافرة فذلك فرض لا بد منه، وأن تسير الحركة الإسلامية في الأوضاع المعاصرة على ضوء الفتوى المبصرة من أهلها، فذلك فرض الفروض، وأن يجيب فقهاء المسلمين خلال العصور على كل سؤال ولو كان سؤالا لا يقع إلا مرّة في العصر فذلك ليس عيبا.
ثمّ إن دراسة الفقه هي الطريقة الوحيدة لإيجاد الرّجل الفقيه، وإنّ التعرف على طرق استنباط الأحكام من خلال ما فعله علماء المسلمين خلال العصور هو الطريق العملي لإيجاد العقلية الفقهية القادرة على حلّ المشاكل اليومية.
إنّه لا بد من دراسة الفقه، ولا بد من وجود الفقيه، ولا بد من استيعاب العلوم التي يحتاجها وجود الفقيه، وكل ذلك من فروض الكفايات في الأمة، وأن يسأل المكلف عمّا يحلّ له وعمّا يحرم عليه في أي ظرف وفي أي مجتمع فهذا كذلك من الفرائض.
فما قاله صاحب الظلال ينبغي حمله على غير مثل هذه الحالات، لقد فهم الكثيرون عن صاحب الظلال ما لم يرده، فمثلا تجد بعضهم يحارب أصل دراسة الفقه اعتمادا على رأي (سيد رحمه الله) بينما (سيد رحمه الله) في أوسع ما قال «ومثله تلك الدراسات النظرية المجردة لفقه الفروع وأحكامه في الجوانب غير المطبقة» فهو يحمل على مثل هذا
ونحن نعتبر حملته هذه نفسها خطا ففي الحديث «ولأن تغدو فتعلم بابا من العلم عمل به أو لم يعمل خير من أن تصلي ألف ركعة» إن دراسة كل أبواب الفقه جزء من عملية إبقاء الإسلام كله حيا.
فوائد: [حول قوله تعالى... لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ.. ]
1 - ذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بالأشياء التي نهوا عن السؤال عنها الآيات والمعجزات غير أن مجموع ما ورد من أسباب نزول يدلّ على المعنى الذي اتجهنا إليه واخترناه، وهو اختيار عامّة المفسرين ولنذكر هنا ما ورد من أسباب نزول لهذه الآية:
- روى البخاري... عن أنس بن مالك قال: خطب النبي صلّى الله عليه وسلّم خطبة ما سمعت مثلها قط، وقال فيها: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» قال:
فغطّى أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وجوههم لهم خنين. فقال رجل: من أبي؟ قال:
«فلان». فنزلت هذه الآية: لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ.
- روى ابن جرير... عن قتادة في قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ الآية، قال: فحدثنا أن أنس بن مالك حدّثه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سألوه حتى أحفوه بالمسألة، فخرج عليهم ذات يوم فصعد المنبر فقال: «لا تسألوني اليوم عن شئ إلا بيّنته لكم» فأشفق أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يكون بين يدي أمر قد حضر، فجعلت لا ألتفت يمينا ولا شمالا إلا وجدت كلّا لافّ رأسه في ثوبه يبكي، فأنشأ رجل كان يلاحي فيدعى إلى غير أبيه، فقال: يا نبيّ الله من أبي؟ قال: «أبوك حذافة» قال: ثم قام عمر، أو قال فأنشأ عمر فقال: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا عائذا بالله-، أو قال: أعوذ بالله- من شر الفتن، قال: وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «لم أر في الخير والشر كاليوم قط، صوّرت لي الجنة والنار حتى رأيتهما دون الحائط».
- روى البخاري... عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان قوم يسألون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم استهزاء، فيقول الرجل: من أبي؟. ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟
فأنزل الله فيهم هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ
تَسُؤْكُمْ حتى فرغ من الآية كلها. تفرد به البخاري.
- روى الإمام أحمد... عن عليّ قال: لمّا نزلت هذه الآية وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا قالوا: يا رسول الله، أفي كل عام؟ فسكت، فقالوا: أفي كل عام؟ فسكت، قال: فقالوا: أفي كل عام؟ فقال: «لا، ولو قلت نعم لوجبت،». فأنزل الله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ الآية. وكذا رواه الترمذي وابن ماجه.
وممّا يعين على فهم معنى هذه الآية الأحاديث الثلاثة الآتية:
- روى البخاري ومسلم عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أعظم المسلمين جرما من سأل عن شئ لم يحرّم فحرّم من أجل مسألته».
- وفي صحيح مسلم عن رسول الله أنّه صلّى الله عليه وسلّم قال: «ذروني ما تركتكم، فإنّما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم».
- وفي الحديث الصحيح أيضا: «إنّ الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحدّ حدودا فلا تعتدوها، وحرّم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان، فلا تسألوا عنها». من النصوص المذكورة سابقا نستطيع أن نحصي عددا من الحالات التي نهي المسلمون أن يسألوا عنها:
- السؤال استهزاء، والسؤال عن غير ما هو ديني، والسؤال عن أمر ذي طابع خاص ويريد صاحبه أن يقحم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيه، والسؤال عمّا يسوء وليس من باب الديانات، والسؤال الذي يترتب عليه تضييق على المسلمين، أو يدلّ على غلو عند صاحبه، والسؤال عمّا سكت الله عنه، والسؤال الذي فيه طابع الجدل والمماحكة، وقد قررنا القاعدة من قبل وهي عدم ابتداء الرسول صلّى الله عليه وسلّم بالسؤال عن شئ جديد، وجواز الاستيضاح عن شئ نزل من الوحي، أو تقرّر من الدين بقصد الفهم والعمل.
2 - قد يتساءل متسائل عن بداية وجود ما ذكر الله من أمر البحيرة وغيرها وفي النصوص التالية بيان: روى البخاري... أنّ عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول
الله صلّى الله عليه وسلّم: «رأيت جهنم يحطم بعضها بعضا، ورأيت عمرا يجر قصبه، وهو أوّل من سيّب السوائب». تفرّد به البخاري.
وروى ابن جرير عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول لأكثم بن الجون: «يا أكثم رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجرّ قصبه في النار، فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به، ولا به منك»؟ فقال أكثم: تخشى أن يضرني شبهه يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا، إنك مؤمن وهو كافر، إنه أول من غيّر دين إبراهيم، وبحّر البحيرة، وسيّب السائبة، وحمى الحامي».
وروى الإمام أحمد... عن عبد الله بن مسعود عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنّ أوّل من سيّب السوائب، وعبد الأصنام، أبو خزاعة عمرو بن عامر، وإنّي رأيته، يجرّ أمعاءه في النّار» تفرّد به أحمد.
فعمرو هذا هو ابن لحي بن قمعة، أحد رؤساء خزاعة الذين ولوا البيت بعد جرهم، وكان أول من غيّر دين إبراهيم الخليل، فأدخل الأصنام إلى الحجاز، ودعا الرّعاع من النّاس إلى عبادتها، والتقرّب بها. وشرع هذه الشرائع الجاهلية في الأنعام وغيرها، ومن هذه النصوص، ومن الآية الواردة في هذا الموضوع، نعرف أنّ تحريم الحلال في الشريعة الإسلامية كتحليل الحرام كلاهما كفر وضلال، وكلامنا في الحرام القطعي، أو في الحلال القطعي، ومن هنا نفهم خطأ الذين يسارعون إلى التحليل والتحريم من عند أنفسهم دون علم. فما أجرأ هؤلاء على النار، وإنّا لنرى في عصرنا ناسا يهجمون على الفتوى في أمور من عند أنفسهم لو عرضت على مالك أو أحمد أو الشافعي لبقي الشهور يفكر فيها وهم يفتون فيها دون تفكير أصلا.
3 - روى ابن أبي حاتم... عن مالك بن نضلة قال: أتيت النبي صلّى الله عليه وسلّم في خلقان من الثياب فقال لي: «هل لك من مال؟» قلت: نعم، قال: «من أي المال؟» قال: فقلت: من كلّ المال من الإبل والغنم والخيل والرقيق، قال: فإذا آتاك الله مالا فلير عليك». ثم قال: تنتج إبلك وافية آذانها؟ قال: قلت نعم، قال: وهل تنتج الإبل إلا كذلك؟ قال: «فلعلك تأخذ الموسى فتقطع آذان طائفة منها، وتقول: هذه بحيرة. وتشق آذان طائفة منها، وتقول: هذه حرم». قلت: نعم، قال: «فلا
تفعل. إن كل ما آتاك الله لك حل». ثم قال: ما
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ، إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ. أي: تغمّكم وتشق عليكم، إذ تؤمرون بتحمّلها فتعرّضون أنفسكم لغضب الله بالتفريط فيها، وفي هذا تأديب من الله تعالى لعباده المؤمنين، ونهي لهم عن أن يسألوا عن أشياء ممّا لا فائدة لهم في السؤال والتنقيب عنها؛ لأنّها إن أظهرت لهم تلك الأمور ربّما ساءتهم، وشقّ عليهم سماعها وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ يحتمل معنيين. الأول: وإن تسألوا عن هذه التكاليف الصعبة في زمان الوحي- وهو ما دام الرسول صلّى الله عليه وسلّم بين أظهركم- تبد لكم تلك التكاليف التي تسوؤكم، ويترتب على ذلك تفريط. والمعنى الثاني: أي: وإن تسألوا عن هذه الأشياء التي نهيتم عن السؤال عنها حين ينزّل الوحي على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تبيّن لكم، وعلى هذا يكون المعنى: إن السؤال لتفهم الوحي جائز، وأما السؤال ابتداء فقد يترتب عليه ضرر عام، وهذا لا يجوز عَفَا اللَّهُ عَنْها. عفا الله عما سلف من
مسألتكم فلا تعودوا إلى مثلها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ومن حلمه أنه لا يعاقبكم إلا بعد الإنذار
قَدْ سَأَلَها. أي: سأل مثل هذه المسائل قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ من الأمم السابقة ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها. أي: بسببها كافِرِينَ كما حدث لبني إسرائيل، وعرف ذلك منهم
ما جَعَلَ اللَّهُ. أي: ما شرع ذلك، ولا أمر به، ثم بين هذا الذي لم يشرعه ولم يأمر به مِنْ بَحِيرَةٍ البحيرة: الناقة إذا نتجت خمسة أبطن، آخرها ذكر بحروا أذنها أي شقوها، وامتنعوا من ركوبها، وذبحها، ولا تطرد عن ماء، ولا مرعى وَلا سائِبَةٍ هي الناقة يسيبونها لآلهتهم، ويعاملونها كالبحيرة في عدم الانتفاع بها، كان الرجل منهم يقول: إذا قدمت من سفري، أو برأت من مرضي فناقتي سائبة وَلا وَصِيلَةٍ هي الشاة إذا ولدت سبعة أبطن، فإن كان السابع ذكرا أكله الرجال، وإن كان أنثى أرسلت في الغنم، وكذا إن كان ذكرا وأنثى، وقالوا وصلت أخاها، فالوصيلة بمعنى الواصلة وَلا حامٍ وهو الفحل إذا نتج من صلبه عشرة أبطن، قالوا قد حمى ظهره فلا يركب، ولا يحمل عليه، ولا يمنع من ماء ولا مرعى وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ بتحريمهم ما حرّموا ونسبتهم هذا التحريم إليه وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ فأفعالهم وتصوراتهم لا عقل فيها ولا فهم، ومن جهلهم وعدم عقلهم فإنهم كما قال الله بعد ذلك
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ. أي:
هلموا إلى حكم الله ورسوله بأن هذه الأشياء غير محرمة أو إلى حكم الله مطلقا قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا. أي: كافينا ذلك أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا
يَهْتَدُونَ
. أي: الاقتداء إنما يصح بالعالم المهتدي، وإنما يعرف اهتداؤه بالحجّة. وآباء هؤلاء لا علم، ولا هداية، فكيف يكفيهم ما عليه آباؤهم وهم كذلك.
والسياق العام لهذه الفقرة على الشكل التالي:
نهاهم عن السؤال ابتداء، وسمح لهم بالسؤال لاستجلاء الوحي، ثمّ علّل سبب منع السؤال، ثم ابتدأ تبيان حكمه في موضوع تحريم الانتفاع في أنواع من الحيوان، ثم بيّن جهالة الجاهليين في رفضهم الاحتكام إلى الله ورسوله، واتباعهم آباءهم في القضايا غير المعقولة المعنى، والتي تدلّل على الجهل والضلال، كهذه القضية المذكورة في وسط الفقرة، وقد دلّت الآية على أن غير شرع الله لا يقوم على عقل، ولا علم، ولا هداية.
نقل وتعليق:
[نقل عن صاحب الظلال حول آية.. لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ.. ]
عند قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ
يقول صاحب الظلال: «إن المعرفة الغيبية في الإسلام إنما تطلب لمواجهة حاجة واقعة وفي حدود هذه الحاجة الواقعة.. فالغيب وما وراءه تصان الطاقة البشرية أن تنفق في استجلائه واستكناهه، لأن معرفته لا تواجه حاجة واقعية في حياة البشرية. وحسب القلب البشري أن يؤمن بهذا الغيب كما وصفه العليم به. فأما حين يتجاوز الإيمان به إلى البحث عن كنهه فإنه لا يصل إلى شئ أبدا، لأنه ليس مزودا بالمقدرة على استكناهه إلا في الحدود التي كشف الله عنها.. فهو جهد ضائع. فوق أنه ضرب في التيه بلا دليل، يؤدي إلى الضلال البعيد. وأما الأحكام الشرعية فتطلب ويسأل عنها عند وقوع الأقضية التي تتطلب هذه الأحكام.. وهذا هو منهج الإسلام..
ففي طوال العهد المكي لم يتنزّل حكم شرعي تنفيذي- وإن تنزلت الأوامر والنواهي عن أشياء وأعمال- ولكن الأحكام التنفيذية كالحدود والتعازير والكفارات لم تتنزل إلا بعد قيام الدولة المسلمة التي تتولى تنفيذ هذه الأحكام.
ووعى الصدر الأول هذا المنهج واتجاهه، فلم يكونوا يفتون في مسألة إلا إذا كانت قد وقعت بالفعل، وفي حدود القضية المعروضة دون تفصيص للنصوص، ليكون للسؤال والفتوى جديّتهما وتمشيهما كذلك مع ذلك المنهج التربوي الرباني:
كان عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- يلعن من سأل عما لم يكن.. ذكره الدارمي في مسنده.. وذكر عن الزهري قال: بلغنا أن زيد بن ثابت الأنصاري كان يقول إذا سئل عن الأمر: أكان هذا؟ فإن قالوا: نعم قد كان، حدث فيه بالذي يعلم. وإن قالوا: لم يكن، قال: فذروه حتى يكون. وأسند عن عمار بن ياسر- وقد سئل عن مسألة- فقال: هل كان هذا بعد؟ قالوا: لا. قال: دعونا حتى يكون فإذا كان تجشمناها لكم. وقال الدارمي: حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن فضيل عن عطاء، عن ابن عباس، قال: ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سألوه عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض، كلهن في القرآن، منهنّ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ.. وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ..
وشبهه.. ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم. وقال مالك: أدركت هذا البلد (يعني المدينة) وما عندهم علم غير الكتاب والسنة. فإذا نزلت نازلة، جمع الأمير من حضر من العلماء فما اتفقوا عليه أنفذه. وأنتم تكثرون المسائل وقد كرهها رسول الله!
وقال القرطبي في سياق تفسيره للآية: روى مسلم عن المغيرة بن شعبة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعا وهات.وكره لكم ثلاثا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال».. قال كثير من العلماء: المراد بقوله: «وكثرة السؤال»: التكثير من السؤال في المسائل الفقهية تنطّعا، وتكلّفا فيما لم ينزل، والأغلوطات، وتشقيق المولدات. وقد كان السلف يكرهون ذلك ويرونه من التكلف. ويقولون: إذا نزلت النازلة وفّق المسئول لها..
إنه منهج واقعي جاد. يواجه وقائع الحياة بالأحكام، المشتقة لها من أصول شريعة الله، مواجهة عملية واقعية.. مواجهة تقدر المشكلة بحجمها وشكلها وظروفها كاملة وملابساتها، ثم تقضي فيها بالحكم الذي يقابلها ويغطيها ويشملها وينطبق عليها انطباقا كاملا دقيقا.. فأما الاستفتاء عن مسائل لم تقع، فهو استفتاء عن فرض غير محدد.
وما دام غير واقع فإن تحديده غير مستطاع. والفتوى عليه حينئذ لا تطابقه لأنه فرض غير محدد. والسؤال والجواب عندئذ يحملان معنى الاستهتار بجدية الشريعة؛ كما يحملان مخالفة للمنهج الإسلامي القويم. ومثله الاستفتاء عن أحكام شريعة الله في أرض لا تقام فيها شريعة الله لغير التفقه، والفتوى على هذا الأساس لغير مريد العمل!! إن شريعة الله لا تستفتى إلا ليطبق حكمها وينفذ.. فإذا كان المستفتي والمفتي كلاهما يعلمان أنهما في أرض لا تقيم شريعة، ولا تعترف بسلطان الله في الأرض وفي نظام المجتمع وفي حياة الناس.. أي: لا تعترف بألوهية الله في هذه الأرض ولا تخضع لحكمه ولا تدين لسلطانه.. فما استفتاء المستفتي؟ وما فتوى المفتي؟ إنهما- كليهما- يرخصان شريعة الله، ويستهتران بها، شاعرين أو غير شاعرين سواء! ومثله تلك الدراسات النظرية المجردة لفقه الفروع وأحكامه في الجوانب غير المطبقة.. إنها دراسة للتلهية! لمجرد الإيهام بأن لهذا الفقه مكانا في هذه الأرض التي تدرسه في معاهدها ولا تطبقه في محاكمها! وهو إيهام يبوء بالإثم من يشارك فيه، ليخدّر مشاعر الناس بهذا الإيهام! إن هذا الدين جد. وقد جاء ليحكم الحياة. جاء ليعبّد الناس لله وحده، وينزع من المغتصبين لسلطان الله هذا السلطان فيرد الأمر كله إلى شريعة الله لا إلى شرع أحد سواه.. وجاءت هذه الشريعة لتحكم الحياة كلها، ولتواجه بأحكام الله حاجات الحياة الواقعية وقضاياها، ولتدلي بحكم الله في الواقعة حين
تقع بقدر حجمها وشكلها وملابساتها. ولم يجئ هذا الدين ليكون مجرد شارة أو شعار. ولا لتكون شريعته
موضوع دراسة نظرية لا علاقة لها بواقع الحياة. ولا لتعيش مع الفروض التي لم تقع، وتضع لهذه الفروض الطائرة أحكاما فقهية في الهواء!.
هذا هو جدّ الإسلام. وهذا هو منهج الإسلام. فمن شاء من «علماء» هذا الدين أن يتبع منهجه بهذا الجد فليطلب تحكيم شريعة الله في واقع الحياة. أو على الأقل فليسكت عن الفتوى والقذف بالأحكام في الهواء!.
تعليق: [المؤلف على كلام صاحب الظلال وبيان أهمية دراسة الفقه]
أن تحاول الحركة الإسلامية تصوّر الفرعيّات التي يمكن أن تواجهها بعد خمسين عاما ثمّ تكرّس جهودها كلها من أجل ذلك فذلك استنفاد للطاقات في غير محلّها، وأن تشتغل الحركة الإسلامية أو المفتون بعمليّات التبرير للجاهلية والجاهليين فذلك عبث وهجوم على دين الله، ولكن أن يوجد المفتي القادر على أن يفتي المسلم في حياته المعاصرة فيما ينبغي فعله أو تركه في ظل الأنظمة الكافرة فذلك فرض لا بد منه، وأن تسير الحركة الإسلامية في الأوضاع المعاصرة على ضوء الفتوى المبصرة من أهلها، فذلك فرض الفروض، وأن يجيب فقهاء المسلمين خلال العصور على كل سؤال ولو كان سؤالا لا يقع إلا مرّة في العصر فذلك ليس عيبا.
ثمّ إن دراسة الفقه هي الطريقة الوحيدة لإيجاد الرّجل الفقيه، وإنّ التعرف على طرق استنباط الأحكام من خلال ما فعله علماء المسلمين خلال العصور هو الطريق العملي لإيجاد العقلية الفقهية القادرة على حلّ المشاكل اليومية.
إنّه لا بد من دراسة الفقه، ولا بد من وجود الفقيه، ولا بد من استيعاب العلوم التي يحتاجها وجود الفقيه، وكل ذلك من فروض الكفايات في الأمة، وأن يسأل المكلف عمّا يحلّ له وعمّا يحرم عليه في أي ظرف وفي أي مجتمع فهذا كذلك من الفرائض.
فما قاله صاحب الظلال ينبغي حمله على غير مثل هذه الحالات، لقد فهم الكثيرون عن صاحب الظلال ما لم يرده، فمثلا تجد بعضهم يحارب أصل دراسة الفقه اعتمادا على رأي (سيد رحمه الله) بينما (سيد رحمه الله) في أوسع ما قال «ومثله تلك الدراسات النظرية المجردة لفقه الفروع وأحكامه في الجوانب غير المطبقة» فهو يحمل على مثل هذا
ونحن نعتبر حملته هذه نفسها خطا ففي الحديث «ولأن تغدو فتعلم بابا من العلم عمل به أو لم يعمل خير من أن تصلي ألف ركعة» إن دراسة كل أبواب الفقه جزء من عملية إبقاء الإسلام كله حيا.
فوائد: [حول قوله تعالى... لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ.. ]
1 - ذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بالأشياء التي نهوا عن السؤال عنها الآيات والمعجزات غير أن مجموع ما ورد من أسباب نزول يدلّ على المعنى الذي اتجهنا إليه واخترناه، وهو اختيار عامّة المفسرين ولنذكر هنا ما ورد من أسباب نزول لهذه الآية:
- روى البخاري... عن أنس بن مالك قال: خطب النبي صلّى الله عليه وسلّم خطبة ما سمعت مثلها قط، وقال فيها: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» قال:
فغطّى أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وجوههم لهم خنين. فقال رجل: من أبي؟ قال:
«فلان». فنزلت هذه الآية: لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ.
- روى ابن جرير... عن قتادة في قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ الآية، قال: فحدثنا أن أنس بن مالك حدّثه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سألوه حتى أحفوه بالمسألة، فخرج عليهم ذات يوم فصعد المنبر فقال: «لا تسألوني اليوم عن شئ إلا بيّنته لكم» فأشفق أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يكون بين يدي أمر قد حضر، فجعلت لا ألتفت يمينا ولا شمالا إلا وجدت كلّا لافّ رأسه في ثوبه يبكي، فأنشأ رجل كان يلاحي فيدعى إلى غير أبيه، فقال: يا نبيّ الله من أبي؟ قال: «أبوك حذافة» قال: ثم قام عمر، أو قال فأنشأ عمر فقال: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا عائذا بالله-، أو قال: أعوذ بالله- من شر الفتن، قال: وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «لم أر في الخير والشر كاليوم قط، صوّرت لي الجنة والنار حتى رأيتهما دون الحائط».
- روى البخاري... عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان قوم يسألون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم استهزاء، فيقول الرجل: من أبي؟. ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟
فأنزل الله فيهم هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ
تَسُؤْكُمْ حتى فرغ من الآية كلها. تفرد به البخاري.
- روى الإمام أحمد... عن عليّ قال: لمّا نزلت هذه الآية وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا قالوا: يا رسول الله، أفي كل عام؟ فسكت، فقالوا: أفي كل عام؟ فسكت، قال: فقالوا: أفي كل عام؟ فقال: «لا، ولو قلت نعم لوجبت،». فأنزل الله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ الآية. وكذا رواه الترمذي وابن ماجه.
وممّا يعين على فهم معنى هذه الآية الأحاديث الثلاثة الآتية:
- روى البخاري ومسلم عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أعظم المسلمين جرما من سأل عن شئ لم يحرّم فحرّم من أجل مسألته».
- وفي صحيح مسلم عن رسول الله أنّه صلّى الله عليه وسلّم قال: «ذروني ما تركتكم، فإنّما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم».
- وفي الحديث الصحيح أيضا: «إنّ الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحدّ حدودا فلا تعتدوها، وحرّم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان، فلا تسألوا عنها». من النصوص المذكورة سابقا نستطيع أن نحصي عددا من الحالات التي نهي المسلمون أن يسألوا عنها:
- السؤال استهزاء، والسؤال عن غير ما هو ديني، والسؤال عن أمر ذي طابع خاص ويريد صاحبه أن يقحم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيه، والسؤال عمّا يسوء وليس من باب الديانات، والسؤال الذي يترتب عليه تضييق على المسلمين، أو يدلّ على غلو عند صاحبه، والسؤال عمّا سكت الله عنه، والسؤال الذي فيه طابع الجدل والمماحكة، وقد قررنا القاعدة من قبل وهي عدم ابتداء الرسول صلّى الله عليه وسلّم بالسؤال عن شئ جديد، وجواز الاستيضاح عن شئ نزل من الوحي، أو تقرّر من الدين بقصد الفهم والعمل.
2 - قد يتساءل متسائل عن بداية وجود ما ذكر الله من أمر البحيرة وغيرها وفي النصوص التالية بيان: روى البخاري... أنّ عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول
الله صلّى الله عليه وسلّم: «رأيت جهنم يحطم بعضها بعضا، ورأيت عمرا يجر قصبه، وهو أوّل من سيّب السوائب». تفرّد به البخاري.
وروى ابن جرير عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول لأكثم بن الجون: «يا أكثم رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجرّ قصبه في النار، فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به، ولا به منك»؟ فقال أكثم: تخشى أن يضرني شبهه يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا، إنك مؤمن وهو كافر، إنه أول من غيّر دين إبراهيم، وبحّر البحيرة، وسيّب السائبة، وحمى الحامي».
وروى الإمام أحمد... عن عبد الله بن مسعود عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنّ أوّل من سيّب السوائب، وعبد الأصنام، أبو خزاعة عمرو بن عامر، وإنّي رأيته، يجرّ أمعاءه في النّار» تفرّد به أحمد.
فعمرو هذا هو ابن لحي بن قمعة، أحد رؤساء خزاعة الذين ولوا البيت بعد جرهم، وكان أول من غيّر دين إبراهيم الخليل، فأدخل الأصنام إلى الحجاز، ودعا الرّعاع من النّاس إلى عبادتها، والتقرّب بها. وشرع هذه الشرائع الجاهلية في الأنعام وغيرها، ومن هذه النصوص، ومن الآية الواردة في هذا الموضوع، نعرف أنّ تحريم الحلال في الشريعة الإسلامية كتحليل الحرام كلاهما كفر وضلال، وكلامنا في الحرام القطعي، أو في الحلال القطعي، ومن هنا نفهم خطأ الذين يسارعون إلى التحليل والتحريم من عند أنفسهم دون علم. فما أجرأ هؤلاء على النار، وإنّا لنرى في عصرنا ناسا يهجمون على الفتوى في أمور من عند أنفسهم لو عرضت على مالك أو أحمد أو الشافعي لبقي الشهور يفكر فيها وهم يفتون فيها دون تفكير أصلا.
3 - روى ابن أبي حاتم... عن مالك بن نضلة قال: أتيت النبي صلّى الله عليه وسلّم في خلقان من الثياب فقال لي: «هل لك من مال؟» قلت: نعم، قال: «من أي المال؟» قال: فقلت: من كلّ المال من الإبل والغنم والخيل والرقيق، قال: فإذا آتاك الله مالا فلير عليك». ثم قال: تنتج إبلك وافية آذانها؟ قال: قلت نعم، قال: وهل تنتج الإبل إلا كذلك؟ قال: «فلعلك تأخذ الموسى فتقطع آذان طائفة منها، وتقول: هذه بحيرة. وتشق آذان طائفة منها، وتقول: هذه حرم». قلت: نعم، قال: «فلا
تفعل. إن كل ما آتاك الله لك حل». ثم قال: ما