وَجَٰوَزۡنَا بِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتَوۡاْ عَلَىٰ قَوۡمࣲ يَعۡكُفُونَ عَلَىٰٓ أَصۡنَامࣲ لَّهُمۡۚ قَالُواْ يَٰمُوسَى ٱجۡعَل لَّنَآ إِلَٰهࣰا كَمَا لَهُمۡ ءَالِهَةࣱۚ قَالَ إِنَّكُمۡ قَوۡمࣱ تَجۡهَلُونَ 138
﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [الأعراف: 138-141]
(1) يبدأ هذا الدرس القرآني من قصة موسى عليه السلام بنجاة بني إسرائيل من الغرق وهلاك قوم فرعون مع فرعون نفسه في البحر الذي يسميه القرآن اليم في آيات أخرى وهو البحر الأحمر أو إحدى شعبتيه المتجهتين شمالا إلى البحر المتوسط، ويمتد هذا الدرس في أربع وثلاثين آية، وموضوع هذه الآيات هو تربية موسى عليه السلام لبني إسرائيل وإعدادهم لدخول الأرض المقدسة ومن ثم الاستخلاف في الأرض، ولكن موسى عليه السلام يواجه صعابا جمة في تربية بني إسرائيل والعلاقة معهم ذلك أن القوم كانوا قد أمضوا في العبودية مئات السنين وهي الفترة الواقعة بين يعقوب عليه السلام وهو إسرائيل نفسه وبين موسى عليه السلام، وهذه الحياة المديدة في ظل العبودية قد أورثتهم خصالا سيئة أقلها أنهم لم يعتادوا الحياة في الحرية فكانوا يحنون إلى العبودية، وهم لم يعتادوا على الحياة في ظلال التوحيد فكانوا يميلون إلى الشرك كما سيأتي في هذه الآيات، والعبودية تورث البلادة في التفكير والغباء لأن العبد لا يفكر عادة بل يفكر له سيده، كما تورث العبودية الشك والارتياب في العلاقة مع الآخرين حتى لو كانوا من الأنبياء كموسى وهارون عليهما السلام، وكذلك الشك والريبة في العلاقة مع الله بالإلحاح في السؤال وكثرة السؤال، والعبودية تورث التردد في اتخاذ القرارات وكان هذا خلقا في بني إسرائيل. والعبودية تورث انعدام المسؤولية ومن نقض العهود والمواثيق والتراجع عن المواقف المتخذة دون حياء أو خجل. كل هذه الصفات السيئة في بني إسرائيل في علاقتهم مع نبيهم يذكرها القرآن للمسلمين في عهد الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم كب لا يتصفوا بها ولا يقعوا فيها. وكل هذه الصفات السيئة لبني إسرائيل يذكرها الله للمسلمين الآن لأنهم يعاصرون يهودا قادمين من الشتات وقد أمضوا في عهد الشتات مئات السنين والشتات نمط من أنماط العبودية يورث الإنسان من الصفات السيئة ما تورثه العبودية وربما أكثر.
(2) قوله تعالى: ﴿وجاوزنا ببني إسرائيل البحر، فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، قالوا: يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون﴾. يدل على البلادة العقلية والجهل في بعض بني إسرائيل الذين طلبوا هذا الطلب، وهو طلب لا يليق بأقل المؤمنين إيمانا فكيف يليق ببني إسرائيل بعد أن شاهدوا من المعجزات على يد موسى عليه السلام: العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وآخرها نجاتهم وغرق فرعون وقومه في البحر. ومما لا شك فيه أنهم لما شاهدوا المعجزات الباهرة التي أظهرها الله تعالى لموسى على فرعون، ثم شاهدوا أنه تعالى أهلك فرعون وجنوده وخص بني إسرائيل بأنواع السلامة والكرامة، ثم إنهم بعد هذه المشاهدات يذكرون هذا الكلام الفاسد الباطل كانوا في نهاية الجهل وغاية الخلاف. ومثل هذه الحادثة ما روي عن جهلة العرب فقال أبو واقد الليثي: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حنين، فمررنا بالسدرة، فقلنا: أي رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط، وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة ويعكفون حولها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الله أكبر! هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجعل لنا إلها كما لهم آلهة﴾ إنكم تركبون سنن الذين من قبلكم» (الترمذي وأحمد).
(3) قوله تعالى: ﴿إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون﴾. قال الرازي في المدلول التربوي لهذه الحادثة مع بني إسرائيل: «قال الليث: التبار الهلاك. يقال: تبر الشيء يتبر تبارا والتتبير الإهلاك، ومنه قوله تعالى: (تَبَّرْنا تتبيرا) ويقال للذهب المنكسر المتفتت: التبر، فقوله: ﴿متبر ما هم فيه﴾ أي مهلك مدمر، وقوله: ﴿وباطل ما كَانوا يعملون﴾ قيل: البطلان عدم الشيء، إما بعدم ذاته أو بعدم فائدته ومقصوده، والمراد من بطلان عملهم أنه لا يعود عليهم من ذلك العمل نفع ولا دفع ضرر، وتحقيق القول في هذا الباب أن المقصود من العبادة أن تصير المواظبة على تلك الأعمال سببا لاستحكام ذكر الله تعالى في القلب حتى تصير تلك الروح سعيدة بحصول تلك المعرفة فيها، فإذا اشتغل الإنسان بعبادة غير الله تعالى تعلق قلبه بغير الله ويصير ذلك التعلق سببا لإعراض القلب عن ذكر الله تعالى، وإذا ظهر هذا التحقيق ظهر أن الاشتغال بعبادة غير الله متبر وباطل وضائع وسعي في تحصيل ضد هذا الشيء ونقيضه، لأنا بينا أن المقصود من العبادة رسوخ معرفة الله تعالى في القلب، والاشتغال بعبادة غير الله يزيل معرفة الله عن القلب، فكان هذا ضدا للغرض ونقيضا للمطلوب، والله أعلم... والأقرب أنهم طلبوا من موسى عليه السلام أن يعين لهم أصناما وتماثيل يتقربون بعبادتها إلى الله تعالى، وهذا القول هو الذي حكاه الله تعالى عن عبدة الأوثان حيث قالوا: ﴿ما نَعبدهم إِلا ليقَرّبونا إِلى الله زُلفَى﴾ [الزمر: 3]. إذا عرفت هذا فلقائل أن يقول: لم كان هذا القول كفرا؟ فنقول: أجمع كل الأنبياء عليهم السلام على أن عبادة غير الله تعالى كفر، سواء اعتقدوا في ذلك الغير كونه إلها للعالم أو اعتقدوا فيه أن عبادته تقربهم إلى الله تعالى، لأن العبادة نهاية التعظيم، ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه نهاية الإنعام والإكرام».
(4) قوله تعالى: ﴿قال: أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين﴾. فيه دلالة على أن المعبود يجب أن يكونا منعما على من يعبدونه، وهذا الربط بين الإنعام والطاعة والعبادة. وفيه دلالة على أنه تعالى فضل بني إسرائيل على عالمي زمانهم بأن اختصهم بالرسالة من بين كل الأقوام في زمانهم وكلفهم بتحرير الأرض المقدسة من الشرك والوثنية، وهذا التفضيل هو تفضيل تكليف وليس تفضيل جنس، فتفضيل الجنس على أساس اللون أو العرق أو اللغة أو الأرض محال على الله تعالى ولو كان تفضيلا مخصوصا وجزئيا ومحدودا.
(5) قوله تعالى: ﴿وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم﴾. تختلف هذه الآية عن مثيلتها في سورة البقرة بلفظين، فهناك قال (نجّيناكم) وهنا قال (أنجيناكم)، وهناك قال (يذبّحون) وهنا قال (يقتّلون)، ولكن الاختلاف الأهم هو اختلاف المناسبة التاريخية، فالآية في سورة البقرة كانت في زمن ولادة موسى عليه السلام، والآية في سورة الأعراف كانت بعد نجاة بني إسرائيل من الغرق وخروجهم من مصر وهلاك فرعون ومن معه. والتذكير بأهم نعمة في الحياة وهي نعمة الحياة يأتي في سياق الكلام على العلاقة بين العبادة والإنعام المذكورة في الآية السابقة التي ربطت بين الطاعة والنعمة. ومن المناسب هنا أن نذكر ما قاله القرطبي في تفسيره حول مصطلح (آل فرعون): «قوله تعالى: ﴿من آل فرعون﴾ آل فرعون هم قومه وأتباعه وأهل دينه. وكذلك آل الرسول صلى الله عليه وسلم من هو على دينه وملته في عصره وسائر الأعصار سواء كان نسيبا له أو لم يكن. ومن لم يكن على دينه وملته فليس من آله ولا من أهله وإن كان نسيبه وقريبه خلافا للرافضة حيث قالت: إن آل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة والحسن والحسين فقط. ودليلنا قوله تعالى ﴿وأغرقنا آل فرعون﴾ [البقرة: 50]، ﴿أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾ [غافر: 46]، أي: آل دينه، إذ لم يكن له ابن ولا بنت ولا أب ولا عم ولا أخ ولا عصبة. ولأنه لا خوف أن من ليس بمؤمن ولا موحد فإنه ليس من آل محمد وإن كان قريبا له، ولأجل هذا يقال: إن أبا لهب وأبا جهل ليسا من آله ولا من أهله وإن كان بينهما وبين النبي صلى الله عليه وسلم قرابة ولأجل هذا قال الله تعالى في ابن نوح ﴿إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح﴾ [هود: 46]. وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم جهارا غير سر يقول ألا إن آل أبي، يعني فلانا، ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين). وقالت طائفة: آل محمد أزواجه وذريته خاصة لحديث أبي حميد الساعدي أنهم قالوا: يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ قال: (قولوا اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) (رواه مسلم). وقالت طائفة من أهل العلم: الأهل معلوم، والآل الأتباع. والأول أصح».
(1) يبدأ هذا الدرس القرآني من قصة موسى عليه السلام بنجاة بني إسرائيل من الغرق وهلاك قوم فرعون مع فرعون نفسه في البحر الذي يسميه القرآن اليم في آيات أخرى وهو البحر الأحمر أو إحدى شعبتيه المتجهتين شمالا إلى البحر المتوسط، ويمتد هذا الدرس في أربع وثلاثين آية، وموضوع هذه الآيات هو تربية موسى عليه السلام لبني إسرائيل وإعدادهم لدخول الأرض المقدسة ومن ثم الاستخلاف في الأرض، ولكن موسى عليه السلام يواجه صعابا جمة في تربية بني إسرائيل والعلاقة معهم ذلك أن القوم كانوا قد أمضوا في العبودية مئات السنين وهي الفترة الواقعة بين يعقوب عليه السلام وهو إسرائيل نفسه وبين موسى عليه السلام، وهذه الحياة المديدة في ظل العبودية قد أورثتهم خصالا سيئة أقلها أنهم لم يعتادوا الحياة في الحرية فكانوا يحنون إلى العبودية، وهم لم يعتادوا على الحياة في ظلال التوحيد فكانوا يميلون إلى الشرك كما سيأتي في هذه الآيات، والعبودية تورث البلادة في التفكير والغباء لأن العبد لا يفكر عادة بل يفكر له سيده، كما تورث العبودية الشك والارتياب في العلاقة مع الآخرين حتى لو كانوا من الأنبياء كموسى وهارون عليهما السلام، وكذلك الشك والريبة في العلاقة مع الله بالإلحاح في السؤال وكثرة السؤال، والعبودية تورث التردد في اتخاذ القرارات وكان هذا خلقا في بني إسرائيل. والعبودية تورث انعدام المسؤولية ومن نقض العهود والمواثيق والتراجع عن المواقف المتخذة دون حياء أو خجل. كل هذه الصفات السيئة في بني إسرائيل في علاقتهم مع نبيهم يذكرها القرآن للمسلمين في عهد الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم كب لا يتصفوا بها ولا يقعوا فيها. وكل هذه الصفات السيئة لبني إسرائيل يذكرها الله للمسلمين الآن لأنهم يعاصرون يهودا قادمين من الشتات وقد أمضوا في عهد الشتات مئات السنين والشتات نمط من أنماط العبودية يورث الإنسان من الصفات السيئة ما تورثه العبودية وربما أكثر.
(2) قوله تعالى: ﴿وجاوزنا ببني إسرائيل البحر، فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، قالوا: يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون﴾. يدل على البلادة العقلية والجهل في بعض بني إسرائيل الذين طلبوا هذا الطلب، وهو طلب لا يليق بأقل المؤمنين إيمانا فكيف يليق ببني إسرائيل بعد أن شاهدوا من المعجزات على يد موسى عليه السلام: العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وآخرها نجاتهم وغرق فرعون وقومه في البحر. ومما لا شك فيه أنهم لما شاهدوا المعجزات الباهرة التي أظهرها الله تعالى لموسى على فرعون، ثم شاهدوا أنه تعالى أهلك فرعون وجنوده وخص بني إسرائيل بأنواع السلامة والكرامة، ثم إنهم بعد هذه المشاهدات يذكرون هذا الكلام الفاسد الباطل كانوا في نهاية الجهل وغاية الخلاف. ومثل هذه الحادثة ما روي عن جهلة العرب فقال أبو واقد الليثي: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حنين، فمررنا بالسدرة، فقلنا: أي رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط، وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة ويعكفون حولها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الله أكبر! هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجعل لنا إلها كما لهم آلهة﴾ إنكم تركبون سنن الذين من قبلكم» (الترمذي وأحمد).
(3) قوله تعالى: ﴿إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون﴾. قال الرازي في المدلول التربوي لهذه الحادثة مع بني إسرائيل: «قال الليث: التبار الهلاك. يقال: تبر الشيء يتبر تبارا والتتبير الإهلاك، ومنه قوله تعالى: (تَبَّرْنا تتبيرا) ويقال للذهب المنكسر المتفتت: التبر، فقوله: ﴿متبر ما هم فيه﴾ أي مهلك مدمر، وقوله: ﴿وباطل ما كَانوا يعملون﴾ قيل: البطلان عدم الشيء، إما بعدم ذاته أو بعدم فائدته ومقصوده، والمراد من بطلان عملهم أنه لا يعود عليهم من ذلك العمل نفع ولا دفع ضرر، وتحقيق القول في هذا الباب أن المقصود من العبادة أن تصير المواظبة على تلك الأعمال سببا لاستحكام ذكر الله تعالى في القلب حتى تصير تلك الروح سعيدة بحصول تلك المعرفة فيها، فإذا اشتغل الإنسان بعبادة غير الله تعالى تعلق قلبه بغير الله ويصير ذلك التعلق سببا لإعراض القلب عن ذكر الله تعالى، وإذا ظهر هذا التحقيق ظهر أن الاشتغال بعبادة غير الله متبر وباطل وضائع وسعي في تحصيل ضد هذا الشيء ونقيضه، لأنا بينا أن المقصود من العبادة رسوخ معرفة الله تعالى في القلب، والاشتغال بعبادة غير الله يزيل معرفة الله عن القلب، فكان هذا ضدا للغرض ونقيضا للمطلوب، والله أعلم... والأقرب أنهم طلبوا من موسى عليه السلام أن يعين لهم أصناما وتماثيل يتقربون بعبادتها إلى الله تعالى، وهذا القول هو الذي حكاه الله تعالى عن عبدة الأوثان حيث قالوا: ﴿ما نَعبدهم إِلا ليقَرّبونا إِلى الله زُلفَى﴾ [الزمر: 3]. إذا عرفت هذا فلقائل أن يقول: لم كان هذا القول كفرا؟ فنقول: أجمع كل الأنبياء عليهم السلام على أن عبادة غير الله تعالى كفر، سواء اعتقدوا في ذلك الغير كونه إلها للعالم أو اعتقدوا فيه أن عبادته تقربهم إلى الله تعالى، لأن العبادة نهاية التعظيم، ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه نهاية الإنعام والإكرام».
(4) قوله تعالى: ﴿قال: أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين﴾. فيه دلالة على أن المعبود يجب أن يكونا منعما على من يعبدونه، وهذا الربط بين الإنعام والطاعة والعبادة. وفيه دلالة على أنه تعالى فضل بني إسرائيل على عالمي زمانهم بأن اختصهم بالرسالة من بين كل الأقوام في زمانهم وكلفهم بتحرير الأرض المقدسة من الشرك والوثنية، وهذا التفضيل هو تفضيل تكليف وليس تفضيل جنس، فتفضيل الجنس على أساس اللون أو العرق أو اللغة أو الأرض محال على الله تعالى ولو كان تفضيلا مخصوصا وجزئيا ومحدودا.
(5) قوله تعالى: ﴿وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم﴾. تختلف هذه الآية عن مثيلتها في سورة البقرة بلفظين، فهناك قال (نجّيناكم) وهنا قال (أنجيناكم)، وهناك قال (يذبّحون) وهنا قال (يقتّلون)، ولكن الاختلاف الأهم هو اختلاف المناسبة التاريخية، فالآية في سورة البقرة كانت في زمن ولادة موسى عليه السلام، والآية في سورة الأعراف كانت بعد نجاة بني إسرائيل من الغرق وخروجهم من مصر وهلاك فرعون ومن معه. والتذكير بأهم نعمة في الحياة وهي نعمة الحياة يأتي في سياق الكلام على العلاقة بين العبادة والإنعام المذكورة في الآية السابقة التي ربطت بين الطاعة والنعمة. ومن المناسب هنا أن نذكر ما قاله القرطبي في تفسيره حول مصطلح (آل فرعون): «قوله تعالى: ﴿من آل فرعون﴾ آل فرعون هم قومه وأتباعه وأهل دينه. وكذلك آل الرسول صلى الله عليه وسلم من هو على دينه وملته في عصره وسائر الأعصار سواء كان نسيبا له أو لم يكن. ومن لم يكن على دينه وملته فليس من آله ولا من أهله وإن كان نسيبه وقريبه خلافا للرافضة حيث قالت: إن آل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة والحسن والحسين فقط. ودليلنا قوله تعالى ﴿وأغرقنا آل فرعون﴾ [البقرة: 50]، ﴿أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾ [غافر: 46]، أي: آل دينه، إذ لم يكن له ابن ولا بنت ولا أب ولا عم ولا أخ ولا عصبة. ولأنه لا خوف أن من ليس بمؤمن ولا موحد فإنه ليس من آل محمد وإن كان قريبا له، ولأجل هذا يقال: إن أبا لهب وأبا جهل ليسا من آله ولا من أهله وإن كان بينهما وبين النبي صلى الله عليه وسلم قرابة ولأجل هذا قال الله تعالى في ابن نوح ﴿إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح﴾ [هود: 46]. وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم جهارا غير سر يقول ألا إن آل أبي، يعني فلانا، ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين). وقالت طائفة: آل محمد أزواجه وذريته خاصة لحديث أبي حميد الساعدي أنهم قالوا: يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ قال: (قولوا اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) (رواه مسلم). وقالت طائفة من أهل العلم: الأهل معلوم، والآل الأتباع. والأول أصح».