وَجَٰوَزۡنَا بِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتَوۡاْ عَلَىٰ قَوۡمࣲ يَعۡكُفُونَ عَلَىٰٓ أَصۡنَامࣲ لَّهُمۡۚ قَالُواْ يَٰمُوسَى ٱجۡعَل لَّنَآ إِلَٰهࣰا كَمَا لَهُمۡ ءَالِهَةࣱۚ قَالَ إِنَّكُمۡ قَوۡمࣱ تَجۡهَلُونَ 138
[سورة الأعراف (7): الآيات 138 الى 139]
وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (139) قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (140) وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141) وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142)
وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144) وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (145) سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (146) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (147)
وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ (148) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (149) وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151) إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152)
وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (153) وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ
لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154) وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (155) وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158) وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159)
كلمة في السياق:
يأتي هذا المقطع ليحدثنا عن الأمة التي فعل الله من أجلها ما فعل، كيف كان موقفها من الهدى المنزل إليها، وإذ كان السياق عن بني إسرائيل في هذا المقطع قد انتهى بالبشارة بالنبي الأمي عليه الصلاة والسلام فإن السياق يتوجه لرسول الله ﷺ من أجل أن يعلن أنه رسول الله إلى الناس جميعا، وبعد هذا الإعلان يعود السياق إلى الكلام عن بني إسرائيل، وإذ قد أرانا السياق في المقطع مظاهر من مواقفهم الظالمة فإن الآية الأخيرة تذكر أن هناك من بني إسرائيل أمة يهدون بالحق وبه يعدلون حتى لا يفهم فاهم أن كل بني إسرائيل كانوا على وتيرة واحدة، وليعرف العارفون أن من أجل أمثال هؤلاء يفعل الله الكثير ويعطي الكثير.
قال صاحب الظلال بين يدي هذا الدرس وامتداداته:
(في هذا الدرس تمضي قصة موسى- عليه السلام- في حلقة أخرى.. مع قومه بني إسرائيل، بعد إذ أنجاهم الله من عدوهم، وأغرق فرعون وملأه، ودمر ما كانوا يصنعون وما كانوا يعرشون.. إن موسى عليه السلام لا يواجه اليوم طاغوت فرعون وملئه، فقد انتهت المعركة مع الطاغوت.. ولكنه يواجه معركة أخرى- لعلها أشد وأقسى وأطول أمدا- إنه يواجه المعركة مع «النفس البشرية» يواجهها مع رواسب
الجاهلية في هذه النفس، ويواجهها مع رواسب الذل الذي أفسد طبيعة بني إسرائيل، وملأها بالالتواء من ناحية وبالقسوة من ناحية، وبالجبن من ناحية، وبالضعف عن حمل التبعات من ناحية. وتركها مهلهلة بين هذه النزعات جميعا. فليس أفسد للنفس البشرية من الذل، والخضوع للطغيان طويلا، ومن الحياة في ظل الإرهاب والخوف والتخفي والالتواء لتفادي الأخطار والعذاب والحركة في الظلام، مع الذعر الدائم والتوقع الدائم للبلاء.
ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلا، عاشوا في ظل الإرهاب وفي ظل الوثنية الفرعونية كذلك. عاشوا يقتل فرعون أبناءهم ويستحيي نساءهم. فإذا فتر هذا النوع البشع من الإرهاب الوحشي عاشوا حياة الذل والسخرة والمطاردة على كل حال.
وفسدت نفوسهم، وفسدت طبيعتهم، والتوت فطرتهم وانحرفت تصوراتهم، وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب وبالحقد والقسوة من الجانب الآخر.. وهما جانبان متلازمان في النفس البشرية حيثما تعرضت طويلا للإرهاب والطغيان.. لقد كان عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- ينظر بنور الله، فيرى حقيقة تركيب النفس البشرية وطبيعتها، وهو يقول لعماله على الأمصار موصيا لهم بالناس: «ولا تضربوا أبشارهم فتذلوهم».. كان يعلم أن ضرب البشرة يذل الناس. وكان الإسلام في قلبه يريد منه ألا يذل الناس في حكومة الإسلام وفي مملكة الله. فالناس في مملكة الله أعزاء، ويجب أن يكونوا أعزاء، وألا يضربهم الحكام فيذلوهم، لأنهم ليسوا عبيدا للحكام. إنما هم عبيد لله أعزاء على غير الله..
ولقد ضربت أبشار بني إسرائيل في طاغوت الفرعونية حتى ذلوا. بل كان ضرب الأبشار هو أخف ما يتعرضون له من الأذى في فترات الرخاء! ولقد ضربت أبشار المصريين كذلك حتى ذلوا هم الآخرون واستخفهم فرعون! ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الروماني.. ولم يستنقذهم من هذا الذل إلا الإسلام، يوم جاءهم بالحرية فأطلقهم من العبودية للبشر بالعبودية لرب البشر.. فلما أن ضرب ابن عمرو بن العاص- فاتح مصر وحاكمها المسلم- ظهر ابن قبطي من أهل مصر- لعل سياط الرومان كانت آثارها على ظهره ما تزال- غضب القبطي لسوط واحد يصيب ابنه. من ابن فاتح مصر وحاكمها وسافر شهرا على ظهر ناقة، ليشكو إلى عمر بن الخطاب- الخليفة المسلم- هذا السوط الواحد الذي نال ابنه، وكان هو يصبر على السياط منذ
سنوات قلائل في عهد الرومان. وكانت هذه هي معجزة البعث الإسلامي لنفوس الأقباط في مصر وللنفوس في كل مكان- حتى لمن لم يعتنقوا الإسلام- كانت هذه هي معجزة هذا البعث الذي يستنقذ الأرواح من ركام آلاف السنين من الذل القديم، فتنتفض هكذا انتفاضة الكرامة التي أطلقها الإسلام في أرواحهم، وما كان غير الإسلام ليطلقها في مثل هذه الأرواح.
عملية استصلاح نفوس بني إسرائيل من ذل الطاغوت الفرعوني هي التي سيواجهها موسى عليه السلام في هذه الحلقة- بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر وتجاوزه بهم البحر- وسنرى من خلال القصص القرآني هذه النفوس، وهي تواجه الحرية بكل رواسب الذل، وتواجه الرسالة بكل رواسب الجاهلية، وتواجه موسى عليه السلام بكل الالتواءات والانحرافات والانحلالات والجهالات التي ترسبت فيها على مر الزمن الطويل.
وسنرى من خلال متاعب موسى عليه السلام متاعب كل صاحب دعوة، يواجه نفوسا طال عليها الأمد، وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت وبخاصة إذا كانت
هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليها، ثم طال عليها الأمد، فبهتت صورتها، وعادت شكلا لا روح فيه.
إن جهد صاحب الدعوة- في مثل هذه الحال- لهو جهد مضاعف. ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفا كذلك.. يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات، وثقل الطبائع وتفاهة الاهتمامات، ويجب أن يصبر على الانتكاس الذي يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة، والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة.
ولعل هذا جانب من حكمة الله في عرض قصة بني إسرائيل على الأمة المسلمة، في هذه الصورة المفصلة المكررة- لترى فيها هذه التجربة. كما قلنا من قبل- وإن فيها زادا لأصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل».
المعنى العام:
يبدأ المقطع بالإخبار عما قاله جهلة بني إسرائيل لموسى عليه السلام حين جاوزوا البحر وقد رأوا من آيات الله وعظيم سلطانه ما رأوا، عند ما مروا على عباد أصنام إذ طلبوا من موسى أن يجعل لهم أصناما يعبدونها كما يعبد هؤلاء أصنامهم، فرد عليهم
واصفا إياهم بالجهل. وأي جهل أفظع من الجهل بعظمة الله وجلاله، وما يجب أن ينزه عنه من الشريك والمثيل. ثم بين لهم أن هذا الذي عليه هؤلاء هالك وعملهم باطل. ثم ذكرهم موسى بنعم الله عليهم من إنقاذهم من أسر فرعون وقهره، وما كانوا فيه من الهوان والذلة، وما صاروا إليه من العزة والاستعلاء على عدوهم، والنظر إليه في حال هوانه وهلاكه وغرقه ودماره. وما أكرمهم به من تفضيل على عالمي زمانهم، فكيف يطلب لهم ربا غير الله، وقد فعل لهم كل هذا؟ ذكرهم بأقرب الأشياء إليهم لأنها أقرب الحجج عليهم. وإلا فمثل موسى لا يطلب ربا سوى الله، ولا يدعوهم إلى رب سوى الله. فضلهم أو لم يفضلهم. أنجاهم من ظلم فرعون. أو أبقاهم. فله الأمر من قبل ومن بعد. ومن بداية المقطع نشعر كيف يتسرب الانحراف، وكيف يبدأ وكيف يكون. فها هي أمة ترى المعجزات التي رأتها، ومع ذلك فإنها تطلب أن يكون لها أصنام تعبدها من دون الله. ورسولها بين أظهرها، وأرجلها لم تكد تجاوز البحر الذي رأت في سيرها فيه وانشقاقه لها أعظم معجزة.
ثم يقص الله عزّ وجل علينا ما أتم به النعمة على موسى وقومه، إذ أنزل عليهم الألواح في خلوة موسى مع ربه على الطور. وماذا فعلوه من الانحراف الجديد خلال غيبته.
فذكر تعالى ممتنا على بني إسرائيل بما حصل لهم من الهداية، بتكليمه موسى عليه السلام، وإعطائه الألواح، وفيها أحكامهم وتفاصيل شرعهم. فذكر أنه واعد موسى ثلاثين ليلة. ثم أمره تعالى أن يكمل بعشر أربعين. فلما عزم موسى على الذهاب إلى الطور، استخلف موسى على بني إسرائيل أخاه هارون، ووصاه بالإصلاح وعدم الإفساد، من باب تحقيق التواصي، وإلا فإن هارون رسول ونبي شأنه الإصلاح وعدم الإفساد. فلما جاء موسى لميقات الله وحصل له التكليم من الله، سأل الله تعالى أن ينظر إليه. فبين الله له أنه لا يمكن أن يراه في الدنيا، وعوضه عن الرؤية بأن أمره أن ينظر إلى الجبل فإذا رأى الجبل مستقرا عند تجلي الله على الجبل فعندئذ يمكن أن يراه، فلما تجلى الله للجبل ساخ الجبل وانهد، وخر موسى مغشيا عليه من هول ما رأى، فلما أفاق من صعقه بدأ يسبح الله وينزهه، والتسبيح في هذا المقام يفيد تنزيه الله عن أن يراه أحد في الدنيا. ثم ثنى بالتوبة مما سأل. وثلث بالإعلان عن نفسه أنه أول المؤمنين من قومه، أو أول المؤمنين بأنه لا يرى الله أحد من خلقه. فقال الله لموسى في هذا المقام مذكرا إياه بنعمه عليه إذ اصطفاه على أهل زمانه برسالاته تعالى وبكلامه، آمرا إياه أن يأخذ ما آتاه الله من الكلام والوحي والمناجاة، وأن يكون من الشاكرين على ذلك، وألا يطلب ما
لا طاقة له به.
ثم أخبر تعالى بعد أن أمره بأخذ ما آتاه بأنه قد أعطاه الألواح التي كتب له فيها من كل شئ موعظة وتفصيلا لكل شئ. وهناك اتجاهان للمفسرين المسلمين في هذه الألواح: الاتجاه الأول الذي يقول: إن هذه الألواح هي التوراة. فالتوراة متضمنة فيها، والاتجاه الثاني: أن الألواح أوتيها موسى قبل التوراة، وعلى كل فإنها كانت كالتعويض له عما سأله من الرؤية ومنع منه. وبعد أن أعطاه إياها أمره أن يأخذها بعزم على الطاعة، فيأخذ نفسه بأشد ما يأمر به قومه. وأمره أن يأمر قومه أن يعملوا بها.
وبعد ذلك قال له: سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ التي تحتمل وعيدا، كما يقول الواعظ لمن يخاطبه: سأريك غدا إلى ما يصير إليه حال من خالف أمري، على وجه التهديد والوعيد لمن عصاه وخالف أمره. فيكون المعنى: سترون عاقبة من خالف أمري، وخرج عن طاعتي كيف يصير إلى الهلاك والدمار والتباب. وتحتمل أن تكون وعدا بإعطائهم أرض الشام وهو أقوى ما تحمل عليه الآية. ثم بين الله عزّ وجل سنته في أنه يحول بين قلوب أهل الكبر وبين آياته فلا يرونها، بأن يمنع قلوب هؤلاء أن تفهم الحجج، والأدلة الدالة على عظمته وشريعته وأحكامه؛ بسبب كبرهم عن طاعة الله وتكبرهم على الناس بغير حق. فبسبب ذلك يعاقب الله هؤلاء بصرفهم عن فهم أسراره حتى إنهم لو رأوا كل آية لا يؤمنون، وإن يظهر لهم سبيل الرشد- سبيل النجاة- لا يسلكونها. وإن ظهر لهم طريق الهلاك والضلال يتخذوه سبيلا. تلك سنته تعالى في المتكبرين في كل عصر ومصر أن يصرفهم عن رؤية آياته. وما ذلك إلا بسبب تكذيبهم لهذه الآيات وغفلتهم عنها، ثم بين تعالى جزاء من كذب بآياته واستمر على ذلك حتى الممات، كيف أن الله يحبط عمله وذلك جزاؤه على ما أسلفه من كفر.
وبينما موسى عليه السلام يتلقى هداية ربه ويناجيه، كان قومه يسيرون في طريق الكفر. ومن ثم أخبرنا الله في هذا السياق عما فعلوه في حال غيبته، إذ أخبرنا عن ضلال من ضل من بني إسرائيل في عبادتهم العجل الذي اتخذه لهم السامري من حلي القبط الذي كانوا استعاروه منهم، فشكل لهم منه عجلا بالغا حد الروعة في الصنعة،
حتى إنه ليصوت إذا دخلت فيه الريح كالبقر فافتتنوا به، ورقصوا حوله، وجعلوه إلها، ذاهلين عن خالق السموات والأرض، ورب كل شئ ومليكه، بأن عبدوا معه عجلا جسدا له خوار لا يكلمهم ولا يرشدهم إلى خير، ولكن غطى على أعين بصائرهم عمى الجهل والضلال وقد أدركوا فيما بعد عظيم خطئهم، وندموا على ما فعلوا، وعرفوا أنه
إن لم يتداركهم الله برحمته ومغفرته فإنهم سيكونون من الهالكين.
ثم قص الله عزّ وجل علينا ما كان من موسى مع قومه عند ما رجع إليهم، فأخبرنا تعالى أنه رجع إلى قومه وهو في أشد حالات الغضب، فلما قابلهم خاطبهم بأنه بئس ما صنعتم في عبادتكم العجل بعد أن ذهبت وتركتكم، ثم أنكر عليهم استبطاءهم له، واستعجالهم مجيئه، وهو في أمر الله وقدره، فسارعوا إلى ارتكاب ما ارتكبوه، ولم ينتظروا موسى، ثم أخبرنا تعالى كيف أنه حمي الغضب بموسى لما رأى ما رأى منهم؛ فألقى الألواح التي أعطاه الله إياها، وأخذ برأس أخيه هارون يجره إليه، خوفا أن يكون قد قصر في نهيهم، فاعتذر هارون وخاطبه بأرق الخطاب، ألا يسوقه مساقهم، ولا يخلطه معهم، وأنه ما قصر في نصحهم، وإنما أخر مفارقتهم حتى عودة موسى، فلما علم موسى عدم تقصير أخيه استغفر لنفسه واستغفر لأخيه، وسأل الله أن يدخله وأخاه في رحمته، مثنيا على الله بأنه أرحم الراحمين. ثم بين لقومه أن الذين عبدوا العجل منهم سيصيبهم غضب من الله، وذلة في الحياة الدنيا، وذلك جزاء من يفتري على الله. ثم نبه تعالى عباده وأرشدهم إلى أنه يقبل توبة عباده من أي ذنب كان، حتى لو كان من كفر أو شرك أو نفاق أو شقاق، فإنه تعالى من بعد الفعل والتوبة غفور رحيم. ولكن الذنب لا يمر بلا نوع عقوبة، ومن ثم فقد عوقب من عبد العجل بأن أمرهم الله أن يقتل بعضهم بعضا. كما مر في سورة البقرة، وعاقبهم بذلة قريبة وهم في الصحراء في أكثر من موطن.
ثم أخبر تعالى أن موسى قد اختار من قومه سبعين رجلا ليعتذروا عن عبادة العجل ويدعوه فأخذتهم الرجفة، فأخذ موسى يستغيث الله، ألا يهلكهم بذنوب السفهاء، داعيا الله عزّ وجل أن يرحم ويغفر وأن يعطي، سأله دفع المحذور، ثم سأله العطاء في الدنيا والآخرة له ولقومه، معلنا توبته وتوبة قومه، وفي هذا المقام بين الله لموسى سنته وطلاقة مشيئته بتعذيب من يشاء، ورحمة من يشاء، وبين له سعة رحمته، وأنه خص أمة محمد ﷺ بالخصوصيات العظمى والرحمة التامة، بما اجتمع لهم من التقوى، وإيتاء الزكاة، والإيمان، واتباع رسولهم النبي الأمي الذي سجل صفته في التوراة والإنجيل، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، محلا للطيبات، محرما للخبائث، آتيا بالحنيفية السمحة، وبالدين اليسر، يرفع فيه عن الأمم أثقالها وأغلالها، ثم بين تعالى أن من آمن بهذا الرسول، وعظمه، ووقره، واتبع الوحي الذي أنزله معه فهو المفلح، والتبشير بمحمد ﷺ في هذا المقام الذي ظهرت به إساءة بني إسرائيل وانحرافهم بعبادة العجل
فيه من الحكمة ما فيه، وفيه وضع الأساس للمستقبل في امتحان بني إسرائيل باتباع وحي الله، سواء نزل على رسول منهم أو من غيرهم. وفي هذا المقطع بيان لموقف أمة موسى من التوحيد وعبادة الله، وهو ما طالب به كل رسول قومه وكيف أنهم انحرفوا أول مرة بالمطالبة باعتماد الشرك، ثم انحرفوا ثانيا بممارسة الشرك. فالمقطع قرر كيف كان موقف أمة من الهدى المنزل عليها، وكيف عالج رسولها هذا الانحراف أول مرة وثاني مرة. وخلال ذلك أخبرنا الله بما أنزل من هدى على موسى. وبما بشر به بأنه سينزله على محمد صلى الله عليه وسلم، وكيف أن ما أنزله واجب الاتباع، كما بين لنا بعض سننه في الهداية والإضلال، والعقوبة والمكافأة، كما عرفنا على ذاته بمزيد من المعرفة، وكل ذلك سائر على سنن السورة ومحورها العام، وسنرى في المعنى الحرفي والفوائد والنقول التي سننقلها من أسفار موسى من كتب العهد القديم والملاحظات عليها، والكلمة الأخيرة في السياق، ما يزيدنا تعرفا على هذا المقطع وصلته بالسياق العام.
وبعد أن استقر المقطع على التبشير بالرسالة الخاتمة، والأمة الأخيرة، والدعوة الكاملة. أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم، صاحب هذه الرسالة، وإمام هذه الأمة، وقائد هذه الدعوة، أن يعلن للناس، أحمرهم وأسودهم، وعربهم وعجمهم، أنه رسول الله إليهم جميعا. الله مالك السموات والأرض. الإله الأوحد، الذي بيده الحياة والموت. وإذا كان الأمر كذلك فإن الله يأمرهم باتباعه والإيمان به. كيف وهو النبي الأمي الذي وعدوا به، وبشروا في الكتب المتقدمة، فإنه منعوت بذلك في كتبهم. هذا النبي الذي يصدق قوله عمله، وهو يؤمن بما أنزل إليه من ربه. فاسلكوا طريقه أيها الناس، واقتفوا أثره لعلكم تهتدون إلى الصراط المستقيم.
وإذ كان اليهود هم أصحاب الكتاب الأول، وهم الذين بشر الله في كتابهم برسول هذه الأمة، فهم مدعوون للدخول بهذا الدين. ومن ثم اتجه السياق للكلام عنهم. فبين تعالى أن بني إسرائيل طائفتان: طائفة منهم عندها استعداد للحق وقبوله واتباعه والعمل به، ويفهم من ذلك، أن الطائفة الأخرى وهي الأكبر والأعظم ليست كذلك. ومجئ هذه الآية في نهاية المقطع يشير إلى شئ آخر، وهو أن بني إسرائيل الذين مر معنا شئ عن انحرافاتهم لم ينحرفوا جميعا. ولم يكونوا على سواء.
المعنى الحرفي:
وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ أي فمروا بهم. يَعْكُفُونَ عَلى
أَصْنامٍ لَهُمْ أي يواظبون على عبادتها قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً أي صنما نعكف عليه كَما لَهُمْ آلِهَةٌ أي أصنام يعكفون عليها. قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ لما كان هذا عجيبا منهم بعد ما رأوا من الآيات العظمى، وصفهم بالجهل المطلق وأكده
إِنَّ هؤُلاءِ أي: عبدة تلك التماثيل مُتَبَّرٌ أي مهلك من التبار ما هُمْ فِيهِ أي ما هم فيه هالك ومهدوم وأنا أول من يريد إهلاكه فكيف أقلدهم فيه وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي ما عملوه من عبادة الأصنام باطل مضمحل
وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (139) قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (140) وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141) وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142)
وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144) وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (145) سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (146) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (147)
وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ (148) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (149) وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151) إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152)
وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (153) وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ
لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154) وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (155) وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158) وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159)
كلمة في السياق:
يأتي هذا المقطع ليحدثنا عن الأمة التي فعل الله من أجلها ما فعل، كيف كان موقفها من الهدى المنزل إليها، وإذ كان السياق عن بني إسرائيل في هذا المقطع قد انتهى بالبشارة بالنبي الأمي عليه الصلاة والسلام فإن السياق يتوجه لرسول الله ﷺ من أجل أن يعلن أنه رسول الله إلى الناس جميعا، وبعد هذا الإعلان يعود السياق إلى الكلام عن بني إسرائيل، وإذ قد أرانا السياق في المقطع مظاهر من مواقفهم الظالمة فإن الآية الأخيرة تذكر أن هناك من بني إسرائيل أمة يهدون بالحق وبه يعدلون حتى لا يفهم فاهم أن كل بني إسرائيل كانوا على وتيرة واحدة، وليعرف العارفون أن من أجل أمثال هؤلاء يفعل الله الكثير ويعطي الكثير.
قال صاحب الظلال بين يدي هذا الدرس وامتداداته:
(في هذا الدرس تمضي قصة موسى- عليه السلام- في حلقة أخرى.. مع قومه بني إسرائيل، بعد إذ أنجاهم الله من عدوهم، وأغرق فرعون وملأه، ودمر ما كانوا يصنعون وما كانوا يعرشون.. إن موسى عليه السلام لا يواجه اليوم طاغوت فرعون وملئه، فقد انتهت المعركة مع الطاغوت.. ولكنه يواجه معركة أخرى- لعلها أشد وأقسى وأطول أمدا- إنه يواجه المعركة مع «النفس البشرية» يواجهها مع رواسب
الجاهلية في هذه النفس، ويواجهها مع رواسب الذل الذي أفسد طبيعة بني إسرائيل، وملأها بالالتواء من ناحية وبالقسوة من ناحية، وبالجبن من ناحية، وبالضعف عن حمل التبعات من ناحية. وتركها مهلهلة بين هذه النزعات جميعا. فليس أفسد للنفس البشرية من الذل، والخضوع للطغيان طويلا، ومن الحياة في ظل الإرهاب والخوف والتخفي والالتواء لتفادي الأخطار والعذاب والحركة في الظلام، مع الذعر الدائم والتوقع الدائم للبلاء.
ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلا، عاشوا في ظل الإرهاب وفي ظل الوثنية الفرعونية كذلك. عاشوا يقتل فرعون أبناءهم ويستحيي نساءهم. فإذا فتر هذا النوع البشع من الإرهاب الوحشي عاشوا حياة الذل والسخرة والمطاردة على كل حال.
وفسدت نفوسهم، وفسدت طبيعتهم، والتوت فطرتهم وانحرفت تصوراتهم، وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب وبالحقد والقسوة من الجانب الآخر.. وهما جانبان متلازمان في النفس البشرية حيثما تعرضت طويلا للإرهاب والطغيان.. لقد كان عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- ينظر بنور الله، فيرى حقيقة تركيب النفس البشرية وطبيعتها، وهو يقول لعماله على الأمصار موصيا لهم بالناس: «ولا تضربوا أبشارهم فتذلوهم».. كان يعلم أن ضرب البشرة يذل الناس. وكان الإسلام في قلبه يريد منه ألا يذل الناس في حكومة الإسلام وفي مملكة الله. فالناس في مملكة الله أعزاء، ويجب أن يكونوا أعزاء، وألا يضربهم الحكام فيذلوهم، لأنهم ليسوا عبيدا للحكام. إنما هم عبيد لله أعزاء على غير الله..
ولقد ضربت أبشار بني إسرائيل في طاغوت الفرعونية حتى ذلوا. بل كان ضرب الأبشار هو أخف ما يتعرضون له من الأذى في فترات الرخاء! ولقد ضربت أبشار المصريين كذلك حتى ذلوا هم الآخرون واستخفهم فرعون! ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الروماني.. ولم يستنقذهم من هذا الذل إلا الإسلام، يوم جاءهم بالحرية فأطلقهم من العبودية للبشر بالعبودية لرب البشر.. فلما أن ضرب ابن عمرو بن العاص- فاتح مصر وحاكمها المسلم- ظهر ابن قبطي من أهل مصر- لعل سياط الرومان كانت آثارها على ظهره ما تزال- غضب القبطي لسوط واحد يصيب ابنه. من ابن فاتح مصر وحاكمها وسافر شهرا على ظهر ناقة، ليشكو إلى عمر بن الخطاب- الخليفة المسلم- هذا السوط الواحد الذي نال ابنه، وكان هو يصبر على السياط منذ
سنوات قلائل في عهد الرومان. وكانت هذه هي معجزة البعث الإسلامي لنفوس الأقباط في مصر وللنفوس في كل مكان- حتى لمن لم يعتنقوا الإسلام- كانت هذه هي معجزة هذا البعث الذي يستنقذ الأرواح من ركام آلاف السنين من الذل القديم، فتنتفض هكذا انتفاضة الكرامة التي أطلقها الإسلام في أرواحهم، وما كان غير الإسلام ليطلقها في مثل هذه الأرواح.
عملية استصلاح نفوس بني إسرائيل من ذل الطاغوت الفرعوني هي التي سيواجهها موسى عليه السلام في هذه الحلقة- بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر وتجاوزه بهم البحر- وسنرى من خلال القصص القرآني هذه النفوس، وهي تواجه الحرية بكل رواسب الذل، وتواجه الرسالة بكل رواسب الجاهلية، وتواجه موسى عليه السلام بكل الالتواءات والانحرافات والانحلالات والجهالات التي ترسبت فيها على مر الزمن الطويل.
وسنرى من خلال متاعب موسى عليه السلام متاعب كل صاحب دعوة، يواجه نفوسا طال عليها الأمد، وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت وبخاصة إذا كانت
هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليها، ثم طال عليها الأمد، فبهتت صورتها، وعادت شكلا لا روح فيه.
إن جهد صاحب الدعوة- في مثل هذه الحال- لهو جهد مضاعف. ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفا كذلك.. يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات، وثقل الطبائع وتفاهة الاهتمامات، ويجب أن يصبر على الانتكاس الذي يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة، والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة.
ولعل هذا جانب من حكمة الله في عرض قصة بني إسرائيل على الأمة المسلمة، في هذه الصورة المفصلة المكررة- لترى فيها هذه التجربة. كما قلنا من قبل- وإن فيها زادا لأصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل».
المعنى العام:
يبدأ المقطع بالإخبار عما قاله جهلة بني إسرائيل لموسى عليه السلام حين جاوزوا البحر وقد رأوا من آيات الله وعظيم سلطانه ما رأوا، عند ما مروا على عباد أصنام إذ طلبوا من موسى أن يجعل لهم أصناما يعبدونها كما يعبد هؤلاء أصنامهم، فرد عليهم
واصفا إياهم بالجهل. وأي جهل أفظع من الجهل بعظمة الله وجلاله، وما يجب أن ينزه عنه من الشريك والمثيل. ثم بين لهم أن هذا الذي عليه هؤلاء هالك وعملهم باطل. ثم ذكرهم موسى بنعم الله عليهم من إنقاذهم من أسر فرعون وقهره، وما كانوا فيه من الهوان والذلة، وما صاروا إليه من العزة والاستعلاء على عدوهم، والنظر إليه في حال هوانه وهلاكه وغرقه ودماره. وما أكرمهم به من تفضيل على عالمي زمانهم، فكيف يطلب لهم ربا غير الله، وقد فعل لهم كل هذا؟ ذكرهم بأقرب الأشياء إليهم لأنها أقرب الحجج عليهم. وإلا فمثل موسى لا يطلب ربا سوى الله، ولا يدعوهم إلى رب سوى الله. فضلهم أو لم يفضلهم. أنجاهم من ظلم فرعون. أو أبقاهم. فله الأمر من قبل ومن بعد. ومن بداية المقطع نشعر كيف يتسرب الانحراف، وكيف يبدأ وكيف يكون. فها هي أمة ترى المعجزات التي رأتها، ومع ذلك فإنها تطلب أن يكون لها أصنام تعبدها من دون الله. ورسولها بين أظهرها، وأرجلها لم تكد تجاوز البحر الذي رأت في سيرها فيه وانشقاقه لها أعظم معجزة.
ثم يقص الله عزّ وجل علينا ما أتم به النعمة على موسى وقومه، إذ أنزل عليهم الألواح في خلوة موسى مع ربه على الطور. وماذا فعلوه من الانحراف الجديد خلال غيبته.
فذكر تعالى ممتنا على بني إسرائيل بما حصل لهم من الهداية، بتكليمه موسى عليه السلام، وإعطائه الألواح، وفيها أحكامهم وتفاصيل شرعهم. فذكر أنه واعد موسى ثلاثين ليلة. ثم أمره تعالى أن يكمل بعشر أربعين. فلما عزم موسى على الذهاب إلى الطور، استخلف موسى على بني إسرائيل أخاه هارون، ووصاه بالإصلاح وعدم الإفساد، من باب تحقيق التواصي، وإلا فإن هارون رسول ونبي شأنه الإصلاح وعدم الإفساد. فلما جاء موسى لميقات الله وحصل له التكليم من الله، سأل الله تعالى أن ينظر إليه. فبين الله له أنه لا يمكن أن يراه في الدنيا، وعوضه عن الرؤية بأن أمره أن ينظر إلى الجبل فإذا رأى الجبل مستقرا عند تجلي الله على الجبل فعندئذ يمكن أن يراه، فلما تجلى الله للجبل ساخ الجبل وانهد، وخر موسى مغشيا عليه من هول ما رأى، فلما أفاق من صعقه بدأ يسبح الله وينزهه، والتسبيح في هذا المقام يفيد تنزيه الله عن أن يراه أحد في الدنيا. ثم ثنى بالتوبة مما سأل. وثلث بالإعلان عن نفسه أنه أول المؤمنين من قومه، أو أول المؤمنين بأنه لا يرى الله أحد من خلقه. فقال الله لموسى في هذا المقام مذكرا إياه بنعمه عليه إذ اصطفاه على أهل زمانه برسالاته تعالى وبكلامه، آمرا إياه أن يأخذ ما آتاه الله من الكلام والوحي والمناجاة، وأن يكون من الشاكرين على ذلك، وألا يطلب ما
لا طاقة له به.
ثم أخبر تعالى بعد أن أمره بأخذ ما آتاه بأنه قد أعطاه الألواح التي كتب له فيها من كل شئ موعظة وتفصيلا لكل شئ. وهناك اتجاهان للمفسرين المسلمين في هذه الألواح: الاتجاه الأول الذي يقول: إن هذه الألواح هي التوراة. فالتوراة متضمنة فيها، والاتجاه الثاني: أن الألواح أوتيها موسى قبل التوراة، وعلى كل فإنها كانت كالتعويض له عما سأله من الرؤية ومنع منه. وبعد أن أعطاه إياها أمره أن يأخذها بعزم على الطاعة، فيأخذ نفسه بأشد ما يأمر به قومه. وأمره أن يأمر قومه أن يعملوا بها.
وبعد ذلك قال له: سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ التي تحتمل وعيدا، كما يقول الواعظ لمن يخاطبه: سأريك غدا إلى ما يصير إليه حال من خالف أمري، على وجه التهديد والوعيد لمن عصاه وخالف أمره. فيكون المعنى: سترون عاقبة من خالف أمري، وخرج عن طاعتي كيف يصير إلى الهلاك والدمار والتباب. وتحتمل أن تكون وعدا بإعطائهم أرض الشام وهو أقوى ما تحمل عليه الآية. ثم بين الله عزّ وجل سنته في أنه يحول بين قلوب أهل الكبر وبين آياته فلا يرونها، بأن يمنع قلوب هؤلاء أن تفهم الحجج، والأدلة الدالة على عظمته وشريعته وأحكامه؛ بسبب كبرهم عن طاعة الله وتكبرهم على الناس بغير حق. فبسبب ذلك يعاقب الله هؤلاء بصرفهم عن فهم أسراره حتى إنهم لو رأوا كل آية لا يؤمنون، وإن يظهر لهم سبيل الرشد- سبيل النجاة- لا يسلكونها. وإن ظهر لهم طريق الهلاك والضلال يتخذوه سبيلا. تلك سنته تعالى في المتكبرين في كل عصر ومصر أن يصرفهم عن رؤية آياته. وما ذلك إلا بسبب تكذيبهم لهذه الآيات وغفلتهم عنها، ثم بين تعالى جزاء من كذب بآياته واستمر على ذلك حتى الممات، كيف أن الله يحبط عمله وذلك جزاؤه على ما أسلفه من كفر.
وبينما موسى عليه السلام يتلقى هداية ربه ويناجيه، كان قومه يسيرون في طريق الكفر. ومن ثم أخبرنا الله في هذا السياق عما فعلوه في حال غيبته، إذ أخبرنا عن ضلال من ضل من بني إسرائيل في عبادتهم العجل الذي اتخذه لهم السامري من حلي القبط الذي كانوا استعاروه منهم، فشكل لهم منه عجلا بالغا حد الروعة في الصنعة،
حتى إنه ليصوت إذا دخلت فيه الريح كالبقر فافتتنوا به، ورقصوا حوله، وجعلوه إلها، ذاهلين عن خالق السموات والأرض، ورب كل شئ ومليكه، بأن عبدوا معه عجلا جسدا له خوار لا يكلمهم ولا يرشدهم إلى خير، ولكن غطى على أعين بصائرهم عمى الجهل والضلال وقد أدركوا فيما بعد عظيم خطئهم، وندموا على ما فعلوا، وعرفوا أنه
إن لم يتداركهم الله برحمته ومغفرته فإنهم سيكونون من الهالكين.
ثم قص الله عزّ وجل علينا ما كان من موسى مع قومه عند ما رجع إليهم، فأخبرنا تعالى أنه رجع إلى قومه وهو في أشد حالات الغضب، فلما قابلهم خاطبهم بأنه بئس ما صنعتم في عبادتكم العجل بعد أن ذهبت وتركتكم، ثم أنكر عليهم استبطاءهم له، واستعجالهم مجيئه، وهو في أمر الله وقدره، فسارعوا إلى ارتكاب ما ارتكبوه، ولم ينتظروا موسى، ثم أخبرنا تعالى كيف أنه حمي الغضب بموسى لما رأى ما رأى منهم؛ فألقى الألواح التي أعطاه الله إياها، وأخذ برأس أخيه هارون يجره إليه، خوفا أن يكون قد قصر في نهيهم، فاعتذر هارون وخاطبه بأرق الخطاب، ألا يسوقه مساقهم، ولا يخلطه معهم، وأنه ما قصر في نصحهم، وإنما أخر مفارقتهم حتى عودة موسى، فلما علم موسى عدم تقصير أخيه استغفر لنفسه واستغفر لأخيه، وسأل الله أن يدخله وأخاه في رحمته، مثنيا على الله بأنه أرحم الراحمين. ثم بين لقومه أن الذين عبدوا العجل منهم سيصيبهم غضب من الله، وذلة في الحياة الدنيا، وذلك جزاء من يفتري على الله. ثم نبه تعالى عباده وأرشدهم إلى أنه يقبل توبة عباده من أي ذنب كان، حتى لو كان من كفر أو شرك أو نفاق أو شقاق، فإنه تعالى من بعد الفعل والتوبة غفور رحيم. ولكن الذنب لا يمر بلا نوع عقوبة، ومن ثم فقد عوقب من عبد العجل بأن أمرهم الله أن يقتل بعضهم بعضا. كما مر في سورة البقرة، وعاقبهم بذلة قريبة وهم في الصحراء في أكثر من موطن.
ثم أخبر تعالى أن موسى قد اختار من قومه سبعين رجلا ليعتذروا عن عبادة العجل ويدعوه فأخذتهم الرجفة، فأخذ موسى يستغيث الله، ألا يهلكهم بذنوب السفهاء، داعيا الله عزّ وجل أن يرحم ويغفر وأن يعطي، سأله دفع المحذور، ثم سأله العطاء في الدنيا والآخرة له ولقومه، معلنا توبته وتوبة قومه، وفي هذا المقام بين الله لموسى سنته وطلاقة مشيئته بتعذيب من يشاء، ورحمة من يشاء، وبين له سعة رحمته، وأنه خص أمة محمد ﷺ بالخصوصيات العظمى والرحمة التامة، بما اجتمع لهم من التقوى، وإيتاء الزكاة، والإيمان، واتباع رسولهم النبي الأمي الذي سجل صفته في التوراة والإنجيل، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، محلا للطيبات، محرما للخبائث، آتيا بالحنيفية السمحة، وبالدين اليسر، يرفع فيه عن الأمم أثقالها وأغلالها، ثم بين تعالى أن من آمن بهذا الرسول، وعظمه، ووقره، واتبع الوحي الذي أنزله معه فهو المفلح، والتبشير بمحمد ﷺ في هذا المقام الذي ظهرت به إساءة بني إسرائيل وانحرافهم بعبادة العجل
فيه من الحكمة ما فيه، وفيه وضع الأساس للمستقبل في امتحان بني إسرائيل باتباع وحي الله، سواء نزل على رسول منهم أو من غيرهم. وفي هذا المقطع بيان لموقف أمة موسى من التوحيد وعبادة الله، وهو ما طالب به كل رسول قومه وكيف أنهم انحرفوا أول مرة بالمطالبة باعتماد الشرك، ثم انحرفوا ثانيا بممارسة الشرك. فالمقطع قرر كيف كان موقف أمة من الهدى المنزل عليها، وكيف عالج رسولها هذا الانحراف أول مرة وثاني مرة. وخلال ذلك أخبرنا الله بما أنزل من هدى على موسى. وبما بشر به بأنه سينزله على محمد صلى الله عليه وسلم، وكيف أن ما أنزله واجب الاتباع، كما بين لنا بعض سننه في الهداية والإضلال، والعقوبة والمكافأة، كما عرفنا على ذاته بمزيد من المعرفة، وكل ذلك سائر على سنن السورة ومحورها العام، وسنرى في المعنى الحرفي والفوائد والنقول التي سننقلها من أسفار موسى من كتب العهد القديم والملاحظات عليها، والكلمة الأخيرة في السياق، ما يزيدنا تعرفا على هذا المقطع وصلته بالسياق العام.
وبعد أن استقر المقطع على التبشير بالرسالة الخاتمة، والأمة الأخيرة، والدعوة الكاملة. أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم، صاحب هذه الرسالة، وإمام هذه الأمة، وقائد هذه الدعوة، أن يعلن للناس، أحمرهم وأسودهم، وعربهم وعجمهم، أنه رسول الله إليهم جميعا. الله مالك السموات والأرض. الإله الأوحد، الذي بيده الحياة والموت. وإذا كان الأمر كذلك فإن الله يأمرهم باتباعه والإيمان به. كيف وهو النبي الأمي الذي وعدوا به، وبشروا في الكتب المتقدمة، فإنه منعوت بذلك في كتبهم. هذا النبي الذي يصدق قوله عمله، وهو يؤمن بما أنزل إليه من ربه. فاسلكوا طريقه أيها الناس، واقتفوا أثره لعلكم تهتدون إلى الصراط المستقيم.
وإذ كان اليهود هم أصحاب الكتاب الأول، وهم الذين بشر الله في كتابهم برسول هذه الأمة، فهم مدعوون للدخول بهذا الدين. ومن ثم اتجه السياق للكلام عنهم. فبين تعالى أن بني إسرائيل طائفتان: طائفة منهم عندها استعداد للحق وقبوله واتباعه والعمل به، ويفهم من ذلك، أن الطائفة الأخرى وهي الأكبر والأعظم ليست كذلك. ومجئ هذه الآية في نهاية المقطع يشير إلى شئ آخر، وهو أن بني إسرائيل الذين مر معنا شئ عن انحرافاتهم لم ينحرفوا جميعا. ولم يكونوا على سواء.
المعنى الحرفي:
وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ أي فمروا بهم. يَعْكُفُونَ عَلى
أَصْنامٍ لَهُمْ أي يواظبون على عبادتها قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً أي صنما نعكف عليه كَما لَهُمْ آلِهَةٌ أي أصنام يعكفون عليها. قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ لما كان هذا عجيبا منهم بعد ما رأوا من الآيات العظمى، وصفهم بالجهل المطلق وأكده
إِنَّ هؤُلاءِ أي: عبدة تلك التماثيل مُتَبَّرٌ أي مهلك من التبار ما هُمْ فِيهِ أي ما هم فيه هالك ومهدوم وأنا أول من يريد إهلاكه فكيف أقلدهم فيه وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي ما عملوه من عبادة الأصنام باطل مضمحل