يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسۡـَٔلُواْ عَنۡ أَشۡيَآءَ إِن تُبۡدَ لَكُمۡ تَسُؤۡكُمۡ وَإِن تَسۡـَٔلُواْ عَنۡهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلۡقُرۡءَانُ تُبۡدَ لَكُمۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهَاۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمࣱ 101
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِين﴾ [المائدة: 101-102]
(1) يقول الإمام الرازي في المدلول التربوي لعلاقة هذه الآيات بما قبلها: «إنه تعالى لما قال: ﴿ما على الرسول إلا البلاغ﴾ صار التقدير كأنه قال: ما بلّغه الرسول إليكم فخذوه وكونوا منقادين له، وما لم يبلغه الرسول إليكم فلا تسألوا عنه ولا تخوضوا فيه، فإنكم إن خضتم فيما لا تكليف فيه عليكم فربما جاءكم بسبب ذلك الخوض الفاسد من التكاليف ما يثقل عليكم ويشق عليكم».
(2) وفي سبب نزول هذه الآيات، قال ابن عباس: «كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول الرجل: من أبي؟ والرجل تضل ناقته فيقول: أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية» (الطبري)، وقال أبو هريرة: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ الله كتب عليكم الحج ! فقال رجل: أفي كل عام يا رسول الله؟ فأعرض عنه حتى عاد مرتين أو ثلاثا، فقال: من السائل؟ فقالوا: فلان، فقال: والذي نفسي بيده، لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما أطقتموه، ولو تركتموه لكفرتم، فأنزل الله هذه الآية» (الطبري).
(3) يقول الإمام الرازي في العلة التربوية لكراهة المسألة: «واعلم أنّ السؤال عن الأشياء ربما يؤدي إلى ظهور أحوال مكتومة يكره ظهورها، وربما ترتبت عليه تكاليف شاقة صعبة، فالأولى بالعاقل أن يسكت عما لا تكليف عليه فيه، ألا ترى أنّ الذي سأل عن أبيه فإنه لم يأمن أن يلحقه الرسول صلى الله عليه وسلم بغير أبيه فيفتضح، وأما السائل عن الحج فقد كاد أن يكون ممن قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: «إنّ من أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين، فحرم عليهم من أجل مسألته» (البخاري). إذ لم يؤمن أن يقول في الحج إيجاب في كل عام، وكان عبيد بن عمير يقول: إنّ الله أحل وحرم، فما أحل فاستحلوه، وما حرم فاجتنبوه، وترك بين ذلك أشياء لم يحللها ولم يحرمها، فذلك عفو من الله تعالى، ثم يتلو هذه الآية».
(4) في المدلول التربوي لهذه الآيات نقول: جاء القرآن ليربي أمة ولينشئ مجتمعا، وقد تكفل الله بتربية هذه الأمة، فنزلت هذه الآيات لتربي المسلمين على الأدب في السؤال وعلى التروي في المسألة، وعلى أنّ السؤال قد يكون خطرا على الناس، فربما سألوا عن أشياء وكان الخير لهم في عدم معرفتها، وربما طلبوا في مسألتهم أشياء وكانوا عاجزين عن تطبيقها، وربما طلبوا الآيات ولم يؤمنوا بها، والسؤال في مثل هذه الحالات هو نوع من الثرثرة التي لا تليق بمسلم، لأنّ الإسلام دين العمل وليس دين الكلام والتشدق بالألفاظ والتسلي بالأسئلة امتحانا أو سخرية أو استهزاء. والأحاديث النبوية التي تؤكد هذه الحقيقة التربوية كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: «ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم» (مسلم)، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «إنّ أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين فحرم من أجل مسألته» (البخاري)، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» (البخاري).
(5) وفي الآثار التربوية لهذه الآيات نقول: إنّ صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا من أشد الناس تأثرا بالقرآن وبرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا يسارعون إلى العمل بعد العلم، وكان مما أنشأته هذه الآيات في سلوكهم هو توقفهم عن السؤال، فانظر إلى ما قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غضبان مُحمرّ وجهه، حتى جلس على المنبر، فقام إليه رجل فقال: أين أبي؟ قال: في النار، فقام آخر فقال: من أبي؟ قال: أبوك حذافة، فقام عمر بن الخطاب فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا، وبالقرآن إماما، إنا يا رسول الله حديثو عهد بجاهلية وشرك، والله يعلم من آباؤنا! فسكن غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم» (الطبري)، وفي رواية فقام إليه عمر «فقام إليه عمر فقبّل رجله، وقال: يا رسول الله، رضينا بالله ربا، وبك نبيا، وبالإسلام دينا، وبالقرآن إماما، فاعف عنا عفا الله عنك! فلم يزل به حتى رضي» (الطبري). ومن الآثار التربوية لهذه الآيات في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قاله ابن عباس حيث قال: «ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قُبض، كلهنّ في القرآن، منهنّ (ويسألونك عن الشهر الحرام)، ﴿ويسألونك عن المحيض﴾، وشبهه، ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم» (الدارمي).
(6) قوله تعالى: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِين﴾. فيه تربية على ترك المسألة والطلب من خلال التحذير من القدوة السيئة في الأقوام السابقة حيث طلبوا الآيات ثم كفروا بها بعد حصولها، والمراد بذلك: قوم صالح عليه السلام حين سألوا الناقة ثم عقروها، وقوم عيسى عليه السلام حين سألوا المائدة ثم كفروا بها، وقوم موسى عليه السلام حين سألوا موسى أن يروا الله جهرة فكان ذلك وبالا عليهم، وبنو إسرائيل حين سألوا نبيهم أن يبعث الله لهم ملكا يقاتلون معه في سبيل الله فبعث لهم ملكا ولم يقاتلوا معه، وغير ذلك كثير في كتاب الله. فكأنه تعالى يقول لهم: لا تكونوا كأولئك الأشرار الذين سألوا أشياء فأعطاهم الله إياها فلم يصدقوا بها بل كفروا بها ولم يعملوا بها، وهذا من قبيل التربية على الأدب من خلال التحذير من قليل الأدب، ويروى في الأمثال العامية أنه قيل للمؤدب: من أين تعلمت الأدب؟ فقال: من قليل الأدب. فالعاقل يتعلم الأدب من المؤدب كما يتعلم الأدب من غير المؤدب، يتعلم الأدب من المؤدب بأن يفعل مثله، ويتعلم الأدب من غير المؤدب بأن لا يفعل مثله بل يفعل عكسه.
(1) يقول الإمام الرازي في المدلول التربوي لعلاقة هذه الآيات بما قبلها: «إنه تعالى لما قال: ﴿ما على الرسول إلا البلاغ﴾ صار التقدير كأنه قال: ما بلّغه الرسول إليكم فخذوه وكونوا منقادين له، وما لم يبلغه الرسول إليكم فلا تسألوا عنه ولا تخوضوا فيه، فإنكم إن خضتم فيما لا تكليف فيه عليكم فربما جاءكم بسبب ذلك الخوض الفاسد من التكاليف ما يثقل عليكم ويشق عليكم».
(2) وفي سبب نزول هذه الآيات، قال ابن عباس: «كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول الرجل: من أبي؟ والرجل تضل ناقته فيقول: أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية» (الطبري)، وقال أبو هريرة: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ الله كتب عليكم الحج ! فقال رجل: أفي كل عام يا رسول الله؟ فأعرض عنه حتى عاد مرتين أو ثلاثا، فقال: من السائل؟ فقالوا: فلان، فقال: والذي نفسي بيده، لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما أطقتموه، ولو تركتموه لكفرتم، فأنزل الله هذه الآية» (الطبري).
(3) يقول الإمام الرازي في العلة التربوية لكراهة المسألة: «واعلم أنّ السؤال عن الأشياء ربما يؤدي إلى ظهور أحوال مكتومة يكره ظهورها، وربما ترتبت عليه تكاليف شاقة صعبة، فالأولى بالعاقل أن يسكت عما لا تكليف عليه فيه، ألا ترى أنّ الذي سأل عن أبيه فإنه لم يأمن أن يلحقه الرسول صلى الله عليه وسلم بغير أبيه فيفتضح، وأما السائل عن الحج فقد كاد أن يكون ممن قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: «إنّ من أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين، فحرم عليهم من أجل مسألته» (البخاري). إذ لم يؤمن أن يقول في الحج إيجاب في كل عام، وكان عبيد بن عمير يقول: إنّ الله أحل وحرم، فما أحل فاستحلوه، وما حرم فاجتنبوه، وترك بين ذلك أشياء لم يحللها ولم يحرمها، فذلك عفو من الله تعالى، ثم يتلو هذه الآية».
(4) في المدلول التربوي لهذه الآيات نقول: جاء القرآن ليربي أمة ولينشئ مجتمعا، وقد تكفل الله بتربية هذه الأمة، فنزلت هذه الآيات لتربي المسلمين على الأدب في السؤال وعلى التروي في المسألة، وعلى أنّ السؤال قد يكون خطرا على الناس، فربما سألوا عن أشياء وكان الخير لهم في عدم معرفتها، وربما طلبوا في مسألتهم أشياء وكانوا عاجزين عن تطبيقها، وربما طلبوا الآيات ولم يؤمنوا بها، والسؤال في مثل هذه الحالات هو نوع من الثرثرة التي لا تليق بمسلم، لأنّ الإسلام دين العمل وليس دين الكلام والتشدق بالألفاظ والتسلي بالأسئلة امتحانا أو سخرية أو استهزاء. والأحاديث النبوية التي تؤكد هذه الحقيقة التربوية كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: «ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم» (مسلم)، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «إنّ أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين فحرم من أجل مسألته» (البخاري)، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» (البخاري).
(5) وفي الآثار التربوية لهذه الآيات نقول: إنّ صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا من أشد الناس تأثرا بالقرآن وبرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا يسارعون إلى العمل بعد العلم، وكان مما أنشأته هذه الآيات في سلوكهم هو توقفهم عن السؤال، فانظر إلى ما قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غضبان مُحمرّ وجهه، حتى جلس على المنبر، فقام إليه رجل فقال: أين أبي؟ قال: في النار، فقام آخر فقال: من أبي؟ قال: أبوك حذافة، فقام عمر بن الخطاب فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا، وبالقرآن إماما، إنا يا رسول الله حديثو عهد بجاهلية وشرك، والله يعلم من آباؤنا! فسكن غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم» (الطبري)، وفي رواية فقام إليه عمر «فقام إليه عمر فقبّل رجله، وقال: يا رسول الله، رضينا بالله ربا، وبك نبيا، وبالإسلام دينا، وبالقرآن إماما، فاعف عنا عفا الله عنك! فلم يزل به حتى رضي» (الطبري). ومن الآثار التربوية لهذه الآيات في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قاله ابن عباس حيث قال: «ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قُبض، كلهنّ في القرآن، منهنّ (ويسألونك عن الشهر الحرام)، ﴿ويسألونك عن المحيض﴾، وشبهه، ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم» (الدارمي).
(6) قوله تعالى: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِين﴾. فيه تربية على ترك المسألة والطلب من خلال التحذير من القدوة السيئة في الأقوام السابقة حيث طلبوا الآيات ثم كفروا بها بعد حصولها، والمراد بذلك: قوم صالح عليه السلام حين سألوا الناقة ثم عقروها، وقوم عيسى عليه السلام حين سألوا المائدة ثم كفروا بها، وقوم موسى عليه السلام حين سألوا موسى أن يروا الله جهرة فكان ذلك وبالا عليهم، وبنو إسرائيل حين سألوا نبيهم أن يبعث الله لهم ملكا يقاتلون معه في سبيل الله فبعث لهم ملكا ولم يقاتلوا معه، وغير ذلك كثير في كتاب الله. فكأنه تعالى يقول لهم: لا تكونوا كأولئك الأشرار الذين سألوا أشياء فأعطاهم الله إياها فلم يصدقوا بها بل كفروا بها ولم يعملوا بها، وهذا من قبيل التربية على الأدب من خلال التحذير من قليل الأدب، ويروى في الأمثال العامية أنه قيل للمؤدب: من أين تعلمت الأدب؟ فقال: من قليل الأدب. فالعاقل يتعلم الأدب من المؤدب كما يتعلم الأدب من غير المؤدب، يتعلم الأدب من المؤدب بأن يفعل مثله، ويتعلم الأدب من غير المؤدب بأن لا يفعل مثله بل يفعل عكسه.