۞ إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلۡحَبِّ وَٱلنَّوَىٰۖ يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَمُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتِ مِنَ ٱلۡحَيِّۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ 95
[سورة الأنعام (6): آية 95]
إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ
لقد أقام الله- عز وجل- الحجة على الكافرين في القسم الأول. وعرّفنا على ذاته.
ويأتي بعد ذلك القسم الثاني وفيه تعريف على الله، وإقامة حجّة على الكافرين ومناقشتهم فيما ذهبوا إليه مما لا يقتضيه الإيمان بالله ومعرفته.
والقسم الثاني يتألف من مقطعين واضحي البدايات والنهايات فتحصل أن مجموع مقاطع السورة خمسة تأتي ضمن قسمين كبيرين.
بين يدي المقطع الأول من القسم الثاني: يتألف المقطع الأول من القسم الثاني من مقدمة وثلاث فقرات.
تتحدث المقدمة عن الله- عز وجل- وعمّا خلق، وعمّا فعل للإنسان، ثمّ تأتي ثلاث فقرات معطوف بعضها على بعض، وكلها مبدوءة بفعل ماض يتحدث عن مواقف للكافرين:
وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ ... وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ..
وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً.. فإذا انتهت الفقرة الأخيرة يعود السياق للحديث عمّا خلق الله للإنسان، وبذلك يبدأ المقطع الثاني من القسم الثاني وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ....
***
المقطع الأول من القسم الثاني من سورة الأنعام ويمتد من الآية (95) إلى نهاية الآية (140) وهذا هو:
«المقدمة» 6/ 99 - 95 الفقرة الأولى 6/ 101 - 100
6/ 108 - 102 الفقرة الثانية 6/ 111 - 109
6/ 121 - 112
6/ 129 - 122
6/ 135 - 130 الفقرة الثالثة 6/ 137 - 136
6/ 140 - 138
كلمة في المقطع:
إن في هذا المقطع والذي بعده دلالة واضحة على أن محور سورة الأنعام هو الآيتان اللتان ذكرناهما من سورة البقرة فلنلاحظ الصلات: جاء في آيتي المحور قوله تعالى:
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ.
ويبدأ هذا المقطع بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِ - كما يرد في الآيات الأولى منه وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ. وجاء في آيتي المحور قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً.
ونجد في الآيات الأولى من المقطع قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ... وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
ويسير المقطع عارضا مواقف الكافرين، ومقيما الحجة عليهم حتى يصل إلى الأكل مما ذكر اسم الله عليه، وذلك مرتبط بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فالله خلق لكم وحدّد لكم طريقة الانتفاع ببعض الأشياء. ولقد قلنا من قبل إن قوله تعالى في سورة البقرة يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً وقوله تعالى: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ إنما
هو امتداد للكلام عن خلق الأشياء لصالح الإنسان. وههنا يذكر الله- عز وجل- شرط حلّ الذبائح، ثم يسير المقطع مقيما الحجّة على الكافرين حتى ينتهي بذكر ما حرم أهل الجاهلية على أنفسهم، مما يتناقض مع إباحة الله الأشياء للإنسان وارتباط ذلك بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً واضح المعالم، وسنرى أن المقطع الثاني من القسم استمرار للكلام عما خلق الله من أجلنا وعن موضوع التحريم. ولنبدأ عرض المعاني العامّة للمقطع:
المعنى العام:
يبتدئ المقطع بالإخبار عن الله أنه فالق الحب والنوى، أي أنه سبحانه الذي يشقه في الثرى فتنبت منه الزروع على اختلاف أصنافها، من الحبوب والثّمار على اختلاف ألوانها وأشكالها وطعومها، ويخرج النبات الحي من الحب والنّوى اللذين هما كالجماد الميت، ويخرج الولد الصالح من الفاجر، والفاجر من الصالح، والحي من الأرض الميتة، والميت مما هو حي. هذا كله فعل الله، وفاعله هو الله وحده، فكيف يصرف الناس عن الحق ويعدلون عنه إلى الباطل؛ فيعبدون معه غيره، أو يكفرون به، ومن هذه البداية في هذا المقطع ندرك كيف أن المقطع يفصّل في محور السورة: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً.... وسنرى ذلك واضحا في كل ما يأتي.
- ثم أخبر تعالى أنه خالق الضياء والظلام، فهو سبحانه يفلق ظلام الليل عن غرّة الصباح، فيضئ الوجود، ويستنير الأفق، ويضمحل الظلام، ويذهب الليل بسواده وظلام رواقه، ويجئ النهار بضيائه وإشراقه، وذلك من آثار قدرته- عز وجل- على خلق الأشياء المتضادّة المختلفة، الدّالة على كمال عظمته وعظيم سلطانه. وكما أنه فلق الإصباح، فقد جعل الليل ساجيا مظلما لتسكن فيه الأشياء، وجعل الشمس والقمر بحساب مقنّن مقدّر، لا يتغيّر ولا يضطرب، بل لكل منها منازل يسلكها ضمن النظام الدقيق للمجوعة الشمسية مع الأرض، مما يترتب عليه ما يترتّب، والجميع جار بتقدير العزيز الذي لا يمانع ولا يخالف، العليم بكل شئ فلا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء.
- وكما فعل هذا كله فقد جعل النّجوم ليهتدي بها الإنسان في ظلمات البرّ والبحر،
فلولاها لضاع الإنسان ولم يستطع أن يسلك طريقا بحريا، ولا أن يهتدي في الظلام إلى طريق- وهو موضوع سنراه- فما أوضح آياته- جل شأنه- في الكون، وكم فصّل آياته في كتابه، ولكن العالم وحده هو الذي يعرفها، ويعقلها ويؤمن بالله الذي خلق السموات والأرض، وأنزل القرآن.
- وكما فعل ما مر كله فهو الذي أنشأنا من نفس واحدة- هي نفس آدم- ثمّ جعلنا نستمرّ بالتزاوج والتوالد عن طريق الأرحام والأصلاب، ولا يدرك عظمة هذه الآية- آية نشأتنا الأولى واستمرارنا عن طريق التزاوج والحمل- إلا من كان عنده فقه قلب يعي به كلام الله ومعناه.
- وكما فعل الله- عزّ وجل- ما مر فهو الذي أنزل من السماء ماء بقدر، مباركا ورزقا للعباد وإحياء وغياثا للخلائق؛ رحمة من الله بخلقه، فأخرج بهذا الماء كل أصناف النبات ومنه الزرع والشّجر الأخضر، ومنه الذي يخلق الله فيه الحب الذي يركب بعضه بعضا كالسنابل، ومنه النخل الدانية العذوق القريبة المتناول، ويخرج بهذا الماء جنات من أعناب، ويخرج به الزيتون والرمّان المتشابه في الورق والشّكل والمتخالف في الثّمار شكلا وطعما وطبعا، كل ذلك يستأهل النظر، ولذلك أمر الله بالنظر إلى ثمره حين نضجه؛ ليتفكر الإنسان في قدرة خالقه من العدم إلى الوجود، فبعد أن كان حطبا صار رطبا، ولقد خلق سبحانه وتعالى من الألوان والأشكال والطعوم والروائح الكثير إن في هذا كله لآيات ودلالات على كمال قدرة خالق هذه الأشياء ورحمته لقوم يصدّقون به، ويتّبعون رسله، وبعد هذه الآيات التي دلّلت على الله،
وسفّهت الكافرين به، وأقامت الحجة على أهل الكفر بظاهرة العناية هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً والتي رأينا بعضا من تفصيلاتها هنا تأتي الفقرة الأولى من المقطع فنجدنا أمام عرض لأنواع من الكفر ومناقشة لأهله: لقد ذكر الله عزّ وجل أنّ المشركين أشركوا في عبادته الجنّ؛ فجعلوهم شركاء له في العبادة- تعالى الله عن شركهم وكفرهم- فإن قيل من يعبد الجن؟
فالجواب أنّ كل من أطاع الشيطان- وما أكثرهم- فقد عبد الجن. لقد عبد الإنسان الشيطان وترك عبادة الله وهو الذي خلقه! وكما عبد الجن فقد افترى على الله كذبا بأن جعل له بنين وبنات جهلا وسفها وضلالا، تقدّس الله وتنزّه وتعاظم عمّا يصفه هؤلاء الجهلة الضالّون من الأولاد والأنداد والنّظراء والشّركاء، وكيف لا ينزّه عن هذا وهو المنفرد
بخلقهم بغير شريك ولا معين ولا نظير! وهو مبدع السموات والأرض، وخالقهما ومنشئهما ومحدثهما على غير مثال سبق! ومن كان هذا شأنه فكيف يكون له ولد! والولد إنما يتولد بين شيئين متناسبين، والله تعالى لا يناسبه ولا يشابهه شئ من خلقه؛ لأنّه خالق كل شئ فلا صاحبة له، وإذ لا صاحبة له فلا ولد له، وكيف يكون له صاحبة أو ولد وهو الذي خلق كل شئ! وهو الذي بكلّ شئ عليم، ومن كان كذلك فإنّه لا نظير له
- هذا الإله الذي خلق السموات والأرض وأبدعهما، وخلق كل شئ والذي هو بكل شئ عليم، هو ربنا، لا الجنّ ولا غيرهم، فهو الذي لا إله إلا هو وهو خالق كل شئ، وهو الذي يستحقّ العبادة وحده؛ فاعبدوه وحده؛ إذ هو الحفيظ والرقيب والمدبّر لكل من سواه، يرزقهم ويكلؤهم بالليل والنهار.
- هذا الإله العظيم لا تدركه الأبصار في الدنيا، ولا تحيط به لا في الدنيا ولا في الآخرة، فلا أحد يستطيع أن يحيط بكنه عظمته وجلاله على ما هو عليه، أما هو فإنه يدرك الأبصار، يراها ويحيط بها علما على ما هي عليه؛ لأنه خلقها، إذ هو اللطيف الذي يعلم دقائق الأمور ومشكلاتها، العليم بظواهر الأشياء وخفياتها.
وبعد أن قرّر المقطع شرك من أشرك وردّ عليهم الردّ البليغ العجيب المدهش الذي فيه وصف الذّات الإلهية مما يدّل على أنّ القرآن من عند الله، إذ من يستطيع أن يصف الله هذا الوصف المدهش إلا هو- جل جلاله-.
- ثمّ إنه بعد هذا الردّ المدهش والبلاغ العجيب يذكر الله- عزّ وجل- أنّه بإنزاله هذا القرآن قد أعطي البشر البصائر كلها أي: البينات والحجج التي يرى بها الإنسان الأشياء على ما هي عليه، فمن أبصر بها وعلى ضوئها فمصلحة ذلك عائدة عليه، ومن عمي عنها ولم ير بها فوبال ذلك عائد عليه، ومحمّد عليه الصلاة والسلام مبلّغ وما هو بحافظ ولا رقيب. ثمّ بيّن تعالى أنّه بمثل هذا البيان الرائع، وهذا التقرير العظيم، وهذه الحجة الواضحة، يبيّن الآيات، ويوضّحها ويفسّرها، ويكرّرها، فأما الكافرون والمشركون والمنافقون، فإنّهم بدلا من أن يؤمنوا يتّهمون محمدا عليه الصلاة
والسلام بأنّ هذا الكتاب أثر عن دراسته ومدراسته، لا أثر عن نبوته والوحي إليه، وأما العالمون فيؤمنون، ويتضح لهم بهذا الإيمان الحقّ كله في كل شئ نتيجة هذا التصريف للآيات بمثل هذا البيان والكمال.
وبعد هذا البيان يأتي الآن أمر ونهي لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولأمته من بعده.
أما الأمر فهو:
- أن عليه صلّى الله عليه وسلّم أن يتّبع ما أنزل الله عليه بالاقتداء به واقتفاء أثره والعمل به، وأن عليه أن يعرض عن المشركين بالعفو والصفح، واحتمال الأذى حتى يفتح الله ثم بيّن الله تعالى:
- أن لله حكمة في إضلال الضالّين، فإنّه لو شاء لهدى الناس جميعا، ولو شاء لجمعهم على الهدى، فله المشيئة والحكمة فيما يشاؤه ويختاره، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وإذا كان الأمر كذلك فالله وحده هو الحفيظ على أقوالهم وأفعالهم، وهو الوكيل على أمورهم وأرزاقهم، وليس محمّد صلّى الله عليه وسلّم بوكيل ولا بحفيظ بل هو مبلّغ فقط.
- ثمّ نهى الله رسوله صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين عن سب آلهة المشركين، وإن كان فيه مصلحة إلا أنه يترتّب عليه مفسدة أعظم منها، وهي مقابلة المشركين بسبّ إله المؤمنين، وهو لا إله إلا هو، يسبونه ظلما وجهلا، فمن أجل ألا يقع هذا فعلينا ألا نواجه المشركين بسبّ آلهتهم، ثمّ بيّن تعالى أنه كما زيّن لهؤلاء القوم حبّ أصنامهم والمحاماة لها والانتصار، كذلك زيّن لكل أمة ضالّة من الأمم الخالية عملهم الذي كانوا فيه، ولله الحجة البالغة والحكمة التامة فيما يشاؤه ويختاره، وإليه المعاد، وسوف يحاسب الجميع على أعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وبهذا تنتهي الفقرة الأولى من المقطع.
وتأتي الآن فقرة أخرى على نفس السنن.
تلك مبدوءة ب: (وجعلوا) وهذه مبدوءة ب: (وأقسموا)
- يخبر الله تعالى عن المشركين والكافرين أنهم يحلفون الأيمان المؤكّدة لئن جاءتهم معجزة خارقة ليصدقنّها وهذا يفيد أنهّم يدّعون أنّ الآيات ليست كافية للإيمان، أو أنّها غير موجودة، وهذا كذب وافتراء وتعنّت منهم ولذلك فقد أمر الله رسوله أن يعلن
أن أمر الآيات إلى الله، وأن الآيات عنده كثيرة، وما أنزل فيه كفاية ولكنّهم متعنّتون، ولذلك خاطب المؤمنين مبيّنا لهم أن الكافرين إذا جاءتهم الآيات التي يقترحونها فإنّهم لا يؤمنون- وذلك لأنّ سنّة الله أنّ من لم يؤمن أوّل مرّة بما أنزله الله مع قيام الحجة عليه فيه فإنّه لا يؤمن أبدا لأن الله يقلّب قلوب هؤلاء وأفئدتهم؛ جزاء لهم على
عدم الإيمان، ولذلك فإنهم لو جاءتهم الآيات المقترحة فإنهم يرفضونها ويبقون في كفرهم وضلالهم يلعبون ويتردّدون ويتحيّرون، ثمّ بيّن تعالى أنّه لو أجاب سؤال هؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمننّ بها، فنزّل عليهم الملائكة تخبرهم بالرّسالة من الله بتصديق الرسل، ولو بعث لهم الموتى فكلّموهم وأخبروهم بصدق ما جاءتهم به الرسل، ولو أنّه حشر عليهم الأمم فعرضت عليهم أمة بعد أمة فأخبرهم الجميع بصدق الرسل فيما جاءوهم به، ولو حدث هذا كله فإنّه ما كان لهم أن يؤمنوا إلا إذا شاء الله هدايتهم، وهو إن هدى يهدي فضلا، وإن أضل يضل عدلا. يهدي من يستحق الهداية، ويضل من يستحق الضلال، وذلك من آثار علمه وحكمته وسلطانه وقهره وغلبته، ولكنّ أكثر الخلق جاهلون بالله وبسننه، وفي ذلك أمر للمؤمنين ألا يكونوا من الجاهلين وإذ تقررت هذه المعاني يخبر الله- عزّ وجل- رسوله صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين بسنة من سننه هي أنّه:
- كما جعل لمحمد صلّى الله عليه وسلّم أعداء يخالفونه ويعاندونه فقد جعل لكل نبي من قبله أيضا أعداء من شياطين الإنس والجن يلقي بعض هؤلاء إلى الآخر القول المزيّن المزخرف، وهو المزوق الذي يغتر سامعه- من الجهلة- بأمره، وذلك كله بقدر الله وقضائه ومشيئته. فدع يا محمد ومن اتبعك هذا القول الكاذب المزخرف الغرور وأهله.
فإن الذين لا يؤمنون بالآخرة هم الذين تميل قلوبهم وعقولهم وأسماعهم إليه، فليرض هؤلاء هذا الزّخرف، وليتبنّوه وليكتسبوا ما هم مكتسبون، وليعملوا ما هم عاملون، فلهم طريق ولك ولأتباعك طريق. ومن هذا العرض عرفنا أن العلّة التي منها يبدأ الزّيغ هي الكفر بالآخرة، فهي التي يترتّب عليها كل شر، ومن الآيات عرفنا أنّ من يضل فلاستحقاقه الضلال بكفره وذنبه، وإذا استقرت هذه المعاني فإنّ الله يأمر رسوله صلّى الله عليه وسلّم أن يردّ على كل ما مرّ من كلام الكافرين واتجاهاتهم بالإعلان:
- أنه لا يقبل غير الله حكما، وقد حكم الله له، وعليهم بكتابه البيّن المفصّل الكامل الحجّة، هذا الكتاب الذي يعلم المنصفون من أهل الكتاب أنّه منزّل من الله
بالحق؛ وذلك ممّا عندهم من البشارات في كتبهم، ثمّ ينهى الله رسوله صلّى الله عليه وسلّم أن يكون من الشاكّين، ولم يشكّ عليه الصلاة والسلام وإنما هو الرب يأمر وينهى، والأمر لرسوله صلّى الله عليه وسلّم أمر لأمّته.
- ثمّ بيّن- عزّ وجل- أنه قد جعل كتابه كاملا وتاما، صادقا فيما قال وفيما أخبر، عدلا فيما حكم وفيما أمر، فكلّ ما أخبر به فحقّ لا مرية فيه ولا شكّ، وكلّ ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه، وكلّ ما نهى عنه فهو الباطل، فإنه لا ينهى إلا عن مفسدة، وليس لأحد أن يعقّب على حكمه، أو ينقضه، أو يبدّله، أو يغيّره، وأنّ الله هو السميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وسكناتهم، الذي يجازي كل عامل بعمله.
وبعد أن أمر الله- عزّ وجل- رسوله صلّى الله عليه وسلّم أن يعلن أنه لا يرضى غير الله حكما بيّن له في هذا المقام أنّ أكثر أهل الأرض على ضلال، وأنّهم في ضلالهم ليسوا على يقين من أمرهم، وإنّما هم في ظنون كاذبة وحسبان باطل، وأنّ الله وحده هو الأعلم بمن يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين، ولذلك فلا تبتغ غيره حكما لأنّ أكثرية أهل الأرض إن اتّبعتها تضلّك، فما أعظم هذا البيان في هذا المقام إذ كثير من الناس تغره الأكثرية وتضلّه، أما المسلم فالله هو وحده مصدر الهداية والإضلال عنده، ومنه تتلقى الهداية. ولو خالف الخلق كلهم أمره فإنهم ضالون.
وفي هذا السياق- سياق أن الحكم لله وحده وأنّه لا طاعة للخلق في معصية الله- يقرّر الله- عزّ وجل- إباحة الذبائح إن ذكر عليها اسم الله، وحرمتها إذا لم يذكر عليها اسم الله، مع حوار مع المشركين في هذا المقام، وكل ذلك منسجم مع سياق ما قبله وما بعده.
فلنر المعاني ثمّ لنر الارتباط:
يأمر الله- عزّ وجلّ- عباده المؤمنين- أمر إباحة- أن يأكلوا من الذّبائح ما ذكر عليه اسمه، ومفهومه أنّه لا يباح ما لم يذكر اسم الله عليه مما يستبيحه الكفار قديما وحديثا من أكل أنواع الميتات، أو ما له حكمها، ثمّ ندب إلى الأكل مما ذكر اسم الله عليه، مبيّنا لهم أنّه لا داعي إلى التحرّج في ذلك بعد أن بين لنا ما حرّم علينا، ثمّ بيّن تعالى جهالة المشركين في آرائهم الفاسدة من استحلالهم: الميتات، وما ذكر عليه غير
اسم الله تعالى، وإضلالهم البشر بغير علم، وهدّدهم بأنّه هو الأعلم باعتدائهم وكذبهم وافترائهم؛ وسيجازيهم عليه.
- ثمّ أمر الله تعالى عباده أن يتركوا معصيته في السرّ والعلانية، قليلها وكثيرها، مبيّنا أن الذين يعملون الآثام- سواء كانت ظاهرة أو خفية- سيجزيهم على أعمالهم، وفي ذكر هذه الآية في هذا السياق تهديد لمن يضلّون بأهوائهم، ولمن يخالفون أمر الله في أكل ما لم يذكر اسم الله عليه.
- ثمّ نهى الله- عزّ وجل- نهيا جازما عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه من الذبائح، وعن أكل ما لم يذبح أصلا من أنواع الميتات، مبيّنا أنّ ذلك فسوق عن أمر الله، ومخالفة لأمره، وإذ يكثر جدال الكافرين في هذا المقام؛ لأنهم لا يفرقون بين ما ذكر اسم الله عليه وما لم يذكر، ولا يفرّقون بين الميتة والذبيحة، متناسين أنّه لا فارق بين الإنسان وبين الحيوان من حيث إن لكل روحا، وأنّ الله الذي أباح للإنسان أن يزهق روح الحيوان أباح ذلك له بشرط ذكر اسمه عليه، فإذ يكثر جدال الكافرين في هذا المقام بيّن الله- عزّ وجل- أنّ الشياطين يوحون إلى من يطيعونهم بمختلف الحجج من أجل أن يجادلوا المسلمين، ثمّ هدّد الله المسلمين أنّهم إن أطاعوهم في ما يريدونهم عليه فإنهم مشركون حين يعدلون عن أمر الله إلى قول غيره، ويقدمونه عليه.
ولو أنّنا تأمّلنا قوله تعالى: شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وقوله تعالى: وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ فإننا نجد الصلة بين مجموعة الآيات التي بين أيدينا وبين التي قبلها. كما نرى أن هذه المجموعة نموذج ومثال على مجموعة أمور لها علاقة
في السياق الجزئي. فهي نموذج على وساوس الشيطان وأوليائه فيما يخالف شرع الله والرضا بحكمه، وهي نموذج على ما تقتضيه العبودية لله الذي خلق لنا ما في الأرض جميعا، فاقتضى ذلك أن نلتزم أمره في الانتفاع بما خلق بالطريق الذي حدده.
ولنعد إلى السياق:
فبعد هذه الجولة في موضوع الهداية والضلال وبعض متعلقاتهما يضرب الله مثلا للمؤمن الذي كان ميتا- اي في الضلالة هالكا- فأحياه الله أي أحيا قلبه بالإيمان، وهداه له، ووفّقه لاتّباع رسله، وجعل له نورا يمشي به في النّاس فيهتدي كيف يسلك وكيف
يتصرف بين الناس على ضوء هذا القرآن، وللكافر الغارق في الظلمات والجهالات والأهواء والضّلالات المتفرقة لا يهتدي إلى منفذ ولا مخلص ممّا هو فيه هل يستوي هذا مع هذا؟ لا يستويان، ومع ذلك فإن الكافر يستحسن ما هو عليه، لأن الله زيّن له ما هو فيه قدرا من الله، وحكمة بالغة منه لا إله إلا هو ولا شريك له، ومن خلال العرض نعرف حكمة أخرى من حكم الإضلال: فقد بيّن الله- عزّ وجل- بعد أن ضرب المثل السابق للمهتدي والضال أنه كما جعل في مكة أكابر من المجرمين، ودعاة إلى الكفر والصدّ عن سبيل الله، وإلى مخالفة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعداوته كذلك جعل في كل قرية أكابر مجرميها ليدعوا إلى الضلالة بزخرف من القول والفعل، وما يعود وبال مكرهم ذلك وإضلالهم من أضلوه إلا على أنفسهم، وهم لا يشعرون بذلك، وإذن فإجرامهم هو سبب ضلالهم، هؤلاء المجرمون الكبار إذا جاءتهم آية وبرهان وحجّة قاطعة رفضوا الإيمان حتى تأتيهم الملائكة من الله بالرّسالة كما تأتي إلى الرسل، وإذا فما أقسموا عليه في أول الفقرة من كونهم إذا جاءتهم آية يؤمنون بها محض كذب؛ فإنّ الدوافع الأصلية لكفرهم هو حسدهم أن يبعث الله رسولا غيرهم، وهنا يبيّن الله أنّه هو الأعلم حيث يضع رسالته، ومن يصلح لها من خلقه، ثمّ أوعد الله هؤلاء المجرمين بأنه ستصيبهم يوم القيامة ذلّة دائمة، لقد استكبروا في الدنيا فأعقبهم ذلك ذلا يوم القيامة، ومع الذلة عذاب أليم شديد بسبب مكرهم، ولما كان المكر في الغالب إنما يكون خفيا: وهو التلطف في التّحيّل والخديعة قوبلوا بالعذاب الشديد من الله يوم القيامة؛ جزاء وفاقا، وبعد إذ تقرّر أنّ الهدى من الله، والضلال من الله، وأن الضلال له أسباب، ذكر الله- عزّ وجل- علامة من يريد هدايته، ومن يريد ضلاله، فأما علامة من يريد هدايته فهو شرح صدره للإسلام بأن ييسّره للإسلام، وينشّطه ويسهّله لذلك، وأمّا علامة من يريد إضلاله فهو جعل صدره ضيقا بلا إله إلا الله حتى لا يستطيع أن تدخل قلبه؛ حتى إنّه من شدة ضيقه بها ليصل إلى درجة الاختناق كشأن الذي يصعّد في السماء، فإنه يضيق صدره لدرجة الاختناق ثم يختنق، وكما جعل الله صدر من أراد إضلاله ضيّقا حرجا، كذلك يسلط الله الشيطان عليه فيغويه ويصدّه عن سبيل الله، ولما ذكر علامة من يريد إضلاله، بيّن أنّ هذا القرآن وهذا الدّين هو صراط الله المستقيم، وقد وضّح الله فيه الآيات وبيّنها وفسّرها لمن له فهم ووعي يعقل عن الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، وهؤلاء قد أعدّ الله لهم دار السلام وهي الجنة يوم القيامة، وإنّما وصف الله الجنة هاهنا بدار السلام إشعارا بأن سلوكهم الصراط المستقيم حقق لهم السلامة، فكما سلموا من آفات
الاعوجاج أفضوا إلى دار السلام، والله حافظهم وناصرهم ومؤيّدهم جزاء على أعمالهم الصالحة، ويجمع لهم مع الولاية الجنّة بمنّه وكرمه، وبعد إذ وصل السياق إلى هذا المعنى فإنّه يحدثنا عن حشر شياطين الجنّ والإنس، الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، الذين ذكروا في أوائل هذه الفقرة:
فيذكر يوم يحشر الجنّ وأولياؤهم من الإنس، الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا ويعوذون بهم، ويطيعونهم، ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، يومذاك يقال للجنّ إنّكم قد استكثرتم من إغواء الإنس وإضلالهم، ويعترف أولياؤهم من الإنس في هذا المقام بأنّ كلا من الجن والإنس قد استمتع بعضهم بالآخر حتى بلغوا الموت، فيكون الجواب أن النار مأواهم ومنزلهم جميعا أبدا بمشيئة الله وحكمه وعلمه، ثمّ بيّن الله سنته في خلقه بأنّه إنما يولي النّاس بعضهم بعضا بأعمالهم، فالمؤمن ولي المؤمن أين كان وحيث كان، والكافر ولي الكافر أينما كان وحيثما كان، فليس الإيمان بالتمنيّ، وفي ذلك تعليل لتولّي هؤلاء الكافرين لبعضهم بعضا، أن ذلك ما كان لولا كسبهم السيئ، والكسب السيئ هو أداة الوصول إلى النّار، ثمّ يذكر الله- عزّ وجل- شيئا آخر مما يقرع الله به كافري الجن والإنس يوم القيامة، حيث يسألهم- وهو أعلم-: هل بلّغتهم الرسل رسالاته؟ وهل قصّوا عليهم آياته؟ وهل أنذروهم لقاء اليوم الآخر؟ فيقرّون بأنّ هذا كله قد كان، ولكنّهم اغترّوا بالحياة الدنيا، وفرّطوا بها، وشهدوا على أنفسهم يوم القيامة أنهم كانوا كافرين، فالحجّة إذن قائمة عليهم في الدنيا والآخرة، لأنّ سنة الله أنه لا يعاجل النّاس بالعقوبة حتى يبعث إليهم رسولا ينبههم ويقيم حجج الله عليهم، وينذرهم عذاب الله يوم معادهم، ولم يكن الله ليأخذهم على غفلة فيقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير، وأنّ سنته أنّ لكل عامل في طاعة الله أو معصيته مراتب ومنازل من عمله يبلّغه إياها ويجزيه بسببها إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وما الله بغافل عن عمل عامل، ويحصي عليه وله أعماله ويثبتها عنده ليجازيهم عليها عند لقائهم إياه ومعادهم إليه، ثم يختم الله- عزّ وجل- هذه الفقرة الطويلة بتقرير أنه الغني عن جميع خلقه من جميع الوجوه، وهم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، وهو مع ذلك رحيم بخلقه، وأنه إن شاء أن يذهبنا إن خالفنا أمره ويستخلف بدلنا قوما آخرين يعملون بطاعته، فإنّه قادر على ذلك، سهل عليه، يسير لديه، كما أذهب القرون الأولى، كذلك هو قادر على إذهاب هؤلاء والإتيان بآخرين، وعلى كل حال فإن أمر القيامة آت، وما أحد بمعجز الله بل هو القادر على الإعادة وإن صرنا ترابا ورفاتا، وفي الختام يأمر الله رسوله صلّى الله عليه وسلّم أن
يقول لقومه استمروا على طريقتكم وناحيتكم إن كنتم تظنّون أنّكم على هدى، فأنا مستمر على طريقتي ومنهجي، وسوف تعلمون لمن تكون عاقبة الدار، أتكون لي أو لكم، مع العلم أن الظالمين لا يفلحون وأنتم كذلك. وفي هذا الإعلان تهديد شديد، ووعيد لهم، وقد أنجز الله وعده لرسوله صلّى الله عليه وسلّم في الدنيا وهو منجز له وعده في الآخرة، وبهذا تنتهي الفقرة الثانية في المقطع الأول من القسم الثاني.
في مقدمة المقطع كان الكلام عن الله وقدرته وعنايته بخلقه.
وفي الفقرة الأولى قصّ الله علينا كيف أنه مع كل هذا فقد جعلوا له شركاء.
وفي الفقرة الثانية بيّن لنا أنّ الكافرين أقسموا إن جاءتهم آية ليؤمننّ بها.
وتأتي الآن الفقرة الثالثة لتقصّ علينا من أفعال الكافرين وهي مبدوءة ب وَجَعَلُوا.... الفقرة الأولى مبدوءة بقوله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ....
والفقرة الثانية مبدوءة بقوله تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ....
والفقرة الثالثة وهي الأخيرة في هذا المقطع مبدوءة بقوله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً....
لقد بيّن الله- عزّ وجل- في الفقرة الأخيرة كيف أنّ المشركين ابتدعوا بدعا وكفرا وشركا، وجعلوا لله شريكا من خلقه وهو خالق كل شئ. فجعلوا لله مما خلق وبرأ من الزروع والثمار والأنعام جزءا وقسما، وجعلوا لشركائهم قسما وحظا فما كان من حرث أو ثمرة أو شئ من نصيب الأوثان حفظوه وأحصوه- وما كان لله- في زعمهم- لم يحصوه ولم يحفظوه بل يجعلوه للوثن، فحقوق شركائهم محفوظة- وحق الله الذي ابتدعوه له ولم يشرعه لهم ضائع مع أنّهم هم الذين اخترعوه، فما أسوأ أحكامهم، وما أجهلهم بخالقهم وحقوقه! لم يعرفوا أنّ الله خالق كل شئ وهو مالكه، ولم يتصرفوا بملكه على الوجه الذي يرضيه، ولم يجعلوا له ما شرعه وأشركوا معه غيره، ثم حفظوا حق غيره وضيّعوا ما أعطوه من حقوق ابتدعوها، فأي جهل بالله أكبر، وكما زينت الشياطين لهؤلاء أن يجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا على طريقتهم التي رأيناها، كذلك زينوا لهم قتل أولادهم خشية الإملاق، وزينوا لهم وأد البنات خشية العار؛ ليهلكوهم بذلك؛ وليخلطوا عليهم دين الله الذي هو دين الفطرة،
وكل هذا واقع بمشيئته تعالى وإرادته، وله الحكمة التامة في ذلك كله؛ إذ الأمر أمره، والقهر قهره، ولا يكون شئ في ملكه إلا بمشيئته، وإذ كان الأمر كذلك فدع يا محمد، ثم يا مسلم هؤلاء واجتنبهم وما هم عليه، واحمد الله على الهدى، فسيحكم الله بينك وبينهم، وكما أخطئوا في ما مرّ أخطئوا كذلك بأن شرعوا لأنفسهم فجعلوا أنعاما وحرثا محرّمة إلا على من شاءوا، وجعلوا أنعاما محرّمة على الرّكوب، وجعلوا أنعاما لا يذكر عليها اسم الله لا إن ركبوا، ولا إن حلبوا، ولا أن حملوا، ولا إن نتجوا، وكل ذلك افتراء على الله وكذب عليه منهم في إسنادهم ذلك إلى شرع الله ودينه، فإنّه لم يأذن لهم في ذلك ولا رضيه منهم، ولذلك هدّدهم بأنّه سيجزيهم بما كانوا يفترون عليه ويسندونه إليه فيعذبهم. وكما أخطئوا في هذا كله فقد أخطئوا في تشريعهم لأنفسهم تحريم اللبن على الإناث وتحليله للذكور، وجعل ولد الشاة إن كان ذكرا للذكور فقط، يذبحونه ويأكلونه، وإن كانت أنثى تركت فلم تذبح، وإن كانت ميتة فهم فيه شركاء، وكل ذلك من عند أنفسهم، وسيجزيهم الله على هذا الكذب، ومجازاته لهم هي عين الحكمة وهو العليم بأعمال عباده، من خير وشر، وسيجزيهم عليها أتم الجزاء، وبهذا تمّ المقطع معرّفا على الله، مبيّنا عقائد وأفعالا للكافرين ورادّا عليها.
كلمة في السياق:
يتألف هذا المقطع من مقدمة وثلاث فقرات، كل فقرة مبدوءة بفعل ماض يتكلم عن الكافرين: وَجَعَلُوا، وَأَقْسَمُوا، وَجَعَلُوا.
المقدمة تحدثت عما فعله الله لهذا الإنسان، والفقرة الأولى تحدثت عن اتخاذ الإنسان شريكا لله، والفقرة الثانية تحدثت عن دعوى الكافرين أنهم يؤمنون لو جاءتهم آية، والفقرة الثالثة تحدثت عن بعض ما شرعه الكافرون لأنفسهم في اثنتين من أكبر نعم الله على الإنسان: الأنعام والحرث.
فالمقطع في سياقه شديد الصلة ببعضه، وهو شديد الصلة كذلك بمحوره من سورة البقرة- كما رأينا وكما سنرى- شديد الصلة فيما قبله وما بعده من سورة الأنعام.
المعنى الحرفي:
إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى الفلق: الشّقّ، والمعنى: فلق الحب عن السنبلة، والنواة عن النخلة. فهو فالق الحب والنوى بالنّبات والشجر يُخْرِجُ الْحَيَ
مِنَ الْمَيِّتِ. أي: يخرج النبات الغض النامي من الأرض الميتة وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ كما هو مشاهد، ويمكن أن نفهم النصّ على أنّه يخرج الكافر من المؤمن، والمؤمن من الكافر. وهذا لفت نظر إلى قدرته على بعثهم؛ فالذي خلق هذه الأشياء قادر على بعثهم ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ. أي: ذلكم المحيي المميت القادر هو الذي تحقّ له الربوبيّة فكيف تصرفون عنه وعن الإيمان به وعن توليه بعد وضوح الأمر
فالِقُ الْإِصْباحِ. أي: شاقّ عمود الصبح عن سواد الليل، أو خالق نور النهار
إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ
لقد أقام الله- عز وجل- الحجة على الكافرين في القسم الأول. وعرّفنا على ذاته.
ويأتي بعد ذلك القسم الثاني وفيه تعريف على الله، وإقامة حجّة على الكافرين ومناقشتهم فيما ذهبوا إليه مما لا يقتضيه الإيمان بالله ومعرفته.
والقسم الثاني يتألف من مقطعين واضحي البدايات والنهايات فتحصل أن مجموع مقاطع السورة خمسة تأتي ضمن قسمين كبيرين.
بين يدي المقطع الأول من القسم الثاني: يتألف المقطع الأول من القسم الثاني من مقدمة وثلاث فقرات.
تتحدث المقدمة عن الله- عز وجل- وعمّا خلق، وعمّا فعل للإنسان، ثمّ تأتي ثلاث فقرات معطوف بعضها على بعض، وكلها مبدوءة بفعل ماض يتحدث عن مواقف للكافرين:
وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ ... وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ..
وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً.. فإذا انتهت الفقرة الأخيرة يعود السياق للحديث عمّا خلق الله للإنسان، وبذلك يبدأ المقطع الثاني من القسم الثاني وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ....
***
المقطع الأول من القسم الثاني من سورة الأنعام ويمتد من الآية (95) إلى نهاية الآية (140) وهذا هو:
«المقدمة» 6/ 99 - 95 الفقرة الأولى 6/ 101 - 100
6/ 108 - 102 الفقرة الثانية 6/ 111 - 109
6/ 121 - 112
6/ 129 - 122
6/ 135 - 130 الفقرة الثالثة 6/ 137 - 136
6/ 140 - 138
كلمة في المقطع:
إن في هذا المقطع والذي بعده دلالة واضحة على أن محور سورة الأنعام هو الآيتان اللتان ذكرناهما من سورة البقرة فلنلاحظ الصلات: جاء في آيتي المحور قوله تعالى:
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ.
ويبدأ هذا المقطع بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِ - كما يرد في الآيات الأولى منه وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ. وجاء في آيتي المحور قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً.
ونجد في الآيات الأولى من المقطع قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ... وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
ويسير المقطع عارضا مواقف الكافرين، ومقيما الحجة عليهم حتى يصل إلى الأكل مما ذكر اسم الله عليه، وذلك مرتبط بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فالله خلق لكم وحدّد لكم طريقة الانتفاع ببعض الأشياء. ولقد قلنا من قبل إن قوله تعالى في سورة البقرة يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً وقوله تعالى: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ إنما
هو امتداد للكلام عن خلق الأشياء لصالح الإنسان. وههنا يذكر الله- عز وجل- شرط حلّ الذبائح، ثم يسير المقطع مقيما الحجّة على الكافرين حتى ينتهي بذكر ما حرم أهل الجاهلية على أنفسهم، مما يتناقض مع إباحة الله الأشياء للإنسان وارتباط ذلك بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً واضح المعالم، وسنرى أن المقطع الثاني من القسم استمرار للكلام عما خلق الله من أجلنا وعن موضوع التحريم. ولنبدأ عرض المعاني العامّة للمقطع:
المعنى العام:
يبتدئ المقطع بالإخبار عن الله أنه فالق الحب والنوى، أي أنه سبحانه الذي يشقه في الثرى فتنبت منه الزروع على اختلاف أصنافها، من الحبوب والثّمار على اختلاف ألوانها وأشكالها وطعومها، ويخرج النبات الحي من الحب والنّوى اللذين هما كالجماد الميت، ويخرج الولد الصالح من الفاجر، والفاجر من الصالح، والحي من الأرض الميتة، والميت مما هو حي. هذا كله فعل الله، وفاعله هو الله وحده، فكيف يصرف الناس عن الحق ويعدلون عنه إلى الباطل؛ فيعبدون معه غيره، أو يكفرون به، ومن هذه البداية في هذا المقطع ندرك كيف أن المقطع يفصّل في محور السورة: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً.... وسنرى ذلك واضحا في كل ما يأتي.
- ثم أخبر تعالى أنه خالق الضياء والظلام، فهو سبحانه يفلق ظلام الليل عن غرّة الصباح، فيضئ الوجود، ويستنير الأفق، ويضمحل الظلام، ويذهب الليل بسواده وظلام رواقه، ويجئ النهار بضيائه وإشراقه، وذلك من آثار قدرته- عز وجل- على خلق الأشياء المتضادّة المختلفة، الدّالة على كمال عظمته وعظيم سلطانه. وكما أنه فلق الإصباح، فقد جعل الليل ساجيا مظلما لتسكن فيه الأشياء، وجعل الشمس والقمر بحساب مقنّن مقدّر، لا يتغيّر ولا يضطرب، بل لكل منها منازل يسلكها ضمن النظام الدقيق للمجوعة الشمسية مع الأرض، مما يترتب عليه ما يترتّب، والجميع جار بتقدير العزيز الذي لا يمانع ولا يخالف، العليم بكل شئ فلا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء.
- وكما فعل هذا كله فقد جعل النّجوم ليهتدي بها الإنسان في ظلمات البرّ والبحر،
فلولاها لضاع الإنسان ولم يستطع أن يسلك طريقا بحريا، ولا أن يهتدي في الظلام إلى طريق- وهو موضوع سنراه- فما أوضح آياته- جل شأنه- في الكون، وكم فصّل آياته في كتابه، ولكن العالم وحده هو الذي يعرفها، ويعقلها ويؤمن بالله الذي خلق السموات والأرض، وأنزل القرآن.
- وكما فعل ما مر كله فهو الذي أنشأنا من نفس واحدة- هي نفس آدم- ثمّ جعلنا نستمرّ بالتزاوج والتوالد عن طريق الأرحام والأصلاب، ولا يدرك عظمة هذه الآية- آية نشأتنا الأولى واستمرارنا عن طريق التزاوج والحمل- إلا من كان عنده فقه قلب يعي به كلام الله ومعناه.
- وكما فعل الله- عزّ وجل- ما مر فهو الذي أنزل من السماء ماء بقدر، مباركا ورزقا للعباد وإحياء وغياثا للخلائق؛ رحمة من الله بخلقه، فأخرج بهذا الماء كل أصناف النبات ومنه الزرع والشّجر الأخضر، ومنه الذي يخلق الله فيه الحب الذي يركب بعضه بعضا كالسنابل، ومنه النخل الدانية العذوق القريبة المتناول، ويخرج بهذا الماء جنات من أعناب، ويخرج به الزيتون والرمّان المتشابه في الورق والشّكل والمتخالف في الثّمار شكلا وطعما وطبعا، كل ذلك يستأهل النظر، ولذلك أمر الله بالنظر إلى ثمره حين نضجه؛ ليتفكر الإنسان في قدرة خالقه من العدم إلى الوجود، فبعد أن كان حطبا صار رطبا، ولقد خلق سبحانه وتعالى من الألوان والأشكال والطعوم والروائح الكثير إن في هذا كله لآيات ودلالات على كمال قدرة خالق هذه الأشياء ورحمته لقوم يصدّقون به، ويتّبعون رسله، وبعد هذه الآيات التي دلّلت على الله،
وسفّهت الكافرين به، وأقامت الحجة على أهل الكفر بظاهرة العناية هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً والتي رأينا بعضا من تفصيلاتها هنا تأتي الفقرة الأولى من المقطع فنجدنا أمام عرض لأنواع من الكفر ومناقشة لأهله: لقد ذكر الله عزّ وجل أنّ المشركين أشركوا في عبادته الجنّ؛ فجعلوهم شركاء له في العبادة- تعالى الله عن شركهم وكفرهم- فإن قيل من يعبد الجن؟
فالجواب أنّ كل من أطاع الشيطان- وما أكثرهم- فقد عبد الجن. لقد عبد الإنسان الشيطان وترك عبادة الله وهو الذي خلقه! وكما عبد الجن فقد افترى على الله كذبا بأن جعل له بنين وبنات جهلا وسفها وضلالا، تقدّس الله وتنزّه وتعاظم عمّا يصفه هؤلاء الجهلة الضالّون من الأولاد والأنداد والنّظراء والشّركاء، وكيف لا ينزّه عن هذا وهو المنفرد
بخلقهم بغير شريك ولا معين ولا نظير! وهو مبدع السموات والأرض، وخالقهما ومنشئهما ومحدثهما على غير مثال سبق! ومن كان هذا شأنه فكيف يكون له ولد! والولد إنما يتولد بين شيئين متناسبين، والله تعالى لا يناسبه ولا يشابهه شئ من خلقه؛ لأنّه خالق كل شئ فلا صاحبة له، وإذ لا صاحبة له فلا ولد له، وكيف يكون له صاحبة أو ولد وهو الذي خلق كل شئ! وهو الذي بكلّ شئ عليم، ومن كان كذلك فإنّه لا نظير له
- هذا الإله الذي خلق السموات والأرض وأبدعهما، وخلق كل شئ والذي هو بكل شئ عليم، هو ربنا، لا الجنّ ولا غيرهم، فهو الذي لا إله إلا هو وهو خالق كل شئ، وهو الذي يستحقّ العبادة وحده؛ فاعبدوه وحده؛ إذ هو الحفيظ والرقيب والمدبّر لكل من سواه، يرزقهم ويكلؤهم بالليل والنهار.
- هذا الإله العظيم لا تدركه الأبصار في الدنيا، ولا تحيط به لا في الدنيا ولا في الآخرة، فلا أحد يستطيع أن يحيط بكنه عظمته وجلاله على ما هو عليه، أما هو فإنه يدرك الأبصار، يراها ويحيط بها علما على ما هي عليه؛ لأنه خلقها، إذ هو اللطيف الذي يعلم دقائق الأمور ومشكلاتها، العليم بظواهر الأشياء وخفياتها.
وبعد أن قرّر المقطع شرك من أشرك وردّ عليهم الردّ البليغ العجيب المدهش الذي فيه وصف الذّات الإلهية مما يدّل على أنّ القرآن من عند الله، إذ من يستطيع أن يصف الله هذا الوصف المدهش إلا هو- جل جلاله-.
- ثمّ إنه بعد هذا الردّ المدهش والبلاغ العجيب يذكر الله- عزّ وجل- أنّه بإنزاله هذا القرآن قد أعطي البشر البصائر كلها أي: البينات والحجج التي يرى بها الإنسان الأشياء على ما هي عليه، فمن أبصر بها وعلى ضوئها فمصلحة ذلك عائدة عليه، ومن عمي عنها ولم ير بها فوبال ذلك عائد عليه، ومحمّد عليه الصلاة والسلام مبلّغ وما هو بحافظ ولا رقيب. ثمّ بيّن تعالى أنّه بمثل هذا البيان الرائع، وهذا التقرير العظيم، وهذه الحجة الواضحة، يبيّن الآيات، ويوضّحها ويفسّرها، ويكرّرها، فأما الكافرون والمشركون والمنافقون، فإنّهم بدلا من أن يؤمنوا يتّهمون محمدا عليه الصلاة
والسلام بأنّ هذا الكتاب أثر عن دراسته ومدراسته، لا أثر عن نبوته والوحي إليه، وأما العالمون فيؤمنون، ويتضح لهم بهذا الإيمان الحقّ كله في كل شئ نتيجة هذا التصريف للآيات بمثل هذا البيان والكمال.
وبعد هذا البيان يأتي الآن أمر ونهي لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولأمته من بعده.
أما الأمر فهو:
- أن عليه صلّى الله عليه وسلّم أن يتّبع ما أنزل الله عليه بالاقتداء به واقتفاء أثره والعمل به، وأن عليه أن يعرض عن المشركين بالعفو والصفح، واحتمال الأذى حتى يفتح الله ثم بيّن الله تعالى:
- أن لله حكمة في إضلال الضالّين، فإنّه لو شاء لهدى الناس جميعا، ولو شاء لجمعهم على الهدى، فله المشيئة والحكمة فيما يشاؤه ويختاره، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وإذا كان الأمر كذلك فالله وحده هو الحفيظ على أقوالهم وأفعالهم، وهو الوكيل على أمورهم وأرزاقهم، وليس محمّد صلّى الله عليه وسلّم بوكيل ولا بحفيظ بل هو مبلّغ فقط.
- ثمّ نهى الله رسوله صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين عن سب آلهة المشركين، وإن كان فيه مصلحة إلا أنه يترتّب عليه مفسدة أعظم منها، وهي مقابلة المشركين بسبّ إله المؤمنين، وهو لا إله إلا هو، يسبونه ظلما وجهلا، فمن أجل ألا يقع هذا فعلينا ألا نواجه المشركين بسبّ آلهتهم، ثمّ بيّن تعالى أنه كما زيّن لهؤلاء القوم حبّ أصنامهم والمحاماة لها والانتصار، كذلك زيّن لكل أمة ضالّة من الأمم الخالية عملهم الذي كانوا فيه، ولله الحجة البالغة والحكمة التامة فيما يشاؤه ويختاره، وإليه المعاد، وسوف يحاسب الجميع على أعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وبهذا تنتهي الفقرة الأولى من المقطع.
وتأتي الآن فقرة أخرى على نفس السنن.
تلك مبدوءة ب: (وجعلوا) وهذه مبدوءة ب: (وأقسموا)
- يخبر الله تعالى عن المشركين والكافرين أنهم يحلفون الأيمان المؤكّدة لئن جاءتهم معجزة خارقة ليصدقنّها وهذا يفيد أنهّم يدّعون أنّ الآيات ليست كافية للإيمان، أو أنّها غير موجودة، وهذا كذب وافتراء وتعنّت منهم ولذلك فقد أمر الله رسوله أن يعلن
أن أمر الآيات إلى الله، وأن الآيات عنده كثيرة، وما أنزل فيه كفاية ولكنّهم متعنّتون، ولذلك خاطب المؤمنين مبيّنا لهم أن الكافرين إذا جاءتهم الآيات التي يقترحونها فإنّهم لا يؤمنون- وذلك لأنّ سنّة الله أنّ من لم يؤمن أوّل مرّة بما أنزله الله مع قيام الحجة عليه فيه فإنّه لا يؤمن أبدا لأن الله يقلّب قلوب هؤلاء وأفئدتهم؛ جزاء لهم على
عدم الإيمان، ولذلك فإنهم لو جاءتهم الآيات المقترحة فإنهم يرفضونها ويبقون في كفرهم وضلالهم يلعبون ويتردّدون ويتحيّرون، ثمّ بيّن تعالى أنّه لو أجاب سؤال هؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمننّ بها، فنزّل عليهم الملائكة تخبرهم بالرّسالة من الله بتصديق الرسل، ولو بعث لهم الموتى فكلّموهم وأخبروهم بصدق ما جاءتهم به الرسل، ولو أنّه حشر عليهم الأمم فعرضت عليهم أمة بعد أمة فأخبرهم الجميع بصدق الرسل فيما جاءوهم به، ولو حدث هذا كله فإنّه ما كان لهم أن يؤمنوا إلا إذا شاء الله هدايتهم، وهو إن هدى يهدي فضلا، وإن أضل يضل عدلا. يهدي من يستحق الهداية، ويضل من يستحق الضلال، وذلك من آثار علمه وحكمته وسلطانه وقهره وغلبته، ولكنّ أكثر الخلق جاهلون بالله وبسننه، وفي ذلك أمر للمؤمنين ألا يكونوا من الجاهلين وإذ تقررت هذه المعاني يخبر الله- عزّ وجل- رسوله صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين بسنة من سننه هي أنّه:
- كما جعل لمحمد صلّى الله عليه وسلّم أعداء يخالفونه ويعاندونه فقد جعل لكل نبي من قبله أيضا أعداء من شياطين الإنس والجن يلقي بعض هؤلاء إلى الآخر القول المزيّن المزخرف، وهو المزوق الذي يغتر سامعه- من الجهلة- بأمره، وذلك كله بقدر الله وقضائه ومشيئته. فدع يا محمد ومن اتبعك هذا القول الكاذب المزخرف الغرور وأهله.
فإن الذين لا يؤمنون بالآخرة هم الذين تميل قلوبهم وعقولهم وأسماعهم إليه، فليرض هؤلاء هذا الزّخرف، وليتبنّوه وليكتسبوا ما هم مكتسبون، وليعملوا ما هم عاملون، فلهم طريق ولك ولأتباعك طريق. ومن هذا العرض عرفنا أن العلّة التي منها يبدأ الزّيغ هي الكفر بالآخرة، فهي التي يترتّب عليها كل شر، ومن الآيات عرفنا أنّ من يضل فلاستحقاقه الضلال بكفره وذنبه، وإذا استقرت هذه المعاني فإنّ الله يأمر رسوله صلّى الله عليه وسلّم أن يردّ على كل ما مرّ من كلام الكافرين واتجاهاتهم بالإعلان:
- أنه لا يقبل غير الله حكما، وقد حكم الله له، وعليهم بكتابه البيّن المفصّل الكامل الحجّة، هذا الكتاب الذي يعلم المنصفون من أهل الكتاب أنّه منزّل من الله
بالحق؛ وذلك ممّا عندهم من البشارات في كتبهم، ثمّ ينهى الله رسوله صلّى الله عليه وسلّم أن يكون من الشاكّين، ولم يشكّ عليه الصلاة والسلام وإنما هو الرب يأمر وينهى، والأمر لرسوله صلّى الله عليه وسلّم أمر لأمّته.
- ثمّ بيّن- عزّ وجل- أنه قد جعل كتابه كاملا وتاما، صادقا فيما قال وفيما أخبر، عدلا فيما حكم وفيما أمر، فكلّ ما أخبر به فحقّ لا مرية فيه ولا شكّ، وكلّ ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه، وكلّ ما نهى عنه فهو الباطل، فإنه لا ينهى إلا عن مفسدة، وليس لأحد أن يعقّب على حكمه، أو ينقضه، أو يبدّله، أو يغيّره، وأنّ الله هو السميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وسكناتهم، الذي يجازي كل عامل بعمله.
وبعد أن أمر الله- عزّ وجل- رسوله صلّى الله عليه وسلّم أن يعلن أنه لا يرضى غير الله حكما بيّن له في هذا المقام أنّ أكثر أهل الأرض على ضلال، وأنّهم في ضلالهم ليسوا على يقين من أمرهم، وإنّما هم في ظنون كاذبة وحسبان باطل، وأنّ الله وحده هو الأعلم بمن يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين، ولذلك فلا تبتغ غيره حكما لأنّ أكثرية أهل الأرض إن اتّبعتها تضلّك، فما أعظم هذا البيان في هذا المقام إذ كثير من الناس تغره الأكثرية وتضلّه، أما المسلم فالله هو وحده مصدر الهداية والإضلال عنده، ومنه تتلقى الهداية. ولو خالف الخلق كلهم أمره فإنهم ضالون.
وفي هذا السياق- سياق أن الحكم لله وحده وأنّه لا طاعة للخلق في معصية الله- يقرّر الله- عزّ وجل- إباحة الذبائح إن ذكر عليها اسم الله، وحرمتها إذا لم يذكر عليها اسم الله، مع حوار مع المشركين في هذا المقام، وكل ذلك منسجم مع سياق ما قبله وما بعده.
فلنر المعاني ثمّ لنر الارتباط:
يأمر الله- عزّ وجلّ- عباده المؤمنين- أمر إباحة- أن يأكلوا من الذّبائح ما ذكر عليه اسمه، ومفهومه أنّه لا يباح ما لم يذكر اسم الله عليه مما يستبيحه الكفار قديما وحديثا من أكل أنواع الميتات، أو ما له حكمها، ثمّ ندب إلى الأكل مما ذكر اسم الله عليه، مبيّنا لهم أنّه لا داعي إلى التحرّج في ذلك بعد أن بين لنا ما حرّم علينا، ثمّ بيّن تعالى جهالة المشركين في آرائهم الفاسدة من استحلالهم: الميتات، وما ذكر عليه غير
اسم الله تعالى، وإضلالهم البشر بغير علم، وهدّدهم بأنّه هو الأعلم باعتدائهم وكذبهم وافترائهم؛ وسيجازيهم عليه.
- ثمّ أمر الله تعالى عباده أن يتركوا معصيته في السرّ والعلانية، قليلها وكثيرها، مبيّنا أن الذين يعملون الآثام- سواء كانت ظاهرة أو خفية- سيجزيهم على أعمالهم، وفي ذكر هذه الآية في هذا السياق تهديد لمن يضلّون بأهوائهم، ولمن يخالفون أمر الله في أكل ما لم يذكر اسم الله عليه.
- ثمّ نهى الله- عزّ وجل- نهيا جازما عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه من الذبائح، وعن أكل ما لم يذبح أصلا من أنواع الميتات، مبيّنا أنّ ذلك فسوق عن أمر الله، ومخالفة لأمره، وإذ يكثر جدال الكافرين في هذا المقام؛ لأنهم لا يفرقون بين ما ذكر اسم الله عليه وما لم يذكر، ولا يفرّقون بين الميتة والذبيحة، متناسين أنّه لا فارق بين الإنسان وبين الحيوان من حيث إن لكل روحا، وأنّ الله الذي أباح للإنسان أن يزهق روح الحيوان أباح ذلك له بشرط ذكر اسمه عليه، فإذ يكثر جدال الكافرين في هذا المقام بيّن الله- عزّ وجل- أنّ الشياطين يوحون إلى من يطيعونهم بمختلف الحجج من أجل أن يجادلوا المسلمين، ثمّ هدّد الله المسلمين أنّهم إن أطاعوهم في ما يريدونهم عليه فإنهم مشركون حين يعدلون عن أمر الله إلى قول غيره، ويقدمونه عليه.
ولو أنّنا تأمّلنا قوله تعالى: شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وقوله تعالى: وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ فإننا نجد الصلة بين مجموعة الآيات التي بين أيدينا وبين التي قبلها. كما نرى أن هذه المجموعة نموذج ومثال على مجموعة أمور لها علاقة
في السياق الجزئي. فهي نموذج على وساوس الشيطان وأوليائه فيما يخالف شرع الله والرضا بحكمه، وهي نموذج على ما تقتضيه العبودية لله الذي خلق لنا ما في الأرض جميعا، فاقتضى ذلك أن نلتزم أمره في الانتفاع بما خلق بالطريق الذي حدده.
ولنعد إلى السياق:
فبعد هذه الجولة في موضوع الهداية والضلال وبعض متعلقاتهما يضرب الله مثلا للمؤمن الذي كان ميتا- اي في الضلالة هالكا- فأحياه الله أي أحيا قلبه بالإيمان، وهداه له، ووفّقه لاتّباع رسله، وجعل له نورا يمشي به في النّاس فيهتدي كيف يسلك وكيف
يتصرف بين الناس على ضوء هذا القرآن، وللكافر الغارق في الظلمات والجهالات والأهواء والضّلالات المتفرقة لا يهتدي إلى منفذ ولا مخلص ممّا هو فيه هل يستوي هذا مع هذا؟ لا يستويان، ومع ذلك فإن الكافر يستحسن ما هو عليه، لأن الله زيّن له ما هو فيه قدرا من الله، وحكمة بالغة منه لا إله إلا هو ولا شريك له، ومن خلال العرض نعرف حكمة أخرى من حكم الإضلال: فقد بيّن الله- عزّ وجل- بعد أن ضرب المثل السابق للمهتدي والضال أنه كما جعل في مكة أكابر من المجرمين، ودعاة إلى الكفر والصدّ عن سبيل الله، وإلى مخالفة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعداوته كذلك جعل في كل قرية أكابر مجرميها ليدعوا إلى الضلالة بزخرف من القول والفعل، وما يعود وبال مكرهم ذلك وإضلالهم من أضلوه إلا على أنفسهم، وهم لا يشعرون بذلك، وإذن فإجرامهم هو سبب ضلالهم، هؤلاء المجرمون الكبار إذا جاءتهم آية وبرهان وحجّة قاطعة رفضوا الإيمان حتى تأتيهم الملائكة من الله بالرّسالة كما تأتي إلى الرسل، وإذا فما أقسموا عليه في أول الفقرة من كونهم إذا جاءتهم آية يؤمنون بها محض كذب؛ فإنّ الدوافع الأصلية لكفرهم هو حسدهم أن يبعث الله رسولا غيرهم، وهنا يبيّن الله أنّه هو الأعلم حيث يضع رسالته، ومن يصلح لها من خلقه، ثمّ أوعد الله هؤلاء المجرمين بأنه ستصيبهم يوم القيامة ذلّة دائمة، لقد استكبروا في الدنيا فأعقبهم ذلك ذلا يوم القيامة، ومع الذلة عذاب أليم شديد بسبب مكرهم، ولما كان المكر في الغالب إنما يكون خفيا: وهو التلطف في التّحيّل والخديعة قوبلوا بالعذاب الشديد من الله يوم القيامة؛ جزاء وفاقا، وبعد إذ تقرّر أنّ الهدى من الله، والضلال من الله، وأن الضلال له أسباب، ذكر الله- عزّ وجل- علامة من يريد هدايته، ومن يريد ضلاله، فأما علامة من يريد هدايته فهو شرح صدره للإسلام بأن ييسّره للإسلام، وينشّطه ويسهّله لذلك، وأمّا علامة من يريد إضلاله فهو جعل صدره ضيقا بلا إله إلا الله حتى لا يستطيع أن تدخل قلبه؛ حتى إنّه من شدة ضيقه بها ليصل إلى درجة الاختناق كشأن الذي يصعّد في السماء، فإنه يضيق صدره لدرجة الاختناق ثم يختنق، وكما جعل الله صدر من أراد إضلاله ضيّقا حرجا، كذلك يسلط الله الشيطان عليه فيغويه ويصدّه عن سبيل الله، ولما ذكر علامة من يريد إضلاله، بيّن أنّ هذا القرآن وهذا الدّين هو صراط الله المستقيم، وقد وضّح الله فيه الآيات وبيّنها وفسّرها لمن له فهم ووعي يعقل عن الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، وهؤلاء قد أعدّ الله لهم دار السلام وهي الجنة يوم القيامة، وإنّما وصف الله الجنة هاهنا بدار السلام إشعارا بأن سلوكهم الصراط المستقيم حقق لهم السلامة، فكما سلموا من آفات
الاعوجاج أفضوا إلى دار السلام، والله حافظهم وناصرهم ومؤيّدهم جزاء على أعمالهم الصالحة، ويجمع لهم مع الولاية الجنّة بمنّه وكرمه، وبعد إذ وصل السياق إلى هذا المعنى فإنّه يحدثنا عن حشر شياطين الجنّ والإنس، الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، الذين ذكروا في أوائل هذه الفقرة:
فيذكر يوم يحشر الجنّ وأولياؤهم من الإنس، الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا ويعوذون بهم، ويطيعونهم، ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، يومذاك يقال للجنّ إنّكم قد استكثرتم من إغواء الإنس وإضلالهم، ويعترف أولياؤهم من الإنس في هذا المقام بأنّ كلا من الجن والإنس قد استمتع بعضهم بالآخر حتى بلغوا الموت، فيكون الجواب أن النار مأواهم ومنزلهم جميعا أبدا بمشيئة الله وحكمه وعلمه، ثمّ بيّن الله سنته في خلقه بأنّه إنما يولي النّاس بعضهم بعضا بأعمالهم، فالمؤمن ولي المؤمن أين كان وحيث كان، والكافر ولي الكافر أينما كان وحيثما كان، فليس الإيمان بالتمنيّ، وفي ذلك تعليل لتولّي هؤلاء الكافرين لبعضهم بعضا، أن ذلك ما كان لولا كسبهم السيئ، والكسب السيئ هو أداة الوصول إلى النّار، ثمّ يذكر الله- عزّ وجل- شيئا آخر مما يقرع الله به كافري الجن والإنس يوم القيامة، حيث يسألهم- وهو أعلم-: هل بلّغتهم الرسل رسالاته؟ وهل قصّوا عليهم آياته؟ وهل أنذروهم لقاء اليوم الآخر؟ فيقرّون بأنّ هذا كله قد كان، ولكنّهم اغترّوا بالحياة الدنيا، وفرّطوا بها، وشهدوا على أنفسهم يوم القيامة أنهم كانوا كافرين، فالحجّة إذن قائمة عليهم في الدنيا والآخرة، لأنّ سنة الله أنه لا يعاجل النّاس بالعقوبة حتى يبعث إليهم رسولا ينبههم ويقيم حجج الله عليهم، وينذرهم عذاب الله يوم معادهم، ولم يكن الله ليأخذهم على غفلة فيقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير، وأنّ سنته أنّ لكل عامل في طاعة الله أو معصيته مراتب ومنازل من عمله يبلّغه إياها ويجزيه بسببها إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وما الله بغافل عن عمل عامل، ويحصي عليه وله أعماله ويثبتها عنده ليجازيهم عليها عند لقائهم إياه ومعادهم إليه، ثم يختم الله- عزّ وجل- هذه الفقرة الطويلة بتقرير أنه الغني عن جميع خلقه من جميع الوجوه، وهم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، وهو مع ذلك رحيم بخلقه، وأنه إن شاء أن يذهبنا إن خالفنا أمره ويستخلف بدلنا قوما آخرين يعملون بطاعته، فإنّه قادر على ذلك، سهل عليه، يسير لديه، كما أذهب القرون الأولى، كذلك هو قادر على إذهاب هؤلاء والإتيان بآخرين، وعلى كل حال فإن أمر القيامة آت، وما أحد بمعجز الله بل هو القادر على الإعادة وإن صرنا ترابا ورفاتا، وفي الختام يأمر الله رسوله صلّى الله عليه وسلّم أن
يقول لقومه استمروا على طريقتكم وناحيتكم إن كنتم تظنّون أنّكم على هدى، فأنا مستمر على طريقتي ومنهجي، وسوف تعلمون لمن تكون عاقبة الدار، أتكون لي أو لكم، مع العلم أن الظالمين لا يفلحون وأنتم كذلك. وفي هذا الإعلان تهديد شديد، ووعيد لهم، وقد أنجز الله وعده لرسوله صلّى الله عليه وسلّم في الدنيا وهو منجز له وعده في الآخرة، وبهذا تنتهي الفقرة الثانية في المقطع الأول من القسم الثاني.
في مقدمة المقطع كان الكلام عن الله وقدرته وعنايته بخلقه.
وفي الفقرة الأولى قصّ الله علينا كيف أنه مع كل هذا فقد جعلوا له شركاء.
وفي الفقرة الثانية بيّن لنا أنّ الكافرين أقسموا إن جاءتهم آية ليؤمننّ بها.
وتأتي الآن الفقرة الثالثة لتقصّ علينا من أفعال الكافرين وهي مبدوءة ب وَجَعَلُوا.... الفقرة الأولى مبدوءة بقوله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ....
والفقرة الثانية مبدوءة بقوله تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ....
والفقرة الثالثة وهي الأخيرة في هذا المقطع مبدوءة بقوله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً....
لقد بيّن الله- عزّ وجل- في الفقرة الأخيرة كيف أنّ المشركين ابتدعوا بدعا وكفرا وشركا، وجعلوا لله شريكا من خلقه وهو خالق كل شئ. فجعلوا لله مما خلق وبرأ من الزروع والثمار والأنعام جزءا وقسما، وجعلوا لشركائهم قسما وحظا فما كان من حرث أو ثمرة أو شئ من نصيب الأوثان حفظوه وأحصوه- وما كان لله- في زعمهم- لم يحصوه ولم يحفظوه بل يجعلوه للوثن، فحقوق شركائهم محفوظة- وحق الله الذي ابتدعوه له ولم يشرعه لهم ضائع مع أنّهم هم الذين اخترعوه، فما أسوأ أحكامهم، وما أجهلهم بخالقهم وحقوقه! لم يعرفوا أنّ الله خالق كل شئ وهو مالكه، ولم يتصرفوا بملكه على الوجه الذي يرضيه، ولم يجعلوا له ما شرعه وأشركوا معه غيره، ثم حفظوا حق غيره وضيّعوا ما أعطوه من حقوق ابتدعوها، فأي جهل بالله أكبر، وكما زينت الشياطين لهؤلاء أن يجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا على طريقتهم التي رأيناها، كذلك زينوا لهم قتل أولادهم خشية الإملاق، وزينوا لهم وأد البنات خشية العار؛ ليهلكوهم بذلك؛ وليخلطوا عليهم دين الله الذي هو دين الفطرة،
وكل هذا واقع بمشيئته تعالى وإرادته، وله الحكمة التامة في ذلك كله؛ إذ الأمر أمره، والقهر قهره، ولا يكون شئ في ملكه إلا بمشيئته، وإذ كان الأمر كذلك فدع يا محمد، ثم يا مسلم هؤلاء واجتنبهم وما هم عليه، واحمد الله على الهدى، فسيحكم الله بينك وبينهم، وكما أخطئوا في ما مرّ أخطئوا كذلك بأن شرعوا لأنفسهم فجعلوا أنعاما وحرثا محرّمة إلا على من شاءوا، وجعلوا أنعاما محرّمة على الرّكوب، وجعلوا أنعاما لا يذكر عليها اسم الله لا إن ركبوا، ولا إن حلبوا، ولا أن حملوا، ولا إن نتجوا، وكل ذلك افتراء على الله وكذب عليه منهم في إسنادهم ذلك إلى شرع الله ودينه، فإنّه لم يأذن لهم في ذلك ولا رضيه منهم، ولذلك هدّدهم بأنّه سيجزيهم بما كانوا يفترون عليه ويسندونه إليه فيعذبهم. وكما أخطئوا في هذا كله فقد أخطئوا في تشريعهم لأنفسهم تحريم اللبن على الإناث وتحليله للذكور، وجعل ولد الشاة إن كان ذكرا للذكور فقط، يذبحونه ويأكلونه، وإن كانت أنثى تركت فلم تذبح، وإن كانت ميتة فهم فيه شركاء، وكل ذلك من عند أنفسهم، وسيجزيهم الله على هذا الكذب، ومجازاته لهم هي عين الحكمة وهو العليم بأعمال عباده، من خير وشر، وسيجزيهم عليها أتم الجزاء، وبهذا تمّ المقطع معرّفا على الله، مبيّنا عقائد وأفعالا للكافرين ورادّا عليها.
كلمة في السياق:
يتألف هذا المقطع من مقدمة وثلاث فقرات، كل فقرة مبدوءة بفعل ماض يتكلم عن الكافرين: وَجَعَلُوا، وَأَقْسَمُوا، وَجَعَلُوا.
المقدمة تحدثت عما فعله الله لهذا الإنسان، والفقرة الأولى تحدثت عن اتخاذ الإنسان شريكا لله، والفقرة الثانية تحدثت عن دعوى الكافرين أنهم يؤمنون لو جاءتهم آية، والفقرة الثالثة تحدثت عن بعض ما شرعه الكافرون لأنفسهم في اثنتين من أكبر نعم الله على الإنسان: الأنعام والحرث.
فالمقطع في سياقه شديد الصلة ببعضه، وهو شديد الصلة كذلك بمحوره من سورة البقرة- كما رأينا وكما سنرى- شديد الصلة فيما قبله وما بعده من سورة الأنعام.
المعنى الحرفي:
إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى الفلق: الشّقّ، والمعنى: فلق الحب عن السنبلة، والنواة عن النخلة. فهو فالق الحب والنوى بالنّبات والشجر يُخْرِجُ الْحَيَ
مِنَ الْمَيِّتِ. أي: يخرج النبات الغض النامي من الأرض الميتة وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ كما هو مشاهد، ويمكن أن نفهم النصّ على أنّه يخرج الكافر من المؤمن، والمؤمن من الكافر. وهذا لفت نظر إلى قدرته على بعثهم؛ فالذي خلق هذه الأشياء قادر على بعثهم ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ. أي: ذلكم المحيي المميت القادر هو الذي تحقّ له الربوبيّة فكيف تصرفون عنه وعن الإيمان به وعن توليه بعد وضوح الأمر
فالِقُ الْإِصْباحِ. أي: شاقّ عمود الصبح عن سواد الليل، أو خالق نور النهار